والذي نخلص إليه بعد عرض علاقة اللغة العربية بالتنمية المعرفية هو ضرورة تعميق الشّعور لدى الطّلاّب والباحثين بمركزيّة اللّغة في إقامة مجتمَع المعرفة، وأهمّية اللغة في معادَلَة: اللغة العربية والتنمية البشرية، والاجتهاد المُستَدام لجعلِ اللغة العربية لغةَ التفكير والتعبير والتنمية الثّقافية والمعرفية والاجتماعية والاقتصادية.
و لا يتمّ استشعارُ هذه الأهمّية إلا بحركةٍ تعريبيّةٍ شاملةٍ تحقِّقُ للأمّةِ نهضتَها، ولا تقفُ عندَ مجرّدِ إحلالِ العربيّةِ محلَّ الأجنبيّة في الإدارةِ والتّعليمِ والاقتصادِ ، بل تَتَعدّى "تعريبَ التّعبيرِ" إلى "تعريبِ التّفكيرِ". والمقصودُ بتعريبِ التّفكيرِ ممارسةُ التّفكيرِ بطريقةٍ تراعي خصائصَ المجتمعِ العربيِّ برمّتِه، و تقوّي الشّعورَ بالانتماءِ إليه بدلاً من الانحصارِ في دائرةِ القوميّةِ الضّيّقةِ ، ذاتِ النّزعةِ الانفصاليّةِ .
و التّعريبُ المرجوُّ – أيضًا - هو الذي يُخلِّصُ الأمّةَ من الاتّباعِ الفكريِّ والثّقافيّ و الاقتصاديّ و السّياسيّ للغربِ ، و يضمنُ لها خصوصيّتَها وتفرّدَها و إثباتَ ذاتِها، و يُتيحُ لها حرّيةَ التّصرّفِ و الانفتاحِ على الآخَرِ في إطارِ المُثاقفةِ و التّبادلِ ، لاختيارِ ما ينفعُها و يُناسبُها ، من دونِ فرضٍ و لا إكراهٍ .
و التّعريبُ المرجوُّ أيضًا ، هو الذي يؤلِّفُ بينَ فئاتِ الشّعبِ العربيِّ اجتماعيًّا وفكريًّا ، و يوحّدُ وجهاتِ أنظارِهم، أو - على الأقلِّ – يقلّلُ من الفروقِ والخلافاتِ بينهم و يضمنُ للمعارفِ و العلومِ انتشارًا واسعًا ، باللّغةِ الأمّ . أمّا بقاءُ تداولِ المعارفِ والعلومِ باللّغاتِ الأجنبيّةِ ، فسيحصرُها في حدودِ فئةٍ ضيّقةٍ، هي فئةُ النّاطقينَ بتلك اللّغاتِ ، ويُحْرَمُ منها النّاطقونَ بالعربيّةِ؛ فتكون اللّغةُ الأجنبيّةُ حاجزًا كبيرًا يعوقُ انتشارَ المعارفِ التي حقٌّ مشاعٌ بين النّاسِ .
و التّعريبُ المرجوُّ هو الذي يُرادُ منه للعربيّةِ أن تتبوَّأَ مكانَها الطّبيعيَّ، فتكونَ اللّغةَ الأولى في الحياةِ و المجتمعِ و العلمِ و التّعليمِ . أمّا اللّغةُ الأجنبيّةُ فينبغي أن تُعطى قدرَ ما تستحقُّ ، دونَ تغليبِها على اللّغةِ الأمّ . و الأمثلةُ على تداولِ العلمِ و المعرفةِ باللّغةِ الأمّ كثيرةٌ جدًّا ؛ فقد استعرضَ الباحثون المهتمّون بقضيّةِ تعريبِ العلومِ في الجامعاتِ ، أمثلةً مناسبةً ، منها نموذجُ الدّانمارك الذي يدرّس موادّه في التّعليمِ بلغتِه ، مع العلمِ أنّه لا صلةَ له باللّغاتِ اللاّتينيّة أو الأنجلوساكسونيّة المعروفة، و نموذج اللّغتين الهنغاريّة والفنلنديّة و نموذج اليابانِ الذي يشهدُ بتفوّقِ اللّغةِ و التّقانةِ اليابانيّتين على الصّعيدِ الاقتصادي و العلميّ العالميّينِ، و كذلك النّموذج الصّينيّ ...
أمّا العربيّةُ فإنّها مؤهّلةٌ لأن تتبوّأَ مكانتَها في مضمارِ تعريبِ العلومِ وتداولِها ، أكثر من غيرِها ، و خاصّةً أنّها كانت في عهدٍ تاريخيٍّ غيرِ بعيدٍ إحدى اللّغاتِ القليلةِ لمن أرادَ أن يتعلّمَ العلومَ ، و وسيلةً للانفتاحِ على العالَم .
و لا يتمّ استشعارُ أهمّية اللغة العربيّةِ في معادَلَة: اللغة العربية والتنمية البشرية – أيضاً – إلاّ بالتدريب الفردي والجماعي على اتّخاذ اللغة العربية الفصيحَة لغةَ التفكيرِ والتّعبير والتواصل والتّداوُل، وتوظيفها في جميع المواقف والشؤون التي لها ارتباط بالتنمية البشرية الفردية والاجتماعيّة .
ولتحقيق هذه الغايةِ أقدّم تصوّرا منهجيّاً رأيًا في الموضوعِ ، أظنُّ أنّ تطبيقَه أمرٌ يسيرٌ لا يكلِّف جهودًا نظريّةً و عمليّةً كبيرةً ، و لكنّه يتطلّب عملَ فريقٍ من الباحثينَ ذوي العَددِ و العُدَد والاختصاصات و الاهتماماتِ المنهجيّة والعلميّة المختلفةِ . و قوامُ هذا الرّأي أن ننتقيَ من المصادرِ ، مصادرِ الأدبِ واللّغةِ و المعاجمِ و كتُب النّوازلِ الفقهيّة ، و من كتب الآداب والمواعظ والحكم والتواريخ، و النوادر و الأخبار و الحكايات واللطائف و رقائق الأشعار، وغيرِها، عددًا من الموادِّ و الظّواهرِ و مئاتٍ من الألفاظِ و الأسماءِ و الأمثلةِ والنّماذجِ و الرُّؤى التي تزخَرُ بها ، ممّا يُتداولُ في عصرِنا أو يُجيبُ عن أسئلتِه أو بعضِ أسئلتِه ، أو له بها اتّصالٌ ، فيكون هذا الانتقاءُ جاريًا على جزءٍ كبيرٍ من التّراثِ الذي هو في الأصلِ إنتاج علميّ ضخمٌ كُتب له البقاءُ ؛ لِما يتضمّنه من عمقٍ في النّظرِ و جهدٍ في الإنجازِ و التّوليدِ، فلا يصحّ أن يُستغْنى عنه لمجرّدِ تبدّلِ العصرِ و أن تُسْتَعارَ نماذجُ حديثةٌ مستَنْبَتَة من بيئةٍ غريبة ، وُضعت في الأصلِ لتُعالِج قضايا خاصّة بمُنتِجيها .
فالمَعاجمُ العربيّة القديمة مثلاً ، تضمّ آلافًا من المفرداتِ اللّغويّة التي ما زالت تصلُح للتّداولِ اليوم ، و لكنّها مهمَلة في بطونِ المعاجمِ تُعاني من غربةٍ شديدةٍ فُرِضت عليها ، بسبب ضعفِ هِمَم البحث و قلّةِ من يتصفّحُ المعاجمَ لاستخراجِ المادّةِ اللّغويّة المعجميّة الصّالحةِ للاستعمالِ . و من الألفاظِ ما هو مستعمَل و لكنّ دلالته أصيبت بالتّغيّر عبر تاريخِ اللّغة ، و هذا يدلّ على حاجتِنا إلى « المُنْتَقى من الألْفاظِ لِما يُتَداوَلُ من المَعْنى المُراد » ، فالألفاظُ دفينةُ بُطونِ المعاجمِ، والمعاني متداوَلةٌ اليوم و لكن بألفاظٍ متفاوتة بين الفصاحةِ و الرّكّةِ والعُجمةِ و عدمِ الدّقّة ؛ فينبغي تغييرُ هذه الألفاظِ و البحثُ عن نظائرِها في المعاجم القديمة ، لتنزيلِها على معاني الأشياءِ و المفاهيمِ و ما إلى تلك الظّواهرِ المستعمَلة المتداولة . و بذلك نجعلُ لهذه المعاجم وظيفةً دلاليّةً و نُحدثُ لها نقلةً تاريخيّةً لنعيدَ إحياءَ ألفاظِها . و لا شكّ أنّ هذه المعاجم الضّخمةَ تشتمل على مادّة لغويّة غنيّة مستقاةٍ من الرّسائلِ اللّغويّة ، التي جمعَها اللّغويّون من أفواه الرّواة و من القبائلِ العربية الفصيحة و من الشّعرِ العربيّ ، الذي هو وعاءُ الأمّة و لسانُها المعبِّر عن أفراحِها وأتراحِها و أحوالِها و حضارتِها، أي أنّه مادّة مستقاةٌ من حضارةِ الأمّة في تاريخِها القديم، و ينبغي إعادةُ تشغيلِ هذه المادّة اللّغويّة الضّخمةِ ، و إعادة استعمالِها و توظيفِها في يومِنا الذي هو امتِدادٌ لأمْسِنا قبلَ أن يكونَ ابْتِداءً لغدِنا . و يُضافُ إلى المعاجمِ مصادرُ أخرى مكمِّلةٌ لها ، هي كتب الأدب و اللّغة و النّقد والبلاغة ، و كتبُ آدابِ الكتّابِ و صانِعي الكلامِ و كُتُب إصلاح المنطق ، لِما تتضمّنه من مادّة ثرّة . و يُنبَّه في هذا السّياق على أنّ حملاتِ التّحقيق العلميّ التي شملت هذه المصادرَ ، قد يسّرت لنا أسبابَ الرّجوعِ إليها و الإفادة منها ، و مهّدت السّبيلَ إليها ، و اختصرت طرقًا عويصةً تتعلّق بتقنيّات الكتابةِ و القراءة و استخراجِ النّصوصِ الأصليّة ، و لمّا بدأت مرحلة البحث و التّحليل و الدّراسة و استثمارِ النّصوصِ المحقَّقة ، بدأ الدّارسون يقدّمون هذه النّصوصَ إلى القرّاء بدراستِها من زوايا منهجيّة معيَّنة ، و بالتّركيز على جوانب من الظّواهرِ دونَ أخرى ، و إلقاءِ الأضواءِ على أركان دون أخرى؛ فصُنّفت الكتب المحقَّقة إلى مواضيع و إشكالاتٍ وظواهر ، و بُنيت دراسات كثيرة على مصادرَ غزيرةٍ فازداد اتّساع هذا التّراث ، و لكنّنا لم نستثمرْه الاستثمارَ العمليَّ الذي ينفض المصادر المحقّقة و المدروسة نَفْضًا ، و يُشيعُ ألفاظَها إشاعةً و نشرًا و تداولاً في الحياة اليوميّة و في الصّحف السّيّارة... فظلّت كتب التّراث ، و ما تبعها من أبحاث و مصنَّفات و دراساتٍ أكاديميّة، حبيسَةَ الجامعاتِ والأكاديميّات و رفوفِ المكتبات ، و لم يحصل لها أيّ أثر في الحياة لوجود حجابٍ حاجز يحولُ دون إخراج محتوياتِ المصادرِ إلى المجتمع والحياة اليوميّة ، بالمناسِب من مناهجِ التّنزيلِ و الإخراج .
و ما قيل في المعاجم و مصادرِ الأدب و اللّغة و النّحو و النّقد و البلاغة، يقال في كتب الفقه و الأصول و النّوازلِ و مصنَّفات الحديث و علومِ القرآن الكريم؛ فإن هذه المصادرَ تتضمن من الفوائد و المعاني الجليلة ما ينبغي أن يجد طريقَه و يتبوّأَ منزلتَه في عصرِنا ، ففي ذلك تمكين لهذه العلوم من توجيه الحياة العلميّة و إشاعةِ نوعٍ من القيم الرّوحيّة و العَقَديّة و الفكريّة و المادّية ، التي هي قيم مألوفة في تاريخنا لا غريبة عنه ، و لكنّها تسير نحو الغُربةِ و الغَرابة والاضمحلالِ كلَّما تَقدّم الزّمان و هيمنت حضارةُ الغرب و سادت قيمُه .
فهذه رؤيةٌ لا يبدو أنها عسيرة التّحقيق، و كلّ ما في الأمرِ أن تُرصَد وسائلُ لتيسيرِ البحث و استخراج المادّة المطلوبة ، و فِرَقُ بحث يساعدُ بعضُها بعضًا للتّغلّب على الكثرة الكاثرةِ من الألفاظِ و المعاني و طرقِ التّصنيف .
و بعد ذلك تُصنَّف الموادُّ المستخرَجة إلى أصناف و أبوابٍ ، بحسب المواضيع والمعاني و المجالات المُتَداوَلَةِ اليوم ، ثمّ تذيَّل بالمعلوماتِ اللاّزمة التي يُحتاج إليها في مجالِ التّداول و الاستعمالِ ، و تُنشَر في كتُب متخصّصة ودوريّات و مجلاّت ، و تُرفَع إلى السّلُطات الرّسميّة المكلَّفَة بالتّعليم ، لإدراجِها في مقرَّرات الدّراسة و توزيعِها على كتب البرامج التّعليميّة ؛ فتكون تلك الدّوائرُ الرّسميّةُ قد أسهمت في نشر علومٍ غنيّة ظلّت رهينةَ بطونِ المصادرِ و كتب التّراث عشراتِ السّنين ، و لكنّ إخراجَها إلى الوجودِ والتّداولِ و الاستعمالِ كفيلٌ ببعثِ مبادئَ حضاريّةٍ و قيم فكريّة و عقديّة ثمينة ، ترجعُ إلى الأمّة مجدَها التّليد، وتُعيدُ تركيبَ بنائها الحضاريَّ ، و تصحّح منطلقاتِه التي عبثت بها أيدي الاستعمارِ منذ قرون و قصَدت إلى تحريفِ مسار التّطوّر الحضاريّ الإسلاميّ لإلحاقه بمسار تطوّر أوربّا و الغرب . و هذا أمر لم يُفلِح فيه الاستعمارُ و لن يفلحَ فيه ؛ لأن هذه الأمّة استُنبِتت من جذورٍ قارّةٍ ، راسيةٍ ، عميقةٍ ، ضاربةٍ في التّاريخ ، و مثبَّتة بثوابتَ علميّةٍ و عقديّة مكينةٍ ، و أمر زحزحتِها عن أصولِها مستحيلٌ . و كلّ ما استطاعه العابثُ المستعمِر هو أن يشوِّشَ على تاريخ الأمّة ، ويثيرَ الغبَش في الأذهان ، و يشغلَ النّاشئةَ الجديدةَ بأنماطٍ جديدةٍ من الحياة الاجتماعيّة قوامُها التّفسّخ و الانحلال و حملُ الأجيال الجديدة على التّنكّر لمقوّماتِ الأمّة ، و لكنّ جهودَ إحياء التّراث بمقاصد تصحيح مسيرة التّاريخ وطردِ الغشبشِ عن الأذهان ، جعَل النّاشئين يرجعون من جديد إلى تصفّحِ تاريخِهم، و اكتشفوا أنهم كانوا يجرّون من وراءهم حضارةً شامخة و هم عنها غافلون، حضارةً اشترك في بنائها جموعٌ غفيرة من العلماء و المجاهدين والمصلحين و المربّين ، طيلةَ أزيدَ من عشرةِ قرون ، و آن لهم أن ينفضوا عنها شُبُهات المستعمِرين ، و تشويه الحاقدين ، و تحريف الغالين، و انتحال المبطِلين، و تأويل الجاهلين . و قد كان الاستعمار أحرصَ النّاس على إلحاق حضارة الإسلام و المسلمين بمصير الحضارات البائدة في أمريكا الجنوبية و يقيم بناءه على أنقاضها .
و لهذا فإن الأجيالَ الجديدة التي فتحت أعينَها على مدنيّة الغربِ الجارفة، ينبغي أن تفكّرَ تفكيرًا موضوعيًّا في هذه المدنيّة ، و تتأكّد من أنّها جاءت لتخدمَ مصالحَ قومِها فقط، لتُثْبت لهم السّيادة و الرّيادة في مرافق الحياة كلِّها ، و تجعل غيرهم تابعًا لهم و ملحقًا بهم لا يملك إلاّ الإذعان لمدنيّة الغرب . إن ناشئة الأجيال الجديدة مُطالَبون اليوم بإخراجِ تراثهم و إبراز معالِم حضارتِهم لمقاومةِ هذه الحركة العاتية : « حركة تغريبِ التّراث » و« حركة طمسِ الذّوات »، التي اتّخذت اليوم أشكالاً أخطرَ من أشكالِ الأمس و أدواتٍ أضرَّ بالأمة و أقوى تأثيرًا وأشدَّ ضراوةً و فتكًا و تنكيلاً من أدواتِ الأمس . فمن لم يستعصِم بحضارتِه وما فيها من قيم العقيدة و العلم و عناصرِ القوّة و الوحدة ، فإنه لن يثبُت أمام عواصف التّغيير و اجتثاث الجذور ، و سينتهي مصيرُه لا محالةَ إلى الزّوال .
و لا يتمّ استشعارُ هذه الأهمّية إلا بحركةٍ تعريبيّةٍ شاملةٍ تحقِّقُ للأمّةِ نهضتَها، ولا تقفُ عندَ مجرّدِ إحلالِ العربيّةِ محلَّ الأجنبيّة في الإدارةِ والتّعليمِ والاقتصادِ ، بل تَتَعدّى "تعريبَ التّعبيرِ" إلى "تعريبِ التّفكيرِ". والمقصودُ بتعريبِ التّفكيرِ ممارسةُ التّفكيرِ بطريقةٍ تراعي خصائصَ المجتمعِ العربيِّ برمّتِه، و تقوّي الشّعورَ بالانتماءِ إليه بدلاً من الانحصارِ في دائرةِ القوميّةِ الضّيّقةِ ، ذاتِ النّزعةِ الانفصاليّةِ .
و التّعريبُ المرجوُّ – أيضًا - هو الذي يُخلِّصُ الأمّةَ من الاتّباعِ الفكريِّ والثّقافيّ و الاقتصاديّ و السّياسيّ للغربِ ، و يضمنُ لها خصوصيّتَها وتفرّدَها و إثباتَ ذاتِها، و يُتيحُ لها حرّيةَ التّصرّفِ و الانفتاحِ على الآخَرِ في إطارِ المُثاقفةِ و التّبادلِ ، لاختيارِ ما ينفعُها و يُناسبُها ، من دونِ فرضٍ و لا إكراهٍ .
و التّعريبُ المرجوُّ أيضًا ، هو الذي يؤلِّفُ بينَ فئاتِ الشّعبِ العربيِّ اجتماعيًّا وفكريًّا ، و يوحّدُ وجهاتِ أنظارِهم، أو - على الأقلِّ – يقلّلُ من الفروقِ والخلافاتِ بينهم و يضمنُ للمعارفِ و العلومِ انتشارًا واسعًا ، باللّغةِ الأمّ . أمّا بقاءُ تداولِ المعارفِ والعلومِ باللّغاتِ الأجنبيّةِ ، فسيحصرُها في حدودِ فئةٍ ضيّقةٍ، هي فئةُ النّاطقينَ بتلك اللّغاتِ ، ويُحْرَمُ منها النّاطقونَ بالعربيّةِ؛ فتكون اللّغةُ الأجنبيّةُ حاجزًا كبيرًا يعوقُ انتشارَ المعارفِ التي حقٌّ مشاعٌ بين النّاسِ .
و التّعريبُ المرجوُّ هو الذي يُرادُ منه للعربيّةِ أن تتبوَّأَ مكانَها الطّبيعيَّ، فتكونَ اللّغةَ الأولى في الحياةِ و المجتمعِ و العلمِ و التّعليمِ . أمّا اللّغةُ الأجنبيّةُ فينبغي أن تُعطى قدرَ ما تستحقُّ ، دونَ تغليبِها على اللّغةِ الأمّ . و الأمثلةُ على تداولِ العلمِ و المعرفةِ باللّغةِ الأمّ كثيرةٌ جدًّا ؛ فقد استعرضَ الباحثون المهتمّون بقضيّةِ تعريبِ العلومِ في الجامعاتِ ، أمثلةً مناسبةً ، منها نموذجُ الدّانمارك الذي يدرّس موادّه في التّعليمِ بلغتِه ، مع العلمِ أنّه لا صلةَ له باللّغاتِ اللاّتينيّة أو الأنجلوساكسونيّة المعروفة، و نموذج اللّغتين الهنغاريّة والفنلنديّة و نموذج اليابانِ الذي يشهدُ بتفوّقِ اللّغةِ و التّقانةِ اليابانيّتين على الصّعيدِ الاقتصادي و العلميّ العالميّينِ، و كذلك النّموذج الصّينيّ ...
أمّا العربيّةُ فإنّها مؤهّلةٌ لأن تتبوّأَ مكانتَها في مضمارِ تعريبِ العلومِ وتداولِها ، أكثر من غيرِها ، و خاصّةً أنّها كانت في عهدٍ تاريخيٍّ غيرِ بعيدٍ إحدى اللّغاتِ القليلةِ لمن أرادَ أن يتعلّمَ العلومَ ، و وسيلةً للانفتاحِ على العالَم .
و لا يتمّ استشعارُ أهمّية اللغة العربيّةِ في معادَلَة: اللغة العربية والتنمية البشرية – أيضاً – إلاّ بالتدريب الفردي والجماعي على اتّخاذ اللغة العربية الفصيحَة لغةَ التفكيرِ والتّعبير والتواصل والتّداوُل، وتوظيفها في جميع المواقف والشؤون التي لها ارتباط بالتنمية البشرية الفردية والاجتماعيّة .
ولتحقيق هذه الغايةِ أقدّم تصوّرا منهجيّاً رأيًا في الموضوعِ ، أظنُّ أنّ تطبيقَه أمرٌ يسيرٌ لا يكلِّف جهودًا نظريّةً و عمليّةً كبيرةً ، و لكنّه يتطلّب عملَ فريقٍ من الباحثينَ ذوي العَددِ و العُدَد والاختصاصات و الاهتماماتِ المنهجيّة والعلميّة المختلفةِ . و قوامُ هذا الرّأي أن ننتقيَ من المصادرِ ، مصادرِ الأدبِ واللّغةِ و المعاجمِ و كتُب النّوازلِ الفقهيّة ، و من كتب الآداب والمواعظ والحكم والتواريخ، و النوادر و الأخبار و الحكايات واللطائف و رقائق الأشعار، وغيرِها، عددًا من الموادِّ و الظّواهرِ و مئاتٍ من الألفاظِ و الأسماءِ و الأمثلةِ والنّماذجِ و الرُّؤى التي تزخَرُ بها ، ممّا يُتداولُ في عصرِنا أو يُجيبُ عن أسئلتِه أو بعضِ أسئلتِه ، أو له بها اتّصالٌ ، فيكون هذا الانتقاءُ جاريًا على جزءٍ كبيرٍ من التّراثِ الذي هو في الأصلِ إنتاج علميّ ضخمٌ كُتب له البقاءُ ؛ لِما يتضمّنه من عمقٍ في النّظرِ و جهدٍ في الإنجازِ و التّوليدِ، فلا يصحّ أن يُستغْنى عنه لمجرّدِ تبدّلِ العصرِ و أن تُسْتَعارَ نماذجُ حديثةٌ مستَنْبَتَة من بيئةٍ غريبة ، وُضعت في الأصلِ لتُعالِج قضايا خاصّة بمُنتِجيها .
فالمَعاجمُ العربيّة القديمة مثلاً ، تضمّ آلافًا من المفرداتِ اللّغويّة التي ما زالت تصلُح للتّداولِ اليوم ، و لكنّها مهمَلة في بطونِ المعاجمِ تُعاني من غربةٍ شديدةٍ فُرِضت عليها ، بسبب ضعفِ هِمَم البحث و قلّةِ من يتصفّحُ المعاجمَ لاستخراجِ المادّةِ اللّغويّة المعجميّة الصّالحةِ للاستعمالِ . و من الألفاظِ ما هو مستعمَل و لكنّ دلالته أصيبت بالتّغيّر عبر تاريخِ اللّغة ، و هذا يدلّ على حاجتِنا إلى « المُنْتَقى من الألْفاظِ لِما يُتَداوَلُ من المَعْنى المُراد » ، فالألفاظُ دفينةُ بُطونِ المعاجمِ، والمعاني متداوَلةٌ اليوم و لكن بألفاظٍ متفاوتة بين الفصاحةِ و الرّكّةِ والعُجمةِ و عدمِ الدّقّة ؛ فينبغي تغييرُ هذه الألفاظِ و البحثُ عن نظائرِها في المعاجم القديمة ، لتنزيلِها على معاني الأشياءِ و المفاهيمِ و ما إلى تلك الظّواهرِ المستعمَلة المتداولة . و بذلك نجعلُ لهذه المعاجم وظيفةً دلاليّةً و نُحدثُ لها نقلةً تاريخيّةً لنعيدَ إحياءَ ألفاظِها . و لا شكّ أنّ هذه المعاجم الضّخمةَ تشتمل على مادّة لغويّة غنيّة مستقاةٍ من الرّسائلِ اللّغويّة ، التي جمعَها اللّغويّون من أفواه الرّواة و من القبائلِ العربية الفصيحة و من الشّعرِ العربيّ ، الذي هو وعاءُ الأمّة و لسانُها المعبِّر عن أفراحِها وأتراحِها و أحوالِها و حضارتِها، أي أنّه مادّة مستقاةٌ من حضارةِ الأمّة في تاريخِها القديم، و ينبغي إعادةُ تشغيلِ هذه المادّة اللّغويّة الضّخمةِ ، و إعادة استعمالِها و توظيفِها في يومِنا الذي هو امتِدادٌ لأمْسِنا قبلَ أن يكونَ ابْتِداءً لغدِنا . و يُضافُ إلى المعاجمِ مصادرُ أخرى مكمِّلةٌ لها ، هي كتب الأدب و اللّغة و النّقد والبلاغة ، و كتبُ آدابِ الكتّابِ و صانِعي الكلامِ و كُتُب إصلاح المنطق ، لِما تتضمّنه من مادّة ثرّة . و يُنبَّه في هذا السّياق على أنّ حملاتِ التّحقيق العلميّ التي شملت هذه المصادرَ ، قد يسّرت لنا أسبابَ الرّجوعِ إليها و الإفادة منها ، و مهّدت السّبيلَ إليها ، و اختصرت طرقًا عويصةً تتعلّق بتقنيّات الكتابةِ و القراءة و استخراجِ النّصوصِ الأصليّة ، و لمّا بدأت مرحلة البحث و التّحليل و الدّراسة و استثمارِ النّصوصِ المحقَّقة ، بدأ الدّارسون يقدّمون هذه النّصوصَ إلى القرّاء بدراستِها من زوايا منهجيّة معيَّنة ، و بالتّركيز على جوانب من الظّواهرِ دونَ أخرى ، و إلقاءِ الأضواءِ على أركان دون أخرى؛ فصُنّفت الكتب المحقَّقة إلى مواضيع و إشكالاتٍ وظواهر ، و بُنيت دراسات كثيرة على مصادرَ غزيرةٍ فازداد اتّساع هذا التّراث ، و لكنّنا لم نستثمرْه الاستثمارَ العمليَّ الذي ينفض المصادر المحقّقة و المدروسة نَفْضًا ، و يُشيعُ ألفاظَها إشاعةً و نشرًا و تداولاً في الحياة اليوميّة و في الصّحف السّيّارة... فظلّت كتب التّراث ، و ما تبعها من أبحاث و مصنَّفات و دراساتٍ أكاديميّة، حبيسَةَ الجامعاتِ والأكاديميّات و رفوفِ المكتبات ، و لم يحصل لها أيّ أثر في الحياة لوجود حجابٍ حاجز يحولُ دون إخراج محتوياتِ المصادرِ إلى المجتمع والحياة اليوميّة ، بالمناسِب من مناهجِ التّنزيلِ و الإخراج .
و ما قيل في المعاجم و مصادرِ الأدب و اللّغة و النّحو و النّقد و البلاغة، يقال في كتب الفقه و الأصول و النّوازلِ و مصنَّفات الحديث و علومِ القرآن الكريم؛ فإن هذه المصادرَ تتضمن من الفوائد و المعاني الجليلة ما ينبغي أن يجد طريقَه و يتبوّأَ منزلتَه في عصرِنا ، ففي ذلك تمكين لهذه العلوم من توجيه الحياة العلميّة و إشاعةِ نوعٍ من القيم الرّوحيّة و العَقَديّة و الفكريّة و المادّية ، التي هي قيم مألوفة في تاريخنا لا غريبة عنه ، و لكنّها تسير نحو الغُربةِ و الغَرابة والاضمحلالِ كلَّما تَقدّم الزّمان و هيمنت حضارةُ الغرب و سادت قيمُه .
فهذه رؤيةٌ لا يبدو أنها عسيرة التّحقيق، و كلّ ما في الأمرِ أن تُرصَد وسائلُ لتيسيرِ البحث و استخراج المادّة المطلوبة ، و فِرَقُ بحث يساعدُ بعضُها بعضًا للتّغلّب على الكثرة الكاثرةِ من الألفاظِ و المعاني و طرقِ التّصنيف .
و بعد ذلك تُصنَّف الموادُّ المستخرَجة إلى أصناف و أبوابٍ ، بحسب المواضيع والمعاني و المجالات المُتَداوَلَةِ اليوم ، ثمّ تذيَّل بالمعلوماتِ اللاّزمة التي يُحتاج إليها في مجالِ التّداول و الاستعمالِ ، و تُنشَر في كتُب متخصّصة ودوريّات و مجلاّت ، و تُرفَع إلى السّلُطات الرّسميّة المكلَّفَة بالتّعليم ، لإدراجِها في مقرَّرات الدّراسة و توزيعِها على كتب البرامج التّعليميّة ؛ فتكون تلك الدّوائرُ الرّسميّةُ قد أسهمت في نشر علومٍ غنيّة ظلّت رهينةَ بطونِ المصادرِ و كتب التّراث عشراتِ السّنين ، و لكنّ إخراجَها إلى الوجودِ والتّداولِ و الاستعمالِ كفيلٌ ببعثِ مبادئَ حضاريّةٍ و قيم فكريّة و عقديّة ثمينة ، ترجعُ إلى الأمّة مجدَها التّليد، وتُعيدُ تركيبَ بنائها الحضاريَّ ، و تصحّح منطلقاتِه التي عبثت بها أيدي الاستعمارِ منذ قرون و قصَدت إلى تحريفِ مسار التّطوّر الحضاريّ الإسلاميّ لإلحاقه بمسار تطوّر أوربّا و الغرب . و هذا أمر لم يُفلِح فيه الاستعمارُ و لن يفلحَ فيه ؛ لأن هذه الأمّة استُنبِتت من جذورٍ قارّةٍ ، راسيةٍ ، عميقةٍ ، ضاربةٍ في التّاريخ ، و مثبَّتة بثوابتَ علميّةٍ و عقديّة مكينةٍ ، و أمر زحزحتِها عن أصولِها مستحيلٌ . و كلّ ما استطاعه العابثُ المستعمِر هو أن يشوِّشَ على تاريخ الأمّة ، ويثيرَ الغبَش في الأذهان ، و يشغلَ النّاشئةَ الجديدةَ بأنماطٍ جديدةٍ من الحياة الاجتماعيّة قوامُها التّفسّخ و الانحلال و حملُ الأجيال الجديدة على التّنكّر لمقوّماتِ الأمّة ، و لكنّ جهودَ إحياء التّراث بمقاصد تصحيح مسيرة التّاريخ وطردِ الغشبشِ عن الأذهان ، جعَل النّاشئين يرجعون من جديد إلى تصفّحِ تاريخِهم، و اكتشفوا أنهم كانوا يجرّون من وراءهم حضارةً شامخة و هم عنها غافلون، حضارةً اشترك في بنائها جموعٌ غفيرة من العلماء و المجاهدين والمصلحين و المربّين ، طيلةَ أزيدَ من عشرةِ قرون ، و آن لهم أن ينفضوا عنها شُبُهات المستعمِرين ، و تشويه الحاقدين ، و تحريف الغالين، و انتحال المبطِلين، و تأويل الجاهلين . و قد كان الاستعمار أحرصَ النّاس على إلحاق حضارة الإسلام و المسلمين بمصير الحضارات البائدة في أمريكا الجنوبية و يقيم بناءه على أنقاضها .
و لهذا فإن الأجيالَ الجديدة التي فتحت أعينَها على مدنيّة الغربِ الجارفة، ينبغي أن تفكّرَ تفكيرًا موضوعيًّا في هذه المدنيّة ، و تتأكّد من أنّها جاءت لتخدمَ مصالحَ قومِها فقط، لتُثْبت لهم السّيادة و الرّيادة في مرافق الحياة كلِّها ، و تجعل غيرهم تابعًا لهم و ملحقًا بهم لا يملك إلاّ الإذعان لمدنيّة الغرب . إن ناشئة الأجيال الجديدة مُطالَبون اليوم بإخراجِ تراثهم و إبراز معالِم حضارتِهم لمقاومةِ هذه الحركة العاتية : « حركة تغريبِ التّراث » و« حركة طمسِ الذّوات »، التي اتّخذت اليوم أشكالاً أخطرَ من أشكالِ الأمس و أدواتٍ أضرَّ بالأمة و أقوى تأثيرًا وأشدَّ ضراوةً و فتكًا و تنكيلاً من أدواتِ الأمس . فمن لم يستعصِم بحضارتِه وما فيها من قيم العقيدة و العلم و عناصرِ القوّة و الوحدة ، فإنه لن يثبُت أمام عواصف التّغيير و اجتثاث الجذور ، و سينتهي مصيرُه لا محالةَ إلى الزّوال .

تعليق