اللغة في قصور الخلفاء(3)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    اللغة في قصور الخلفاء(3)

    إن حلاوة الظَّفر قد تُذْهِبُ التَّحَفُّظَ...
    نعم، قد يغرق الظافر في نشوة نصره وينغمس في حلاوة نصره بلا رَيْثٍ ولا تُؤَدَةٍ، فيظن أنه نَبْعةُ أَرُومَتِهِ، وبيضةُ بلده، وزعيمُ قومه، وقريعُ أهله، وربما لو اتَّأدَ وتمهَّل لتبين له أن خطأه كان أقرب من صوابه، وأن دَحْضَ قوله ورَدَّ حُجَّتِهِ على طَرَف الثُّمام، وربما يكون مصيبًا لكن صُرعته في الجواب، وسُرعته في الغِلاب قد تخرجه عن مَحْسَنةِ الآداب ومَعْدَلَةِ الصواب، فلا يكْسِبُ من تسرُّعه إلا مقت الناس وازدراءهم له.
    وهنا ننصح كل غالب وظافر بالتريُّث والتمهل وعدم التسارع إلى الفرح والتسابق إلى المرح فإن الله لا يحب الفرحين، وربما يتردى في الهاوية وهو يحسب أنه قد أحسن صُنعًا، فياأيها الحزبيون والقوميون والاشتراكيون والرأسماليون والدينيون ارْبِعُوا على أنفسكم؛ فإن بدر الأمس مُحَاقُ اليوم، وإن ربيع اليوم خريف الغد...
    وفي بهو اليوم تأتيك صورة تنبئك أن فتنة الجواب بالصواب بقصد المغالبة أشدُّ فتنة من فتنة المال...وتسمع تلك العبارة من عالم بارع فتعرفُ أن الإنصاف قد صار جوهرًا عزيزًا في أيامنا...تلك العبارة الرشيقة اللطيفة تسمعها:( إن حلاوة الظفر أذهبت عني التحفظ) فترِقُّ لها، وتصغي لجَرْسِها وشكلها، فكأنما وُزِنتْ بميزان، فتجد الثلاثية الشفوية (الواو والباء والفاء)، والسداسية اللسانية (التاء والراء والذال واللام والنون والياء)، والرباعية الحلقية (الهمزة والهاء والعين والحاء) لتُظْهِرَ نبرةً قويةً من الفصاحة، وتكرر(تاء) الهمس والاستفال مع تكرر حرف الجهر والاستعلاء(الظاء) في مقامٍ يضع النفس من علوها إلى منزلة أدنى، يُبْرز صورة مبهرة في الانتصار على الأنا، والانتصاف من النفس.
    صاحب العبارة هو العلامة اللغوي أبو محمد اليزيدي وقد حضر في مجلس الخليفة هارون الرشيد، وفي الجهة المقابلة له الشيخ الكسائي، وفي محضر الجلسة كان الوزير يحيى بن خالد البرمكي.
    بدأت المناظرة بسؤال اليزيدي الكسائيَّ عن قول الشاعر:
    ما رأينا خَرَبًا نقَّ ... ر عنه البيضَ صَــقْرُ
    لا يكون العَيْرُ مُهرًا ... لا يكونُ، المهر مهرُ (1)
    فقال الكسائي: يجب أن يكون " مهر " منصوبًا على أنه خبر كان، ففي البيت على هذا التقدير إقواء.
    فقال اليزيدي: الشعر صواب لأن الكلام قد تم عند قوله " لا يكونُ " الثانية، وهي مؤكدة للأولى، ثم استأنف الكلام، فقال " المهرُ مهرُ " على الاستئناف جملة من مبتدأ وخبر، وضرب بقلنسوته الأرض، وقال: أنا أبو محمد.
    فقال له يحيى بن خالد البرمكي: أتكتني بحضرة أمير المؤمنين وتكشف رأسك؟! والله إن خطأ الكسائي مع حُسن أدبه لأحبُّ إلينا من صوابك مع سوء أدبك.
    فقال اليزيدي: إن حلاوة الظفر أذهبت عني التحفظ.
    وثَمَّةَ نُسائل الوزير الموقَّر البرمكي: متى كانت التكنية أمرًا معيبًا مستهجنًا في محضر الخلفاء والملوك؟!... هل ساءك تكَنِّي اليزيدي في مجلس ملكك أم أحزنك ظَفَرُهُ على الكسائي؟!
    يبدو أن إِحَنًا ما كانت بين اليزيدي والبرامكة، أو قل إن شئت بين البرامكة والنحو البصري، فالكوفة كانت محضن مؤدبي خلفاء بني العباس، واليزيدي نحوي بصري، أو قل إن شئت: أراد يحيى البرمكي أن يتزلف للخليفة بانتصاره للنحوي المقرب من قصور الخلفاء وبلاط الساسة، فقد كان الكسائي يعلم الرشيد في الكوفة ثم الأمين من بعده، والكل يعلم تلكم الحادثة التي دبرها البرامكة لسيبويه يوم قَدِم عليهم وطلب مناظرة الكسائي، واحتدم النزاع بينهما في المناظرة الزنبورية(2) ، فرجَّح الوزير يحيى البرمكي أيضًا جانب الكسائي عندما قَبِلَ تحكيمه لبعض الأعراب الموالين للكسائي(3) .
    يقول الشيخ علي طنطاوي: ويرى جمهرة العلماء أن إصبع السياسة لعبت دورًا كبيرًا في هذه الحادثة الخطيرة، لأنها حكم بين البلدين-يعني البصرة والكوفة- لا بين الرجلين، وما وافقت العربُ الكسائيَّ إلا لعلمهم أنه ذو حُظْوَةٍ عند الرشيد وحاشيته، وهم على يقين من أن الحق مع سيبويه، على أنه روي أنهم قالوا: القول قول الكسائي بإيعاز رجال الدولة ولم ينطقوا بالنصب؛ إذ لا تطاوعهم ألسنتهم، ولذا طلب سيبويه أمرهم بالنطق بها لكنه لم يستمع له(4) .
    وفي مشهد اليوم ما كان على اليزيدي من بأس عندما اكتنى بحضرة الخليفة، لكنَّ قواعد الإنصاف تشهد أن ما فعله الرجل من ضربه الأرض بقلنسوته أمر غير محمود الأدب، لكنه استدرك على نفسه وانتصف لمجلس الخليفة منها عندما قال عبارته: إن حلاوة الظفر أذهبت عني التحفظ.
    وفي مشهد اليوم ترى كيف يُبدي الوزير صَفْحَتَه ويحسِر لِثَامَه ويكشف عن قناعه حين انفعل البرمكي على اليزيدي، وهو يعلم أن غلبته على الكسائي مُحْزِنةٌ للرشيد وبطانته، فلم ينطلق من محض علم بالحقِّ، بل عصبيةً لمَلِكِهِ وحَمِيَّةً لسلطته، ويبدو لك أيضًا أن الكسائي لئن ظفر بسيبويه في زنبوريته ظلمًا لقد ثُئِرَ له منه على يد اليزيدي في بهو اليوم، الأمر الذي أشعل حفيظة الوزير.
    وفي مشهد اليوم أيضًا يجلو لك كيف تصنع سياسة الملك بالمذاهب والعقائد، فقد يعلو سلطان مذهب أو اعتقاد في زمن من الأزمان وعصر من الأعصار ودولة من الدول لا لأنه الحق في الواقع ونفس الأمر، بل لكونه مذهب الخليفة المسيطر أو وزيره المهيمن أو حاشيته الناخبة الموالية، فللسياسة مذاهبها المفضلة، وأراؤها المدللة، ورجالها المكللة.
    فلا تغتر بكثرة المفتخرين بمذاهبهم فرُبَّ عقيدةٍ مبثوثةٍ وراءَها سياسةٌ مدسوسةٌ.
    مصطفى شعبان
    ______________________________

    (1)الخرب: بفتح الخاء المعجمة والراء وفي آخرها الباء الموحدة، الذكر من الحبارى، والعير: بفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء، وهو الذكر من حمر الوحش.
    (2) الحكاية مذكورة بتمامها في الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري(2/703).
    (3) ويقال: إن هؤلاء الأعراب رُشُوا فوافقوا الكسائي، وقيل: تملقوه إرضاء للوزير، ولم ينطقوا بالنصب وإنما قالوا: القول قول الكسائي.
    وقد ختم ابن الشجري هذا المجلس بأن الكسائي "إنما قصد سؤاله عما علم أنه لا وجه له في العربية، واتفق هو والفراء على ذلك؛ ليخالفه سيبويه فيكون الرجوع إلى السماع، فيقطع المجلس عن النظر والقياس" أمالي ابن الشجري 1/ 206.
    (4) نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة52-53.



يعمل...