كلما نظرنا للشعر نظرة عامة في عالم المُلك والحُكم وجدناه يرفع أقوامًا ويخفض آخرين، يصنع ملوكًا ويضع آخرين، وفي مجلسنا اليوم مشهدان معبران عن تَيْنِ السُّنة الجارية في الخلق، المشهد الأول يستدعي مراسم الأبَّهة والعظمة التي أُضْفِيَت على ربِّ القرطاس والقلم-كما وصف نفسه-:
فالخيلُ وَاللَّيْلُ والبيداءُ تعرفنِي ... والسيفُ وَالرُّمْحُ والقِرْطَاسُ والقلمُ
إنه المتنبي الذي لمع نجمه في الخافقين، ونال في مجلس سيف الدولة ما لم ينله أحدٌ غيره من الرفعة والتشريف والإجلال، إذ لم يبلغ أحد في مدح سيف الدولة مبلغه، اجتمع على توقير الرجل واحترامه الخلفاء والعلماء، ويحكى أن أبَا عَليٍّ الْفَارِسِي قَالَ لَهُ يَوْمًا: كم لنا من الجموع على وزن فِعْلى؟ فقَالَ المتنبي في الحال: حِجْلَي وظِرْبَي. فقَالَ أبو علي: فطالعت كتب اللُّغَة ثَلَاث لَيَال عَلى أَن أجد لهذين الجمعين ثَالثًا فَلم أجد. وحسبك مَنْ يَقُول أبو علي في حَقِّه هَذِه الْمقَالة.
وفي هذا المشهد يجتمع المتنبي وابن خالويه في مجلس سيف الدولة، ويمتدح المتنبي سيفَ الدولة ابن حمدان بقصيدة مطلعها:
وَفَاؤُكُما كَالرَّبْعِ أَشْجَاهُ طَاسِمُهْ
فكَّر ابن خالويه وقدَّرَ، ثم قال للمتنبي: يا أبا الطيب! إنما يقال: شَجَاه-قال ابن خالويه هذا متوهِّمًا أن المتنبي يقصد الفعل الماضي-فقال أبو الطيب: اسكت فما وصل الأمر إليك.
و إنما قصد أبو الطيب بقوله: "أشجاه"، أكثره شجًا-أفعل التفضيل- لا الفعل الماضي، فإن الرَّبْع كلما تقادم عهده كان أشجى لزائره وأشد لحزنه، إذا لا تسلية فيه ولا طرب.
ولا أرى المتنبي في هذا إلا منطلقًا من جنابه عند سيف الدولة ، ومكانته في صولجانه، فقد ازدرى ابن خالويه بتلك العبارة: "اسكت فما وصل الأمر إليك". يعني فما بلغك علم به، وكل هذا تحت سمع الملك وبصره، لكن سيف الدولة لم يفُهْ بِبنت شفة، ذلك أن الإعراب عند المتنبي فرع المعنى الذي يقصده، فما كان ينبغي لابن خالويه أن ينازعه شيئًا من مكنونات نواياه ومضمرات مقاصده حتى يتبين مراده، وقد كان المتنبي في سعة عن الاحتداد الشديد إلى هذه الحد، غير أن السياسة قد عركتهما في بلاط سيف الدولة مرات وتارات، حتى بلغ بابن خالويه أن شج وجه المتنبي بمفتاح حتى سال الدم من وجهه فخرج المتنبي غاضبًا من مجلس سيف الدولة.
وفي هذا المشهد يبدو لك ثَمَّ فطنةُ الملك في صمته، واندفاع الشاعر في ردِّه، واهتمام النحوي بالصنعة اللفظية.
أما المشهد الثاني فيحمل من الأسى ما يحمل ، ويضمر من الشجن ما يضمر، فإنه يسلط الضوء على رجل كان في الأمس القريب لسان الدولة والمتحدث الرسمي لها، ثم أصبح اليوم وقد تبدل به الحال وتقلبت به الأحوال، وصار وقد انصرمت عنه الدنيا بتوددها، وتكدر صفو العيش بها، وبات لا يطلب إلا أن يملك على نفسه دينه.
إنه الأصمعي صاحب المشهد الثاني نديم الخلفاء، وربيب الأمراء، ومؤنس الرشيد، وقد رُئِيَ بعد كل هذا يومًا عبوسًا راكبًا حمارًا دميمًا، فسأله سائل متعجِّبًا: بعد براذين الخلفاء تركب هذا؟! فقال الأصمعي متمثلًا تبدُّل حال الدنيا معه:
ولما أبَتْ إلا انصرامًا لوُدِّها ... وتكديرَها الشُّربَ الذي كان صافيا
شربنا برنقٍ مِنْ هواها مكَدَّرٍ ... وليس يَعَافُ الرنق مَنْ كان صاديا
ثم أعقب الأصمعي هذا التمثيل المرتوي بدموع الأسى والأسف قائلًا: هذا وأملك ديني أحب إليَّ من ذاك مع فقده.
وليس لي ملحظ في هذا المشهد هنا بين اللغة والسياسة، وإنما مأخذي هذا الذي اشتممته من كلام الرجل من مقاساة هذه الوحشة المضنية التي يعاني فيها بعد عز وإكبار وذكر قد استطار.
تلك عواقب الأمور في الحياة ومصائر المنازل والسلطات، لا شيء يبقى على حال، فدوام الحال من المحال.
د.مصطفى شعبان
فالخيلُ وَاللَّيْلُ والبيداءُ تعرفنِي ... والسيفُ وَالرُّمْحُ والقِرْطَاسُ والقلمُ
إنه المتنبي الذي لمع نجمه في الخافقين، ونال في مجلس سيف الدولة ما لم ينله أحدٌ غيره من الرفعة والتشريف والإجلال، إذ لم يبلغ أحد في مدح سيف الدولة مبلغه، اجتمع على توقير الرجل واحترامه الخلفاء والعلماء، ويحكى أن أبَا عَليٍّ الْفَارِسِي قَالَ لَهُ يَوْمًا: كم لنا من الجموع على وزن فِعْلى؟ فقَالَ المتنبي في الحال: حِجْلَي وظِرْبَي. فقَالَ أبو علي: فطالعت كتب اللُّغَة ثَلَاث لَيَال عَلى أَن أجد لهذين الجمعين ثَالثًا فَلم أجد. وحسبك مَنْ يَقُول أبو علي في حَقِّه هَذِه الْمقَالة.
وفي هذا المشهد يجتمع المتنبي وابن خالويه في مجلس سيف الدولة، ويمتدح المتنبي سيفَ الدولة ابن حمدان بقصيدة مطلعها:
وَفَاؤُكُما كَالرَّبْعِ أَشْجَاهُ طَاسِمُهْ
فكَّر ابن خالويه وقدَّرَ، ثم قال للمتنبي: يا أبا الطيب! إنما يقال: شَجَاه-قال ابن خالويه هذا متوهِّمًا أن المتنبي يقصد الفعل الماضي-فقال أبو الطيب: اسكت فما وصل الأمر إليك.
و إنما قصد أبو الطيب بقوله: "أشجاه"، أكثره شجًا-أفعل التفضيل- لا الفعل الماضي، فإن الرَّبْع كلما تقادم عهده كان أشجى لزائره وأشد لحزنه، إذا لا تسلية فيه ولا طرب.
ولا أرى المتنبي في هذا إلا منطلقًا من جنابه عند سيف الدولة ، ومكانته في صولجانه، فقد ازدرى ابن خالويه بتلك العبارة: "اسكت فما وصل الأمر إليك". يعني فما بلغك علم به، وكل هذا تحت سمع الملك وبصره، لكن سيف الدولة لم يفُهْ بِبنت شفة، ذلك أن الإعراب عند المتنبي فرع المعنى الذي يقصده، فما كان ينبغي لابن خالويه أن ينازعه شيئًا من مكنونات نواياه ومضمرات مقاصده حتى يتبين مراده، وقد كان المتنبي في سعة عن الاحتداد الشديد إلى هذه الحد، غير أن السياسة قد عركتهما في بلاط سيف الدولة مرات وتارات، حتى بلغ بابن خالويه أن شج وجه المتنبي بمفتاح حتى سال الدم من وجهه فخرج المتنبي غاضبًا من مجلس سيف الدولة.
وفي هذا المشهد يبدو لك ثَمَّ فطنةُ الملك في صمته، واندفاع الشاعر في ردِّه، واهتمام النحوي بالصنعة اللفظية.
أما المشهد الثاني فيحمل من الأسى ما يحمل ، ويضمر من الشجن ما يضمر، فإنه يسلط الضوء على رجل كان في الأمس القريب لسان الدولة والمتحدث الرسمي لها، ثم أصبح اليوم وقد تبدل به الحال وتقلبت به الأحوال، وصار وقد انصرمت عنه الدنيا بتوددها، وتكدر صفو العيش بها، وبات لا يطلب إلا أن يملك على نفسه دينه.
إنه الأصمعي صاحب المشهد الثاني نديم الخلفاء، وربيب الأمراء، ومؤنس الرشيد، وقد رُئِيَ بعد كل هذا يومًا عبوسًا راكبًا حمارًا دميمًا، فسأله سائل متعجِّبًا: بعد براذين الخلفاء تركب هذا؟! فقال الأصمعي متمثلًا تبدُّل حال الدنيا معه:
ولما أبَتْ إلا انصرامًا لوُدِّها ... وتكديرَها الشُّربَ الذي كان صافيا
شربنا برنقٍ مِنْ هواها مكَدَّرٍ ... وليس يَعَافُ الرنق مَنْ كان صاديا
ثم أعقب الأصمعي هذا التمثيل المرتوي بدموع الأسى والأسف قائلًا: هذا وأملك ديني أحب إليَّ من ذاك مع فقده.
وليس لي ملحظ في هذا المشهد هنا بين اللغة والسياسة، وإنما مأخذي هذا الذي اشتممته من كلام الرجل من مقاساة هذه الوحشة المضنية التي يعاني فيها بعد عز وإكبار وذكر قد استطار.
تلك عواقب الأمور في الحياة ومصائر المنازل والسلطات، لا شيء يبقى على حال، فدوام الحال من المحال.
د.مصطفى شعبان
