مسائل خلافية بين الفارسي وابن جني
الباحث: هيثم الثوابية
قسم اللغه العربيه الجامعه الألمانية الأردنية
المصدر: دراسات - العلوم الإنسانية والاجتماعية -الأردن، مج41.
تاريخ النشر: 2014
ملخص
يهدف هذا البحث إلى الكشف عن بعض المسائل الخلافية بين أبي علي الفارسي وابن جني، حيث كان الثاني منهما تلميذا للأول، وقد سعى إلى ذلك من خلال تقسيم تلك المسائل المختلف فيها إلى مسائل صوتية وصرفية ونحوية ولغوية ثم تَبَيّنِ آراء كلا العالمين في تلك المسائل والترجيح بين الرأيين إن أمكن ذلك. وقد خلص البحث إلى أن العلاقة الوشيجة بين الشيخ وتلميذه لم تمنع التلميذ من مخالفة آراء شيخه – مخالفة أدبية - في بعض المسائل الصوتية والصرفية والنحوية واللغوية، وقد كانت مخالفاته في بعض الأحيان أقرب إلى الصواب وفي بعضها الآخر غير صائبة.
الكلمات الدالة: الفارسي، المسائل الخلافية، ابن جني.
المقدمة
لقد نشأ المذهب البصري النّحوي الذي كان أسبق في الظهور بقرن من الزمن من المذهب الكوفي النحوي المنصرف عن النّحو إلى رواية الأشعار والأخبار. ولعل هذا السبق في ميدان النّحو أتاح للبصرة أن تجتذب رجال الكوفة للأخذ عن علمائها، لا سيما أن الاتصالات بينهما كانت في أوجها، فقد كان لهما فضل تأسيس النّحو وتطوّره. ليس هذا فحسب، بل إن تطوره يرجع إلى ما كان بين المذهبين من تنافس شريف شديد.
وقد تطوّر هذا التنافس إلى درجة الخلاف حول كثير من مباحث العربيّة، بعد أن سلك النّحويون في البصرة والكوفة مسلكا خاصّا يعتدون به في أساليب البحث النّحويّ، حتى أصبح لكلّ منهم مذهب خاص به. وبالرغم من ذلك فإن المذهب الكوفي لا يختلف والمذهب البصريّ في أصول النحو، لأنه أسس نحوه على ما أسسه المذهب البصري.
ثمّ ظهرت بغداد في ساحة المنافسة في جذب علماء النّحو من الاتّجاهات كافّة، بعد أن أصبحت حاضرة العالم الإسلامي، فنسمع اسم البغداديين كثيراً في القرن الرابع الهجري بإزاء الكوفيّين والبصريّين. وهم يريدون بهم جماعة من الدّارسين يمثّلون مذهباً خاصّاً لا هو بالبصريّ ولا هو بالكوفيّ، وإنّما هو مذهبٌ يقومُ على الانتخاب من كليهما. وقد أدّى ذلك إلى تراجع التّعصّب للمذهب البصريّ والكوفيّ، وظهرت طبقة جديدة من النحّاة، تعتمد مبدأ الانتخاب من آراء علماء المذهبين. ومن هؤلاء النحاة أبو علي الفارسيّ وابن جني. فمن أبو علي الفارسي ؟ ومن ابن جني ؟
أبو علي الفارسي
هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن سليمان الفارسيّ، أبو عليّ الفارسيّ النّحوي الإمام المشهور، ولد ببلدة فسا ونشأ فيها. وكان ميلاده فيها عام (288 هـ) في أواخر أيام المعتضد، لأبٍ فارسيّ، وأمٍّ عربيّة سدوسية، من سدوس شيبان الذين هاجروا إلى فارس، توفّي الفارسيّ عام (377هـ)عن تسع وثمانين سنة([1]).
وبين الولادة والوفاة حياة حافلة بالتّحصيل والانتقال والدّرس والتصانيف. والظاهر أنّ أبا عليّ لم يتزوّج ولم ينجب، وظهر ذلك من وصف ابن جنّي له بـ خلوِّ سربه وسروح فكره وخلوّه بنفسه، وإنّما وقف حياته على العلم لا يعتاقُه عنه ولد، ولا يعارضُه فيه مَتجر([2]).
وقد تلقّى أبو عليّ ثقافته الأولى في مسقط رأسه (فسا)، فحصل فيها على المبادئ الأولى للدارس من حفظ القرآن والحديث والفقه وبعض شعر العرب. فلمّا انتقل الفارسيّ إلى بغداد، وأقام في بلاط المعتضد التقى أعلام العلماء الذين ملأت شهرتهم الآفاق([3]).
وقد كانت حياته حركة مستمرة، وعلماً متّصلاً انطلق في طلب العلم تدفعه إليه الرّغبة الجّامحة والجدّ والقريحة الصافية حتى ضارع أئمّة عصره، وتدلّ أسماء مسائله على تنقله، وترحاله في سبيل طلب العلم. ونال ما كان يرجوه فارتفع شأنه، وتصدّر مجالس العلم والتّدريس، فقد عاصر الفارسيّ الرماني والسيرافيّ، وابن السراج والزّجاجيّ، وغيرهم، وكان واحداً منهم، وربّما تفوّق عليهم علماً وشهرة ([4]).
غير أنّ الفارسيّ لم يكتفِ بما سمع من هؤلاء فحسب، وإنّما اطّلع على مؤلّفات سابقيه التي استفاد منها كثيراً كـ سيبويه، والأخفش الأوسط، والكسائيّ، والفرّاء، والمازني، والمبرّد... وغيرهم ممن اشتهروا في النّحو وعلا ذكرهم. وأبو عليّ باتصاله بهؤلاء الأئمّة وأخذه عنهم، واطّلاعه على كتبهم، استطاع عن جدارة أن يكون من أئمّة العربيّة، ومن أغزرهم مادّة وأوسعهم اطّلاعاً، حيث أثنى تلامذته ومترجمو حياته عليه ثناءً جَمّاً متنوّع العبارة، يكاد لم يحظَ به أحد من نحّاة القرن الرابع الهجري، فكانوا يقرنونه بسيبويه، ويفضّلونه على المبرّد فهو أستاذ عصره، ومتقدّم أهلِ الصّنعة في زمانه، وأنحى من جاء بعد سيبويه.([5])
ولأبي علي الفارسي العديد من المؤلفات، ومنها الإغفال، والإيضاح العضدي، والتّكملة، والبصريّات، والمسائل البغداديات، والمسائل الحلبيات، والمسائل الشيرازيات، والمسائل العسكريات، والمسائل العضديات، والمسائل المنثورة، والتعليقة على كتاب سيبويه، والحجّة في علل القراءات السبع، وكتاب الشعر، ومقاييس المقصور والممدود، والتّذكرة، والقصريات، وأبيات المعاني، والتّتبع لكلام أبي عليّ في التفسير، والترجمة، والدمشقيّة، ونقض الهاذور، والذهبيات، وشرح الأسماء والصّفات، والعوامل المئة، والكرمانيّة، والمجلسيّات.
ابن جني ([6])
هو أبو الفتح عثمان بن جِنّي الموصلي النحوي اللغوي، من أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف، وصاحب التصانيف الفائقة المتداولة في اللغة. ولم تذكر المصادر التاريخية وكتب التراجم نسبا له بعد جني؛ إذ إن أباه (جني) كان عبدا روميا مملوكا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي، ولم يُعرف عنه شيء قبل مجيئه الموصل.
وكانت ولادة ابن جني بالموصل، وفيها قضى طفولته وتلقى دروسه الأولى، وذكرت المصادر التي ترجمت له أنه ولد قبل سنة ثلاثين وثلاثمائة، وقد أقام ابن جني بعد الموصل ببغداد، وظل يدرس بها العلم إلى أن توفي، وكان له من الولد: علي وعالٍ وعلاء، وكلهم أدباء فضلاء.
وقد أخذ ابن جني عن أحمد بن محمد المعروف بالأخفش، ومحمد بن الحسن المعروف بابن مقسم، وسمع كذلك من ثعلب، إلا أن الفارسي يعد أهم شخصية علمية أثرت تأثيرا بالغا في تكوينه، فقد أخذ عن أبي علي الفارسي مدة أربعين سنة بعد سنة 337هـ ([7]).
ولم يكن ابن جني إماما في النحو والصرف فحسب، ولم يكن من العلماء الذين يقتصرون على مجالس العلم والتعليم، أو حتى التأليف، إنما كان ابن جني كمن يريد أن يمتلك نواصي اللغة، فهو إلى جانب ما سبق يعد من أئمة الأدب، جمع إتقان العلم إلى ظرف أهل الكتابة والشعر، وهو الأمر الذي جعل الثعالبي ينعته في يتيمة الدهر بقوله: "إليه انتهت الرياسة في الأدب" ([8]).
وما إن يذكر ابن جني حتى يشرد الذهن عفو الخاطر إلى كتابه الشهير "الخصائص"، وبالمثل إذا كان الحديث عن "الخصائص" فإنه يذهب إلى ابن جني، وهو كتاب في أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه، احتذى ابن جني في مباحثه النحوية منهج الحنفية في أصول الفقه، وقد بناه على اثنين وستين ومائة باب، تبدأ بباب القول على الفصل بين الكلام والقول، وتنتهي بباب في المستحيل وصحة قياس الفروع على فساد الأصول، وقد أهداه لبهاء الدولة البويهي، الذي ولي السلطنة من سنة تسع وسبعين وثلاثمائة إلى ثلاث وأربعمائة من الهجرة، وذلك بعد وفاة أستاذه أبي علي الفارسي (ت377هـ)([9]).
ومن مؤلفاته التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله السكري، وسر صناعة الإعراب، وتفسير تصريف المازني، وشرح المقصور والممدود لابن السكيت، وتعاقب العربية، وتفسير ديوان المتنبي الكبير، ويسمى الفسْر، وتفسير معاني ديوان المتنبي، وهو شرح ديوان المتنبي الصغير، واللمع في العربية، ومختصر التصريف المشهور بالتصريف الملوكي، ومختصر العروض والقوافي، والألفاظ المهموزة، وتفسير المذكر والمؤنث... ([10])
العلاقة بين أبي علي الفارسي (الشيخ) وابن جني (التلميذ)
ومن اللزام علينا هنا أن نشير إلى أن ابن جني لم يكن ذاك التلميذ العاق لشيخه أبي علي الفارسي، فالعلاقة العلمية بينهما سببها مسألة صرفية (قلب الواو ألفا)، وقد أوردها الأنباري قائلا: " أخذ عن أبي علي الفارسي، وصحبه أربعين سنة. وكان سبب صحبته إياه، أن أبا علي الفارسي كان قد سافر إلى الموصل، فدخل إلى الجامع فوجد أبا الفتح عثمان بن جني يقرئ النحو وهو شاب، وكان بين بيديه متعلم وهو يكلمه في قلب الواو ألفا، قام وقال، فاعترض عليه أبو علي فوجده مقصرا، فقال له أبو علي: " زببت قبل أن تحصرم "، ثم قام أبو علي ولم يعرفه ابن جني، وسأل عنه فقيل له: هو أبو علي الفارسي النحوي، فأخذ بطلبه... " ([11]).
وقد كانت العلاقة بين التلميذ والفارسي علاقة وثيقة، فابن جني كثيرا ما كان يثني على أبي علي في موضوعات كثيرة من كتبه، فنراه يصفه بالعلم والنباهة عند ارتضائه قصيدة أبي الطيب المتنبي الميمية، بقوله: " لأن أبا علي مع جلالة قدره في العلم ونباهة محله واقتدائه بسنة أهل الفضل من قبله لم يكن ليطلق هذا القول عليه إلا وهو مستحق له عنده " ([12]).
وقد كان له الشيخ الفاضل والأستاذ المبجل، وظهر ذلك من خلال كتبه، فيقول في ذلك: " فهذه أحكام تصريف هذه اللفظة ولست أعرف أحدا من أصحابنا خاض فيها إلى ههنا ولا قارب هذا الموضع أيضا بل رأيت أبا علي، وقد نشم فيها شيئا من القول يسيرا لم يستوف الحال فيه ولا طار بهذه الجهة وإن كان بحمد الله والاعتراف له الشيخ الفاضل والأستاذ المبجل ولو لم يتضمن هذا الكتاب من الكلام على الدقيق أكثر من هذه المسألة لكانت بحمد الله جمالا له ومحسنة حاله. ([13]).
وأما أبو علي فكان حبه واعتزازه بابن جني واضحا، فهو يحترم رأي تلميذه ويدونه ويعتز به، ولا أدل على ذلك من أن ابن جني يقول: " وقلت مرة لأبي علي رحمه الله: قد حضرني شيء في علة الإتباع في نِقيِذ وإن عرِى أن تكون عينه حلقيه وهو قرب القاف من الخاء والغين فكما جاء عنهم النخير والرغيف، كذلك جاء عنهم النقيذ فجاز أن تشبَّه القاف لقربها من حروف الحلق بها كما شبَّه من أخفى النون عند الخاء والغين إياهما بحروف الفم، فالنقيذ في الإتباع كالمُنْخُل والمُنْغِل فيمن أخفى النون فرِضية وتقبَّله ثم رأيته وقد أثبته فيما بعد بخطّه في تذِكرته " ([14]).
وبالرغم من تلك العلاقة الوثيقة بين الشيخ وتلميذه، فإن ذاك لا يحول دون وقوع الخلاف بينهما في بعض المسائل، فالتقويم العلمي سمة ظاهرة عند أهل الصنعة؛ لأنهما ما انفكا يقومان النتاج العلمي فيضعان أيديهما على الهفوات ويصححانها ويقومانها. ومن الطبيعي أن يحصل التقويم بين العلماء أنفسهم، ولا سيما بين التلميذ وشيخه، فهذا التلميذ – ابن جني – أصبح شيخا مؤهلا لتقويم نتاج شيخه بعد أن استوعب ما أملاه أبو علي عليه، فتقويمه لشيخه نجده مبثوثا بين كتبه، وقد جاء ذلك كله على هيئة مسائل خلافية بين العالمين الجليلين.
المسائل الخلافية بين أبي علي الفارسي وابن جني
لقد كان ابن جني يميل إلى آراء شيخه الفارسي في كثير من المسائل المختلفة، غير أن ذلك لا يعني أنه كان يقلد شيخه تقليدا أعمى، فهو يعتمد الدّليل، ويستخدم المنطق، ويتبين الحجّة والبرهان، ولا أدلّ على ذلك من أنّ ابن جني خالف الفارسيّ عندما لم يرَ في رأيه القوة والبرهان الدافعين إلى التبعيّة، فهو لا يقبل الرأي إلاّ بعد تمحيص وتدقيق وبحث ومناقشة، فإذا صحّ هذا الرأي في نظره قبله أيّاً كان مصدره، وإذا لم يصحّ مِن وجهة نظره رفضه. فهو لا يتقيّد بمذهب معين، ولا يعتدّ بعالم معيّن بحيث لا تناقش آراؤه.
وبعد قراءة جهد ابن جني وجدنا العديد من الآراء النحوية والصوتية والصرفية واللغوية التي خالف فيها أستاذه أبا علي الفارسي، وسندرجها تحت المطالب الآتية: الصوت، والصرف، والنحو، واللغة:
الباحث: هيثم الثوابية
قسم اللغه العربيه الجامعه الألمانية الأردنية
المصدر: دراسات - العلوم الإنسانية والاجتماعية -الأردن، مج41.
تاريخ النشر: 2014
ملخص
يهدف هذا البحث إلى الكشف عن بعض المسائل الخلافية بين أبي علي الفارسي وابن جني، حيث كان الثاني منهما تلميذا للأول، وقد سعى إلى ذلك من خلال تقسيم تلك المسائل المختلف فيها إلى مسائل صوتية وصرفية ونحوية ولغوية ثم تَبَيّنِ آراء كلا العالمين في تلك المسائل والترجيح بين الرأيين إن أمكن ذلك. وقد خلص البحث إلى أن العلاقة الوشيجة بين الشيخ وتلميذه لم تمنع التلميذ من مخالفة آراء شيخه – مخالفة أدبية - في بعض المسائل الصوتية والصرفية والنحوية واللغوية، وقد كانت مخالفاته في بعض الأحيان أقرب إلى الصواب وفي بعضها الآخر غير صائبة.
الكلمات الدالة: الفارسي، المسائل الخلافية، ابن جني.
المقدمة
لقد نشأ المذهب البصري النّحوي الذي كان أسبق في الظهور بقرن من الزمن من المذهب الكوفي النحوي المنصرف عن النّحو إلى رواية الأشعار والأخبار. ولعل هذا السبق في ميدان النّحو أتاح للبصرة أن تجتذب رجال الكوفة للأخذ عن علمائها، لا سيما أن الاتصالات بينهما كانت في أوجها، فقد كان لهما فضل تأسيس النّحو وتطوّره. ليس هذا فحسب، بل إن تطوره يرجع إلى ما كان بين المذهبين من تنافس شريف شديد.
وقد تطوّر هذا التنافس إلى درجة الخلاف حول كثير من مباحث العربيّة، بعد أن سلك النّحويون في البصرة والكوفة مسلكا خاصّا يعتدون به في أساليب البحث النّحويّ، حتى أصبح لكلّ منهم مذهب خاص به. وبالرغم من ذلك فإن المذهب الكوفي لا يختلف والمذهب البصريّ في أصول النحو، لأنه أسس نحوه على ما أسسه المذهب البصري.
ثمّ ظهرت بغداد في ساحة المنافسة في جذب علماء النّحو من الاتّجاهات كافّة، بعد أن أصبحت حاضرة العالم الإسلامي، فنسمع اسم البغداديين كثيراً في القرن الرابع الهجري بإزاء الكوفيّين والبصريّين. وهم يريدون بهم جماعة من الدّارسين يمثّلون مذهباً خاصّاً لا هو بالبصريّ ولا هو بالكوفيّ، وإنّما هو مذهبٌ يقومُ على الانتخاب من كليهما. وقد أدّى ذلك إلى تراجع التّعصّب للمذهب البصريّ والكوفيّ، وظهرت طبقة جديدة من النحّاة، تعتمد مبدأ الانتخاب من آراء علماء المذهبين. ومن هؤلاء النحاة أبو علي الفارسيّ وابن جني. فمن أبو علي الفارسي ؟ ومن ابن جني ؟
أبو علي الفارسي
هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن سليمان الفارسيّ، أبو عليّ الفارسيّ النّحوي الإمام المشهور، ولد ببلدة فسا ونشأ فيها. وكان ميلاده فيها عام (288 هـ) في أواخر أيام المعتضد، لأبٍ فارسيّ، وأمٍّ عربيّة سدوسية، من سدوس شيبان الذين هاجروا إلى فارس، توفّي الفارسيّ عام (377هـ)عن تسع وثمانين سنة([1]).
وبين الولادة والوفاة حياة حافلة بالتّحصيل والانتقال والدّرس والتصانيف. والظاهر أنّ أبا عليّ لم يتزوّج ولم ينجب، وظهر ذلك من وصف ابن جنّي له بـ خلوِّ سربه وسروح فكره وخلوّه بنفسه، وإنّما وقف حياته على العلم لا يعتاقُه عنه ولد، ولا يعارضُه فيه مَتجر([2]).
وقد تلقّى أبو عليّ ثقافته الأولى في مسقط رأسه (فسا)، فحصل فيها على المبادئ الأولى للدارس من حفظ القرآن والحديث والفقه وبعض شعر العرب. فلمّا انتقل الفارسيّ إلى بغداد، وأقام في بلاط المعتضد التقى أعلام العلماء الذين ملأت شهرتهم الآفاق([3]).
وقد كانت حياته حركة مستمرة، وعلماً متّصلاً انطلق في طلب العلم تدفعه إليه الرّغبة الجّامحة والجدّ والقريحة الصافية حتى ضارع أئمّة عصره، وتدلّ أسماء مسائله على تنقله، وترحاله في سبيل طلب العلم. ونال ما كان يرجوه فارتفع شأنه، وتصدّر مجالس العلم والتّدريس، فقد عاصر الفارسيّ الرماني والسيرافيّ، وابن السراج والزّجاجيّ، وغيرهم، وكان واحداً منهم، وربّما تفوّق عليهم علماً وشهرة ([4]).
غير أنّ الفارسيّ لم يكتفِ بما سمع من هؤلاء فحسب، وإنّما اطّلع على مؤلّفات سابقيه التي استفاد منها كثيراً كـ سيبويه، والأخفش الأوسط، والكسائيّ، والفرّاء، والمازني، والمبرّد... وغيرهم ممن اشتهروا في النّحو وعلا ذكرهم. وأبو عليّ باتصاله بهؤلاء الأئمّة وأخذه عنهم، واطّلاعه على كتبهم، استطاع عن جدارة أن يكون من أئمّة العربيّة، ومن أغزرهم مادّة وأوسعهم اطّلاعاً، حيث أثنى تلامذته ومترجمو حياته عليه ثناءً جَمّاً متنوّع العبارة، يكاد لم يحظَ به أحد من نحّاة القرن الرابع الهجري، فكانوا يقرنونه بسيبويه، ويفضّلونه على المبرّد فهو أستاذ عصره، ومتقدّم أهلِ الصّنعة في زمانه، وأنحى من جاء بعد سيبويه.([5])
ولأبي علي الفارسي العديد من المؤلفات، ومنها الإغفال، والإيضاح العضدي، والتّكملة، والبصريّات، والمسائل البغداديات، والمسائل الحلبيات، والمسائل الشيرازيات، والمسائل العسكريات، والمسائل العضديات، والمسائل المنثورة، والتعليقة على كتاب سيبويه، والحجّة في علل القراءات السبع، وكتاب الشعر، ومقاييس المقصور والممدود، والتّذكرة، والقصريات، وأبيات المعاني، والتّتبع لكلام أبي عليّ في التفسير، والترجمة، والدمشقيّة، ونقض الهاذور، والذهبيات، وشرح الأسماء والصّفات، والعوامل المئة، والكرمانيّة، والمجلسيّات.
ابن جني ([6])
هو أبو الفتح عثمان بن جِنّي الموصلي النحوي اللغوي، من أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف، وصاحب التصانيف الفائقة المتداولة في اللغة. ولم تذكر المصادر التاريخية وكتب التراجم نسبا له بعد جني؛ إذ إن أباه (جني) كان عبدا روميا مملوكا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي، ولم يُعرف عنه شيء قبل مجيئه الموصل.
وكانت ولادة ابن جني بالموصل، وفيها قضى طفولته وتلقى دروسه الأولى، وذكرت المصادر التي ترجمت له أنه ولد قبل سنة ثلاثين وثلاثمائة، وقد أقام ابن جني بعد الموصل ببغداد، وظل يدرس بها العلم إلى أن توفي، وكان له من الولد: علي وعالٍ وعلاء، وكلهم أدباء فضلاء.
وقد أخذ ابن جني عن أحمد بن محمد المعروف بالأخفش، ومحمد بن الحسن المعروف بابن مقسم، وسمع كذلك من ثعلب، إلا أن الفارسي يعد أهم شخصية علمية أثرت تأثيرا بالغا في تكوينه، فقد أخذ عن أبي علي الفارسي مدة أربعين سنة بعد سنة 337هـ ([7]).
ولم يكن ابن جني إماما في النحو والصرف فحسب، ولم يكن من العلماء الذين يقتصرون على مجالس العلم والتعليم، أو حتى التأليف، إنما كان ابن جني كمن يريد أن يمتلك نواصي اللغة، فهو إلى جانب ما سبق يعد من أئمة الأدب، جمع إتقان العلم إلى ظرف أهل الكتابة والشعر، وهو الأمر الذي جعل الثعالبي ينعته في يتيمة الدهر بقوله: "إليه انتهت الرياسة في الأدب" ([8]).
وما إن يذكر ابن جني حتى يشرد الذهن عفو الخاطر إلى كتابه الشهير "الخصائص"، وبالمثل إذا كان الحديث عن "الخصائص" فإنه يذهب إلى ابن جني، وهو كتاب في أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه، احتذى ابن جني في مباحثه النحوية منهج الحنفية في أصول الفقه، وقد بناه على اثنين وستين ومائة باب، تبدأ بباب القول على الفصل بين الكلام والقول، وتنتهي بباب في المستحيل وصحة قياس الفروع على فساد الأصول، وقد أهداه لبهاء الدولة البويهي، الذي ولي السلطنة من سنة تسع وسبعين وثلاثمائة إلى ثلاث وأربعمائة من الهجرة، وذلك بعد وفاة أستاذه أبي علي الفارسي (ت377هـ)([9]).
ومن مؤلفاته التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله السكري، وسر صناعة الإعراب، وتفسير تصريف المازني، وشرح المقصور والممدود لابن السكيت، وتعاقب العربية، وتفسير ديوان المتنبي الكبير، ويسمى الفسْر، وتفسير معاني ديوان المتنبي، وهو شرح ديوان المتنبي الصغير، واللمع في العربية، ومختصر التصريف المشهور بالتصريف الملوكي، ومختصر العروض والقوافي، والألفاظ المهموزة، وتفسير المذكر والمؤنث... ([10])
العلاقة بين أبي علي الفارسي (الشيخ) وابن جني (التلميذ)
ومن اللزام علينا هنا أن نشير إلى أن ابن جني لم يكن ذاك التلميذ العاق لشيخه أبي علي الفارسي، فالعلاقة العلمية بينهما سببها مسألة صرفية (قلب الواو ألفا)، وقد أوردها الأنباري قائلا: " أخذ عن أبي علي الفارسي، وصحبه أربعين سنة. وكان سبب صحبته إياه، أن أبا علي الفارسي كان قد سافر إلى الموصل، فدخل إلى الجامع فوجد أبا الفتح عثمان بن جني يقرئ النحو وهو شاب، وكان بين بيديه متعلم وهو يكلمه في قلب الواو ألفا، قام وقال، فاعترض عليه أبو علي فوجده مقصرا، فقال له أبو علي: " زببت قبل أن تحصرم "، ثم قام أبو علي ولم يعرفه ابن جني، وسأل عنه فقيل له: هو أبو علي الفارسي النحوي، فأخذ بطلبه... " ([11]).
وقد كانت العلاقة بين التلميذ والفارسي علاقة وثيقة، فابن جني كثيرا ما كان يثني على أبي علي في موضوعات كثيرة من كتبه، فنراه يصفه بالعلم والنباهة عند ارتضائه قصيدة أبي الطيب المتنبي الميمية، بقوله: " لأن أبا علي مع جلالة قدره في العلم ونباهة محله واقتدائه بسنة أهل الفضل من قبله لم يكن ليطلق هذا القول عليه إلا وهو مستحق له عنده " ([12]).
وقد كان له الشيخ الفاضل والأستاذ المبجل، وظهر ذلك من خلال كتبه، فيقول في ذلك: " فهذه أحكام تصريف هذه اللفظة ولست أعرف أحدا من أصحابنا خاض فيها إلى ههنا ولا قارب هذا الموضع أيضا بل رأيت أبا علي، وقد نشم فيها شيئا من القول يسيرا لم يستوف الحال فيه ولا طار بهذه الجهة وإن كان بحمد الله والاعتراف له الشيخ الفاضل والأستاذ المبجل ولو لم يتضمن هذا الكتاب من الكلام على الدقيق أكثر من هذه المسألة لكانت بحمد الله جمالا له ومحسنة حاله. ([13]).
وأما أبو علي فكان حبه واعتزازه بابن جني واضحا، فهو يحترم رأي تلميذه ويدونه ويعتز به، ولا أدل على ذلك من أن ابن جني يقول: " وقلت مرة لأبي علي رحمه الله: قد حضرني شيء في علة الإتباع في نِقيِذ وإن عرِى أن تكون عينه حلقيه وهو قرب القاف من الخاء والغين فكما جاء عنهم النخير والرغيف، كذلك جاء عنهم النقيذ فجاز أن تشبَّه القاف لقربها من حروف الحلق بها كما شبَّه من أخفى النون عند الخاء والغين إياهما بحروف الفم، فالنقيذ في الإتباع كالمُنْخُل والمُنْغِل فيمن أخفى النون فرِضية وتقبَّله ثم رأيته وقد أثبته فيما بعد بخطّه في تذِكرته " ([14]).
وبالرغم من تلك العلاقة الوثيقة بين الشيخ وتلميذه، فإن ذاك لا يحول دون وقوع الخلاف بينهما في بعض المسائل، فالتقويم العلمي سمة ظاهرة عند أهل الصنعة؛ لأنهما ما انفكا يقومان النتاج العلمي فيضعان أيديهما على الهفوات ويصححانها ويقومانها. ومن الطبيعي أن يحصل التقويم بين العلماء أنفسهم، ولا سيما بين التلميذ وشيخه، فهذا التلميذ – ابن جني – أصبح شيخا مؤهلا لتقويم نتاج شيخه بعد أن استوعب ما أملاه أبو علي عليه، فتقويمه لشيخه نجده مبثوثا بين كتبه، وقد جاء ذلك كله على هيئة مسائل خلافية بين العالمين الجليلين.
المسائل الخلافية بين أبي علي الفارسي وابن جني
لقد كان ابن جني يميل إلى آراء شيخه الفارسي في كثير من المسائل المختلفة، غير أن ذلك لا يعني أنه كان يقلد شيخه تقليدا أعمى، فهو يعتمد الدّليل، ويستخدم المنطق، ويتبين الحجّة والبرهان، ولا أدلّ على ذلك من أنّ ابن جني خالف الفارسيّ عندما لم يرَ في رأيه القوة والبرهان الدافعين إلى التبعيّة، فهو لا يقبل الرأي إلاّ بعد تمحيص وتدقيق وبحث ومناقشة، فإذا صحّ هذا الرأي في نظره قبله أيّاً كان مصدره، وإذا لم يصحّ مِن وجهة نظره رفضه. فهو لا يتقيّد بمذهب معين، ولا يعتدّ بعالم معيّن بحيث لا تناقش آراؤه.
وبعد قراءة جهد ابن جني وجدنا العديد من الآراء النحوية والصوتية والصرفية واللغوية التي خالف فيها أستاذه أبا علي الفارسي، وسندرجها تحت المطالب الآتية: الصوت، والصرف، والنحو، واللغة:

تعليق