بين الشعر والشعرية
يُحاول بعض المُروِّجين لِما يُسمَّى خطأً "قصيدة نثر"، وهي - في أحسن أحوالها - نوع من الكتابة النثرية الشعرية - أن يبحثوا عن جذرٍ تُراثيٍّ لها في شعرنا العربي.
ومِن أجْل ذلك زعم بعضهم - استنادًا إلى نصوص غير دالَّة - أن العرب عرفتْ نوعًا من الشعر غير الموزون، أو أن الشعر لم يرتبط عندها بالوزن دائمًا،
ويسوق أصحاب هذا الزعم الحجج الآتية:
1- قول حسان بن ثابت - رضي الله عنه - لابنه عبدالرحمن: "قلتَ والله الشِّعر"، عندما جاءه يشكو إليه لسعَة زنبورٍ، ويصِفُه قائلاً: "لسَعَني طائرٌ كأنه ملتفٌّ في بردتي حِبَرَة".
فحسان - في زعمهم - وصفَ كلام ابنه بأنه شعر، وهو كلام غير موزون.
والحق أن هذه العبارة مُنصرفة إلى ما في هذه العبارة التي نطَقَها الغلام من جمالية متمثِّلة في هذه الصورة الفنية التي تقرِّبها من لغة الشعر، فهي ليست منصرفة إلى المصطلح؛ إنها تتحدث عن الأثر الجمالي الذي يُحدثه مثل هذا الكلام، إنها وصف للشعريَّة أو الشاعريَّة فيه، وهي تُشبه وصف شيء ما - وإنْ لم يكن من جنس الكلام أصلاً - بأنه شاعريٌّ، كقولنا: مكان شاعريٌّ، ولقاء شاعريٌّ، وصوت شاعريٌّ، وجلسة شاعريَّة، وما شابه ذلك مِن عبارات لا يُقصَد بها إلا الإشارة إلى جمالية خاصة يتمتَّع بها هذا الموصوف.
إنَّ العرب - ومنذ العصر الجاهلي - عرفوا مدلولَ الشِّعر، لا على مستوى الإبداع فحسب، بل على مستوى التنظير كذلك؛ إنه مقرون عندهم بالوزن، بالموسيقى، بالإنشاد، بالغناء، وهذه كلها من حقل واحد.
هذه أم جندب - زوج امرئ القيس، على سبيل المثال - تُدرِك مفهوم الشعر ومكوِّناته إدراكًا واضحًا، تدرك أنه كلام موزون مقفَّى، إنها تقول في حُكمِها المشهور بين زوجها وبين علقمة بن عبدة: "قُولا شعرًا تصفان فيه فرسيكما على قافية واحدة ورويٍّ واحد، فقال امرؤ القيس قصيدته التي مطلعها:
خليليَّ مُرَّا بي على أم جندب *** نُقضِّ لبانات الفُؤاد المعذَّبِ
وقال علقمة قصيدته التي مطلعها:
ذهبتَ من الهجرانِ في كلِّ مذهَبِ *** ولم يكُ حقًّا طولُ هذا التجنُّبِ
ومن الواضح أنهما من البحر الطويل، وعلى رويِّ الباء المكسورة.
كما أن هناك نصوصًا كثيرة تُشعِر بمعرفة العرب منذ العصر الجاهلي بعناصر الوزن والقافية، وما يداخلهما من عيوب؛ كالإقواء الذي عِيب على النابغة الذبياني، ونُبِّه عليه، فلم يعدْ إليه.
2- وصف بعض العرب القرآن الكريم بأنه شِعر، وهذا الوصف منصرف كذلك إلى جمال الكلام وفنيَّته، وما فيه من الإبهار اللغوي المُعجِز، فشبَّهوه بما هو أرقى أنواع القول عندهم وهو الشعر، وليس ذلك من قبيل اعتقادهم أنه شِعر، أو أنَّ الشِّعر قد يكون كلامًا غير موزون، كما توهَّم ذلك بعض الدارسين المُعاصِرين.
وقد أشار الباقلاني إلى ذلك إشارةً واضحة دالة، فذكر أن الكفار لمَّا قالوا عما أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم-: إنه شعر: "لا بدَّ أن يكون مَحمولًا على أنهم نسَبوه إلى أنه يشعر بما لا يشعر به غيره من الصنعة اللطيفة في نظْم الكلام، لا أنهم نسبوه في القرآن إلى أنَّ الذي أتاهم به من قبيل الشعر الذي يتعارفونه على الأعاريض المحصورة المألوفة..".
كما أن وصْف القرآن الكريم بأنه شعْرٌ قد يَعني - من وجه آخر - إحالتَهم هذا الكلام المُعجِب المؤثِّر إلى مصدر غيبي، أو إلهام خارجي؛ لما كانوا يَعتقِدونه من إلهام الشياطين الشعراءَ ما يقولون، وأن لكل شاعرٍ رَئيًّا مِن الجنِّ يُلقي على لسانه القول، ومما يدلُّ على هذه الإحالة إلى مصدر خارجي غيبي: أنهم ربطوا الشعر كذلك بالسحر والكهانة والجنون، وما شابه ذلك.
ويشهد على معرفة العرب اليقينيَّة بالشعر، وإدراكهم - وإن كابروا - أن القرآن ليس بشعر: ما جاء في حديث أبي ذر عن سبب إسلامه، قال أبو ذرٍّ: قال لي أخي أنيس: لقيتُ بمكة رجلاً يقول: إنَّ الله تعالى أرسله - يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم - فقلتُ: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، ساحر، كاهن، قال أبو ذر: وكان أنيس أحد الشعراء، فقال: تالله، لقد وضعتُ قوله على أقراء الشعر، فلم يَلتئم على لسان أحد..".
ومن ذلك قول الوليد بن المغيرة في حواره مع قومه قريش عن محمد - صلى الله عليه وسلم-: "قالوا: نقول: شاعر، قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله: رجزه وهزجه وقريضه، ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، والله إن له لحلاوة، وإن أصله لعَذَق، وإن فرعه لجناةٌ".
إذًا؛ فإنَّ مفهوم الشعر أنه الكلام الموزون المقفَّى كان واضحًا عند العرب منذ العصر الجاهلي، على كل مِن مُستويي: الإبداع والتنظير، وليس الأمر كما قالت سلمى الخضراء الجيوسي من أن اتِّهام قريش النبي - صلى الله عليه وسلم- بأنه شاعر "تبيَّن أن التفريق بين النثر والشعر لم يكن حتى ذلك الوقت واضحًا، وأن عرب الجاهلية لم يجدوا غضاضة - من وجهة نظر فنيَّة - في أن يَصِفوا النثر القرآني النفيس البالغ الأثر بأنه شعر..".
وقد أوضح هذه المسألة، وفنَّد هذه الشبهة ابنُ رشيق عندما حدد عناصر الشِّعر التي لا يقوم إلا بها، فقال:
"الشعر يقوم - بعد النية - من أربعة أشياء: اللفظ، والوزن، والمعنى، والقافية، فهذا حد الشعر؛ لأنَّ من الكلام موزونًا مقفى وليس بشعر، لعدم القصد والنية، كأشياء اتزنت من القرآن، ومن كلام النبي - صلى الله عليه وسلم- وغير ذلك مما لم يُطلَق عليه أنه شعر.."، وأيَّد ابنَ رشيق في ذلك أبو بكر الشنتريني، فبيَّن أن لقب الشاعر يُطلق على من يقول كلامًا موزونًا وهو عارف مُدرِك قاصد أن يقول شعرًا؛ وذلك حتى لا يُطلَق لقب "الشِّعر" على ما وقع من الكلام موزونًا من غير قصد..".
وعلى الرغم من أن الشنتريني قصر الأوزان على ما عرفته العرب من الأعاريض واستعملته، واستبعدت المهمل الذي لم يَنظموا عليه، وهو ما لا نقرُّه عليه، فإن الشنتريني فطن إلى ضرورة اجتماع القصد مع الوزن عند تعريفه للشعر.
يقول: "اعلم أن الأوزان على ضربين: مستعمل ومُهمَل؛ فالمستعمل ما قالت عليه العرب، والمهمل ما عداه، فما كان من المستعمل مفيدًا مقصودًا به الشعر مقفى سُمِّيَ قائله شاعِرًا، وما عَرِي من هذه الشروط أو مِن بعضها فليس بشعر، ولا يُسمَّى قائله شاعرًا؛ لأن لفظ الشعر ينبئ عن الفطنة، وكل ما فطنت له من شعرك فقد قصدته، وهذا يُنبهك أن كل ما جاء في كتاب الله أو حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من الكلام الموزون فلا يُسمَّى شِعرًا؛ لعُريه من القصد والتقفية، أو من أحدهما، وكذلك لا يُسَمَّى قائلُه شاعرًا..".
د. وليد قصاب
.
يُحاول بعض المُروِّجين لِما يُسمَّى خطأً "قصيدة نثر"، وهي - في أحسن أحوالها - نوع من الكتابة النثرية الشعرية - أن يبحثوا عن جذرٍ تُراثيٍّ لها في شعرنا العربي.
ومِن أجْل ذلك زعم بعضهم - استنادًا إلى نصوص غير دالَّة - أن العرب عرفتْ نوعًا من الشعر غير الموزون، أو أن الشعر لم يرتبط عندها بالوزن دائمًا،
ويسوق أصحاب هذا الزعم الحجج الآتية:
1- قول حسان بن ثابت - رضي الله عنه - لابنه عبدالرحمن: "قلتَ والله الشِّعر"، عندما جاءه يشكو إليه لسعَة زنبورٍ، ويصِفُه قائلاً: "لسَعَني طائرٌ كأنه ملتفٌّ في بردتي حِبَرَة".
فحسان - في زعمهم - وصفَ كلام ابنه بأنه شعر، وهو كلام غير موزون.
والحق أن هذه العبارة مُنصرفة إلى ما في هذه العبارة التي نطَقَها الغلام من جمالية متمثِّلة في هذه الصورة الفنية التي تقرِّبها من لغة الشعر، فهي ليست منصرفة إلى المصطلح؛ إنها تتحدث عن الأثر الجمالي الذي يُحدثه مثل هذا الكلام، إنها وصف للشعريَّة أو الشاعريَّة فيه، وهي تُشبه وصف شيء ما - وإنْ لم يكن من جنس الكلام أصلاً - بأنه شاعريٌّ، كقولنا: مكان شاعريٌّ، ولقاء شاعريٌّ، وصوت شاعريٌّ، وجلسة شاعريَّة، وما شابه ذلك مِن عبارات لا يُقصَد بها إلا الإشارة إلى جمالية خاصة يتمتَّع بها هذا الموصوف.
إنَّ العرب - ومنذ العصر الجاهلي - عرفوا مدلولَ الشِّعر، لا على مستوى الإبداع فحسب، بل على مستوى التنظير كذلك؛ إنه مقرون عندهم بالوزن، بالموسيقى، بالإنشاد، بالغناء، وهذه كلها من حقل واحد.
هذه أم جندب - زوج امرئ القيس، على سبيل المثال - تُدرِك مفهوم الشعر ومكوِّناته إدراكًا واضحًا، تدرك أنه كلام موزون مقفَّى، إنها تقول في حُكمِها المشهور بين زوجها وبين علقمة بن عبدة: "قُولا شعرًا تصفان فيه فرسيكما على قافية واحدة ورويٍّ واحد، فقال امرؤ القيس قصيدته التي مطلعها:
خليليَّ مُرَّا بي على أم جندب *** نُقضِّ لبانات الفُؤاد المعذَّبِ
وقال علقمة قصيدته التي مطلعها:
ذهبتَ من الهجرانِ في كلِّ مذهَبِ *** ولم يكُ حقًّا طولُ هذا التجنُّبِ
ومن الواضح أنهما من البحر الطويل، وعلى رويِّ الباء المكسورة.
كما أن هناك نصوصًا كثيرة تُشعِر بمعرفة العرب منذ العصر الجاهلي بعناصر الوزن والقافية، وما يداخلهما من عيوب؛ كالإقواء الذي عِيب على النابغة الذبياني، ونُبِّه عليه، فلم يعدْ إليه.
2- وصف بعض العرب القرآن الكريم بأنه شِعر، وهذا الوصف منصرف كذلك إلى جمال الكلام وفنيَّته، وما فيه من الإبهار اللغوي المُعجِز، فشبَّهوه بما هو أرقى أنواع القول عندهم وهو الشعر، وليس ذلك من قبيل اعتقادهم أنه شِعر، أو أنَّ الشِّعر قد يكون كلامًا غير موزون، كما توهَّم ذلك بعض الدارسين المُعاصِرين.
وقد أشار الباقلاني إلى ذلك إشارةً واضحة دالة، فذكر أن الكفار لمَّا قالوا عما أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم-: إنه شعر: "لا بدَّ أن يكون مَحمولًا على أنهم نسَبوه إلى أنه يشعر بما لا يشعر به غيره من الصنعة اللطيفة في نظْم الكلام، لا أنهم نسبوه في القرآن إلى أنَّ الذي أتاهم به من قبيل الشعر الذي يتعارفونه على الأعاريض المحصورة المألوفة..".
كما أن وصْف القرآن الكريم بأنه شعْرٌ قد يَعني - من وجه آخر - إحالتَهم هذا الكلام المُعجِب المؤثِّر إلى مصدر غيبي، أو إلهام خارجي؛ لما كانوا يَعتقِدونه من إلهام الشياطين الشعراءَ ما يقولون، وأن لكل شاعرٍ رَئيًّا مِن الجنِّ يُلقي على لسانه القول، ومما يدلُّ على هذه الإحالة إلى مصدر خارجي غيبي: أنهم ربطوا الشعر كذلك بالسحر والكهانة والجنون، وما شابه ذلك.
ويشهد على معرفة العرب اليقينيَّة بالشعر، وإدراكهم - وإن كابروا - أن القرآن ليس بشعر: ما جاء في حديث أبي ذر عن سبب إسلامه، قال أبو ذرٍّ: قال لي أخي أنيس: لقيتُ بمكة رجلاً يقول: إنَّ الله تعالى أرسله - يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم - فقلتُ: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، ساحر، كاهن، قال أبو ذر: وكان أنيس أحد الشعراء، فقال: تالله، لقد وضعتُ قوله على أقراء الشعر، فلم يَلتئم على لسان أحد..".
ومن ذلك قول الوليد بن المغيرة في حواره مع قومه قريش عن محمد - صلى الله عليه وسلم-: "قالوا: نقول: شاعر، قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله: رجزه وهزجه وقريضه، ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، والله إن له لحلاوة، وإن أصله لعَذَق، وإن فرعه لجناةٌ".
إذًا؛ فإنَّ مفهوم الشعر أنه الكلام الموزون المقفَّى كان واضحًا عند العرب منذ العصر الجاهلي، على كل مِن مُستويي: الإبداع والتنظير، وليس الأمر كما قالت سلمى الخضراء الجيوسي من أن اتِّهام قريش النبي - صلى الله عليه وسلم- بأنه شاعر "تبيَّن أن التفريق بين النثر والشعر لم يكن حتى ذلك الوقت واضحًا، وأن عرب الجاهلية لم يجدوا غضاضة - من وجهة نظر فنيَّة - في أن يَصِفوا النثر القرآني النفيس البالغ الأثر بأنه شعر..".
وقد أوضح هذه المسألة، وفنَّد هذه الشبهة ابنُ رشيق عندما حدد عناصر الشِّعر التي لا يقوم إلا بها، فقال:
"الشعر يقوم - بعد النية - من أربعة أشياء: اللفظ، والوزن، والمعنى، والقافية، فهذا حد الشعر؛ لأنَّ من الكلام موزونًا مقفى وليس بشعر، لعدم القصد والنية، كأشياء اتزنت من القرآن، ومن كلام النبي - صلى الله عليه وسلم- وغير ذلك مما لم يُطلَق عليه أنه شعر.."، وأيَّد ابنَ رشيق في ذلك أبو بكر الشنتريني، فبيَّن أن لقب الشاعر يُطلق على من يقول كلامًا موزونًا وهو عارف مُدرِك قاصد أن يقول شعرًا؛ وذلك حتى لا يُطلَق لقب "الشِّعر" على ما وقع من الكلام موزونًا من غير قصد..".
وعلى الرغم من أن الشنتريني قصر الأوزان على ما عرفته العرب من الأعاريض واستعملته، واستبعدت المهمل الذي لم يَنظموا عليه، وهو ما لا نقرُّه عليه، فإن الشنتريني فطن إلى ضرورة اجتماع القصد مع الوزن عند تعريفه للشعر.
يقول: "اعلم أن الأوزان على ضربين: مستعمل ومُهمَل؛ فالمستعمل ما قالت عليه العرب، والمهمل ما عداه، فما كان من المستعمل مفيدًا مقصودًا به الشعر مقفى سُمِّيَ قائله شاعِرًا، وما عَرِي من هذه الشروط أو مِن بعضها فليس بشعر، ولا يُسمَّى قائله شاعرًا؛ لأن لفظ الشعر ينبئ عن الفطنة، وكل ما فطنت له من شعرك فقد قصدته، وهذا يُنبهك أن كل ما جاء في كتاب الله أو حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من الكلام الموزون فلا يُسمَّى شِعرًا؛ لعُريه من القصد والتقفية، أو من أحدهما، وكذلك لا يُسَمَّى قائلُه شاعرًا..".
د. وليد قصاب
.
