د. رياض السواد
أستاذ اللغة والنحو المساعد في جامعة ذي قار- العراق
ryalsawad@yahoo.ca
مقدمة:
تناول النحاة ظاهرة الكف عن العمل في ضوء ما يمليه عليهم المنهج الشكلي الذي بني عليه النحو العربي ورسمت معالمه واضحة عند سيبويه ومن جاء بعده من النحاة . فإنّ وأخواتها تنصب الأول اسما لها وترفع الثاني خبرا لها . وحروف الجر تدخل على الأسماء أو قل تجر معاني الأفعال أو المشتق المحمول على الفعل إلى الأسماء التي تليها . وكذا الحال في أفعال من نحو (قلّ وكثر وطال) فالفعل لا يسند إلى فعل بل يسند إلى فاعل يليه ، فإذا ما رأى النحوي زوال القوالب المتقدمة وتغير سماتها بحث عن الأسباب التي جعلت القالب المذكور على الهيأة الجديدة وترك البحث عن المعاني المستحصلة عن التغير الجديد.
وقد حاول هذا البحث الموسوم بـ(ظاهرة الكف عن العمل في النحو العربي) أن يعرض للظاهرة المذكورة من خلال المصطلح واضطراب التحديد ومظاهر الشكل والمضمون وبناء الجملة مع الكافة أو المهيئة ، ليتوصل بعد ذلك إلى جملة من النتائج جعلت في الخاتمة .
وللوصول إلى الغاية المرجوة حاول البحث أن يعتمد جملة من المصادر توزعت على كتب النحو والبلاغة والتفسير . أماّ كتب النحو فقد حاولت الإفادة منها بتتبع الرؤية النحوية لمادة الكف عن العمل وأمّا كتب البلاغة والتفسير فقد أفادت البحث في بيان المعنى المؤدى من التراكيب اللغوية المعتمدة . أسأل الله سبحانه أن يوفقني للصواب
المبحث الأول: المصطلح واضطراب التحديد
جاء في اللسان : " وكف الرجل عن الأمر يكفه كفا وكفكفه فكف واكتف وتكفف . الليث : كففت فلانا عن السوء . فكف يكف كفا سواء لفظ اللازم والمجاوز " (1) . ويلاحظ أن المعنى اللغوي لمــادة ( كف ) هو المنع .أما مادة ( هيأ ) التي منها ( المهيئة ) فقد ذكر الجوهري ما نصه : " هئت للأمر أهيء هيئة وتهيأت تهيؤا بمعنى . قال الأخفش :قرأ بعضهم : " وقالت هئت لك " بالكسر والهمز مثال : هعت ، بمعنى تهيأت لك " (2) . أما في الاصطلاح فيراد بالكافة أو المهيئة أن تدخل ( ما ) وما حمل عليها من أدوات على بعض الأدوات والأفعال فتكفها عن العمل المحدد لها وتهيؤها للدخول على مالا يجوز لها أن تدخــل عليه (3)
ولو رجعنا إلى تحديد النحاة للكافة أو المهيئة لظهر لنا الاضطراب واضحا كما هو مبين فــي أدناه :
1. استعمل سيبويه مصطلح ( الكف ) للدلالة على النون المحذوفة التي تحذف عند الإضافة إذا ما اتصلت بمثنى أو جمع من نحو : " والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة " فإذا ما حذفت النون أو كففتها على حد تعبير سيبويه قلت : ( المقيمي الصلاة ) .قال :" فإن كففت النون جررت وصار الاسم داخلا في الجار وبدلا من النون لأن النون لا تعاقب الألف واللام ولم تدخل على الاسم بعد أن ثبتت فيه الألف واللام ؛ لأنه لا يكون واحدا معروفا ثم يثنى ، فالتنوين قبل الألف واللام ؛ لأن المعرفة بعد النكرة ، فالنون مكفوفة "(4). هذا من جهة ومن جهة أخرى فانه يكثر من استعمال مصطلح الإلغاء أو اللغو مع الأدوات التي تتصل بها (ما ) الكافــة أو المهيئة (5).
2. أما عند المبرد فيتضح الأمر أكثر سيما انه استعمل مصطلح ( المهيئة ) للدلالة على إفادة (ما ) ـ إذا ما دخلت على بعض الأدوات أو الأفعال ـ التهيئة لدخولها على ما بعدها ، جاء في المقتضب : " وكذلك (رب ) تقول " رب رجل ولا تقول " رب يقوم زيد فإذا ألحقت (ما ) هيأتها للأفعال فقلت " ربما يقوم زيد "(6).أما (ما ) التي تدخل على إن وأخواتها في حال جاء بعدها اسم مرفوع من نحو " إنما زيد أخوك ، فيشير إلى أن (ما ) منعت إن من العمل ولم يسمها الكــافة (7). والواضح من ذلك أنه ( المبرد )يفرق بين المواضع التي تأتي بها (ما ) مهيئة والمواضع التي تأتي بها مانعة من العمل على حد اصطلاحه .
3. وأما الفارسي ومن خلال التمثيل الذي أورده لا يفرق بين الكافة والمهيئة فالكافة عنده هي الداخلة على الجملة الاسمية والجملة الفعليــة، فـ( ما ) فـي: (( إنما أنت منذر ))(8) كافة لـ(إن) و(ما) في (( كأنما يساقون إلى الموت ))(9) كافة لـ(إن) أيضا . وأشار في موضع آخر إلى أن (ما) الداخلة على إن تكفها عن عمل النصب فقط (10).
والظاهر من ذلك انه يساند أستاذه الرماني في هذه المسألة إذ خلط الرماني بين الكـافة والمهيأة ، جاء في إحدى رسائله " وكافة ( يريد ما ) كقوله عز وجل " إنما الله اله واحد(11) ..... وربما يود الذين كفروا(12). ومنه قول الشاعر "
أعلاقة أم الوليد بعدمــــا أفنان رأســــك كالثغام المخلس (13)
ومن خلال الشواهد التي عرضتها للمادة المذكورة يلاحظ انه استعمل (إنما).مع الجملة الاسمية وهي: (( الله اله واحد )) وربما التي هي حرف من حروف الجر مع الجملة الفعلية وهي : ((ربما يود الذين كفروا)). ويمكن أن نحمل على الموقف المتقدم موقف الجر جاني في المقتصد(14).
4. ذكر ابن جني في الخصائص أن "(ما) دخلت على (قل ) كافة لها عن عملها مثل (كثر ما) و(طالما ) ؛ فكما دخلت (ما ) على الفعل نفسه فكفته عن عمله وهيأته لغير ما كان قبلها متقاضيا له ، كذلك تكون (ما ) كافة لليت عن عملها ومغيرة لها إلى جواز وقوع الجملتين جميعا بعدها )) (15).
ويظهر من قوله المتقدم :
أ - أن الكافة عنده هي المهيأة ولا فرق بينهما ، وقد يصطلـح عليـها مـرة أخــرى ( المغيرة ).
ب - الكف عن العمل في (طال ) و( كثر ) و( قل ) أنما هو كف عن العمل فيما يقع بعدها وليس كفا عن الفاعل ، على ما سيأتي ذكره في الصفحات القادمة .
حـ - (ليت ) التي هي من الحروف المشبهة بالفعل تكف عن العمل أيضا إذا ما دخلت عليهـا (ما ) ، وهو خلاف ما ذهب إليه بعض النحاة (16).
5 ـ فرق البطليوسي بين ( ما ) الكافة والمسلطة قال :" ومنها (ما ) التي تدخل على مالا يعمل فتوجب له العمل وتسمى المسلطة وهي ضد الكافـة ، وهي التي تلحـق(حيث ) و( إذ ) في قولك : حيثما تكن أكن وإذ ما تأتني أكرمك ؛ لأن حيث وإذ لاشترط بهما حتى تضاف إليهمـا (ما ) . قال الشاعر :
حيثمــا تستقــم يقـــدر لك الله نجاحــا في غابـــر الأزمــــان (17)
وقال الآخر :
إذ ما تريني اليوم فرجـــي ظعينمتي أصعـد سيــرا في البــلاد وأقزع
فأني من قـوم سواكــم وإنما رجالي فهم فـي الحجـاز وأشجـــع (18)
وهو عين الرأي الذي قال به الرماني في رسائله إذ فرق بين الكافة والمسلطة ولكنه جعل من المسلطة ما دخل على حيث وإذا ولم يذكر (إذ ) بين ما ذكر .
في حين انا لو أخذنـا إلـى ما ذكــره ابن عصفور مثـــلا لوجدنا أنــه يعـــد ( ما )الداخلة علـــى ( حيث ) و (إذ ) في تركيب : حيثما وإذما ، كافـــة عن العمل ؛ لأنهما من الظروف الملازمة للإضافة فإذا ما اتصلت بهما ( ما ) كفتهما عن هذه الملازمة وتأتي عوضا عن الإضافة (19).
6 - جوز العكبري في إملاء ما من به الرحمن دخول ( ما ) الكافة على أن التي عدها مصدرية في قوله تعالى " أنما إلهكم "(20) قال :" أن هنا مصدريـة ولا يمنع من دخول ( ما ) الكافــة عليها "(21).
والواضح من ذلك أن مسألة الكف عن العمل عند العكبري أوسع مما هي عليه عند النحاة من حيث أنها يمكن أن تشمل الأدوات المتفق عليها بين النحاة كـ(إن) وأخواتها وبعض حروف الجر ويمكن أن تشمل ما عد مصدريا من الأدوات خلافــا للمعتاد إذ أن (أن ) في الآية المشار إليها سابقا تفيد التوكيد لا المصدر وإن كانت لا تقع ابتداء كأختها مكسورة الهمزة .
7 - فصل المالقي بين الكافة التي اصطلح عليها ( المغيرة ) والمهيئــة التي اصطلح عليـــها ( الموطئة ) إذ جعل المغيرة خاصة بـ(إن)وأخواتها والأدوات المكفوفة في حال جاء بعدها اسم أو جملة اسمية باصطلاح آخـر ، والموطئة الداخلــة علـى ( إن وأخواتها ) والأدوات المكفوفة في حال جاء بعدها جملة فعلية .
جاء في رصف المباني " القسم الثالث : المغيرة بالكف عن العمل وتسمى الكافة وهي اللاحقة لـ( إن و أن وليت ولعل ورب وبين ) هذه الحروف كلها أصلها العمل فيما بعدها .. فإذا دخلت (ما ) عليها كفتها عن العمل من نصب ورفع وخفض "(22).
ويلاحظ على ذلك أن ( ما ) تعد كافة عنده في حال دخلت على الأدوات المذكورة دون سواها بمعنى أن عدة المكفوف عن العمل لا تتجاوز ( إن وأن وليت ولعل ورب وبين ). وفي نص آخر ذكر القسم الرابع وهو الموطئة :" وهي الداخلة على (إن وأن وكأن ولكن ولعل ورب ) المذكورات إذا دخل شيء من ذلك على الفعل ؛ لأنه عامل في الأسماء ... .

تعليق