حروف المعاني وبلاغة النص

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • علاء التميمي
    عضو نشيط
    • Oct 2014
    • 725

    #1

    حروف المعاني وبلاغة النص

    حروف المعاني وبلاغة النص
    الباحث: د. صلاح الدين محمد غراب
    المصدر: المؤتمر العلمي الدولي الأول - معالم التجديد في علوم اللغة العربية وآدابها - كلية اللغة العربية بالزقازيق - جامعة الأزهر - مصر، مج 1
    تاريخ النشر: 2009



    مقدمة
    بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحابته أجمعين.
    وبعد:
    فإن حروف المعانى فى اللغة العربية تمثل الروابط الدقيقة فى نظم الكلام البليغ، والناظر فى بلاغة الكلام يجد لها دورا فاعلا فى بناء هيكل الكلام وتوجيه معانيه، وقد اهتم علماء العربية بها من اللغويين والمفسرين وشراح الأدب، وبعض الدارسين المعاصرين وقد أردت بهذا المقال أن أجمع متفرقها وأشكل منها صرحا متكامل الأركان، واضح البنيان، وذلك بالحديث عن بلاغتها فى النص حديثا يعطى الملامح العامة ويكشف عن الأسرار البلاغية واللطائف الأسلوبية من نظمها فى بعض النصوص، وقد انتظم المقال هذه المحاور:
    الأول:
    حديث عن حروف الجر من حيث التكرار أو التنوع أو الذكر والحذف أو التقديم والتأخير.
    الثانى: حديث عن حروف العطف وبيان الحيثيات الدقيقة لحروف- الواو- والفاء- وثم.
    الثالث:
    حديث عن أدوات الشرط وقد تجاوزت به مقررات البلاغيين حول- إذا وإن ولو- وأسرار عدول صيغ الأفعال فى ظلال هذه الأدوات إلى تلك الأدوات التى تتركب منها مع غيرها أو تلك الأدوات التى تؤدى مؤداها فى الأسلوب.
    الرابع: حديث عن حروف النفي وقد بينت أنها ليست من الترادف في شىء، فهي وإن كانت جميعها تدل على النفي إلا أن كل نفى له درجته من التوكيد وعدمه وأن كل أداة لها خصائصها الأسلوبية.

    أولا-حروف الجر
    حروف الجر مصطلح له دلالته:
    وحروف الجر هو المصطلح الغالب على تلك الحروف العشرين التي ذكرها النحويون، وتسمى أيضا بحروف الإضافة وحروف الصفات.
    فأما كونها حروف جر فلأن الاسم يأتي بعدها مجرورا وهذا الجر تابع لحركة الفك الأسفل أثناء النطق.
    كما أن باقي علامات الإعراب من ضمة وفتحة وسكون إنما هو قائم على أوصاف حركات الفم.
    وسميت بحروف الصفات لأنها تحدث صفة في الاسم كالظرفية والبعضية والإستعلاء ونحو ذلك([1]).

    نظريات مقارنة:
    1-إذا نظرنا إلى- حروف الجر-في اللغة الإنجليزية وهى تترجم إلى-prepositions- ومعناها سابقة المكان؛ لأنها تكون قبل الاسم أو الضمير؛ فهي تسمية باعتبار المكان لا باعتبار العمل؛ ووصفها بالجر لا معنى له لأن اللغة الإنجليزية ليس فيها جر ولا رفع وحروف الجر فيها من الكثرة بمكان ومنها:
    At-in-into-of-off
    on –after-before-about-above-by-to-till-under-with
    ويلاحظ أن هذه الكلمات ليست خالصة للحرفية وإنما فيها بعض الظروف.
    2 - أن حروف الجر في العربية تتكون تكونا طبيعيا من الحروف الأحادي والثنائي والثلاثي والرباعي ولكن اللغة الإنجليزية تبدأ من الثنائي فأكثر.
    3-حروف الجر في العربية صالحة للدلالة الحقيقية والمجازية حسب مدخوله- نقول محمد على الفرس ومحمد على الهدى ومحمد في نعمة- فيعطينا الحقيقة ومبالغة المجاز ولكن في اللغة الإنجليزية يدور حول الحقيقة.
    فإذا أردنا أن نقول: محمد في البيت. قلنا:
    Mohamed is at home
    وإذا أردنا أن نقول: محمد في نعمة. قلنا:
    Mohamed is blessed
    وترجمتها: محمد منعم .
    ونقول محمد على الفرس. وترجمتها:
    Mohamed is on the horse
    Ali is right
    ونقول على على الحق: Ali is right
    وترجمها على محق.
    أو نقول: He has the right
    وترجمتها هو يملك الحق:
    والفرق الدلالى واضح بين فلان محق أو فلان يملك الحق وبين فلان على الحق، وهذه الفروق لا تظهر واضحة إلا في العربية.

    من ثرا ء الدلالة في حروف الجر:
    من العسير أن نلم بالأسرار البلاغية لحروف الجر في هذه الورقات وحسبنا أن نقدم نماذج تشهد بالإبداع وعمق الدلالة في التراكيب القرآنية.
    1- تكرار الحرو ف الجر:
    وهذا التكرار إما أن يكون بالحروف المكررة وإما أن يكون بتنوع الحروف.
    أ- تكرا ر الحروف المتماثلة:
    ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾([2]) فقد تكرر الحرف على- في الآية الأولى- وحرف
    الباء في الآية الثانية؛ وجاءت الآية الأولى في مقابلة الآية السابقة التي وصف الله فيها المتقين بأنهم ﴿ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ﴾([3]) حيث تشير- على- إلى التمكن من الهدى والاستقرار عليه بطريق المجاز ولاشك أن الاستعلاء أقوى أنواع التمكن فقوبل هذا الثناء بهذا الحجب والإقصاء لهؤلاء الكافرين الذين منعهم الله من نفاذ الإيمان إلى منافذ الإدراك فيهم- وهى- القلوب والسمع والأبصار - وبدأ بالقلوب لأنها أساس الفهم والإدراك ثم السمع لأنها المنفذ إلى القلب، ثم كانت الغشاوة على الأبصار لحجبها عن أدلة التوحيد؛ وفى اختيار حرف الجر- على- ما يدل على قوة المنع وعدم حصول فائدة إيمانية لهم على وجه الإطلاق؛ فالاستعلاء هنا استعلاء حجب وحرمان بطريق المجاز وإن كانت وسائل الإدراك موجودة لكنها عطلت، وقوله: (ومن الناس) هذه طائفة ثالثة هي طائفة المنافقين وهو من باب عطف القصة على القصة وقد أكدوا القول بإيمانهم بالله وباليوم الآخر بتكرير حرف الجر وجعلوا ذلك في إطار الجملة الفعلية التي تدل على تحقيق ذلك منهم في الماضي وهو مستمر في الحال؛ وكان
    الرد عليهم بالنفي المؤكد كذلك ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ بدخول حرف الجر على خبر-ما-النافية الدالة على النفي في الحال؛ وهو يستلزم النفي في الماضي من باب أولى وإذا كانوا قد اهتموا بالفعل وهو- آمنا- وجاءوا بالجملة الفعلية لذلك فقد جاءت الجملة التي تنفى عنهم الإيمان اسمية لأن الاهتمام فيها يكون للفاعل، أي: أنهم كاذبون في قولهم آمنا([4]).
    ويناظر تكرار حرف- على- ما جاء في قوله تعالى: ﴿أَفَرَءيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾([5]) نجد أن حرف- على - يمثل استعلاء القهر وقدرة الله النافذة حيث لا يجدى علم ولا ينفع سمع ولا قلب ولا بصر؛ فكل ذلك مقهور لله عز وجل، وذلك بسبب الكفر؛ ولذلك كان اختيار- على- وتكراره تجسيدا للقهر والغلبة التي أحاطت بوسائل الأدراك فأحبطت عملها وأزالت إدراكها.
    وكان الختم على السمع أولا هنا لأن الحديث عن كافر سمع ولكنه استكبر كما ورد في السورة- يسمع ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾([6]) و كان في البقرة على القلوب أولا لأن الحديث عن كافرين كفرهم أشد والختم على القلب أقوى.
    وتكرير حرف الجر في البقرة ثلاث مرات، وفى الجاثية مرتين يدل على أن توكيد الختم في البقرة أقوى واكد لأن الكفر أشد وأطغى؛ لأنه قال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾([7])فالإنذار وعدمه سواء بالنسبة لهؤلاء الكافرين ولذلك لا يرجى منهم إيمان، ولذلك قال: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَة﴾([8])بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام، وذلك بخلاف قوله في الجاثية:﴿ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾([9]) بالجملة الفعلية الدالة على التجدد والحدوث، والجعل معناه التصيير والتحويل ومعنى ذلك "أن الغشاوة لم تكن قبل الجعل- يدل على ذلك
    قوله تعالى:﴿ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾([10]) مما يدل على أنه كان مبصرا قبل ترديه"([11]).
    وقد يتكرر الحرف ليبين واقعا حقيقيا في عالم المخلوقات كما في قوله تعالى:﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ﴾([12]).
    فتكرار- ومنهم، وعلى-لاستقلال كل قسم عن الآخر، وإن الكل محط نظر واعتبار، وقد غلب جانب العقلاء لأن الكل سواء في الدلالة على قدرة الله وبديع صنعه.
    وكذلك وجد في قول الشاعر (الحصين المرى):
    فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا...ولكن على أقدامنا تقطر الدما
    نفلق هاما من أناس أعزة ... علينا وهم كانوا أعق واظلما
    يتمدح بالشجاعة على الأعداء والإقدام في الحرب حيث لم يجد لاستبقاء الحياة بعزة سوى التقدم كما قال:
    تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد ... لنفسى حياة مثل أن أتقدما
    ويدلل على شجاعة قومه؛ بأن الدماء والجراحات تقع على الأقدام لا على الأعقاب وجاءت الجملة الاستدراكية لتقرر أن الدماء والجراحات على الأقدام بعد أن نفت الجملة الأولى أنها تكون على الأعقاب وكل ذلك كناية عن شجاعتهم وقوة بأسهم، وبخاصة على نفر منهم كانوا يستحقون الإكرام ولكنهم بدأوا بالشر والعدوان، وانظر إلى قوله (أعزة علينا) وكيف أشاع حرف الاستعلاء- علينا
    -الواجب الذى كان عليهم نحوهم من الإكرام والإعزاز ولكنهم كانوا أسبق إلى العقوق والظلم فألجأونا إلى الانتقام([13]).
    ويقول الحارث الذهلى- الجاهلى:
    ووطئتنا وطئا على حنق ... وطء المقيد نابت الهرم
    وتركنا لحما على وضم ... لو كنت تستبقى من اللحم
    انظر إلى حرف الاستعلاء- على- وما أشاعه من القهر والذلة- على حنق- على وضم- اى: أن هذا الوطء أثر فيهم تأثير الحنق الغضبان كما يؤثر البعير المقيد إذا وطئ الشجرة وخص المقيد لأن وطأته أثقل. كما خص الحنق لأن إبقاءه أقل. وحكى عن العرب أعوذ بالله من وطئة الذليل؛ أى من يطأنى لأن وطأته أشد.
    كما قال امرؤ القيس:
    وأنك لم يفخر عليك كفاخر ...ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب
    كما أن قوله في البيت الثانى:
    وتركنا لحما على وضم:-.............
    مثل يضرب في الانقياد والذل ولذلك قالوا- النساء لحم على وضم إلا ما ذب عنه([14]).
    وانظر كيف أثر الشاعر تعدية الفعل- زرى- بحرف الاستعلاء- على- دون- الباء- حيث يعدى بهما؛ فيقال: زريت عليه فعله إذا عبت عليه فعله، وزريت به إذا وضعت منه وقصرت به. يقول الشاعر:
    فما أكبر الأشياء عندى حزازه ... بأن أبت مزريا عليك وزاريا([15])
    أدخل الشاعر- الباء- في خبر- ما النافية- بأن أبت-تأكيدا للنفى، وهى تقع في خبر- ما- وليس- كثيرا- ويؤثر حرف الاستعلاء في قوله عليك، وفى- علينا- المحذوفة أى وزاريا علينا- لأنه أراد العيب، والمراد أنه لا يحز في نفسى أن ترجع دون أن تظفر بطلبك وأنت عائب علينا ومعيب عندنا.
    وتأمل تكرار الباء في قول الشاعر:
    فلئن فلت هزيل شباه ... لبما كان هزيلا يفل
    وبما أبركها في مناخ جعجع ... ينقب فيه الأظل
    وبما صبحها في ذراها منه ... بعد القتل نهب وشل
    وتدور الأبيات حول ما فعله خال الشاعر في هزيل من القتل وبما ألجأها إلى أسوأ المنازل كالبعير وبما داهمها به في جبالها ومعاقلها من البطش والتقتيل والنهب، وقد رد ذلك إليه.
    وتأمل بعد ذلك قوله- لبما - وبما أبركها- وبما صبحها- وكيف آثر- الباء- الدالة كما يقول الشيخ/ محمود شاكر على "المقابلة والعوض والجزاء والبدل كما تقول- هذا بذاك" لان المعنى قائم على الفعل ورد الفعل.
    كما يلحظ رحمه الله من واقع نغم هذه الأبيات الثلاثة "أنها جيدة التقسيم، وبطء الحركة في البيتين الأولين- لاجتماع ستة
    زحافات فيهما- يوحى ببقية من غيظ قديم مكظوم ولاسيما في هذه الأنغام الثلاثة- لبما كان- و- بما أبركها - وبما صبحها - وتوحى أيضا بالتصميم الخفي والصلابة([16]).
    والباء الدالة على البدلية والعوض وردت كذلك في قول الشاعر:
    فما الرشد في أن تشتروا بنعيمكم ... بئيسا ولا أن تشربوا الماء بالدم
    ب- تكرار الحروف المتنوعة:
    ومن بديع الحروف في النظم أن تتكرر وتتنوع في الأسلوب الواحد مثل أسلوب القسم، تأتى الواو، والباء، والتاء، والواو أكثر استعمالا ولا تختص بلفظ الجلالة، وإنما تأتى معه ومع غيره، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾([17])، ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾([18])، ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾([19])، ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾([20]).
    وتأتى- الباء- مع الله ومع غيره كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾([21])، ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾([22]) وهى دالة على الطلب والاستعطاف .
    وأما التاء: فخاصة بالله عز وجل كما في قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾([23])، ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾([24]) وهى دالة على معنى التعجب والتفخيم.
    قال الزمخشري : "في قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾ فإن قلت ما الفرق بين الباء والتاء؟ قلت إن التاء فيها زيادة معنى وهو التعجب كأنه تعجب من تسهيل الكيد على يده وتأتيه لأن ذلك كان أمرا مقنوطا منه لصعوبته وتعذره"([25]).
    وفى قوله تعالى: ﴿۞إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾([26]) نجد أن- اللام- جاءت أولا للأربعة الأول، ثم جاءت- في- مع اثنين، ثم تكررت مع الاثنين الأخيرين، والعلة في ذلك كما يقول الزمخشري- للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره لأن- في- للوعاء فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ويجعلوا مظنة لها ومصبا، وذلك لما في فك الرقاب من الكتابة أو الرق أو الأسر، وفى فك الغارمين من الغرم من التخليص والإنقاذ ولجمع الغازي الفقير أو المنقطع في الحج بين الفقر والعبادة وكذلك ابن السبيل جامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال.
    وتكرير-في- في قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السبيل فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين"([27]).
    كما أن اللام مشعرة بتملك الأربعة الأوائل لما يصرف إليهم.
    ولكن الأربعة الأواخر إنما هم محال لما يصرف إليهم من اجل إنقاذهم مما هم فيه ومن البين في ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾([28]) فقد أقسم الشيطان بأنه سيترصد لكل من يسلك طريق الحق ونلاحظ أنه قال: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، واللام تفيد الاختصاص في قوله: (لهم) أى: هم خصوصا أهل الحق والصلاح هم الذين يقعد لهم الشيطان في كل مكان يسلكونه ولذلك لم يقل: (في صراطك المستقيم) لدلالة- في- على خصوصية المكان وهو لا يريد مكان معينا وإنما يريد المكان على سبيل العموم أى: في أى مكان يرى فيه أهل الحق، وبعد ذلك ارتقى بطريق التراخي الرتبي في- ثم- ليحدد السبل التي ينفد فيها إلى أعدائه وهو يتسلل إليهم في خفية ولذلك عبر عن ذلك بالإتيان-لآتينهم- دون المجيء، وذكر جهتين-بــــــ/من — من بين أيديهم ومن خلفهم، وجهتين بــــــــ/عن- عن أيمانهم وعن شمائلهم.
    وحرف من يدل على أن بداية الإتيان إليهم يكون من الأمام ومن خلف، وأما إتيانه من اليمين والشمال فإنه يكون منحرفا عنهم وذلك من منطلق أن- من- للابتداء- وعن- للمجاوزة- وهذه فروق دقيقة في بلاغة استعمال الحروف قلما توجد إلا في العربية.
    نقول- جئته من يمينه- أى: أن ابتداء مجيئك كان من جهة اليمين.
    وجئته عن يمينه؛ أى: أن المجيء كان منحرفا عن اليمين.
    وجئته من عن يمينه؛ أى: أن بداية المجيء كان منحرفا عن جهة اليمين([29]).
    وانظر إلى قوله تعألى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾([30]).
    وقوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾([31]). تأمل قوله﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا- فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ تجد أن- فيها- ومنها- ترسم وترسخ مبدأ التعامل مع الأموال، والأمر الأول للأوصياء.
    يقول لهم- اجعلوها مكانا لرزقهم بأن تتجروا فيها وتتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها الإنفاق([32]).ويؤيد هذا المعنى قوله-صلى الله عليه وسلم - :(ابتغوا في أموال اليتامى التجارة لا تأكلها الزكاة).
    والأمر الثانى للورثة الذين يجتمعون لقسمة الميراث أمروا بأن يعطوا هؤلاء الحاضرين شيئا من التركة ترضية لهم وجبرا لخواطرهم، ولذلك قيل: ﴿ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ أى: مما ترك الوالدان والأقربون.
    ومما تراوحت فيه حروف الجر- اللام- و- إلى قوله تعالى من سورة الرعد: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾([33]) من سورة لقمان: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾([34]) ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾([35]) كل هذه الآيات ناطقة-بقدرة الله عز وجل حيث سخر هذه النجوم والكواكب لمصلحة الإنسان بما ينتج عنه من الليل والنهار وفصول السنة الأربعة، والفعل- يجرى- يدل على هذه الحركة الحثيثة المستمرة طوال هذه الحياة، وأن هذا الجري لهدف وغاية مقصودة، ثم إن هذا الجري سوف ينتهى عندما تصل الحياة إلى نهايتها. ولذلك تنوعت تعدية هذا الجري.
    فعندما عدى باللام الدالة على الاختصاص وبيان التعليل، كان المقصود الجري الدنيوي لإدراك أجل مسمى.
    وعندما عدى بإلى، كان المقصود الانتهاء إلى أجل مسمى في الأخرة التي ينتهى إليها كل شيء.
    التعديل الأخير تم بواسطة علاء التميمي; الساعة 03-06-2016, 06:00 PM.
  • علاء التميمي
    عضو نشيط
    • Oct 2014
    • 725

    #2
    2- حروف الجر بين الذكر والحذف:
    وتعظم مزية حروف الجر كذلك في الذكر والحذف مما يدل على أن الحرف طاقة قوية إذا ذكر تفاعلت هذه الطاقة مع السياق وأدت من المعاني ما لا يؤديه حذف الحرف.
    ومن ذلك قوله تعالى في سورة البقرة:﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا﴾([36]) وفى الأعراف فكلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾([37]).
    والأمر لآدم وحواء أن يأكلا مما تذخر به الجنة من ألوان المأكولات، ودلت كلمة- رغدا- على التوسعة لهما مما يرغبان فيه دون الشجرة، ولما لم تذكر كلمة- رغدا- الدالة على التوسعة في الأعراف عوض عنها بـــــ/من- في الأعراف للدلالة على التوسعة.
    وفى موطن آخر نجد- من- تذكر للدلالة على مزيد من التوكيد كما في قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾([38]) وقال في سورة مريم: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً﴾([39]) وهكذا الآيات المتناظرة في الشعراء، وفى ص، وفى طه حيث ذكرت- من- تجد الاستيفاء الكامل والتفصيل الشامل في التهديد والوعيد وشدة التخويف في الآيات السابقة واللاحقة فذلك موضع زيادتها والتأكد بإثباتها وحيث لا يتقدم تفصيل على ما ذكرناه أو تكون آى: التهديد لا تبلغ في اقتضاء مقتضاها نفوذ الوعيد فهذا يناسبه الإيجاز بحذفها([40]).
    وأحيانا تحذف- في- للدلالة على عمومية المكان كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾([41]).
    فقد ذكر قبلها ما يدل على العموم والإطلاق من قوله تعالى:﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾([42]).
    والسياق امتنان على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن الله جعلهم خلفاء في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها، وليس ذلك خاصا ببقعة معينة و إنما هو على سبيل العموم والإطلاق حيث ينتشرون بانتشار الإسلام في كل مكان دخل عليه الليل والنهار.
    وعندما تذكر- في- فإنها تدل على بقعة معينة من الأرض كما ورد في شأن فرعون وقومه كما قال تعالى: ﴿قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ([43]).
    وقال في القصص: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾([44])
    وقال لقارون: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ([45])
    والواضح من السياق أن المقصود بالأرض هي أرض مصر فجاء حرف الوعاء-في- لخصوصية المكان.
    وأما قوله تعالى على لسان يوسف: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾([46]) فإن الإضافة هنا لا تعطى عمومية الأرض كما في- خلائف الأرض- وإنما تعطى عمومية المخازن في أرض مصر، والفرق واضح فالخلفاء ينتشرون في الأرض ولكن المخازن كانت منتشرة في أرض مصر خاصة، ولذلك عندما ذكر التمكن قال:
    ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾([47])لأن تمكن يوسف خاص بأرض مصر.
    وقد تأتى من الدلالة على التراخي في التحدي كما قال تعالى في سورة يونس:﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾([48]).
    وقال في هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾([49]).
    وقال في البقرة: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾([50]) والآيات تدور حول تحدى العرب الذين بلغوا قمة الفصاحة والبلاغة أن يأتوا بمثل سورة من القرآن، وقد كان الكلام شعرا ونثرا من أنفس بضاعتهم ومن أشدها رواجا في أسواقهم الثقافية ومع ذلك "تحداهم وكرر عليهم ذلك التحدي في صور شتى متهكما بهم متنزلا معهم إلى الأخف فالأخف فدعاهم أول مرة أن يجيئوا بمثله، ثم دعاهم أن يأتوا بعشر سور مثله، ثم أن يأتوا بسورة واحدة مثله، ثم بسورة واحدة من مثله وأباح لهم في كل مرة أن يستعينوا بمن شاءوا ومن استطاعوا.... ([51]).
    2- حروف الجر بين التقديم والتأخير:
    من المعلوم أن حرف الجر يصاحب مجروره تقديما وتأخيرا ولذلك رأينا الحروف مع مجروراتها تتقدم أو تتأخر طبقا للمعنى المراد من السياق، فليست هي المقصودة بالذات بالتقديم والتأخير، وإنما المقصود ما دخلت عليه، ولما كانت لا تنفك عنه أدخلناها في هذا المبحث.
    وقد رأينا الكلام البليغ يتنوع ويتكاثر بسبب تقديم المجرور أو تأخيره، فمنه ما يدل على القصر، كما في قوله تعالى:﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾([52])، ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾([53]).
    وهكذا كل موضع يدل على إثبات الشيء للشيء ونفيه عن غيره فإنه يدل على القصر، كما في قوله تعالى: ﴿أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾([54])،﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾([55])، ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾([56]) وقد يأتي الجار والمجرور متقدما ولا يدل على القصر وإنما لمجرد الاهتمام وبيان النعمة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾([57]).
    وقد يقتضى المعنى المقصود التقديم مرة والتأخير مرة أخرى، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾([58]).
    وقال:﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ ﴾([59])
    وهاتان الآيتان وغيرهما مما هو متناظر معهما في التقديم والتأخير
    تشير إلى ما هو محرم شرعا من المطعومات وبخاصة من الحيوان والإهلال، رفع الصوت بالتسمية والتكبير عند الذبح ولكن كان لتقديم الجار ومجروره وتأخيره معنى بليغا ما كان ليكون لو جاء الكلام على منحى واحد فقوله: ﴿ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ قصد منها تحريم الذبح الذى أريد به التقرب لغير الله كالذبح حول الأضرحة والنعوش أو لمرور حاكم، وما إلى ذلك من العادات والتقاليد التي ما أنزل الله بها من سلطان ولا سند لها من الدين، فهذا الذبح محرم أكله حتى ولو ذكر اسم الله عليه.
    وأما قوله: ﴿ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ فالقصد منها تحريم الذبح الذى ذبح بغير اسم الله تعالى، كاللات، والعزى، أو أى اسم آخر كما كانت تفعل بعض الطوائف الدينية، فهذا الذبح محرم شرعا حتى ولو كان القصد منه التقرب إلى الله.
    فالآيتان تؤكدان الأمر الشرعي وهو أن الذبح يكون باسم الله وللتقرب به إلى الله، وبذلك تسد منفذي التحريم وهما:
    1 - التقرب لغير الله ولو باسمه.
    2 - التقرب لله بغير اسمه.

    تعليق

    • علاء التميمي
      عضو نشيط
      • Oct 2014
      • 725

      #3
      ثانيا: حروف العطف:
      تمثل حروف العطف كالواو والفاء وثم وأو، ثراء دلاليا في التراكيب حيث لا يقتصر أمرها على عطف الألفاظ وإنما لها دخل كبير في توجيه المعاني، كما لا يقتصر أمرها على معانيها اللغوية العامة، من كون الواو لمطلق الجمع، والفاء للترتيب والتعقيب، وثم للتراخي، وأو للتخيير، وإنما يتجدد لها من المعاني بتجدد التراكيب، ولذلك اتسعت دلالتها، وتكاثرت معانيها من تركيب إلى تركيب، وإليك بعض النماذج الكاشفة.
      فالواو: تأتى للمطلق الجمع: كما في قولنا جاء محمد وعلى.
      وتأتى للمصاحبة: في الوجود ، كما في قوله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾([60])
      وتأتى للترتيب: وهذا الترتيب يتنوع طبقا للمقام.
      فهناك ترتيب من القلة إلى الكثرة، كما في قوله تعالى: ﴿ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾([61])
      وترتيب من الكثرة إلى القلة، كما في قوله تعالى:﴿ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾([62])
      وترتيب من الأغلظ لما دونه، كما في قوله تعالى:﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيْرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوْذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيْحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوْا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا مِنْ دِيْنِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِيْ وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيْنًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِيْ مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ﴾ ([63]).
      وترتيب يدل على التصاعد في الشدة، كما في قوله تعالى:
      ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾([64])
      وترتيب من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾([65]).
      وترتيب من الثقيل إلى ما دونه، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ ﴾([66]).
      وترتيب من العظيم إلى ما هو أعظم، كما في قوله تعالى:﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.﴾ ([67])
      ويذكر الغرناطي:
      أن ذلك متبع في التكاليف والأوامر والنواهى أن الترقى يكون من الثقيل إلى الخفيف، وذلك على العكس في الوعد والوعيد([68])
      وتأتى للدلالة على لصوق الصفة بالموصوف، كما يقول الزمخشري في قوله تعالى:﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾([69]).
      وتأتى بعد- إلا- للدلالة على التأكيد والاهتمام، كما يقول أبو البقاء- نحو- ما من أحد إلا وله طمع وحسد، كما تدخل على الشرط المؤخر عن جوابه مثل- أكرم أخاك وإن عاداك، للدلالة على إكرامه في كل حال([70]).
      وتأتى داخلة على جواب- لما- الحينية للتأكيد، وكذلك- حتى إذا، كما في قوله تعالى:﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾([71])، ﴿حتي إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ - وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾([72]).
      وتأتى للدلالة على كمال الصفة في أصحابها، كما في قوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾([73]).
      وتأتى للدلالة على معنى التعجب، كما في قول الشاعر:
      فلما أجزنا ساحة الحى وانتحى ... بنا بطن حقف ذي ركام عقنقل
      فقد قيل إن جواب- لما- محذوف، والتقدير: فلما أجزنا ساحة الحى وانتحى بنا بطن حقف ... كان ما كان، وذهب الكوفيون إلى أن جواب- لما- هو- وانتحى بنا بطن حقف، والواو زائدة لمعنى التعجب([74]).
      والتعجب والتفخيم والتهويل ظاهر أيضا في- واو- رب في قول الشاعر:
      وليل كموج البحر أرخى سدوله ... على بأنواع الهموم ليبتلى
      وقول الآخر:
      وليل يقول الناس من ظلماته ... سواء صحيحات العيون وعورها
      وقد تأتى الواو لتدل على التشبيه كما تدل على المشاركة في الأحداث، في قولنا- جاء محمد وعلى، فعلى شارك محمدا في المجيء بحكم العطف عليه وإن لم يذكر الفعل معه، وكذلك تدل على المشاركة في التشبيه وإن لم يذكر معها.
      وقد أشار إلى ذلك المرزوقى في قول الشاعر:
      وأنا نرى أقدامنا في نعالهم ... وأنفنا بين اللحى والحواجب
      وأخلاقنا إعطاءنا وإباءنا ... أذا ما أبينا لا ندر لعاصب
      يتحدث الشاعر عن المشابه الخلقية والخلقية الموجودة بين ذوى قراباه تأكيدا لمنازع الرقة والشفقة الواجبة عليه نحوهم.
      فمن المشابه الخلقية أنه يقول- أننا نرى أقدامهم في النعال كأقدامنا في النعال، وأنفهم بين لحاهم وحواجبهم- كأنفنا- وذكر الأطراف لأنها تظهر للعيون والمشابه تتعلق بها أكثر.
      ويذكر من المشابه الخلقية، الأخلاق في الإعطاء والإباء فيقول: إن أخلاقنا كأخلاقهم، ولكنه لم يصرح بالتشبيه واعتمد على نظم الكلام، فقد قال: وأنا نرى أقدامنا في نعالهم- وكيف تكون أقدام رجل في نعال الآخرين؟
      هذا لا يكون إلا على معنى التشبيه، ولما أراد معنى التشبيه في الأخلاق اعتمد على العطف، يقول المرزوقى: فاعتمد على أن العطف على قوله: أقدامنا- يدل ويغنى لما يفيده من الاشتراك... ([75]). فالمشاهد أن الواو تقوم بدور فاعل على مستوى المفردات والجمل، وتكون بمثابة اللحمة الواصلة والسدة المتينة في نظم الكلام.
      وأنها لا تحذف إلا إذا جرت خيوط الوصل الداخلية في الكلام واستغنى بهذا الوصل الداخلي عن الوصل الظاهر، ولكل مقامه البليغ، وهذا واضح في باب الفصل والوصل، وقد يعطف بها الشى ء على نفسه أو على مرادفه إذا كان هناك تميز بخصوص فائدة، كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُد إلَهك وَإِلَه آبَاءَك إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق إلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾([76]) فإله آبائه هو إلهه، ولكن صح العطف لأن المعطوف فيه زيادة فائدة.
      التعديل الأخير تم بواسطة علاء التميمي; الساعة 03-06-2016, 05:55 PM.

      تعليق

      • علاء التميمي
        عضو نشيط
        • Oct 2014
        • 725

        #4
        واختصت الواو من بين حروف العطف بأنها يعطف بها حيث لا يكتفى بالمعطوف عليه، نحو: اختصم زيد وعمرو- ولو قلت اختصم زيد لم يجز ومثله- اصطف هذا وبنى- وتشارك زيد وعمرو- ولا يجوز أن يعطف في هذه المواضع بالفاء ولا بغيرها من حروف العطف([77]).
        وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾([78]) لأن الفعل استوى يقتضى أمرين.
        وأما قوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾([79])
        فقالوا فيه- إن- لا- الثانية زائدة لأمن اللبس. وكذا قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ﴾([80])([81])
        وهناك واو الحال، وواو الاستئناف، وواو التجريد وذلك مشهور في الدراسات البلاغية.
        ولا شك أن العطف بالواو أبرز ما فيه هو الاستقلال ولكن العطف بالفاء أبرز ما فيه هو الاتصال وترتب الشيء على الشيء كما يترتب الجزاء على الشرط، وهو معنى التعقيب، قال سيبويه: "والفاء تضم الشيء إلى الشيء كما فعلت الواو غير أنها تجعل ذلك متسقا بعضه في أثر بعضا"([82]).
        ولا شك أن هذا التعقيب نسبى يختلف باختلاف السياق.
        فقد تدل على التعقيب المباشر، كما في قوله تعالى: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾([83]).
        يقول الزمخشري: "لم قيل حتى إذا ركبا في السفينة خرقها بغير الفاء وحتى إذا لقيا غلاما فقتله بالفاء؟ قلت: جعل خرقها جزاء الشرط وجعل قتله من جملة الشرط معطوفا عليه، والجزاء قال: أقتلت فإن قلت: لم خولف بينهما؟ قلت: لأن خرق السفينة لم يتعقب الركوب وقد تعقب القتل لقاء الغلام"([84]) وقد تكون مدة التعقيب سويعات، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾([85])
        فالدخول في القبر بعد الموت يكون بقدر تجهيز الميت وهى مدة قصيرة، وقد يكون مجيء الحدث بعد ثلاثة أيام، كما في قوله تعالى عن ثمود:﴿ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ومِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ﴾([86]).
        ومنه في قصة لوط عليه السلام : ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾([87]) فتقارب الزمن ثلاثة أيام- في قصة صالح عليه السلام- وكذلك تقارب الزمن في قصة لوط عليه السلام حيث قال الله تعالى ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾([88]) فلم يمهلوا إلا ليلة يسرى فيها هود وأهله فإذا العذاب الذى جاءهم.
        ولم يكن هذا التقارب في قصة هود وشعيب عليهما السلام، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾([89])،﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾([90]) فجاءت الواو هنا لأن المقام "للجمع بين هذه الأخبار وإعلامهم بهذا الوعيد والتهديد، وبمجىء العذاب دون ما يشير إلى قربه بل في السياق ما يدل على بعده، كما في قوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾([91])، فلم يتوعدهم بالاقتراب بل دعاهم إلى الارتقاب"([92])
        وهكذا يجرى الأسلوب في القصص القرآني حيث تربط الأساليب بالوصل الظاهر، أى: بحروف العطف، وبالوصل الخفي، أى: تتصل الجمل بذاتها من نفسها كما هو الشأن في كمال الاتصال وشبهه.
        وقد تأتى الفاء لتدل على تتابع الأدوار واتصال الأطوار، كما في قوله تعالى: ﴿ وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾([93]).
        فالذاريات كما قال على بن أبى طالب رضي الله عنه: الرياح، والحاملات - السحب، والجاريات- الفلك، والمقسمات- الملائكة.
        والآيات تتحدث عن ظاهرة كونية هي سبب الحياة فقد جعل الله من الماء كل شيء حي، وهى تبدأ بالرياح التي تسوق السحاب، كما قال تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾([94]).
        وإذا بالسحاب يتجمع ويصبح مثقلا بالماء ثم ينزل ويملأ الأنهار والبحار وتسير السفن بما قسم للناس من أرزاق وغيرها على يد الملائكة فانظر إلى- الفاء- وكيف كانت عبارة عن مادة اللحام الواصلة بين هذه الأدوار، وكيف تتابعت من بدايتها حتى نهايتها وصارت كأنها حلقات في سلسلة واحدة، وذلك للتجانس والتناسب بين هذه الأشياء التي أقسم الله بها.
        يقول الزمخشري: ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات؟
        قلت: إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود، كقوله:
        يا لهف زيابة للحارث الصــــــــــ ... ـــــــــــــــــابح فالغانم فالأيب
        كأنه قيل الذى صبح فغنم فأب.
        وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه، كقولك: خذ الأفضل فالأكمل، واعمل الأحسن فالأجمل.
        وإما على ترتبها موصوفاتها في ذلك، كقوله؛ رحم الله المحلقين فالمقصرين([95]).
        فإذا وحدنا الموصوف أفادت الدلالة على ترتيب الصفات في الفضل.
        وإذا تعدد الموصوف أفادت ترتيب الموصوفات في الفضل([96]).
        وتأمل الفاء الدالة على تخصيص الحدث بالمعمول المتقدم، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾([97]).
        تجد غاية البلاغة في هذه الفاء حيث ربطت الإنذار بالقيام الذى يعنى العزم والتصميم والنشاط والقوة في التبليغ، وكأن قيامه لا ينبغي أن لا يكون إلا للإنذار، وخصه لأنه كان في بداية الدعوة والطابع العام للدعوة في هذا الوقت كان الإنذار .
        وصلب الإنذار أن يعلم الناس أن- الله أكبر- فجاءت الفاء لتربط هذا التكبير بالله خاصة، والطريق إلى ذلك هو التطهير المعنوي والمادي من كل ما يعوق الإنسان عن تكبير الله عز وجل، ومن ملازمات هذا التطهر هجر كل ما دون الله عز وجل من أوثان وغيرها، ولذلك اختص الهجر بها، وإذا كان قد أمره بالهجر وحدد له حيثيته فقد نهاه عن استكثار ما يعطيه، وهذا النهى وجه أخر من وجوه الهجر الذى يتعلق بالمن والأذى على المنعم عليه.
        ثم كانت الخاتمة: ﴿ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ فارتبط الصبر بكل ما أمره الله به، وهو يشمل الصبر على الأوامر والصبر عن النواهي.
        ونلحظ أنه ذكر اسم- الرب- مرتين- وربك فكبر- ولربك فاصبر، ولعل ذلك لأن الربوبية فضل وإنعام وهو عز وجل قد أنعم على رسوله صلى الله عليه وسلم بنعمة النبوة والإرسال، وأنعم على أمته بنعمة الاقتداء والاتباع، وذلك هو ما يجب أن يتذكره في الوقت الأول من عمر الدعوة حيث لم يكن هناك تكليف بعد.
        وبعد أن ارتبط كل حدث بمعموله بالفاء- جاءت- الواو- بين هذه الجمل لتجمع معانيها- كلها في شخص- المدثر- عليه الصلاة والسلام.
        وتأمل الفاء، وثم في قول جعفر الحارث:
        أتتنا فحيث ثم قامت فودعت ... فما تولت كادت النفس تزهق
        تجد أن الشاعر استخدم- الفاء- في ربط الأحداث المتوالية، ولما كانت هناك مهلة بين التحية والقيام استخدم حرف- ثم-([98]).
        ولا يقتصر عمل- الفاء- على إقامة هيكل الأحداث مرتبا بعضها على بعض بل إن لها دخلا في مطل الحدث وزمنه حتى يلتقى بالفعل الذى يليه.
        يقول المرحوم الشيخ محمود شاكر: "أما الفاءات التي بدأت منذ البيت السادس عشر([99])، وتتابعت حتى آخر مقطع الغناء فهي التي أكسبت الغناء هذا التجدد والتدفق، لأن الفاء تحرك الزمن في الفعل الماضي وتمده وتمطله حتى تبلغ به أول الزمن في الفعل الذى يليه، وهكذا دواليك حتى تنقطع الفاءات وأنت واجد فرقا لا يوصف في حركة الزمن بين قولك- نام وأفاق ولبس ثيابه وخرج ولقى صديقه وانطلقا وقولك: نام فأفاق فلبس ثيابه فخرج فلقى صديقه فانطلقا"([100]). ومن حروف العطف التي تشارك- الفاء- في الترتيب- ثم-ولكنها تختص بالتراخي وهو المهلة، وهما يجتمعان في كثير من الكلام الذى تتراوح أحداثه بين التعقيب والمهلة، كما في قوله تعالى:
        ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾([101]) فالأحداث المتعاقبة جاءت بالفاء- خلقه فقدره- أماته فأقبره- والأحداث المتراخية جاءت ب- ثم- تيسير السبيل-ثم الإماتة- ثم النشر.

        تعليق

        • علاء التميمي
          عضو نشيط
          • Oct 2014
          • 725

          #5
          ولا يقتصر أمر- ثم- على هذا المعنى وإنما تتعدد معانيها وتتكاثر إبداعاتها عندما تتعدد مواطنها السياقية فنجد لها ظلا ظليلا في كل موطن، وإليك بعض هذه المواطن.
          التراخي الذى لا يعلمه إلا الله تعالى- كما في قوله تعالى:﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾([102]).
          التراخي المعلوم بالأيام كما في الحديث عن أطوار الجنين في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾([103])
          فكل طور من هذه الأطوار- النطفة، والعلقة، والمضغة- يمكث أربعين يوما كما ورد في الحديث.
          3- التراخي المعلوم بالسنين كما في قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُون﴾([104]).
          4- التراخي الذى لا يعلم إلا بعد موت الإنسان، كما في الآيات السابقة ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾.
          5- التراخي الرتبي الدال على مرتبة أعلى من سابقتها، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾([105]).
          ومنه قول الشاعر:
          لا يكشف الغماء إلا ابن حرة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها
          6- الترتيب الرتبي الدال على أن ما بعد-ثم- أعظم في الدلالة مما سبقها، وإن كان متقدما عليه، كما في قوله تعالى :﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾([106]).
          7- التراخي التأسيسى الدال على أن ما بعد- ثم- أقوى واكد مما قبلها كما فى قوله تعالى ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ* ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ* كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ* لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ* ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾([107]).
          وليس هذا من باب التكرار وإنما-ثم- دلت على أن الإنذار الثانى أبلغ من الأول وأشد، وقوله: ﴿ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا ﴾ عطفا بـــــــــــــــ"ثم " كذلك تغلظيا في التهديد وزيادة في التهويل"([108]).
          8- التراخي الاستبعاد أى: أن ما بعدها يكون مستبعدا بالنسبة لما قبلها لوجود ما يقلعه من أصله، كما في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴿1﴾ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾([109]).
          فقوله: ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا - ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ثم تدل على استبعاد ما بعدها لوضوح قدرته تعالى في خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، وكذلك خلق الإنسان من طين ومن نطفة أى استبعاد أن يعدلوا به غيره أو أن يمتروا فيه بعد أن ثبت أنه خالقهم ومحييهم ومميتهم وباعثهم([110]).
          وكذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ﴾([111]).
          فبعد معجزة البقرة الدالة على صدق موسى- عليه السلام- وعلى قدرة الله عز وجل كان جديرا باليهود أن يؤمنوا وتلين قلوبهم إلى الإيمان، ولكن حدث منهم ما كان مستبعدا مع هذه المعجزات وهو قسوة قلوبهم.
          9- التراخي الدال على التألم النفسي كما في قوله تعالى:﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾([112]).
          فالمسلمون قد انهزموا بعد نصر- حنين- وعظمت عليهم الشدة وضاقت عليهم الأرض الواسعة وضاقت عليهم أنفسهم وولوا مدبرين، وبعد أن ثابوا إلى رشدهم والتفوا حول رسولهم صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله سكينته عليهم تحولت هزيمتهم إلى نصر مبين.
          وقد عبر القرآن عن هذه الأحوال بـــــ"ثم لأن فيها من الشدة والضيق وانتظار الرحمة ما يجعل الزمن القصير طويلا والنفس البشرية بطبيعتها تستطول زمن الشدة وتستبطئ مجيء النصر حتى ولو كان الوقت قصيرا.
          وتقول عمرة في رثاء ولديها:
          شهابان منا أوقدا ثم أخمدا ... وكان سنا للمدلجين سناها
          إنها تتوجع وتتألم لفقد ابنيها قبل التمام والكمال فقد كانت نارهما هادية للضيفان من البرد والجوع وشقة السفر ولكن ما إن شبا حتى أخمدت نارهما- فهي أحوال سريعة ولكن- ثم- أبانت عن هذه الآلام النفسية التي تعتريها ومثله قول الآخر:
          وأذكر أيام الحمى شم أنثنى ... على كبدى من خشية أن تصدعا
          10- التراخي الدال على الترقى في درجات المدح. كما في قول الشاعر:
          إن من ساد ثم ساد أبوه .... ثد قد ساد قبل ذلك جده
          "فالمقصود ترتيب درجات معالى الممدوح فبدأ بسيادته ثم بسيادة أبيه ثم بسيادة جده، وإن كان سيادة الأب مقدمة في الزمان على سيادة نفسه"([113]).
          11- التراخي الدال على اتصال الأحوال، كما في قول الشاعر:
          وفى فرس نهد عتيق جعلته ... حجابا لبيتى نم أخدمته عبدا([114])
          12- التراخي الدال على الحركة . كما في قول الشاعر:
          وفتوا هجروا ... ثم أسروا ليلهم حتى إذا انجاب حلوا
          يتحدث الشاعر عن الفتية الأشداء الذى خرجوا معه لطلب ثأر خاله وأنهم تحملوا نصب الصحراء وقسوة الهاجرة، ثم قال- ثم أسروا- فدل ذلك على حركتهم المتتابعة التي استغرقت وقت الهاجرة كلها حتى جاء الليل واستمر السير في الليل كله بلا انقطاع ولم يعطف بالواو "لأن العطف بالواو يجعل الكلام كأنه إخبار عن أفعال كانت في زمن وانقضت ولا يراد بها غير الخبر أما- ثم- فهي بطبيعتها تحمل معنى الحركة والتتابع بلا نظر إلى الزمن المقيد كما قول: صعد في الجبل ثم وقف على قمته ثم نظر ثم رمى بنفسه فهوى- ومعنى الحركة والتتابع ظاهر كل الظهور فيما ذكره الله سبحانه وتعالى من أمر الوليد بن المغيرة المخزومى لما تعرض
          لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سمع القرآن: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴿18﴾ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿19﴾ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿20﴾ ثُمَّ نَظَرَ﴿21﴾ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴿22﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ﴿23﴾ فَقَالَ إِنْ هَـذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾([115])([116])
          ومعلوم أن هذه الحركة المتتابعة انطلقت من التفكير والتقدير في القرآن وتطورت إلى مراحل أخرى أشد واكد في النفرة والتباعد حتى سيطرت عليه سيطرة أفقدته الوعى بما يقول، وجاءت الفاء- فقال- لتدل على عدم تأنيه في الحكم، وقال الزمخشري: "لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب لم يتمالك أن نطق بها من غير تلبث"([117])
          13- التراخي النسبي الذى يتفاوت من شخص إلى شخص، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾([118]).
          14- التراخي الدال على التردد والحيرة كما في قوله تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾([119]).

          تعليق

          • علاء التميمي
            عضو نشيط
            • Oct 2014
            • 725

            #6
            ثالثا: أدوات الشرط:
            وأدوات الشرط في العربية تصل إلى أربع عشرة أداة وكل أداة لها مسارها المعين في الأسلوب البليغ، ومن الثابت من خلال النصوص أن الأداة لا تثبت في مكانها الأصلي ولكنها تنتقل في السياقات المختلقة فتظهر بأكثر من وجه فتنفث في السياق كثيرا من الإبداع الذى يستشف من وراء العدول في الصيغ التي تصاحبها.
            وإذا كان البلاغيون لم يتناولوا من هذه الأدوات سوى ثلاث:
            وهى- إن- وإذا-ولو- بحجة أنها هي التي تظهر فيها المعاني اللطيفة والمباحث الشريفة كما قال السبكي([120]): فإن ذلك لا يعنى أن غيرها ليس فيها من اللطائف والأسرار ما يجعلنا نغض الطرف عن النظر بل إن غيرها يحتاج إلى تأمل واستقصاء نظر كذلك، وبخاصة تلك الأدوات التي تنتقل من الظرفية إلى الشرطية: مثل- إذ ما- وحيثما- وأينما- فإن- إذ- في الأصل ظرف للزمان الماضي فإذا ركبت مع ما وصارت إذ ما- نقلتها إلى الحرفية وأعطتها معنى إن الشرطية وخصتها بالاستقبال وصارت بمنزلة- إن- الشرطية كما هو مذهب سيبويه وقال الشاعر:
            وإنك إذ ما تأت ما أنت آمر ... به تلف من إياه تأمر أتيا
            وكذلك- حيث-و- أين- ظرفان للمكان المبهم، فإذا ركبتا مع-ما-صارا – حيثما-و – أينما- ودخلتا في باب الشرطية الدالة على العموم، وإن كان عموم- أينما- أكثر من عموم- حيثما- حيث دلت- أينما- على عموم المكان وذلك من خلال مجيئها أربع مرات في القرآن الكريم. ([121])
            وقوله: حيثما- جاءت مرتين في الآيات التي تتحدث عن تحويل القبلة في سورة البقرة: آية 144 ، 150، فقد قال الله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾([122]).
            فهاتان الآيتان تتحدثان عن خصوص أماكن الصلاة والتوجه نحو القبلة.
            ولكن الآيات الأربع السابقة تتحدث عن قدرة الله عز وجل في الإتيان بالناس يوم القيامة من جميع أنحاء الأرض، وعن قدرة ملك الموت النافذة في الوصول إلى الإنسان في أى مكان حتى ولو كان معتصما في البروج المشيدة، وعن اتساع الجهات التي يذهب إليها هذا العبد العاجز فلا يأتي بخير، وعن أخذ المنافقين وأصحاب الوشايات بالقوة والتقتيل في أى مكان وجدوا.
            بل إن هذه الأدوات المشهورة وهى- إن، وإذا، ولو- قد تركب مع غيرها فتزاد معانيها قوة ووكادة فمثلا- إن- الشرطية قد تزاد عليها- ما- فتصبح- إما- كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾([123]).
            فإراءته-صلى الله عليه وسلم- لبعض ما وعد الله به الكافرين في الدنيا من القتل أو الأسر وغير ذلك كان محققا ولكنه لما كان مجهول الزمن كزمن الوفاة جاءت- إن- الشرطية وزيدت عليها-ما- توكيدا وإبهاما- وكذلك قوله تعالى:﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ﴾([124]).
            فمريم قد انتبذت بحملها مكان قصيا، وجاءها المخاض في هذا المكان النائى وليس فيه أحد فجيء بـــــــ - إن الشرطية الدالة على الندرة والقلة وزيدت- ما- توكيدا وإبهاما- والحديث إذا كان محققا ومجهول الزمن فالمناسب له- إن- الشرطية وكذلك إذا كان نادر الوجود بمعنى أنه لا يقع إلا قليلا- كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لِإِلَى اللَّه تُحْشَرُونَ﴾([125]) وقوله:﴿ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾([126])
            ويأتي القسم مع- إن- الشرطية- والقسم يكون لتحقيق حصول الجواب عند حصول الشرط، ففي قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لِإِلَى اللَّه تُحْشَرُونَ﴾ يتحقق الحشر إلى الله تعالى بتحقق الموت أو القتل، ولما كان ذلك مجهول الزمن جاءت- إن- الشرطية لتناسب الندرة مع الجهل بالزمن.
            وكما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾([127]).
            فالقسم لتحقيق الجواب عند تحقيق الشرط، ولكن الشرط مستحيل الوقوع لأنه يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم ويستحيل أن يتبع قبلتهم ولكنه مذكور على سيبل الفرض فناسب ذلك- إن- الشرطية، ثم إنه تعريض بغيره على حد قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْت لَيَحْبَطَنَّ عَمَلك , وَلَتَكُونَن مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾([128]).
            وقد يأتي القسم مع- إن- الشرطية ويتحقق الجواب لا لتحقيق الشرط بل لرفضه من الواقع كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾([129]).
            ومنه قول الشاعر:
            لئن كنت قد بغلت عنى وشاية ... لمبلغك الواشى أغش وأكذب
            وتأتى- إن- الشرطية مع- لا- النافية- فيتعاونان على إبراز الندرة التي لا ينبغي أن تكون إلا على سبيل الفرض والتقدير وكأن- إن- بوضعها الدال على القلة تجد هواها مع- لا- الدالة على النفي فيتعانقان ويشكلان بالإدغام جسدا واحد هو- إلا- تكون أقدر في باب الوعيد والتهديد كما في قوله تعالى:﴿ إلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾([130]).

            تعليق

            • علاء التميمي
              عضو نشيط
              • Oct 2014
              • 725

              #7
              وكذلك الأمر بالنسبة لــــــــــــ - إذا - المشهور فيها أنها تدخل على المقطوع بحصوله، ولكن قد تزاد عليها-ما0 فتصبح- إذا ما- وهنا يزاد المقطوع بحصوله تأكيدا وقوة في وجوده. كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾([131]).
              مع قوله تعالى:﴿ وإذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَانًا وهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾([132]).﴿ وإذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾([133]).
              فكون المنافقين الأثرياء يستأذنون الرسول- صلى الله عليه وسلم- في أن يظلوا في المدينة ولا يخرجوا إلى الجهاد ويرضوا بذلك فهذا أمر محقق وواقع معلوم اكتفى فيه بـــــــــــــــــ- إذا- ولا يحتاج إلى تأكيد ولكن عندما يتطاولون إلى ما هو أبعد من ذلك ويتساءلون- أيكم زادته هذه إيمانا- فهذا أمر مستغرب ثم تطور أمرهم إلى المخاتلة وخداع الجالسين للوز بالفرار- نظر بعضهم إلى بعض- فهذا امر مستغرب كذلك فاقتضى- أن تشفع- إذا- بــــــــــ- ما لتعطى الكلام قوة التأكيد مع قوة التحقيق.
              وكذلك الحال بين قوله تعالى:﴿ حَتَّى إذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾([134]). ﴿ حَتَّى إذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾([135]).
              وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى إذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وأَبْصَارُهُمْ وجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾([136]).
              فكون النار تفتح أبوابها عند مجىء أهلها فهذا أمر محقق، وكذلك أهل الجنة يجدونها مفتحة، ولكن عندما يجئ أهل النار وتشهد عليهم جوارحهم فهذه من الأمور المستغربة ولذلك يقابلونها بالإنكار- لم شهدتم علينا- قالوا- أنطقنا الله الذى أنطق كل شيء- فاحتاج- الموقف هنا إلى توكيد أكثر من التحقيق فكانت- ما- منبئة عن توكيد معنى الشرط الذى تضمنته- إذا- لقوة معنى الجزاء.
              يقول الزمخشري: ومعنى التأكيد فيها أن وقت مجيئهم النار لا محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم ولا وجه لأن يخلو عنها، ومثله قوله تعالى: ﴿ أَثُمَّ إذَا مَا وقَعَ آمَنتُم بِهِ آلآنَ وقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾([137]) أى لابد لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به([138]).
              وقال تعالى:﴿ ولا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا﴾([139]) زيدت-ما-مؤكدة على الشهداء حضور الشهادة عند الدعوة إليها بخلاف قوله تعالى:﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾.
              وقوله: ﴿ وأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾([140]) وذلك لأن الشهيد قد يتباطأ ويتكاسل أو ينكص عن الشهادة لأنه ليست له مصلحة خاصة به أو قد تلحق به ضررا فاحتاج إلى التوكيد([141]).
              وقد اهتمت الدراسات البلاغية بالشرط الذى يقع بعد- إذا-و- إن- من كونه مقطوعا بحصوله أو نادر الوقوع ولم تنظر إلى الجواب وارتباطه بهذا الشرط- وهذا الجواب قد يربط بالفاء- وذلك بشروط معينة- وقد يربط بإذا الفجائية- وقد يربط بهما معا- ولكل ذلك أسراره فالفاء وإن دلت على السببية كما ذكر النحويون إلا أنها ليست منحصرة فيها بل إنها قد تدل على التأكيد والتخصيص كما في قوله تعالى:﴿ فَإن طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾([142]) جئ بــــــــ "إن" الشرطية للدلالة على ندرة هذا الطلاق الثالث وجاء الجواب المقرون بالفاء- مرفوعا- على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره- فهي لا تحل له .... فهو يؤكد ويخصص هذه المرأة بهذا الحكم الشرعي على تقدير وقوع هذا الطلاق البائن بينونة كبرى.
              وأما مجيء- إذا- الفجائية في الجواب فكما في قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ إذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ إذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾([143]) فالشرط في معنى المستقبل المقطوع بوقوعه، ومرتبط بهذا الوقوع هذه المفاجأة وتغير الموقف بسبب هذه الدعوة التي توجه إلى الموتى فعلى الرغم من أنها دعوة واحدة إلا أن ما رتب عليها كان من السرعة والوجود من غير تلبث ما يثير المفاجأة، الدالة على اقتدار الداعي وعلى انصياع المدعو المطواع كما قال الشاعر:
              دعوت كليبا دعوة فكأنما ... دعوت به ابن الطود أو هو أسرع
              فــــــــــــ - إذا- الأولى شرطية- و- إذا- الثانية للمفاجأة- وهذه المفاجأة من شأنها أن تثير الذهن وتحرك الفكر وتوقظ الوجدان لهذا الأحداث المستقبلة وكأنها أحداث واقعية يعيشها الإنسان فهذه الجملة التي هي مدخول- إذا- الفجائية تمثل نتيجة الحدث المرتبط بــــــــــــــ -إذا - الشرطية وهما يمثلان مرحلة من مراحل البعث تبدأ بالدعوة وتنتهى بالخروج.
              والأمر كذلك بالنسبة لــــــــــــــ - لو- الشرطية الامتناعية وهل هذا الامتناع امتناع الأول لامتناع الثانى أو امتناع الثانى لامتناع الأول خلاف بين العلماء([144]) وللخروج من هذا الخلاف يمكن أن نعتمد على الأصل المعلوم في كون امتناعه سببا في الأمر المجهول . إذ المنطق يقتضى أن نستدل بامتناع المعلوم على امتناع المجهولة. كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾([145]) فعدم وجود الفساد هو المعلوم فيستدل به على امتناع تعدد الآلهة، فالمعلوم هنا هو الجواب.
              ولكن إذا كانت -لو- تدل على الامتناع والامتناع فيه بعد فإن- إن- الشرطية وإن دلت على البعد في صورة الندرة فإن البعد المستفاد من- لو- أبعد عن الوقوع من البعد المستفاد من- إن- الشرطية ولذلك تأتى في المستحيل كما في قوله تعالى: ﴿ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ ولَدًا لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ﴾([146]).
              وقال العكبرى: والأصل في فرض المحالات كلمة- لو-دون- إن-"([147]).
              وما من شك في أن العدول في صيغ الأفعال من الماضي إلى المضارع أو من المضارع إلى الماضي في ظلال أدوات الشرط له من الأسرار واللطائف الكثير والكثير، ويجب أن يضاف إلى ذلك النظر في نظم الجملة بعدها من كونها اسمية أو فعلية، وقد أشار الزمخشري إلى سر مجيء الاسم بعد- لو- في قوله تعالى: ﴿ قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنفَاقِ وكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا﴾([148]).
              وأنه للاختصاص وأن الناس هم المختصون بالشح المتبالغ- ونحوه قول حاتم: لو ذات سوار لطمتنى، وقول الملتمس: ولو غير أخوالى أرادوا نقيضتى([149]).
              وكانت هذه الإشارة الزمخشرية كفيلة بتوجيهنا نحو الجمل التي جاءت فيها- إن- و- إذا- الشرطيتان فنبحث عن أسرار مجيء الفعل أو الاسم بعدهما وذلك بالإضافة إلى المعنى المشهور لهما من كون-إن- للموقف الاحتمالي، و- إذا- للموقف المقطوع بحصوله- ففي قوله تعالى: ﴿ إذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾([150])، وقوله تعالى: ﴿ إذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ ﴾([151]).
              نجد أن دلالة الجملة في حيز- إذا- مقطوع بحصولها، ولكن لماذا قدم الفعل في الزلزلة- وقدم الاسم في الانشقاق والانفطار؟
              يقول الدكتور فاضل السامرائي: "فهذه من مواطن التهويل وذلك أن انفطار السماء وانتشار الكواكب، وتفجير البحار وبعثرة القبور كل ذلك مما يؤدى إلى الهول الكبير والرعب فقدمها لهذا الغرض ألا ترى أنه قال: ﴿زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ فلم يقدم الاسم وذلك لأن مشهد الزلزال واقع متكرر على الأعوام والأيام، وإن كانت هذه الزلزلة أعظم منها جميعا بخلاف المشاهد التي ذكرها فإنه لم يحدث أن انشقت السماء أو انفطرت أو انتثرت النجوم أو انفجرت البحار فالهول والفزع ههنا اكبر وأكبر فقدم ما قدم للتهويل"([152]).
              وكذلك الشأن في-إن- يليها الفعل ويليها الاسم ولكل أسراره. كما في قوله تعالي:﴿ وإن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإن بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾([153]).
              نجد أن الاسم المسند إليه- طائفتان- هو الذى وقع بعد- إن- الشرطية ولا شك أنه موضع العناية والاهتمام وأنه مرتبط بسبب النزول حيث وقعت الفتنة بين الأوس والخزرج وتطاول بعضهم على بعض بالأيدي والعصى والنعال، ثم أصلح الرسول-صلى الله عليه وسلم- بينهما فتقديمهما بعد- إن- الشرطية الدالة على القلة فيه تحذير وإنذار لهما بأن ما وقع لا ينبغي أن يكون إلا على سبيل الفرض والتقدير ثم عاد الكلام إلى أصله من مجيء الفعل بعد- إن- فإن بغت- لأنه مفرع على قوله- اقتتلوا- فعند الاقتتال يكون الصلح بينهما فإن لم تستمع إحداهما لنداء الصلح قوتلت حتى تفيء إلى امر الله. فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل.
              وقال تعالى: ﴿وإنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾([154]) جاء فيه الاسم-أحد- بعد- إن- الشرطية لأنه ملاحظ فيه التخصيص بعد العموم من قوله تعالى قبل ذلك: ﴿ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ﴾([155]) فإرادة التخصيص هذه هي التي دفعت بالاسم مقدما واليا - إن الشرطية-.
              وكذلك ننظر إلى نظم الجملة بعد لو فنجد أحيانا يقرن باللام وأحيانا يجرد منها، وهنا تأتى الأسرار البلاغية التي تترتب على هذه الفروق الأسلوبية.
              وذلك واضح في قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾([156])، ﴿ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾([157]).
              "فقال في أية الزرع ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ باللام في- لجعلناه- وقال في آية الماء ﴿ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ فلم يذكر اللام، وذلك لسر لطيف وهو أنه ذكر عمل الإنسان في الحراثة والزرع وبذل الجهد فيهما فقال: ﴿ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾([158]) فإن الزراعة والحراثة تقتضى بذل جهد كبير ليستوي الزرع على سوقه بخلاف آية الماء فإنه لم يذكر بذل جهد فيه للإنسان بل قال: ﴿ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أَمْ نَحْنُ المُنزِلُونَ﴾([159]) فآية الزرع ذكر فيها بذل الجهد والعمل بخلاف آية الماء فإنه لم يذكر فيها شيئا.
              ثم إن الإنسان إذا حرث وزرع وبذل جهدا ومراقبة حتى إذا استوى زرعه على سوقه وحان وقت الاستفادة منه أصبح حطاما. كان ذلك أشق شيء عليه لأنه يرى عمله وكده وإنفاقه ذهب هباء وضاع سدى ألا ترى إلى قوله تعالى فيما بعد: ﴿ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾([160])، ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾([161]) ومعنى- تفكهون- تندمون على اجتهادكم فيه وتذكرون الحرمان بعد التعب، والمغرم المثقل بالديون ثم انظر إلى فداحة الخسارة الاقتصادية بصيرورة الزرع حطاما وما ينتج عن ذلك من كوارث جسام تحيق بالبشرية.
              هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن الماء الأجاج يمكن تحويله إلى ماء عذب بالتقطير أو بغير ذلك من وسائل التحلية فيكون صالحا للاستعمال والشرب كما نرى ذلك في كثير من الأماكن، أما الحطام من الزرع فلا يمكن تحويله إلى حب أو فاكهة يأكل منها الإنسان فحالة الحرمان والخسارة فيه أكبر، فانظر الفرق بين الحالين... ([162]).
              وقال الزمخشري: "إن هذه اللام مفيدة معنى التوكيد لا محالة أدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب للدلالة على أن أمر المطعوم مقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم"([163]).
              وقال الألوسي: "إن اللام أدخلت في المطعوم دون المشروب؛ لأن جعل الماء العذب ملحا أسهل إمكانا في العرف والعادة والموجود من الماء الملح أكثر من الماء العذب، وكثيرا ما إذا جرت المياه العذبة على الأراضي المتغيرة التربة أحالتها إلى الملوحة فلم يحتج في جعل الماء العذب ملحا إلى زيادة تأكيد فلذا لم تدخل لام التأكيد المفيدة لزيادة التحقيق.
              وأما المطعوم فإن جعله حطاما من الأشياء الخارجة عن المعتاد وإذا وقع يكون عن سخط شديد، فلذا قرنه باللام لتقرير إيجاده وتحقيق أمره"([164]).
              وإذا كانت آية الماء صدرت بـــــ- لو- فقد ختمت بــــــ- لولا-:وهذا استثمار لأداة الشرط-لو - حيث زيدت عليها- لا – فصارت- لولا- ودخلت على الفعل لمعنى التحضيض أى الحث على الفعل- وبذلك تتماثل الأدوات في أول الآية وأخرها.
              وكما دخلت- هنا على الفعل المضارع للتحضيض فإنها تدخل كذلك على الفعل الماضي للتحضيض كما في قوله تعالى: ﴿ فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾([165]).
              وكذلك تأتى للتوبيخ والتنديم في الماضي كما في قوله تعالى:﴿ لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾([166]) ويجب أن نعلم أن- لولا- عندما تكون لامتناع الوجود فإنها تحل كثيرا من الإشكالات التي تتكاثر فيها آراء المفسرين وذلك واضح في قوله تعالى: ﴿ ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾([167]).
              فمن واقع الأسلوب ندرك أن همها به هو هم العزم والثبات والتصميم، ولذلك جاءت الجملة مؤكدة ﴿ ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ وجاءت الجملة الثانية ﴿وهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ على نظم آخر حيث كانت- لولا- هي أداة الربط بين طرفيها وقد كثرت أقوال المفسرين حول هم يوسف بامرأة العزيز، حتى وصلت إلى ما يقرب من تسعة أقوال منها- الميل بالمخالطة- الدفاع عن نفسه- الضرب- الطمع- الاشتهاء- الجلوس منها مجلس الرجل- إلى آخره، ولكن عندما نحكم معنى- لولا- في الجملة على هذا الوضع ﴿ لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ لهم بها- فإنها تدل على امتناع الهم من يوسف عليه السلام لوجود برهان ربه- أى: لم يقع منه هم البتة، ولذلك يقول الزمخشري: "ولو وجدت من يوسف عليه السلام أدنى زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره كما نعيت على آدم زلته"([168])
              وبرهان ربه قد يكون العلم الفطري الذى كره له هذه المقابح، أو العلم الإلهي- عن طريق الوحى، أو الإلهام- ونظير ذلك قوله تعالى في شأن موسى عليهما السلام:﴿ وأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾([169]).
              أى: لولا أن ربطنا على قلبها لأبدت به- لكنها لم تبد به لوجود الرباط وهو رباط التثبيت- وكذلك قوله تعالى: ﴿ لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ﴾([170]).
              ويناظر- لولا- في التخصيص- لو ما- كما في قوله تعالى: ﴿ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾([171]).
              ونشير كذلك إلى مستويات التعبير مع- لو- فإن الجملة معها ليست في مستوى واحد من التأكيد وعدمه ويتضح ذلك من قولنا:
              لو جاء زيد أكرمته.
              لو زيد جاءني لأكرمته.
              لو أن زيدا جاءني لأكرمته.
              فنجد أن المثال الأول: ليس فيه أكثر من تعليق الجواب على الشرط وربط أحدهما بالآخر:
              والمثال الثانى: كأنه رد على شك أو شبهة في إكرام زيد عند المجيء فيقدم الاسم وتأتى اللام في الجواب إعلاما بهذا الإكرام وأنه واقع لا محالة وأن زيدا موضع اهتمام وعناية أو بيان أنه هو المختص بذلك دون غيره.
              والمثال الثالث: يزيد على ما في المثال الثانى من الاهتمام أو التخصيص التأكيد الذى تعطيه- أن- والإشعار بأنه زيدا كان حقه أن يجئ وأنه بتركه المجيء قد أغفل حظه([172]).

              تعليق

              • علاء التميمي
                عضو نشيط
                • Oct 2014
                • 725

                #8
                رابعا: أدوات النفي:
                من المعلوم أن الكلام إثبات ونفى، والمتكلم يسوق المعاني في ظلال ذلك طبقا للغرض المسوق له الكلام، وتظهر بلاغة الكلام البليغ في كل الطرق التي يسلكها المتكلم، وعلى الرغم من أن أدوات النفي لم تحظ بالحضور في الدرس البلاغي إلا أنها كانت تظهر على استحياء في باب التقديم والتأخير كما ذكر عبد القاهر في الفرق بين- ما فعلت- وما أنا فعلت، وفى باب القصر- وفى- سلب العموم وعموم السلب، وفى بعض ألوان البديع وكان ينظر إلى كل حروف النفي نظرة واحدة وكأنها مترادفة على معنى واحد وهو النفي دون تفريق بين صيغها، وكانت لعبد القاهر نظرات دقيقة في تلك الأساليب التي أخطأ النقاد في بيان معانيها الدقيقة واشتبه عليهم وجه الصواب في بيان وجه النفي فيها. كما في قول ذي الرمة:
                إذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حبة مية يبرح
                فقد نادى ابن شبرمة ذا الرمة قائلا:
                أراه قد برح فجعل ذي الرمة يفكر ثم قال:
                إذا غير النأي المحبين لم أجد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح
                وذكرت الرواية أن ابن شبرمة قد أخطأ حين أنكر على ذي الرمة ما أنكر وأخطأ ذو الرمة حين غير شعره لقول ابن شبرمة، وإنما هذا كقول الله تعالى: ﴿ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ومَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾([173]) وإنما هو لم يرها ولم يكد"([174]).
                وقد بين عبد القاهر سبب الشبه التي جعلت ابن شبرمة يظن أن الفعل المنفى- لم يكد- قد وقع قال: واعلم أن سبب الشبهة في ذلك أنه قد جرى في العرف أن يقال- ما كاد يفعل- و- لم يكد يفعل- في فعل قد فعل على معنى أنه لم يفعل إلا بعد جهد، وبعد أن كان بعيدا في الظن أنه يفعله كقوله تعالى: ﴿ فَذَبَحُوهَا ومَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾([175]). فلما كان مجيء النفي في- كاد- على هذا السبيل توهم ابن شبرمة أنه إذا قال: لم يكد رسيس الهوى من حب مية يبرح- فقد زعم- أن الهوى قد برح ووقع لذى الرمة مثل هذا الظن- وليس الأمر كالذي ظناه فإن الذى يقتضيه اللفظ إذا قيل- لم يكد يفعل- أن يكون المراد أن الفعل لم يكن من أصله ولا قارب أن يكون ولا ظن أنه يكون، وكيف بالشك في ذلك؟ وقد علمنا أن- كاد- موضوع لأنه يدل على شدة قرب الفعل من الوقوع وعلى أنه قد شارف الوجود وإذا كان كذلك كان محالا أن يوجب نفيه وجود الفعل([176]).
                وأخذ عبد القاهر يبين فروق المعاني بين النفي في قوله تعالى:﴿ فَذَبَحُوهَا ومَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾([177]) وأن الفعل في الأول لم يثبت لأنه لم يقترب من الثبوت فضلا عن الثبوت وفى الثانى ثبت ولكن بعد استثقال واستبطاء وتطويل مفرط كما يقول الزمخشري.
                ويلفت عبد القاهر إلى تجاوب النفي مع الشرط- إذا- في الوصول- إلى المعنى المراد فالماضي معها يكون في معنى المستقبل "فإذا قلت- إذا خرجت لم أخرج- كنت قد نفيت خروجا فيما يستقبل وإذا كان الأمر كذلك استحال أن يكون المعنى في البيت والآية على أن الفعل قد كان لأنه يؤدى إلى أن يجئ- لم أفعل- ماضيا صريحا في جواب الشرط فتقول- إذا خرجت لم أخرج أمس وذلك محال([178])0
                وبذلك يتجاوب أسلوب الشرط مع أسلوب النفي في بيان المعنى المقصود، وإذا كان النفي بــــــــــــ-لم- هنا معناه في المستقبل فهذا يدل على أن الفعل المضارع المنفى بــــــــــ- لم- قد يكون نفيه منقطعا وقد يكون متصلا إلى زمن التكلم، وقد يكون مستمرا في جميع الأزمنة كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ (3) ولَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾([179]).
                فروق دلالية بين أدوات النفي:
                1- لم- ولما:
                تأتى-لم -لنفى الحدث – تقول- كتب محمد- فإذا أردت أن تنفيه قلت- لم يكتب محمد- وأما- لما- فتنفى الحدث المؤكد تقول- قد كتب- فإذا أردت أن تنفيه قلت- لما يكتب- ومعنى ذلك أن- لما- آكد في النفي من-لم – لأن-لم- تنفى الحدث في مرحلته الأولى، ولكن- لما- تنفى الحدث المؤكد- ولذلك قال سيبويه- وهى- أى-لم- لنفى- فعل- و- لما- لنفى- قد فعل-([180]).
                كما أن بعضهم يرى- أن- لما- مركبة من-لم- وما- النافية أى: أنها مكونة من حرفي نفى وهما في التوكيد أقوى من حرف واحد- وهو- لم.
                1- وأما من ناحية التوكيد فإن- ما - آكد من- لم- لأنها لنفى الجملة القسمية فإذا أردنا أن ننفى جملة- والله لقد فعل- قلنا- والله ما فعل.
                قال سيبويه عن- ما-: "وإذا قال- لقد فعل- فإن نفية- ما فعل- لأنه كأنه قال؛ والله لقد فعل- فقال: والله ما فعل"([181]).
                فإذا كانت جملة القسم تدل على التوكيد فكذلك الجملة التي تقوم مقامها- في حالة النفي وهى الجملة المصدرة بــــــــــ- ما- ولذلك تقع في جواب القسم دالة على التوكيد قال تعالى:﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إلاَّ أَن قَالُوا واللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾([182]).
                2- أن- ما- قد تدخل على الفعل الماضي الذى وقع مرة واحدة كما في قوله تعالى: ﴿ ولَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ والأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ومَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾([183]) وتزاد تأكيدا بــــــــــــ- من- الاستغراقية.
                وقد تدخل على الفعل الماضي الذى تكرر فيما مضى كما في قول عيسى عليه السلام: ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إلاَّ مَا أَمَرْتَنِي به﴾.
                4-أن- ما- أوسع استعمالا من- ليس- حيث إنها تدخل على الجمل الاسمية والفعلية، وليس خاصة بالجمل الاسمية لأنها فعل، والفعل لا يدخل على الفعل.
                5- أن- ما - ينفى بها الحدث من أصله كما في قوله تعالى: ﴿ ومَا قَتَلُوهُ ومَا صَلَبُوهُ﴾([184]) وقد ينفى بها تعلق الحدث بالفاعل كما في قوله تعالى: ﴿ومَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾([185]) وقد تنفى بها الصفة عن الموصوف كما في قوله تعالى: ﴿ومَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾([186])وإذا دخلت على- كان- كان النفي بها مشيرا إلى معنى نفسى جليل وهو عدم القدرة والاستطاعة والإرادة وذلك في الأمور الخطيرة التي لا ينبغي أن تكون، كما في قوله تعالى: ﴿ومَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ﴾([187])،﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾([188])،﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾([189]).
                قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلاَّ خَطَئًا﴾([190])،﴿ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾-وما صح ولا استقام ولا لاق بحاله كقوله:﴿ومَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ﴾([191])،﴿ومَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا﴾([192])([193]).

                تعليق

                • علاء التميمي
                  عضو نشيط
                  • Oct 2014
                  • 725

                  #9
                  4- ما - ولا:
                  من واقع الأداء الصوتي للحرفين ندرك أن- لا- أوسع انتشارا من الناحية الصوتية من- ما- وهى كذلك في الأساليب فهي تأتى لنفى الجنس ويكون نفيها أوسع في الدلالة من- ما- التي تدخل على المعرفة ولا تدخل على النكرة إلا بمسوغ.
                  يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾([194]) فنفى الريب هنا قد عم وشمل الكتاب كله في ألفاظه ومعانيه فإذا تقدم خبرها على اسمها عملت عمل- ليس- كما في قوله تعالى: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ ولا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾([195]) واتجه النفي وجهة أخرى؛ أى من العموم إلى الخصوص وصار نفى الغول عن هذا المقدم فقط أى نفى الغول عن خمر الجنة دون خمر الدنيا وهو معنى القصر فيها، وتأتى في المتعاطفات المنفية فهي التي تتكرر دون- ما- كما في قوله تعالى: ﴿ ومَا يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ (19) ولا الظُّلُمَاتُ ولا النُّورُ (20) ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ (21) ومَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ ولا الأَمْوَاتُ إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ومَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القُبُورِ﴾([196]) وقال تعالى: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ ولا يَنفَعُهُمْ﴾([197])، وفى قوله تعالى:﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾([198]) وهى في كل هذه الأساليب لتوكيد النفي في حال الانفراد ولو سقطت لتوهم أن النفي مراد به حالة الاجتماع فقط دون الأفراد.
                  وتأتى لتوكيد الصفة للموصوف كما في قوله تعالى: ﴿وفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾([199]).
                  وقد يأتي مقامان أحدهما يحتاج إلى توكيد أكثر من الثانى فتجد أن الموقع لـــــــــــــ-لا-النافية للجنس على سبيل الاستغراق والعموم، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿ومَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ومَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ومَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ ولا فِي السَّمَاءِ ولا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أَكْبَرَ إلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾([200]).
                  فالخطاب للنبي- صلى الله عليه وسلم- ولأتباعه من المسلمين، وهو خطاب يستغرق جميع أعماله- صلى الله عليه وسلم- وبخاصة القرآن الكريم الذى هو لب- الدعوة للناس أجمعين ويستغرق كذلك جميع أعمال المسلمين في كل الأوقات ولذلك جاءت الأفعال المضارعة المثبتة والمنفية لتستغرق جميع الأزمان- تكون- تتلو- تفيضون- لا تعملون- وما يعزب- كما تكررت- من- الاستغراقية ثلاث مرات- من قرآن- من عمل - من مثقال - كمآ ذكرت- الأرض والسماء- من أجل عموم جميع الجهات الأمر الذى اقتضى أن تأتى-لا- هنا نافية للجنس فقيل ﴿ولا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أَكْبَرَ إلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾.
                  وذلك بخلاف ما ورد في سورة سبأ في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾([201]).
                  فالخطاب هنا خاص للنبي- صلى الله عليه وسلم- أن يرد على الكافرين الذين ينكرون الساعة، وأنها من الغيب الذى لا يعلمه إلا الله تعالى، ثم وصف بأنه ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ ولذلك جاءت-لا - عاملة عمل ليس لأن المقام هنا لا يحتاج إلى قوة في النفي ولا تأكيد وعموم أكثر كما هناك.
                  وقد يتوارد هذان الأمران على تركيب واحد- أى- عموم الجنس وخصوصه وذلك باعتبارات مختلفة كما في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ فِي الحَجِّ﴾([202]) فقد قرئ المنفيات الثلاث بالنصب أى- لا رفث ولا فسوق ولا جدال- إشارة إلى أنها آكد في النفي وقرئت بالرفع- وذلك لا يدل على عمومها وتأكيدها بالنفي.
                  "وقرأ أبو عمرو وابن كثير الأولين بالرفع والثالث بالنصب لأنهما حملا الأولين على معنى النهى كأنه قيل فلا يكونن رفث ولا فسوق والآخر معنى الإخبار بانتفاء الجدال كأنه قيل ولا شك ولا خلاف في الحج وذلك أن قريشا كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام وسائر العرب يقفون بعرفة وكانوا يقدمون الحج سنة ويؤخرون سنة وهو النسئ فرد إلى وقت واحد ورد الوقوف إلى عرفة؛ فأخبر الله تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج واستدل على أن المنهى عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله- صلى الله عليه وسلم-: (من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كهيئته يوم ولدته أمه) وأنه لم يذكر الجدال"([203]).
                  وقد يقتضى المقام أداتين مختلفتين لاعتبارات تتعلق بالمخاطبين كما في قوله تعالى عن اليهود في سورة البقرة: ﴿قُلْ إن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ (94) ولَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾([204])
                  فقد كان اليهود يزعمون أن نعيم الجنة لهم خاصة كما قالوا:﴿وقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾([205])فطالبهم الله تعالى أن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين في دعواهم تلك، ولكن الله تعالى يعلم أن ذلك منهم زعم وباطل ولذلك جعله مفروضا في خبر- إن- الشرطية كما ختمت جملة الشرط وجوابه بـــــــ-إن- الشرطية لذلك ثم فاجأهم الحق سبحانه وتعالى بما يظهر كذبهم وهو ﴿ولَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ فنفى هذا التمني بــــــــ- لن- التي لنفى المستقبل الخاص بيوم القيامة لأن الحديث هنا عن الآخرة ونعيمها- ولكن انظر إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ (6) ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾([206])
                  نجد أن النفي هنا وقع بـــــــ- لا- لأن الحديث هنا عن قولهم- نحن أبناء الله وأحباؤه- وهذه دعوة منهم تتردد اعلى ألسنتهم في جميع الأزمنة والأمكنة في القديم والحديث على السواء فناسب هذا العموم حرف النفي- لا-.
                  يقول ابن القيم: "وتأمل حرف- لا-كيف تجدها لاما بعدها ألف يمتد بها الصوت ما لم يقطعه ضيق النفس فآذن امتداد لفظها بامتداد معناها ولن يعكس ذلك- فتأمله فإنه معنى بديع"([207]).
                  وليس معنى ذلك أن- لن- لا تأتى في النفي الممتد مطلقا وإنما هذه أمور اعتبارية الذى يتحكم فيها هو الأسلوب والسياق فقد تأتى للنفى المقيد باليوم كما في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنسِيًا﴾([208]).
                  وقد تأتى للنفى الممتد كما في قوله تعالى:﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ولَكِنِ انظُرْ إلَى الجَبَلِ﴾([209])
                  ومن أبرز الأدلة على موسوعية- لا- في النفي أنه بلغ تكرارها في القرآن الكريم- 1288- ألفا ومائتين وثماني وثمانين مرة وبلغ تكرار- ما-611- ستمائة وإحدى عشرة مرة تقريبا.
                  وكم كان المتنبي بارعا في توزيع هذه الأدوات- في الشرط وفى النفي ففي توزيع أدوات الشرط قال:
                  إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
                  فجاء بــــــــ- إذا- في جانب إكرام الكريم ليدل على أن إكرامه يجب أن يكون مقطوعا بحصوله 0
                  وجاء بــــــــ-إن- في جانب إكرام اللئيم ليدل على أن أكرامه لا ينبغي أن يكون.
                  وفى توزيع حروف النفي قال:
                  وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلب نارا
                  فجاء بـــــ-ما- في التعبير عن السقم الظاهري المحتمل.
                  وجاء بــــ- لا- في التعبير عن السقم الباطن وهو إضرام النار في القلب وهو غير محتمل تأكيدا وتحقيقا.
                  5- إن- و- ما-:
                  من أبرز دلالة النفي بـــــــــــ- إن- التوكيد وتوكيدها في النفي أقوى من- ما- ولذلك قال مجاهد: "كل شيء في القرآن- إن- فهو إنكار"([210]).
                  ومعلوم أن الإنكار يواجه بالتأكيد؛ أى: أنها تحمل في طياتا التوكيد لنفى هذا الإنكار ولذلك تأتى غالبا في أسلوب القصر- النفي والاستثناء- الذى يحتاج فيه إلى تأكيد أقوى وأشد، ولذلك قال الراغب: "وأكثر ما يجئ يتعقبه- إلا- نحو- إن نظن إلا ظنا- إن هذا إلا قول البشر .. المفردات.
                  ولذلك ذهب الدكتور/ فاضل السامرائي إلى أن النفي بـــــــــــــ - إن- آكد وأقوى من النفي بــــــــــــــ-ما- واستدل على ذلك بقوله تعالى:﴿ومَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾([211])،وقوله: ﴿وإنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾([212])
                  وقوله: ﴿قُلْ إنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (25) عَالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾([213]).
                  قال: "فجاء بنفى الدراية بـــــــ- ما- ونفى الدراية الثانية وما بعدها بـــــــــــ- إن-؛ وذلك لأن الآية الثانية والثالثة أبعد في عدم الدراية وأقعد من الأولى؛ فقد أطلع الله ورسوله فيما بعد على ما سيفعله به وبهم في الدنيا والآخرة فقد وعده بالفتح والنصر والمغفرة وكسر شوكة الكفر في الدنيا وأطلعه علي ما سيفعل به وبهم في الآخرة ولذلك قيل الآية منسوخة في حين لم يطلع الله سبحانه وتعالى رسوله ولا أحدا من خلقه على موعد يوم القيامة فإن هذا مما اختص الله به نفسه ولم يظهره لأحد فأكد عدم العلم بالساعة بـــــــــــــ- إن- والأخر بــــــــــــــ-ما-"([214]).
                  وهذا واضح في كثير من أساليب القصر بالنفي والاستثناء كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا إنْ أَنتُمْ إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾([215])
                  وقوله تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَنتُمْ إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ومَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أَنتُمْ إلاَّ تَكْذِبُونَ﴾([216]).
                  فنجد في سورة إبراهيم أن السياق سياق عام ينتظم جميع الأقوام الذين وقفوا من الرسل موقف التكذيب والإنكار وينتظم كذلك جميع الرسل الذين أرسلوا إليهم وهذا هو السياق: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وعَادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إلاَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وقَالُوا إنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وإنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إلَيْهِ مُرِيبٍ (9) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ ويُؤَخِّرَكُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُوا إنْ أَنتُمْ إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾([217])
                  فعمومية الموقف من جانب الرسل المبلغين، ومن جانب الأقوام الرافضين اقتضى هذا التوكيد في جملة القصر وأن تأتى بــــــــ- إن- دون ما- ولكن الأمر يختلف في سورة- يس- حيث كان الموقف خاصا بالنسبة لقرية واحدة وهى أنطاقية وكان عدد الرسل لا يتجاوز الثلاثة والسياق هو:﴿واضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ القَرْيَةِ إذْ جَاءَهَا المُرْسَلُونَ (13) إذْ أَرْسَلْنَا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إنَّا إلَيْكُم مُّرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنتُمْ إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ومَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أَنتُمْ إلاَّ تَكْذِبُونَ﴾([218]).
                  فلم- يكن الأمر هنا يحتاج إلى قوة- إن- في التأكيد وجاءت- ما- ليكون تأكيدها مناسبا لهذا الخصوص ثم تدرج النفي من- ما- إلى النفي بــــــــ- ما و- من- الاستغراقية إلى اقوى درجات النفي وهى- إن- ﴿إنْ أَنتُمْ إلاَّ تَكْذِبُونَ﴾ وبهذا المفهوم يمكن أن تراجع أساليب القصر بالنفي والاستثناء التي يتراوح النفي فيها بين- إن- وما- كما في قوله تعالى:﴿ومَا أَنَا إلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾([219])، وقوله:﴿إنْ أَنَا إلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾([220])، وقوله:﴿وقَالُوا مَا هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾([221])، وقوله: ﴿إنْ هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾([222]).

                  تعليق

                  • علاء التميمي
                    عضو نشيط
                    • Oct 2014
                    • 725

                    #10
                    [1] ينظر معانى النحو 3/5
                    [2]البقرة 7،8.
                    [3]البقرة: جزء من الآية 5.
                    [4]ينظر التحرير والتنوير 1/265.
                    [5]الجاثية:23.
                    [6]الجاثية:8.
                    [7]البقرة: جزء من الأية6.
                    [8]البقرة: جزء من الاية7.
                    [9]الجاثية :23.
                    [10]الجاثية:23.
                    [11]التعبير القرآني 65.
                    [12]النور: جزء من الاية45.
                    [13]شرح ديوان الحماسة 1/198.
                    [14]المرجع السابق 1/206.
                    [15]ينظر شرح ديوان الحماسة 1/ 242.
                    [16]نمط صعب235.
                    [17]الأنعام:23.
                    [18]الفجر:1،2.
                    [19]الشمس:1.
                    [20]القلم:1.
                    [21]الأنعام:109.
                    [22]الواقعة:75.
                    [23]الأنبياء:57.
                    [24]يوسف:95
                    [25]الكشاف2/331.
                    [26]التوبة:60.
                    [27]الكشاف2/198.
                    [28]الأعراف:16،17.
                    [29]انظر معانى النحو 3/ 49.
                    [30]النساء:5.
                    [31]النساء/ 8.
                    [32]الكشاف1/500.
                    [33]الرعد: جزء من أية 2.
                    [34]لقمان: جزء من أية 29.
                    [35]الزمر: جزء من أية 5.
                    [36]البقرة: جزء من آية 35.
                    [37]الأعراف:19.
                    [38]الأنعام:6.
                    [39]مريم:74.
                    [40] السابق1/416.
                    [41]الأنعام: جزء من أية165.
                    [42]الأنعام: جزء من أية164.
                    [43]الأعراف:129.
                    [44]القصص:4.
                    [45] القصص : جزء من أية 77 .
                    [46]يوسف: 55.
                    [47]يوسف :56.
                    [48]يونس:38.
                    [49]هود:13.
                    [50]البقرة:23.
                    [51]البناء العظيم 84.
                    [52]الأنعام : جزء من آية72.
                    [53]يوسف : جزء من. آية 67.
                    [54]الشورى: جزء من آية 53.
                    [55]الغاشية: 25، 26.
                    [56]القيامة:30.
                    [57]المؤمنون: 21، 22.
                    [58]البقرة : جزء من آية 173.
                    [59]المائدة: جزء من أية 3.
                    [60]الأنعام:1.
                    [61]البقرة : جزء من أية125
                    [62]آل عمران: 43.
                    [63]المائدة:3.
                    [64]عبس: 34، 36،35.
                    [65]البقرة: جزء من أية 177
                    [66]المائدة: جزء من أية45.
                    [67]التوبة:72.
                    [68]ملاك التأويل:1/391
                    [69]الحجر:4.
                    [70]ينظر الكليات415،367
                    [71]الصافات:103
                    [72]الأنبياء:96، 97
                    [73]آل عمران:17.
                    [74]ينظر الشعر الجاهلى68.
                    [75]شرح ديوان الحماسة 1/329.
                    [76]البقرة: جزء من آية133.
                    [77]شرح ابن عقيل 2/61.
                    [78]غافر: جزء من آية 58.
                    [79]فصلت : جزء من أية 34.
                    [80]فاطر:19، 20.
                    [81]ينظر معانى النحو: 3/198.
                    [82]الكتاب :2/304.
                    [83]الكهف: جزء من آية 74.
                    [84]الكشاف :2/493.
                    [85]عبس:21.
                    [86] هود:65، 66.
                    [87] هود: جزء من آية 82.
                    [88]هود: جزء من آية 81.
                    [89]هود: 58.
                    [90] هود: 94.
                    [91]هود: جزء من آية 93.
                    [92]ينظر الجملة القرآنية فى قصة صالح: 323.
                    [93]الذاريات:1، 2، 3، 4.
                    [94]النور: جزء من آية 43.
                    [95]الكشاف 3/334.
                    [96]ينظر السابق.
                    [97]المدثر: 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7.
                    [98]ينظر شرح ديوان الحماسة 1/53.
                    [99]يقصد قول الشاعر:
                    فادركنا الثأر منهم ... ولما ينج ملحيين إلا الأقل
                    فاحتسوا أنفاس نوم ... فلما هوموا رعتهم فاشمعلوا
                    [100]نمط صعب227.
                    [101]عبس:18، 19، 20، 21، 22.
                    [102]الأعراف: 11.
                    [103]الحج : جزء من آية 5.
                    [104]يوسف: 48، 49.
                    [105]الروم:20.
                    [106]الأعراف: 54.
                    [107]التكاثر:3، 4، 5، 6، 7.
                    [108]ينظر الكشاف4/281.
                    [109]الأنعام: 1، 2.
                    [110]ينظر الكشاف 2/4.
                    [111]البقرة جزء من آية 74.
                    [112]التوبة: 25، 26.
                    [113] معانى النحو 3/208.
                    [114] ديوان الحماسة 3/1178.
                    [115] المدثر:18، 19، 20، 21، 22، 23، 24.
                    [116] نمط صعب 2/2.
                    [117] الكشاف 4/183.
                    [118] الروم:54.
                    [119] النساء:137.
                    [120]شروح التلخيص2/38.
                    [121]البقرة 148 – النساء 78 النحل 76 الأحزاب61.
                    [122]البقرة: جزء من آية 144.
                    [123] يونس:46.
                    [124] مريم: جزء من أية 26.
                    [125] آل عمران:158.
                    [126] المائدة: جزء من آية 6.
                    [127] البقرة: جزء من آية 145.
                    [128] الزمر: جزء من آية 65.
                    [129]هود : 7، 8.
                    [130]التوبة: 39، جزء من أية:40.
                    [131]التوبة : 86.
                    [132]التوبة :124.
                    [133]التوبة :127.
                    [134]الزمر: جزء من آية 71.
                    [135]الزمر: جزء من آية 73.
                    [136]فصلت : 20.
                    [137]يونس: 51.
                    [138]الكشاف 3/450.
                    [139]البقرة: جزء من أية 282.
                    [140]البقرة: جزء من أية 282.
                    [141]معانى النحو: 4/86.
                    [142]البقرة : جزء من أية 230.
                    [143]الروم : جزء من أية 25.
                    [144]البرهان فى علوم القرآن 4/364.
                    [145]الأنبياء: جزء من أية 22.
                    [146]الزمر:4.
                    [147]الكليات :51.
                    [148]الإسراء : 100.
                    [149]ينظر الكشاف 2/468.
                    [150]الزلزلة: 1.
                    [151]الانشقاق: 1.
                    [152]معانى النحو 4/89 .
                    [153] الحجرات: 9.
                    [154]التوبة: جزء من أية 6.
                    [155]التوبة: جزء من آية 5.
                    [156]الواقعة: 65.
                    [157]الواقعة: 70.
                    [158]الواقعة: 63، 64.
                    [159]الواقعة: 69.
                    [160]الواقعة: جزء من آية 65، 66.
                    [161]الواقعة : 67.
                    [162]التعبير القرآنى130، 131.
                    [163]الكشاف 4/57 .
                    [164]روح المعانى 27/149.
                    [165]التوبة: جزء من أية 122.
                    [166]النور: جزء من آية 13.
                    [167]يوسف: جزء من أية 24.
                    [168]الكشاف:2/312.
                    [169]القصص: 10.
                    [170]القصص: جزء من آية 82.
                    [171]الحجر: 7.
                    [172]ينظر معترك الأقران: 2/296.
                    [173]النور: جزء من أية 40.
                    [174]دلائل الإعجاز 275.
                    [175]البقرة : جزء من أية 71.
                    [176]المرجع السابق0
                    [177]البقرة: جزء من آية 71.
                    [178]دلائل الإعجاز 277.
                    [179]الإخلاص : 3، 4.
                    [180]الكتاب 1/460.
                    [181]الكتاب:3/117.
                    [182]الأنعام :23.
                    [183]ق:38.
                    [184]النساء: جزء من أية157.
                    [185]البقرة: جزء من آية74.
                    [186]هود: جزء .من آية 91.
                    [187]أل عمران: جزء من أية 145.
                    [188]النمل : جزء من أية 60.
                    [189]الأحزاب:40.
                    [190]النساء: جزء من آية 92.
                    [191]آل عمران: جزء من أية 161.
                    [192]الأعراف: جزء من أية 89.
                    [193]الكشاف 1/552.
                    [194]البقرة: 2.
                    [195]الصافات:47.
                    [196]فاطر: 19، 20، 21، 22.
                    [197]يونس: جزء من آية 18.
                    [198]الفاتحة: جزء من آية 7
                    [199]الواقعة: 32، 33.
                    [200]يونس: 61.
                    [201] سبأ: 3.
                    [202]البقرة: جزء من أية 197.
                    [203]الكشاف 1/347.
                    [204]البقرة: 94، 95.
                    [205]البقرة:111.
                    [206]الجمعة: 6، 7.
                    [207]بدائع الفوائد:1/95، 96.
                    [208]مريم: جزء من أية 26.
                    [209]الأعراف: جزء من أية 143.
                    [210]الإتقان1/155.
                    [211]الأحقاف: جزء من آية 9.
                    [212]الأنبياء: جزء من آية 109.
                    [213]الجن: 25،26.
                    [214]معانى النحو: 4/174.
                    [215]إبراهيم: جزء من آية 10.
                    [216]يس:15.
                    [217]إبراهيم: 9، وجزء من آية10
                    [218]يس:13، 14، 15.
                    [219]الأحقاف: جزء من أية 9.
                    [220]الشعراء: 115.
                    [221]الجاثية: جزء من آية 24.
                    [222]المؤمنون: جزء من أية 37.

                    تعليق

                    يعمل...