الاســـتثناء
على القاعدة النحوية
تأليف
د. وفاء محمد علي السعيد
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الفصحاء ومعلم العلماء المستثني بما بِهِ جاء من ربه على كلَ ناقص من قواعد الدعاة السابقين، وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: يقوم هذا الكتاب على تبين الأصول والمصادر التي أقيم عليها الاستثناء على القاعدة النحوية وكيفية بنائه، وتسليط الضَّوء على ملامحه البارزةِ والوقوفِ على دواعيهِ واعتباراتِ وجودِهِ ومدى اتفاقِهِ مع الواقعِ اللُّغَوي في ضَوءِ التصوراتِ المنهجيةِ التي أقيمت عليها نظرية النحو العربي.
وعليه فإن هذه الدراسةَ تستمد أَهميتها من البعد المتمثل بتوَجُّهِ مجَلِّ العناية في الدرس النحوي إلى القواعد النَّحْوِيَّةِ المطِّردةِ وتَشَتُّتِ الاستثناء على تلك القواعد في سياقات متناثرة إذ لم أقفْ في المكتبة العربية على بحث مستقل في هذا المطلب على التعيين، ولكنَّ الناظر في المكتبة العربية يجد مادته مبثوثة في المؤلفات القديمة والحديثة، من مثل: " الكتاب" لسيبويه، و "المُقتَضب" للمبرد والأصول في النحو " لابن السراج،...، و "الأصول دراسة ابيستيمولوجية للفكر اللغوي عند العرب" للدكتور تَّمام حسَّان؛ فقد أشار في مؤلَّفِهِ هذا ومؤلفه "اللغة العربية: معناها ومبناها" إلى موضوع "الاستثناء على القاعدة النحوية "إشارة سريعة حددت بعضَ دواعيه في البناء اللغويّ.
وكما أَفدْت من هذه الكتب أفدت من كتبِ أخرى من أَهمها كتبُ الدكتور نهاد الموسى من مثل :"نظرية النحو العربي في ضوء مناهج النظر اللغوي الحديث" و "الوجهة الاجتماعية في منهج سيبويه في كتابه"، وكذلك كتاب الدكتور إبراهيم السامرائي الموسوم بـ "سعة العربية" وغيرها.
وإذا كان بعضُ من تحدثَ في هذا الموضوع قد أخذ جانبَ المعارضةِ لقضيةِ الاستثناء على القاعدة وأهميتِه فإن هذه الدراسةَ تختلف معه وَتَوَدُّ التأكيدَ على أهمية الاستثناءِ في تَكْرِيسِ القاعدة الصحيحةِ غير المتعارِضَةِ مع طبيعة اللغة التي هي أوسعُ من أن تَحكُمَها قاعدةٌ مِعْيارِيةٌ مطردةُ أُقيمت على استقراءٍ غير تامٍ، دون أن يَخْطرَ ببالي أَ نْ أكونَ من أَنْصارِ هَدْمِ ما استقر عند أَئِمَّةِ النحو، أَو من أنصارِ قَلْبِ قواعدِ النحو رأساً على عقِبِ بحيثُ أخْرِجُ القاعدة المطردةَ من البناءِ النَّحوِيّ وأُحِلُّ الاستثناءَ عليها كلِّها.
تخلًّقت هذا الكتاب في الملّحَظِ المُستشعَرِ في الاخْتلافاتِ في مقاييسِ قواعدِ النحو وفي تبايُنِ الأحكامِ النحويةِ على الظواهِرِ اللُّغَوِيًّةِ وفي قصورِ القاعدةِ النحويةِ عن استيعابِ جميعِ نُصوصِ اللغةِ واستعمالاتِها.
وأستناداً لأن اللغة ظاهرة إنسانية بل هي نتاجٌ إنسانيٌّ فإن خُضوعَها لقواعِدَ صارمَةٍ قد يؤدِّي باللغة إلى الجُمودِ بل إلى التّقهْقُرِ وغيرهِ مِنْ مظاهرَ سَلْبيَّة لا سيما أنَّ سلوكَ الإنسانِ اللغوي يرتبطُ ارتباطاً وثيقاً بسلوكِهِ الإنسانيّ الذي يُشايِعُ التطورَ الفِكريَّ والاجتماعيَّ والاقتصاديَّ والوجدانِيَّ وهذا بِدَورِهِ مُرْتَبِطٌ باللغة وتطوِّرها لمسايرةِ رَكْبِ الحضارةِ والمدنيةِ، إذا جاءت القاعدة النحوية المطردةُ قاصدةً عن استيعابِ جميعِ نصوص اللغة واستعمالاتِها لأسبابٍ عِدَّة من مثل إصْدارِ الأَحكامِ النحوية على الظواهرِ اللغويةِ قبل استكمالِ جَمْعِ نُصوص العربية وعدم استطاعةِ تلك الأحكام الإحاطةَ بسَعةِ العربية وبتنوع مادّتِها اللغوية. وما يلحق بتلك المادَّةِ اللغويةِ من تغيُّرٍ في الموقفِ وتنوعٍ في الحالاتِ الكلاميةِ.
وهذا جاءَ بالطبع نتيجة لكون استقراء النحويين غير وافٍ عندما تعاملوا مع نصوص اللغة علاوةً على أن هَدَفَ علماءِ النحو كان مُنْصَبَّاً على حفظِ اللغةِ وتعليمِها للناشئين وأبناء الأمم الداخلةِ في الإسلامِ من غيرِ العربِ، إلى جانبِ محاولتهِم الحِفاظَ على نَصِّ القرآن الكريمِ من اللَّحْن اللِّسانيّ عند المسلمين الأعاجِمِ أو أبْناءِ العَرَبِ مِمَّن ابتعدوا عن مَواطِنِ اللغة الفصيحةِ.
وانطلاقاً مما ذكرنا فإنني أهدِفُ إلى التعامُلِ مع المنهَجِ النحوي على أساسِ أَنْ لا تكونَ القاعدةُ النحوية هي الفيصل الوحيد في الحكم على اللغةِ ونصوصِها، لأن هذه القاعدةَ كما ذكرنا مُسْتَمَدَّةٌ من هذه اللغةِ فأيّ طارئٍ يَطرَأُ عليها، يَسْتلزمً إِعادةَ النَّطَرِ في القاعدِة النحويةِ، لا إِعادةَ النظرِ في اللغة والتشكيكَ في مصداقِيةِ استعمالاتِها.
كا أَهدِفُ إلى ضرورةِ مراعاةِ ما للتراكيبِ اللغوية من خصوصياتٍ سياقيةٍ، فالتركيبُ اللغوي لا يقومُ في فراغٍ، بل يستنِدُ إلى عناصرِ المقامِ والمقالِ، ولا ريبَ أن رَبْطَهُ بسياقاتِه يجعل الدرس النحوي ذا فائدة عظيمةٍ، وفيه الكثيرُ من التيسير على أبْناءِ العربيةِ.
ومن ناحيةٍ أخرى فإنني أهدفُ إلى تكريسِ العبارة القائلة بأنَّ الإِعرابَ فرَعُ المعنى وليس المعنى تابعاً للإعراب وإلا انقلبت الموازينُ واختلفت الأُسُسُ... كيف لا؟! وعِلْم النحو كبقية علومِ العربيةِ جاء متأَخراً جداً عن أوَّلِيَّتها زمانِياً بل جاء لخدْمَتِها.
وأَما عَن الناحيةِ المنهجية في هذه الدراسة فأشيرُ إلى أنني التزَمْتُ منهجاً وصفياً تَحْلِيلياً يقوم على قراءةِ كتُبِ النحاةِ القدماءِ والعلماءِ المعاصرين بَحْثاً عَما تعرَّضُوا له مِن جوانبِ هذه القضية الكبيرةِ مما حصَّلَ لي معلوماتٍ غزيرةً – كانت مُفَرَّقَةً– وأَمثِلَةً لا حَصْر لها، كلُّ مِنها يَخْدِمُ الموضوعَ من جانِب أوْ أكَثَرَ، ثَم أَخْضَعْتُ تلك الأمثلِةَ للدراسةِ مستفيدَةً من المعلوماتِ التي تعرَّضَ لَها مَنْ قَبْلِي وخرجتُ بأن النُحاةَ كانت آراؤُهم متضاربةً متدافِعَةً حَوْلَ هذه المسألةِ الأمْرَ الذي أوجد استثناءات لا يمكن تقييدها في قواعِد ثابتةٍ، وهي استثناءاتٌ خرجوا بها مِنْ تعرُّضِهِمْ لظواهِرِ اللغةِ المختلفةِ وَمُحاوَلَتِهم تعميمَها كظاهرةِ الإسنادِ مثلاً التي تعاملَ معها النَحْوِيُّونَ مِنْ أصحابِ القِياسِ ومِنْ أصحاب السَّماعِ كلُّ حَسْبَ طريقَتِهِ فأصحابُ القياسِ عندما وجدوا النصوصَ الخارجةَ عن قياسِهم ولم يًمْكِنْهُم الغاؤُها حاولوا تأويلها لكي تتلاءَمَ مع أقيسَتِهم ونتيجةً لذلك فقد صنَّفوا هذه الاستثناءاتِ صِنْفَيْن: صِنْفاً عَدُّوهُ مسائِلَ جائِزَةً ومقبولةً لا تتعارضُ مع لُبّ القاعدةِ ولا تخرجُ عليها بشكل واضح نتيجةَ الاستعانةِ بالتأويلِ والتقدير، وصنفاً عدّوهُ شاذاً أو قيلاً أو نادِراً أو قبيحاً يجب أطراحًهُ وعدمً القياس عليه.
ولذلك كانوا في أَغلَبِ قواعِدِهمَ يُنْهُونَها بقولهم:.. (ويجوزُ كذا)، أو (وهذا شاذُّ لا يقاس عليه)... إلى غير ذلك من التعبيراتِ التي تفيدُ معنى الاستثناءِ.
وأما أصحابُ السمَاعِ فإنَّهُمْ أعتبَروا أنَّ كًلَّ ما جاء عن العَرَبِ الفصُحاءِ صحيحٌ ويمكنُ استعمالُهُ والسيرُ على مِنوالِهِ والقياسُ عليه.
حتى لو خالَفَ قواعِدَ أهلِ القياسِ المعياريَّةَ، وتَجدُرُ الإشارةُ هنا إلى أن هناك من الدارسين مَنْ تناول الظواهرَ اللغويةَ نَفسَها التي أتناوَلُها بالدرسِ، إلا أنَّنِي تناوَلْتُها بِمنهَجِيةٍ مختلفة استلزَمَتْها مقتضياتُ الدراسةِ فلم أدْرُسْ تلك الظواهرَ إلا مِنْ خلالِ القضيةِ الكبيرةِ التي تدورُ عليها دراستي وهي قضيةُ الإستثناءِ على القاعدِة النحويةِ مُتَجاوِزَةً مُعَالَجاتِ الدارسين لها خشيةَ التَّكْرارِ.
كَما توصلتُ إلى أنَّ هناك استثناءاتٍ من نوعٍ آخَرَ أوجَدَتْها دواعِي السياقِ والمعانِي البلاغيةُ الجماليةُ، ومن ذلك أَن قولَنا (أنا عبد الله) ليس سائِراً على القاعدةِ التي تستَلزِمُ الإفادةَ لأن المسند و المُسْنَدَ إليه شيءٌ واحدٌ والإخبارُ على هذا النحو تحصيلُ حاصلٍ ولكنْ جازَ أن نَتَلَفَّظَ بتلك العبارةِ لداعٍ معنوي كأن يكونَ المقصودُ إفادةَأَنَّ (أنا) عبدٌ لِلَّهِ خاضعٌ له.
بمعنى إِسنادِ العبودِيَّةِ للضميرِ (أنا) وليس بمعنى تقرير أن (أنا) و (عبدَ الله) شيءٌ واحدٌ.
ولتحقيقِ أَهدافِ هذاالكتاب فقد جعلتَه في مقدمةٍ وتمهيدِ وثلاثةِ فصول: فقي التمهيد تناولت الاستثناء لغة واصْطِلاحاً، ودواعِيَ نَشأةِ النحو ومراحِلَ تطوُّرِهِ، وفي الفصلِ الأَول بحثتُ الأُسَسَ التي قامَ عليها الاستثناءُ على القاعدةِ، وبدأتُ بالحديثِ عن الاستقراءِ غيرِ التامِّ مؤكدةً على التحديدِ الزمانيّ، والمكانِيّ، وَسَعةِ العربيةِ، ثم عالجتُ قضيةَ اللهجاتِ والقراءاتِ وبعدَ ذلك تطرَّقتُ إلى بعض أُسَسِ الدرسِ النحويِّ عندَ النحويين كالقياسِ والتعليلِ ونظريةِ العاملِ والأحكامِ النحويةِ وعلاقةِ كُلِّ ذلك بالاستثناءِ على القاعدةِ.
أما الفصلُ الثاني فقد تعرضتُ فيه لظواهِرِ الجملةِ في اللغة العربية والاستثناءِ عليها. فدرستُ ظاهرةَ الإسنادِ وفكرةَ الحذفِ والزيادةِ وظاهرةَ العلامةِ الإعرابيةِ وظاهرةَ الرُتبَةِ وظاهرةَ المُطابَقَةِ وظاهرةَ التَّلازُم، وأنهيتُ هذا الفصل بالحديثِ عن ظاهرة التعريف والتنكير، محاولةً الربطَ بين هذه الظواهِر وقضيةِ الاستثناءِ على القاعدةِ النحويةِ.
وأما الفصلُ الثالث فبحثُت فيه الدواعِيَ المعنوية والبلاغية والبلاغةَ للاستثناءِ على القاعدةِ النحويةِ من خلالِ الحديثِ عن قضايا أمنِ اللَّبْسِ والفائِدةِ والبلاغَةِ الجَمالِيَّةِ.
وقد ظهرَ لي – كما أَرجو أنْ يكونَ واضحاً في أثناء الدراسة – أنَّ الاستثناءَ على القاعدة ظاهرةٌ عامةٌ تنتظِمُ أَغْلَبَ قواعِدٍ النحو العربيِّ بحيث إنَّ القاعِدة النحويةَ – أيَّ قاعِدَةٍ– تَتَكوَّنُ من طَرَفَين: حكمِ عامٍ أريد به أن يَنْتَظِمَ الاستعمالَ اللغويَّ العامَّ، وطرفٍ مستثنى عليه بطريقةٍ أو بأخرى، الأمْرَ الذي يستدعي الالتفاتَ إليها وتناوُلَها بالدراسةِ.
التمهيد
الاستثناء لغة واصطلاحاً
لا بُدَّ من التعرُّضِ لِمَعنى الاستثناءِ في اللغة ولو على سبيلِ الاخْتصارِ لكي نتعرَّفَ من خلالِ ذلك على حقيقة دلالةِ هذه الكلمةِ اصْطِلاحاً:
جاءَ في اللسان (في مادة ثنى): ثَنَى الشيء ثَنْياً: رَدَّ بَعْضَهُ على بعض، واستثنيتُ الشيءَ من الشيءِ: حاشَيْتُهُ، فالاستثناءُ هو مَصْدَرُ الفعلِ استثنى و يَعْنِي في اللغةِ رَدَّ بَعْضِ الشيءِ على بَعْضِهِ الآخَرِ أو إِخراجَهُ منه.( *)
فمعاني الاستثناءِ تدورُ حولَ الردّ والعطفِ والإخراجِ من الشيء، وفي بحثِنا هذا فَلَفْظُ الاستثناءِ لا يعني المسأَلَةَ المعروفَةَ في البابِ النَّحويّ المعروفِ بالاستثناءِ، وانما المقصودُ هو دراسةُ القَضايا والمسائِلِ الخارجَةِ عن حُدودِ القاعدَةِ المطَّردةِ في النحْو، والاستثناءُ هو ما خرج على قواعِدِ ظواهرِ النظامِ الجُمَلِيِّ في العربيةِ، تلك الظواهر التي حاولَ تعميمها النحاةُ وَصبغَها بصبْغَةِ الشُّموليّةِ والاطِّرادِ.
ومعروفٌ أن اللغة لا يمكنُ حَصْرُها في ظواهِرَ محدودةٍ تُقَنَّنُ وتُقّعَّدُ كما حاولَ نُحاةُ العربِ أن يفعلوا، فاستعانوا بالتأويلِ أو الحكمِ على ما خرجَ على هذه الظواهِرِ بالشُّذُوذِ أَو القِلَّةِ أو النُّدرّةِ أو الضَّروُرَةِ.
ومما تجدُر الإِشارةُ إليه أنَّ معنى الاستثناءِ على القاعدة النحويةِ يَنْسَحِبُ على التراكيبِ القاعِدِيّةِ المشتملةِ على (إلا أو سواها من أَدواتِ الاستثناءِ) الذي يُعَدُّ إخراجاً للشيءِ مما دَخَلَ فيه غيرُه، أو إدخالهُ فيما خَرَج منه غيرُهُ.
وعليه فالاستثناءُ على القاعدةِ النحويةِ لَيْسَ هو الحكمَ الأَصْلِيَّ للقاعدةِ النحويةِ، وإنما هو حُكمٌ نَحويُّ جاء مانِعاً من استمرارِ حُكْمِ الإلزامِ في الحُكمِ النحويِّ الأصْلِيِّ للقاعدِة النحويةِ. فهو يدخلُ النظريَّةَ النحويةَ من بابِ تَتْمِيمِ القواعدِ الأُصولِ، أو الاستِدراكِ عليها، أو استثمارِ ما تبيحُهُ اللغةُ، أو الإباحةِ الطارئَةِ المأذُونِ بها بعد أنْ كانت ممنوعةً مِنْ خِلالِ توافُرِ إِحدى المُسَوِّغاتِ المَنْصوصِ عليها في اللغةِ فيتغيرُ حُكْمُ القاعدةِ في ضَوْء هذا الوضْعِ الخاصِّ.
_____________________
(*)راجع لسان العرب (مادة ثنى) والمحكم لابن سيده والقاموس للفيروز أبادي وغيرها.
على القاعدة النحوية
تأليف
د. وفاء محمد علي السعيد
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الفصحاء ومعلم العلماء المستثني بما بِهِ جاء من ربه على كلَ ناقص من قواعد الدعاة السابقين، وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: يقوم هذا الكتاب على تبين الأصول والمصادر التي أقيم عليها الاستثناء على القاعدة النحوية وكيفية بنائه، وتسليط الضَّوء على ملامحه البارزةِ والوقوفِ على دواعيهِ واعتباراتِ وجودِهِ ومدى اتفاقِهِ مع الواقعِ اللُّغَوي في ضَوءِ التصوراتِ المنهجيةِ التي أقيمت عليها نظرية النحو العربي.
وعليه فإن هذه الدراسةَ تستمد أَهميتها من البعد المتمثل بتوَجُّهِ مجَلِّ العناية في الدرس النحوي إلى القواعد النَّحْوِيَّةِ المطِّردةِ وتَشَتُّتِ الاستثناء على تلك القواعد في سياقات متناثرة إذ لم أقفْ في المكتبة العربية على بحث مستقل في هذا المطلب على التعيين، ولكنَّ الناظر في المكتبة العربية يجد مادته مبثوثة في المؤلفات القديمة والحديثة، من مثل: " الكتاب" لسيبويه، و "المُقتَضب" للمبرد والأصول في النحو " لابن السراج،...، و "الأصول دراسة ابيستيمولوجية للفكر اللغوي عند العرب" للدكتور تَّمام حسَّان؛ فقد أشار في مؤلَّفِهِ هذا ومؤلفه "اللغة العربية: معناها ومبناها" إلى موضوع "الاستثناء على القاعدة النحوية "إشارة سريعة حددت بعضَ دواعيه في البناء اللغويّ.
وكما أَفدْت من هذه الكتب أفدت من كتبِ أخرى من أَهمها كتبُ الدكتور نهاد الموسى من مثل :"نظرية النحو العربي في ضوء مناهج النظر اللغوي الحديث" و "الوجهة الاجتماعية في منهج سيبويه في كتابه"، وكذلك كتاب الدكتور إبراهيم السامرائي الموسوم بـ "سعة العربية" وغيرها.
وإذا كان بعضُ من تحدثَ في هذا الموضوع قد أخذ جانبَ المعارضةِ لقضيةِ الاستثناء على القاعدة وأهميتِه فإن هذه الدراسةَ تختلف معه وَتَوَدُّ التأكيدَ على أهمية الاستثناءِ في تَكْرِيسِ القاعدة الصحيحةِ غير المتعارِضَةِ مع طبيعة اللغة التي هي أوسعُ من أن تَحكُمَها قاعدةٌ مِعْيارِيةٌ مطردةُ أُقيمت على استقراءٍ غير تامٍ، دون أن يَخْطرَ ببالي أَ نْ أكونَ من أَنْصارِ هَدْمِ ما استقر عند أَئِمَّةِ النحو، أَو من أنصارِ قَلْبِ قواعدِ النحو رأساً على عقِبِ بحيثُ أخْرِجُ القاعدة المطردةَ من البناءِ النَّحوِيّ وأُحِلُّ الاستثناءَ عليها كلِّها.
تخلًّقت هذا الكتاب في الملّحَظِ المُستشعَرِ في الاخْتلافاتِ في مقاييسِ قواعدِ النحو وفي تبايُنِ الأحكامِ النحويةِ على الظواهِرِ اللُّغَوِيًّةِ وفي قصورِ القاعدةِ النحويةِ عن استيعابِ جميعِ نُصوصِ اللغةِ واستعمالاتِها.
وأستناداً لأن اللغة ظاهرة إنسانية بل هي نتاجٌ إنسانيٌّ فإن خُضوعَها لقواعِدَ صارمَةٍ قد يؤدِّي باللغة إلى الجُمودِ بل إلى التّقهْقُرِ وغيرهِ مِنْ مظاهرَ سَلْبيَّة لا سيما أنَّ سلوكَ الإنسانِ اللغوي يرتبطُ ارتباطاً وثيقاً بسلوكِهِ الإنسانيّ الذي يُشايِعُ التطورَ الفِكريَّ والاجتماعيَّ والاقتصاديَّ والوجدانِيَّ وهذا بِدَورِهِ مُرْتَبِطٌ باللغة وتطوِّرها لمسايرةِ رَكْبِ الحضارةِ والمدنيةِ، إذا جاءت القاعدة النحوية المطردةُ قاصدةً عن استيعابِ جميعِ نصوص اللغة واستعمالاتِها لأسبابٍ عِدَّة من مثل إصْدارِ الأَحكامِ النحوية على الظواهرِ اللغويةِ قبل استكمالِ جَمْعِ نُصوص العربية وعدم استطاعةِ تلك الأحكام الإحاطةَ بسَعةِ العربية وبتنوع مادّتِها اللغوية. وما يلحق بتلك المادَّةِ اللغويةِ من تغيُّرٍ في الموقفِ وتنوعٍ في الحالاتِ الكلاميةِ.
وهذا جاءَ بالطبع نتيجة لكون استقراء النحويين غير وافٍ عندما تعاملوا مع نصوص اللغة علاوةً على أن هَدَفَ علماءِ النحو كان مُنْصَبَّاً على حفظِ اللغةِ وتعليمِها للناشئين وأبناء الأمم الداخلةِ في الإسلامِ من غيرِ العربِ، إلى جانبِ محاولتهِم الحِفاظَ على نَصِّ القرآن الكريمِ من اللَّحْن اللِّسانيّ عند المسلمين الأعاجِمِ أو أبْناءِ العَرَبِ مِمَّن ابتعدوا عن مَواطِنِ اللغة الفصيحةِ.
وانطلاقاً مما ذكرنا فإنني أهدِفُ إلى التعامُلِ مع المنهَجِ النحوي على أساسِ أَنْ لا تكونَ القاعدةُ النحوية هي الفيصل الوحيد في الحكم على اللغةِ ونصوصِها، لأن هذه القاعدةَ كما ذكرنا مُسْتَمَدَّةٌ من هذه اللغةِ فأيّ طارئٍ يَطرَأُ عليها، يَسْتلزمً إِعادةَ النَّطَرِ في القاعدِة النحويةِ، لا إِعادةَ النظرِ في اللغة والتشكيكَ في مصداقِيةِ استعمالاتِها.
كا أَهدِفُ إلى ضرورةِ مراعاةِ ما للتراكيبِ اللغوية من خصوصياتٍ سياقيةٍ، فالتركيبُ اللغوي لا يقومُ في فراغٍ، بل يستنِدُ إلى عناصرِ المقامِ والمقالِ، ولا ريبَ أن رَبْطَهُ بسياقاتِه يجعل الدرس النحوي ذا فائدة عظيمةٍ، وفيه الكثيرُ من التيسير على أبْناءِ العربيةِ.
ومن ناحيةٍ أخرى فإنني أهدفُ إلى تكريسِ العبارة القائلة بأنَّ الإِعرابَ فرَعُ المعنى وليس المعنى تابعاً للإعراب وإلا انقلبت الموازينُ واختلفت الأُسُسُ... كيف لا؟! وعِلْم النحو كبقية علومِ العربيةِ جاء متأَخراً جداً عن أوَّلِيَّتها زمانِياً بل جاء لخدْمَتِها.
وأَما عَن الناحيةِ المنهجية في هذه الدراسة فأشيرُ إلى أنني التزَمْتُ منهجاً وصفياً تَحْلِيلياً يقوم على قراءةِ كتُبِ النحاةِ القدماءِ والعلماءِ المعاصرين بَحْثاً عَما تعرَّضُوا له مِن جوانبِ هذه القضية الكبيرةِ مما حصَّلَ لي معلوماتٍ غزيرةً – كانت مُفَرَّقَةً– وأَمثِلَةً لا حَصْر لها، كلُّ مِنها يَخْدِمُ الموضوعَ من جانِب أوْ أكَثَرَ، ثَم أَخْضَعْتُ تلك الأمثلِةَ للدراسةِ مستفيدَةً من المعلوماتِ التي تعرَّضَ لَها مَنْ قَبْلِي وخرجتُ بأن النُحاةَ كانت آراؤُهم متضاربةً متدافِعَةً حَوْلَ هذه المسألةِ الأمْرَ الذي أوجد استثناءات لا يمكن تقييدها في قواعِد ثابتةٍ، وهي استثناءاتٌ خرجوا بها مِنْ تعرُّضِهِمْ لظواهِرِ اللغةِ المختلفةِ وَمُحاوَلَتِهم تعميمَها كظاهرةِ الإسنادِ مثلاً التي تعاملَ معها النَحْوِيُّونَ مِنْ أصحابِ القِياسِ ومِنْ أصحاب السَّماعِ كلُّ حَسْبَ طريقَتِهِ فأصحابُ القياسِ عندما وجدوا النصوصَ الخارجةَ عن قياسِهم ولم يًمْكِنْهُم الغاؤُها حاولوا تأويلها لكي تتلاءَمَ مع أقيسَتِهم ونتيجةً لذلك فقد صنَّفوا هذه الاستثناءاتِ صِنْفَيْن: صِنْفاً عَدُّوهُ مسائِلَ جائِزَةً ومقبولةً لا تتعارضُ مع لُبّ القاعدةِ ولا تخرجُ عليها بشكل واضح نتيجةَ الاستعانةِ بالتأويلِ والتقدير، وصنفاً عدّوهُ شاذاً أو قيلاً أو نادِراً أو قبيحاً يجب أطراحًهُ وعدمً القياس عليه.
ولذلك كانوا في أَغلَبِ قواعِدِهمَ يُنْهُونَها بقولهم:.. (ويجوزُ كذا)، أو (وهذا شاذُّ لا يقاس عليه)... إلى غير ذلك من التعبيراتِ التي تفيدُ معنى الاستثناءِ.
وأما أصحابُ السمَاعِ فإنَّهُمْ أعتبَروا أنَّ كًلَّ ما جاء عن العَرَبِ الفصُحاءِ صحيحٌ ويمكنُ استعمالُهُ والسيرُ على مِنوالِهِ والقياسُ عليه.
حتى لو خالَفَ قواعِدَ أهلِ القياسِ المعياريَّةَ، وتَجدُرُ الإشارةُ هنا إلى أن هناك من الدارسين مَنْ تناول الظواهرَ اللغويةَ نَفسَها التي أتناوَلُها بالدرسِ، إلا أنَّنِي تناوَلْتُها بِمنهَجِيةٍ مختلفة استلزَمَتْها مقتضياتُ الدراسةِ فلم أدْرُسْ تلك الظواهرَ إلا مِنْ خلالِ القضيةِ الكبيرةِ التي تدورُ عليها دراستي وهي قضيةُ الإستثناءِ على القاعدِة النحويةِ مُتَجاوِزَةً مُعَالَجاتِ الدارسين لها خشيةَ التَّكْرارِ.
كَما توصلتُ إلى أنَّ هناك استثناءاتٍ من نوعٍ آخَرَ أوجَدَتْها دواعِي السياقِ والمعانِي البلاغيةُ الجماليةُ، ومن ذلك أَن قولَنا (أنا عبد الله) ليس سائِراً على القاعدةِ التي تستَلزِمُ الإفادةَ لأن المسند و المُسْنَدَ إليه شيءٌ واحدٌ والإخبارُ على هذا النحو تحصيلُ حاصلٍ ولكنْ جازَ أن نَتَلَفَّظَ بتلك العبارةِ لداعٍ معنوي كأن يكونَ المقصودُ إفادةَأَنَّ (أنا) عبدٌ لِلَّهِ خاضعٌ له.
بمعنى إِسنادِ العبودِيَّةِ للضميرِ (أنا) وليس بمعنى تقرير أن (أنا) و (عبدَ الله) شيءٌ واحدٌ.
ولتحقيقِ أَهدافِ هذاالكتاب فقد جعلتَه في مقدمةٍ وتمهيدِ وثلاثةِ فصول: فقي التمهيد تناولت الاستثناء لغة واصْطِلاحاً، ودواعِيَ نَشأةِ النحو ومراحِلَ تطوُّرِهِ، وفي الفصلِ الأَول بحثتُ الأُسَسَ التي قامَ عليها الاستثناءُ على القاعدةِ، وبدأتُ بالحديثِ عن الاستقراءِ غيرِ التامِّ مؤكدةً على التحديدِ الزمانيّ، والمكانِيّ، وَسَعةِ العربيةِ، ثم عالجتُ قضيةَ اللهجاتِ والقراءاتِ وبعدَ ذلك تطرَّقتُ إلى بعض أُسَسِ الدرسِ النحويِّ عندَ النحويين كالقياسِ والتعليلِ ونظريةِ العاملِ والأحكامِ النحويةِ وعلاقةِ كُلِّ ذلك بالاستثناءِ على القاعدةِ.
أما الفصلُ الثاني فقد تعرضتُ فيه لظواهِرِ الجملةِ في اللغة العربية والاستثناءِ عليها. فدرستُ ظاهرةَ الإسنادِ وفكرةَ الحذفِ والزيادةِ وظاهرةَ العلامةِ الإعرابيةِ وظاهرةَ الرُتبَةِ وظاهرةَ المُطابَقَةِ وظاهرةَ التَّلازُم، وأنهيتُ هذا الفصل بالحديثِ عن ظاهرة التعريف والتنكير، محاولةً الربطَ بين هذه الظواهِر وقضيةِ الاستثناءِ على القاعدةِ النحويةِ.
وأما الفصلُ الثالث فبحثُت فيه الدواعِيَ المعنوية والبلاغية والبلاغةَ للاستثناءِ على القاعدةِ النحويةِ من خلالِ الحديثِ عن قضايا أمنِ اللَّبْسِ والفائِدةِ والبلاغَةِ الجَمالِيَّةِ.
وقد ظهرَ لي – كما أَرجو أنْ يكونَ واضحاً في أثناء الدراسة – أنَّ الاستثناءَ على القاعدة ظاهرةٌ عامةٌ تنتظِمُ أَغْلَبَ قواعِدٍ النحو العربيِّ بحيث إنَّ القاعِدة النحويةَ – أيَّ قاعِدَةٍ– تَتَكوَّنُ من طَرَفَين: حكمِ عامٍ أريد به أن يَنْتَظِمَ الاستعمالَ اللغويَّ العامَّ، وطرفٍ مستثنى عليه بطريقةٍ أو بأخرى، الأمْرَ الذي يستدعي الالتفاتَ إليها وتناوُلَها بالدراسةِ.
التمهيد
الاستثناء لغة واصطلاحاً
لا بُدَّ من التعرُّضِ لِمَعنى الاستثناءِ في اللغة ولو على سبيلِ الاخْتصارِ لكي نتعرَّفَ من خلالِ ذلك على حقيقة دلالةِ هذه الكلمةِ اصْطِلاحاً:
جاءَ في اللسان (في مادة ثنى): ثَنَى الشيء ثَنْياً: رَدَّ بَعْضَهُ على بعض، واستثنيتُ الشيءَ من الشيءِ: حاشَيْتُهُ، فالاستثناءُ هو مَصْدَرُ الفعلِ استثنى و يَعْنِي في اللغةِ رَدَّ بَعْضِ الشيءِ على بَعْضِهِ الآخَرِ أو إِخراجَهُ منه.( *)
فمعاني الاستثناءِ تدورُ حولَ الردّ والعطفِ والإخراجِ من الشيء، وفي بحثِنا هذا فَلَفْظُ الاستثناءِ لا يعني المسأَلَةَ المعروفَةَ في البابِ النَّحويّ المعروفِ بالاستثناءِ، وانما المقصودُ هو دراسةُ القَضايا والمسائِلِ الخارجَةِ عن حُدودِ القاعدَةِ المطَّردةِ في النحْو، والاستثناءُ هو ما خرج على قواعِدِ ظواهرِ النظامِ الجُمَلِيِّ في العربيةِ، تلك الظواهر التي حاولَ تعميمها النحاةُ وَصبغَها بصبْغَةِ الشُّموليّةِ والاطِّرادِ.
ومعروفٌ أن اللغة لا يمكنُ حَصْرُها في ظواهِرَ محدودةٍ تُقَنَّنُ وتُقّعَّدُ كما حاولَ نُحاةُ العربِ أن يفعلوا، فاستعانوا بالتأويلِ أو الحكمِ على ما خرجَ على هذه الظواهِرِ بالشُّذُوذِ أَو القِلَّةِ أو النُّدرّةِ أو الضَّروُرَةِ.
ومما تجدُر الإِشارةُ إليه أنَّ معنى الاستثناءِ على القاعدة النحويةِ يَنْسَحِبُ على التراكيبِ القاعِدِيّةِ المشتملةِ على (إلا أو سواها من أَدواتِ الاستثناءِ) الذي يُعَدُّ إخراجاً للشيءِ مما دَخَلَ فيه غيرُه، أو إدخالهُ فيما خَرَج منه غيرُهُ.
وعليه فالاستثناءُ على القاعدةِ النحويةِ لَيْسَ هو الحكمَ الأَصْلِيَّ للقاعدةِ النحويةِ، وإنما هو حُكمٌ نَحويُّ جاء مانِعاً من استمرارِ حُكْمِ الإلزامِ في الحُكمِ النحويِّ الأصْلِيِّ للقاعدِة النحويةِ. فهو يدخلُ النظريَّةَ النحويةَ من بابِ تَتْمِيمِ القواعدِ الأُصولِ، أو الاستِدراكِ عليها، أو استثمارِ ما تبيحُهُ اللغةُ، أو الإباحةِ الطارئَةِ المأذُونِ بها بعد أنْ كانت ممنوعةً مِنْ خِلالِ توافُرِ إِحدى المُسَوِّغاتِ المَنْصوصِ عليها في اللغةِ فيتغيرُ حُكْمُ القاعدةِ في ضَوْء هذا الوضْعِ الخاصِّ.
_____________________
(*)راجع لسان العرب (مادة ثنى) والمحكم لابن سيده والقاموس للفيروز أبادي وغيرها.
