اقتراحٌ عمليّ لحلّ مشكلات الدّلالة : استثمار المعاجم :
لَيْسَ الغرضُ من هذا الاقتراح المعجميّ البحثَ في موضوعِ المعجمِ والمعاجِمِ العربيَّةِ والتَّأْريخَ لهُ ، و لا نَقْدَ ما صدرَ من المعاجمِ قديمًا و حديثًا، ولا وضعَ منهجيةٍ حديثةٍ للتَّأْليفِ في المعاجمِ تناسِبُ مطالبَ الاستعمالِ المعاصِر ِ. فهذهِ مواضيعُ قدْ أُنْجِزتْ فيها أعمالٌ كثيرةٌ أحاطتْ بالظاهِرَةِ المعجميَّةِ من جوانِبَ كثيرَةٍ ، وَ أَلَّفَ فيها عربٌ ومستشْرقونَ مُنذُ القَرْنِ التّاسِعِ عَشَرَ إلِى عَصْرِنا ...
و لكنَّ القصدَ هنا هو الإفادَةُ من المعاجمِ العربيَّةِ القديمةِ التي بُنيَتْ على مادَّةٍ لغويَّةٍ فصيحةٍ من القرآنِ و الحديثِ و الشِّعْرِ و الأقوالِ و الأمثالِ و المعَرَّباتِ التي أَقَرَّها القياسُ اللّغوِيُّ ، و اعْتِمادُها أساساً مرجِعِيًّا للمفرداتِ التي يحتاجُ إليها الاسْتِعمالُ المعاصِرُ . فالغايةُ اسْتعارَةُ كلماتٍ ، يدْعو المقامُ و ظروفُ الخطابِ و الحاجاتُ المتجدِّدَةُ إلى البحثِ عنها في المعجمِ ، لسدِّ حاجةِ الدّلالةِ . وَ يرِدُ في سياقِ هذهِ الاسْتعاراتِ المعجميةِ فائِدَتانِ كُبْرَيانِ :
1- أولاهُما تصْحيحُ اسْتِعمالِ "المُتَداوَلِ مِن الألفاظِ" ، و ذلكَ بِعَرْضِ المُتَداوَلِ منَ الكلماتِ على الوارِدِ في المعجَمِ ، مِن أَجْلِ التَّقويمِ و التَّصحيحِ .
2- وَ الثّانيةُ إِحياءُ ألفاظٍ مهملَةٍ ذاتِ دلالاتٍ مسْتعمْلَةٍ . فكم مدلولٍ نفتقِرُ في استِعمالِهِ و تداوُلِهِ إِلى الدّالِّ المناسِبِ له ، فنلْجَأ إلى اسْتِعارةِ التَّرْجَماتِ الجاهزةِ التي لا تَخْضَعُ لِمقاييسِ العربيَّةِ الصَّرْفيَّةِ و الصَّوْتيةِ، بينما تكونُ الألفاظُ المناسبةُ لهذِهِ المعاني مبثوثَةً في بُطونِ كُتُبِ اللّغةِ و المَعاجِم، و لا تَجِدُ مَنْ يَتَصَفَّحُها و يُنَقِّرُ عَنْها و يسْتَخْرِجُها. و هُناكَ ألفاظٌ كَثيرةٌ مُستعْمَلَةٌ اليوْمَ مِنْ دونِ اسْتِشارَةِ الفَصيحِ منَ المَعاجِمِ العربيّةِ ، و إنّما مَرْجِعُها إلى التّرْجمَةِ المعاصِرَةِ، ومنها كلمَةُ « العاطِل » التي تُطلَقُ اليومَ ، و يُرادُ بها المتردِّد بِلا عَمَلٍ، والعاطِلُ – و كذا العَطْلاءُ – صِفَةٌ لِلَّتي خَلا جيدُها مِنَ القلائِدِ و لم تَلْبَسِ الزّينةَ، والجمعُ عَواطِلُ و عُطَّلٌ ، و إِنّما دلُّوا عَلى المُتَرَدِّدِ بِلا عَمَلٍ بِـ«الباهِلِ». فَالباهِلُ الْمُتَرَدِّدُ بِلا عَمَلٍ ، و هُوَ الرّاعي بِلا عَصا ، و امْرَاَةٌ باهِلَةٌ لا زَوْجَ لَها، والباهِلُ الذي لا سِلاحَ مَعَهُ .
فَيَنْبَغي لَنا أنْ نَسْتَرْجِعَ الْحالَةَ اللُّغَوِيَّةَ الْفُصْحى إِلى الْحَياةِ الْعَصْرِيَّةِ ؛ لأَنَّ اللُّغَةَ مُلازِمَةٌ للأُمَّةِ تُرافِقُها في جَميعِ خُطُواتِها الدّلالِيَّةِ . أَمّا الْيَوْمَ فَقَدْ أَضْحَتْ حَياتُنا الْيَوْمِيَّةُ ذاتَ أَلْوانٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَ لَمْ تُسْتَنْبَتْ هذِهِ الْحَضارَةُ التي تَغَلَّبَتْ عَلَيْنا قِيَمُها ، في بيئَتِها فَتَخْرُجَ بِطابَعِها الْعَرَبِيِّ ، و لكِنَّها انْحَدَرَتْ بِزَيٍّ غَريبٍ وَ أَسْماءٍ غَريبَةٍ ذاتِ عُجْمَةٍ في طابَعِها ، فَاتَّصَلْنا بِهذِه الْحَضارَةِ الأَجْنَبِيَّةِ، و لُغَتُنا مُخْتَلِفَةٌ عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ مُثْقَلَةٌ بِشَوائِبَ مِنَ اللُّغاتِ وَ اللَّهَجاتِ.
و يَنْبَغي لَنا أَيْضًا ، وَ الْحالُ هذِهِ، أَنْ نَعودَ إلى اللُّغَةِ الْفُصْحى فَنَنْشُرها وَنَبْحَث فيها عَمّا نَحْنُ في حاجَةٍ إِلَيْهِ مِنْ أَلْفاظٍ ، نَفُكُّ بِها الطَّوْقَ عَنِ الدّلالَةِ، وَنَنْعَتِق مِنَ الاسْتِلابِ اللُّغَوِيِّ ، بِما تَمْتَلِئُ بِهِ الْمَعاجِمُ مِنْ أَلْفاظٍ .
وَ قوام هذا الاقتراح أن نتّخذَ مِنْ بَعْضِ الْمَعاجِمِ وَ كُتُبِ اللُّغَةِ كَلِسانِ العربِ لابْنِ منظور ٍ ، ومُعجم الصِّحاح للجوهرِيّ ، و المُعْجَمِ في بقيّةِ الأشياءِ لأبي هلالٍ العسكريّ ، والمُزْهِر في علومِ اللّغةِ و أنواعِها لجلالِ الدّين السّيوطي، والمُخَصَّص لابْنِ سِيدَه ، وكِتاب النّوادِرِ لأبي زيدٍ الأنصاريّ ، و كُتب الفُروقِ في اللُّغةِ ، و كُتُب الإبدالِ ، و ما اتّفَقَ لفظُه و اخْتَلَفَ معْناه ، و ما اتّفقَ مَعْناه أو تَقارَبَ، و اخْتَلَفَ لَفْظُه ، و الرّسائلِ اللّغويّةِ التي اتُّخِذت نَواةً لتأليفِ المعاجمِ المتخصِّصَةِ ، منها ما أُلِّفَ في اللّبنِ ، و المطرِ، و السّيْفِ ، و أسْماءِ الوُحوشِ والإِبِلِ و الخيْلِ والشّاءِ، و النّباتِ و النّخْلِ و الكرْمِ والزّرْعِ و خَلْقِ الإنْسانِ... وأصْحابُ هذِهِ الرّسائِلِ تَشابَهَتْ جُهودُهُم ، و مَهَّدوا السّبيلَ لنشْأةِ المعجمِ العربيّ المُتَخَصِّصِ . و أشهرُ من ألّفَ فيها من اللّغويّينَ النّضرُ بْنُ شميلٍ (ت.203)، وقُطرُبُ بنُ المُسْتَنيرِ (ت.206) ، و أبو عُبَيْدَةَ معْمرُ بنُ المثَنّى (ت.210)، وأبو زيدٍ الأنصاريّ (ت.214) ، و أبو سعيدٍ الأصْمَعيّ (ت.214) ... و لا ننسى ما ألّفَ من قبلُ، في مضْمارِ المعاجمِ المتخصّصةِ من كُتبٍ يونانيّةٍ نُقلتْ إلى اللّغةِ العربيّةِ ، كالمقالاتِ الخَمْسِ ، أو كِتابِ الحَشائشِ ، للعالِمِ اليونانيّ "ديوسقريديس العين زَرْبي" (من ق.1م) ، وهو مِن نقلِ "اصْطفن بن بسيل" (من ق.3م)، وإصْلاحِ حُنَيْن بْنِ إسْحاقَ (ت.260) ، وكِتابِ الأدويَةِ المُفْرَدَة للعالِمِ اليونانِيّ "جالينوس" البرْغاميّ (ت.199م) ، و هو من نقْلِ حُنَيْن بْنِ إسْحاقَ في إحْدى عَشْرَةَ مَقالَةً . و الكِتابانِ طبّيّانِ صيدلِيّانِ موضوعُهُما الأدويةُ المفردَةُ، أي مُفْرَداتُ المواليدِ الثّلاثةِ : النّبات و الحيوان و المعادِن ، و مثلُ هذا الضّربِ من التّآليفِ العلميّةِ القديمةِ المتخصِّصَةِ كثيرٌ ... و ممّا ألِّفَ في المعاجِمِ المتخصّصةِ ( في القرنِ التّاسعِ عَشَرَ ) المُعْجَمُ المُفَصَّلُ في أسْماءِ الملابسِ عندَ العربِ، للمستشرِقِ "دوزي" (ت.1883م) ...
قلت : يمكن أن تُتّخذَ هذه الكتبُ و أمثالُها مَصادِرَ مُعْتَمَدَةً ، تُسْتَخْرجُ مِنْها الْمُفْرَدات الْعَرَبِيَّة الْفَصيحَةُ ، و تُرتَّب على نحوٍ مخصوصٍ من التّرتيبِ والتّأْليفِ، حتّى يَتَمَكَّنَ من اسْتِعْمالِها المُسْتعمِلُ ، للدّلالَةِ عَلى مَدْلولاتٍ مُتَداوَلَةٍ بَيْنَنا الْيَوْمَ. وسَيَقودُ هذا الْمِعْيارُ إِلى الاسْتِغْناءِ عَنْ كَلِماتٍ مُتَداوَلَةٍ الْيَوْمَ ، لا يضبِطُها ضابطٌ من قياسٍ أو سَماع ، وَ اتِّخاذِ أُخْرى مِنَ الْمُعْجَمِ الفصيحِ بَدَلاً مِنْها لاجْتِماعِهِما في الدّلالَةِ عَلى الشَّيْءِ الْواحِدِ ، هذا مع الحرْصِ على تهذيبِ كلِّ مبحثٍ وتخليصِه ممّا لا يحْتاجُ إليه المتكلِّمُ ، و ممّا لا يدورُ في دائرَةِ تَداوُلِه العلميّ .
و لا شَكَّ أَنَّ هذا الْمَنْهَجَ سَيُخْرِجُ إِلى التَّداوُلِ أَلْفاظًا أَصْبَحَتِ الْيَوْمَ نِسْيًا مَنْسِيًّا أَوْ كادَتْ ، وَ باتَتْ «مُعَطَّلَةً» ، وَ باتَ الْكُتّابُ وَ الْباحِثونَ لا يَجِدونَ بَيْنَ أَيْديهِمْ ، عِنْدَ إِرادَةِ التَّعْبيرِ عَنْ مَعنى مِنَ الْمَعاني إِلاّ كَلِماتٍ عامَّةَ الدَّلالَةِ يُمْكِنُ أَنْ تَصِحَّ في أَكْثَرَ مِنْ مَوْطِنٍ ، و هذا يُفْضي إِلى الاسْتِغْناءِ عَنْ أَكْثَرِ مُفْرَداتِ اللُّغَةِ وإِحْلالِ الأَلْفاظِ الْعامَّةِ مَحَلَّها ، وَ في ذلِكَ إِكْراهٌ لِقِلَّةٍ مِنَ الأَلْفاظِ عَلى التَّعْبيرِ عَنِ الْكَثْرَةِ الْكاثِرَةِ مِنَ الْمَعاني ، و يَعْقبُ هذِهِ الْحالَ نَعْتٌ لِلُّغَةِ بِالْقُصورِ عَنْ مُواكَبَةِ الْعَصْرِ و مُجاراةِ الْحَضارَةِ .
بَيْنَما الْعَرَبِيَّةُ لِسانٌ قَدْ فُتِقَ بِضُروبٍ مِنَ الأَلْفاظِ ، جُعِلَتْ رُسومًا لِما يُتَصَوَّرُ في الْعُقولِ وَ يَهْجسُ في النُّفوسِ ، وَ تَسْمِيَةً للأَشْياءِ لِتُحْتازَ بِأَسْمائِها ، وَ يَنْمازَ بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ بِحُروفِها وَ أَصْواتِها ؛ فَقَدْ جَمَعَتِ الْعَرَبِيَّةُ بَيْنَ أَلْفاظٍ تَدُلُّ عَلى الشَّيْئَيْنِ الْمُخَتَلِفَيْنِ ، كَالْبَشَرِ الذي يَقَعُ عَلى الْعَدَدِ الْقَليلِ وَ الْكَثيرِ ، وَ الْجَلَلِ الذي يقَعُ عَلى الْعَظيمِ وَ الصَّغيرِ ، وَ أَلْفاظ الشَّيْئَيْنِ الْمُتَضادَّيْنِ كَالنَّهَلِ الْواقِعِ عَلى الْعَطَشِ وَ الرِّيِّ، وَ أَلْفاظٍ تَدُلُّ عَلى الأَشْياءِ الْمُخْتَلِفَةِ كَالْجَوْنِ الْواقِعِ عَلى السَّوادِ وَالْبَياضِ وَ الْحُمْرَةِ ، وَ كَالسُّدْفَةِ الْواقِعَةِ عَلى النّورِ وَالظُّلْمَةِ وَ ما بَيْنَهُما مِنَ الاخْتِلاطِ ، وَ الأَسْماء الْمُتَرادِفَةِ ، كَقَوْلِنا في الْحِجارَةِ حَجَرٌ وَصَفاةٌ وَ نَقَلَةٌ ، وَالأَسْماء الْمُشْتَركَة التي تَقَعُ عَلى عِدَّةِ أَنْواعٍ كَالْعَيْنِ لِحاسَّةِ الْبَصَرِ ، وَلِنَفْسِ الشَّيْءِ، وَ للِرَّبيئَةِ، وَ لِجَوْهَرِ الذَّهَبِ، وَ لِيَنْبوعِ الْماءِ، وَ لِلْمَطَرِ الدّائِمِ ، وَ لِحُرِّ الْمَتاعِ، وَ لِحَقيقَةِ الْقِبْلَةِ .
فَهذِهِ الْمَواضيعُ وَ أَمْثالُها ، يُمْكِنُ اتِّخاذُها مَباحِثَ ، يُجْمَعُ بِوَساطَتِها ما تَنَشَّرَ مِنْ أَجْزاءِ اللُّغَةِ شَعاعًا ، وَ تَشَعَّبَ وَ تَفَرَّقَ ، فَاحْتاجَ هذا النَّشَرُ إِلى الْتِئامٍ وَ النَّثَرُ إِلى انْتِظامٍ .
هذا ، و إنّ ألْفاظَ اللّغةِ أكثرُ من أن تُحْصى في أبوابِها و مواضِعِها من المُعجمِ ممّا قُيِّدَ في رسائلَ لغويّةٍ مختلفةٍ ، تدورُ حولَ مواضيعَ معيَّنةٍ جامعةٍ، كالآباءِ ، و الأمّهاتِ ، و الأبناءِ ، و الأصواتِ، و الأزمنةِ، و الحَشراتِ، و الطّيرِ والسِّلاحِ ، و الإبلِ ، و الخيلِ، و الغرائزِ ، و الجرائمِ ، و غيرِها ... فلسانُ العربِ أوسعُ الألسنةِ مَذهَبًا و أكثرُها ألفاظًا و لا يكادُ يُحيطُ بجميعِ علمِ هذا اللّسانِ إنْسانٌ غير نبيٍّ ، و كُلُّنا لمْ يُؤْتَ في إدراكِ الأمورِ كَبيرَ قوّةٍ و لا جَسيمَ مِنَّةٍ ، و كلٌّ منّا يضْطَرِبُ بينَ الخطإ و الصّوابِ و الإِخْطاءُ أكثرُ من الإِصابةِ، والظّنُّ أغلبُ من اليقينِ .
فهذه الخُطُواتُ العمليّةُ لبناتٌ في طريق تحقيقِ التّنمية المعرفيّة في المجتمعاتِ العربيّةِ، ونشرِ العلمِ والمعرفةِ باللسانِ العربيّ المٌبين، وتمكينِ العربيّةِ من أن تصبحَ أداةَ تداوُلِ المعلوماتِ الحديثةِ، في المجتمَع الحديث، مجتمَعِ المعرفة والعُلوم.
***
لَيْسَ الغرضُ من هذا الاقتراح المعجميّ البحثَ في موضوعِ المعجمِ والمعاجِمِ العربيَّةِ والتَّأْريخَ لهُ ، و لا نَقْدَ ما صدرَ من المعاجمِ قديمًا و حديثًا، ولا وضعَ منهجيةٍ حديثةٍ للتَّأْليفِ في المعاجمِ تناسِبُ مطالبَ الاستعمالِ المعاصِر ِ. فهذهِ مواضيعُ قدْ أُنْجِزتْ فيها أعمالٌ كثيرةٌ أحاطتْ بالظاهِرَةِ المعجميَّةِ من جوانِبَ كثيرَةٍ ، وَ أَلَّفَ فيها عربٌ ومستشْرقونَ مُنذُ القَرْنِ التّاسِعِ عَشَرَ إلِى عَصْرِنا ...
و لكنَّ القصدَ هنا هو الإفادَةُ من المعاجمِ العربيَّةِ القديمةِ التي بُنيَتْ على مادَّةٍ لغويَّةٍ فصيحةٍ من القرآنِ و الحديثِ و الشِّعْرِ و الأقوالِ و الأمثالِ و المعَرَّباتِ التي أَقَرَّها القياسُ اللّغوِيُّ ، و اعْتِمادُها أساساً مرجِعِيًّا للمفرداتِ التي يحتاجُ إليها الاسْتِعمالُ المعاصِرُ . فالغايةُ اسْتعارَةُ كلماتٍ ، يدْعو المقامُ و ظروفُ الخطابِ و الحاجاتُ المتجدِّدَةُ إلى البحثِ عنها في المعجمِ ، لسدِّ حاجةِ الدّلالةِ . وَ يرِدُ في سياقِ هذهِ الاسْتعاراتِ المعجميةِ فائِدَتانِ كُبْرَيانِ :
1- أولاهُما تصْحيحُ اسْتِعمالِ "المُتَداوَلِ مِن الألفاظِ" ، و ذلكَ بِعَرْضِ المُتَداوَلِ منَ الكلماتِ على الوارِدِ في المعجَمِ ، مِن أَجْلِ التَّقويمِ و التَّصحيحِ .
2- وَ الثّانيةُ إِحياءُ ألفاظٍ مهملَةٍ ذاتِ دلالاتٍ مسْتعمْلَةٍ . فكم مدلولٍ نفتقِرُ في استِعمالِهِ و تداوُلِهِ إِلى الدّالِّ المناسِبِ له ، فنلْجَأ إلى اسْتِعارةِ التَّرْجَماتِ الجاهزةِ التي لا تَخْضَعُ لِمقاييسِ العربيَّةِ الصَّرْفيَّةِ و الصَّوْتيةِ، بينما تكونُ الألفاظُ المناسبةُ لهذِهِ المعاني مبثوثَةً في بُطونِ كُتُبِ اللّغةِ و المَعاجِم، و لا تَجِدُ مَنْ يَتَصَفَّحُها و يُنَقِّرُ عَنْها و يسْتَخْرِجُها. و هُناكَ ألفاظٌ كَثيرةٌ مُستعْمَلَةٌ اليوْمَ مِنْ دونِ اسْتِشارَةِ الفَصيحِ منَ المَعاجِمِ العربيّةِ ، و إنّما مَرْجِعُها إلى التّرْجمَةِ المعاصِرَةِ، ومنها كلمَةُ « العاطِل » التي تُطلَقُ اليومَ ، و يُرادُ بها المتردِّد بِلا عَمَلٍ، والعاطِلُ – و كذا العَطْلاءُ – صِفَةٌ لِلَّتي خَلا جيدُها مِنَ القلائِدِ و لم تَلْبَسِ الزّينةَ، والجمعُ عَواطِلُ و عُطَّلٌ ، و إِنّما دلُّوا عَلى المُتَرَدِّدِ بِلا عَمَلٍ بِـ«الباهِلِ». فَالباهِلُ الْمُتَرَدِّدُ بِلا عَمَلٍ ، و هُوَ الرّاعي بِلا عَصا ، و امْرَاَةٌ باهِلَةٌ لا زَوْجَ لَها، والباهِلُ الذي لا سِلاحَ مَعَهُ .
فَيَنْبَغي لَنا أنْ نَسْتَرْجِعَ الْحالَةَ اللُّغَوِيَّةَ الْفُصْحى إِلى الْحَياةِ الْعَصْرِيَّةِ ؛ لأَنَّ اللُّغَةَ مُلازِمَةٌ للأُمَّةِ تُرافِقُها في جَميعِ خُطُواتِها الدّلالِيَّةِ . أَمّا الْيَوْمَ فَقَدْ أَضْحَتْ حَياتُنا الْيَوْمِيَّةُ ذاتَ أَلْوانٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَ لَمْ تُسْتَنْبَتْ هذِهِ الْحَضارَةُ التي تَغَلَّبَتْ عَلَيْنا قِيَمُها ، في بيئَتِها فَتَخْرُجَ بِطابَعِها الْعَرَبِيِّ ، و لكِنَّها انْحَدَرَتْ بِزَيٍّ غَريبٍ وَ أَسْماءٍ غَريبَةٍ ذاتِ عُجْمَةٍ في طابَعِها ، فَاتَّصَلْنا بِهذِه الْحَضارَةِ الأَجْنَبِيَّةِ، و لُغَتُنا مُخْتَلِفَةٌ عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ مُثْقَلَةٌ بِشَوائِبَ مِنَ اللُّغاتِ وَ اللَّهَجاتِ.
و يَنْبَغي لَنا أَيْضًا ، وَ الْحالُ هذِهِ، أَنْ نَعودَ إلى اللُّغَةِ الْفُصْحى فَنَنْشُرها وَنَبْحَث فيها عَمّا نَحْنُ في حاجَةٍ إِلَيْهِ مِنْ أَلْفاظٍ ، نَفُكُّ بِها الطَّوْقَ عَنِ الدّلالَةِ، وَنَنْعَتِق مِنَ الاسْتِلابِ اللُّغَوِيِّ ، بِما تَمْتَلِئُ بِهِ الْمَعاجِمُ مِنْ أَلْفاظٍ .
وَ قوام هذا الاقتراح أن نتّخذَ مِنْ بَعْضِ الْمَعاجِمِ وَ كُتُبِ اللُّغَةِ كَلِسانِ العربِ لابْنِ منظور ٍ ، ومُعجم الصِّحاح للجوهرِيّ ، و المُعْجَمِ في بقيّةِ الأشياءِ لأبي هلالٍ العسكريّ ، والمُزْهِر في علومِ اللّغةِ و أنواعِها لجلالِ الدّين السّيوطي، والمُخَصَّص لابْنِ سِيدَه ، وكِتاب النّوادِرِ لأبي زيدٍ الأنصاريّ ، و كُتب الفُروقِ في اللُّغةِ ، و كُتُب الإبدالِ ، و ما اتّفَقَ لفظُه و اخْتَلَفَ معْناه ، و ما اتّفقَ مَعْناه أو تَقارَبَ، و اخْتَلَفَ لَفْظُه ، و الرّسائلِ اللّغويّةِ التي اتُّخِذت نَواةً لتأليفِ المعاجمِ المتخصِّصَةِ ، منها ما أُلِّفَ في اللّبنِ ، و المطرِ، و السّيْفِ ، و أسْماءِ الوُحوشِ والإِبِلِ و الخيْلِ والشّاءِ، و النّباتِ و النّخْلِ و الكرْمِ والزّرْعِ و خَلْقِ الإنْسانِ... وأصْحابُ هذِهِ الرّسائِلِ تَشابَهَتْ جُهودُهُم ، و مَهَّدوا السّبيلَ لنشْأةِ المعجمِ العربيّ المُتَخَصِّصِ . و أشهرُ من ألّفَ فيها من اللّغويّينَ النّضرُ بْنُ شميلٍ (ت.203)، وقُطرُبُ بنُ المُسْتَنيرِ (ت.206) ، و أبو عُبَيْدَةَ معْمرُ بنُ المثَنّى (ت.210)، وأبو زيدٍ الأنصاريّ (ت.214) ، و أبو سعيدٍ الأصْمَعيّ (ت.214) ... و لا ننسى ما ألّفَ من قبلُ، في مضْمارِ المعاجمِ المتخصّصةِ من كُتبٍ يونانيّةٍ نُقلتْ إلى اللّغةِ العربيّةِ ، كالمقالاتِ الخَمْسِ ، أو كِتابِ الحَشائشِ ، للعالِمِ اليونانيّ "ديوسقريديس العين زَرْبي" (من ق.1م) ، وهو مِن نقلِ "اصْطفن بن بسيل" (من ق.3م)، وإصْلاحِ حُنَيْن بْنِ إسْحاقَ (ت.260) ، وكِتابِ الأدويَةِ المُفْرَدَة للعالِمِ اليونانِيّ "جالينوس" البرْغاميّ (ت.199م) ، و هو من نقْلِ حُنَيْن بْنِ إسْحاقَ في إحْدى عَشْرَةَ مَقالَةً . و الكِتابانِ طبّيّانِ صيدلِيّانِ موضوعُهُما الأدويةُ المفردَةُ، أي مُفْرَداتُ المواليدِ الثّلاثةِ : النّبات و الحيوان و المعادِن ، و مثلُ هذا الضّربِ من التّآليفِ العلميّةِ القديمةِ المتخصِّصَةِ كثيرٌ ... و ممّا ألِّفَ في المعاجِمِ المتخصّصةِ ( في القرنِ التّاسعِ عَشَرَ ) المُعْجَمُ المُفَصَّلُ في أسْماءِ الملابسِ عندَ العربِ، للمستشرِقِ "دوزي" (ت.1883م) ...
قلت : يمكن أن تُتّخذَ هذه الكتبُ و أمثالُها مَصادِرَ مُعْتَمَدَةً ، تُسْتَخْرجُ مِنْها الْمُفْرَدات الْعَرَبِيَّة الْفَصيحَةُ ، و تُرتَّب على نحوٍ مخصوصٍ من التّرتيبِ والتّأْليفِ، حتّى يَتَمَكَّنَ من اسْتِعْمالِها المُسْتعمِلُ ، للدّلالَةِ عَلى مَدْلولاتٍ مُتَداوَلَةٍ بَيْنَنا الْيَوْمَ. وسَيَقودُ هذا الْمِعْيارُ إِلى الاسْتِغْناءِ عَنْ كَلِماتٍ مُتَداوَلَةٍ الْيَوْمَ ، لا يضبِطُها ضابطٌ من قياسٍ أو سَماع ، وَ اتِّخاذِ أُخْرى مِنَ الْمُعْجَمِ الفصيحِ بَدَلاً مِنْها لاجْتِماعِهِما في الدّلالَةِ عَلى الشَّيْءِ الْواحِدِ ، هذا مع الحرْصِ على تهذيبِ كلِّ مبحثٍ وتخليصِه ممّا لا يحْتاجُ إليه المتكلِّمُ ، و ممّا لا يدورُ في دائرَةِ تَداوُلِه العلميّ .
و لا شَكَّ أَنَّ هذا الْمَنْهَجَ سَيُخْرِجُ إِلى التَّداوُلِ أَلْفاظًا أَصْبَحَتِ الْيَوْمَ نِسْيًا مَنْسِيًّا أَوْ كادَتْ ، وَ باتَتْ «مُعَطَّلَةً» ، وَ باتَ الْكُتّابُ وَ الْباحِثونَ لا يَجِدونَ بَيْنَ أَيْديهِمْ ، عِنْدَ إِرادَةِ التَّعْبيرِ عَنْ مَعنى مِنَ الْمَعاني إِلاّ كَلِماتٍ عامَّةَ الدَّلالَةِ يُمْكِنُ أَنْ تَصِحَّ في أَكْثَرَ مِنْ مَوْطِنٍ ، و هذا يُفْضي إِلى الاسْتِغْناءِ عَنْ أَكْثَرِ مُفْرَداتِ اللُّغَةِ وإِحْلالِ الأَلْفاظِ الْعامَّةِ مَحَلَّها ، وَ في ذلِكَ إِكْراهٌ لِقِلَّةٍ مِنَ الأَلْفاظِ عَلى التَّعْبيرِ عَنِ الْكَثْرَةِ الْكاثِرَةِ مِنَ الْمَعاني ، و يَعْقبُ هذِهِ الْحالَ نَعْتٌ لِلُّغَةِ بِالْقُصورِ عَنْ مُواكَبَةِ الْعَصْرِ و مُجاراةِ الْحَضارَةِ .
بَيْنَما الْعَرَبِيَّةُ لِسانٌ قَدْ فُتِقَ بِضُروبٍ مِنَ الأَلْفاظِ ، جُعِلَتْ رُسومًا لِما يُتَصَوَّرُ في الْعُقولِ وَ يَهْجسُ في النُّفوسِ ، وَ تَسْمِيَةً للأَشْياءِ لِتُحْتازَ بِأَسْمائِها ، وَ يَنْمازَ بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ بِحُروفِها وَ أَصْواتِها ؛ فَقَدْ جَمَعَتِ الْعَرَبِيَّةُ بَيْنَ أَلْفاظٍ تَدُلُّ عَلى الشَّيْئَيْنِ الْمُخَتَلِفَيْنِ ، كَالْبَشَرِ الذي يَقَعُ عَلى الْعَدَدِ الْقَليلِ وَ الْكَثيرِ ، وَ الْجَلَلِ الذي يقَعُ عَلى الْعَظيمِ وَ الصَّغيرِ ، وَ أَلْفاظ الشَّيْئَيْنِ الْمُتَضادَّيْنِ كَالنَّهَلِ الْواقِعِ عَلى الْعَطَشِ وَ الرِّيِّ، وَ أَلْفاظٍ تَدُلُّ عَلى الأَشْياءِ الْمُخْتَلِفَةِ كَالْجَوْنِ الْواقِعِ عَلى السَّوادِ وَالْبَياضِ وَ الْحُمْرَةِ ، وَ كَالسُّدْفَةِ الْواقِعَةِ عَلى النّورِ وَالظُّلْمَةِ وَ ما بَيْنَهُما مِنَ الاخْتِلاطِ ، وَ الأَسْماء الْمُتَرادِفَةِ ، كَقَوْلِنا في الْحِجارَةِ حَجَرٌ وَصَفاةٌ وَ نَقَلَةٌ ، وَالأَسْماء الْمُشْتَركَة التي تَقَعُ عَلى عِدَّةِ أَنْواعٍ كَالْعَيْنِ لِحاسَّةِ الْبَصَرِ ، وَلِنَفْسِ الشَّيْءِ، وَ للِرَّبيئَةِ، وَ لِجَوْهَرِ الذَّهَبِ، وَ لِيَنْبوعِ الْماءِ، وَ لِلْمَطَرِ الدّائِمِ ، وَ لِحُرِّ الْمَتاعِ، وَ لِحَقيقَةِ الْقِبْلَةِ .
فَهذِهِ الْمَواضيعُ وَ أَمْثالُها ، يُمْكِنُ اتِّخاذُها مَباحِثَ ، يُجْمَعُ بِوَساطَتِها ما تَنَشَّرَ مِنْ أَجْزاءِ اللُّغَةِ شَعاعًا ، وَ تَشَعَّبَ وَ تَفَرَّقَ ، فَاحْتاجَ هذا النَّشَرُ إِلى الْتِئامٍ وَ النَّثَرُ إِلى انْتِظامٍ .
هذا ، و إنّ ألْفاظَ اللّغةِ أكثرُ من أن تُحْصى في أبوابِها و مواضِعِها من المُعجمِ ممّا قُيِّدَ في رسائلَ لغويّةٍ مختلفةٍ ، تدورُ حولَ مواضيعَ معيَّنةٍ جامعةٍ، كالآباءِ ، و الأمّهاتِ ، و الأبناءِ ، و الأصواتِ، و الأزمنةِ، و الحَشراتِ، و الطّيرِ والسِّلاحِ ، و الإبلِ ، و الخيلِ، و الغرائزِ ، و الجرائمِ ، و غيرِها ... فلسانُ العربِ أوسعُ الألسنةِ مَذهَبًا و أكثرُها ألفاظًا و لا يكادُ يُحيطُ بجميعِ علمِ هذا اللّسانِ إنْسانٌ غير نبيٍّ ، و كُلُّنا لمْ يُؤْتَ في إدراكِ الأمورِ كَبيرَ قوّةٍ و لا جَسيمَ مِنَّةٍ ، و كلٌّ منّا يضْطَرِبُ بينَ الخطإ و الصّوابِ و الإِخْطاءُ أكثرُ من الإِصابةِ، والظّنُّ أغلبُ من اليقينِ .
فهذه الخُطُواتُ العمليّةُ لبناتٌ في طريق تحقيقِ التّنمية المعرفيّة في المجتمعاتِ العربيّةِ، ونشرِ العلمِ والمعرفةِ باللسانِ العربيّ المٌبين، وتمكينِ العربيّةِ من أن تصبحَ أداةَ تداوُلِ المعلوماتِ الحديثةِ، في المجتمَع الحديث، مجتمَعِ المعرفة والعُلوم.
***

تعليق