توهمات النحاة العرب بعد عصر الخليل وسيبويه ومحاولة تصويبها،
للأستاذ الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح-رئيس مجمع اللغة العربية الجزائري
بحث مقدم لمؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته الثانية والثمانين
للأستاذ الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح-رئيس مجمع اللغة العربية الجزائري
بحث مقدم لمؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته الثانية والثمانين
إن الأجيال المتتالية من النحاة العرب الذين توارثوا كتاب سيبويه وما روى عنه وعن شيخه الخليل بن أحمد من بديع الأقوال وأصيلها قد وصل إليهم أيضا ما توهم في إدراكه بعض من جاء بعدهما مثل أبي الحسن الأخفش والمازني والجرمي وتلميذهما أبو العباس المبرد. وتبنَّت ذلك الجماعة من الذين أخذوا من أبي العباس مثل الزجاجي وابن السراج والسيرافي وغيرهم. وهو شيء قليل بالنسبة لما أصابوا في فهمه. وفضلهم كبير جدا في إدراكهم لأكثر ما جاء عن الخليل وتلميذه سيبويه. ويكفي في ذلك عنايتهم واهتمامهم الكبير بالكتاب وإيصالهم إياه بأمانة كاملة إلى الأجيال التي تلتهم وفي بعض الأحيان بأحسن الشروح وأعمقها.
وقد اخترنا من ذلك ثلاث مسائل تتعلق الأولى بما بالغ فيه المازني أو شيخه الأخفش فيما يخص التسوية بين المسند والمسند إليه من جهة والفعل والفاعل والمبتدأ والخبر من جهة أخرى. والثانية تتعلق بعدم فهم الأخفش لعبارة سيبويه: الاسم المبتدأ (1/409) وسيبويه يريد ههنا الاسم الذي يقوم مقام الفعل ويعمل عمله (في:”أقائم الأخوانِ”). أما المسألة الثالثة فهي عدم تدقيق الكثير من النحاة (بعد سيبويه) في تحديدهم لدلالة الفعل على الزمان مع التباس مفهومي “المنقطع” و”غير المنقطع” عليهم.
إن التوهم الأول الذي لا يزال راسخا في الأذهان إلى الآن هو في وظيفة الإسناد أي في جعل المسند إليه هو المحدَّث عنه أو المخبر عنه في جميع الأحوال على الإطلاق وأن يكون هو دومًا اسما. وجعل المسند هو غالبا المحدَّث به (أو المخبر به بالإسناد). ومن أقدم من قال هذا القول المازني كما سيأتي (وقد يكون شيخه أبو الحسن الأخفش) ([1]).
أما سيبويه فإنه قال:”المسند والمسند إليه وهما ما لا يستغني واحد منهما عن الآخر ولا يجد المتكلم منه بدّا. فمن ذلك الاسم المبتدأ والمبني عليه…ومثل ذلك: يذهب عبد الله. فلا بد للفعل من الاسم كما لم يكن للاسم الأول بد من الآخر في الابتداء” (الكتاب،1/3).
ينبغي أن نلاحظ أن سيبويه لم يبيّن عند كلامه عن الإسناد ما هو دور كل من المسند والمسند إليه ولم يفصّل الكلام عنهما أبدا. فلم يقل إن المسند إليه هو المحدّث عنه ولا أن المسند هو المخبر به أو الحديث كما سيقوله كل من جاء بعده. إلا أنه جاء في كتابه في مكان آخر غير مناسب من حيث الموضوع ومرة واحدة أن “الأسماء هي المحدّث عنها” كما سيأتي.
فقد اكتفى سيبويه ههنا بالتأكيد على أن لا كلام إلا بإسناد عنصر إلى آخر ومثّل لهما باسم +اسم وفعل +اسم. وأكَّد أنه لا استغناء أحدهما عن الآخر. فأقل ما يكون عليه الكلام هذان العنصران مسندا أحدهما إلى الآخر وكذلك هما المبتدأ والخبر أو المبني عليه والفعل والفاعل. أما عدم الاستغناء لأحدهما عن الآخر فلم يقصره على العلاقة بين الاسم والفعل بل شمل أيضا الاسم مع الاسم.
وقال المبرد بهذا الصدد: “فالفاعل والفعل بمنزلة الابتداء([2]) والخبر إذا قلت: قام زيد فهو بمنزلة: القائم زيد” (المقتضب، 1/8). وقال في مكان آخر من كتابه هذا: “وقال قوم: لما كانت الأسماء هي التي يُخبر عنها. إنما الأفعال آلة لها. جعلت لها على الأفعال فضيلة تُبيَّن بها حال تَمكُّنها. وكل الأقاويل جميل وهذا قول المازني” (نفس المرجع 257). فقد نسب المبرد هذا القول إلى صاحبه كما مرّ وأهم ما جاء فيه أن الأسماء هي التي يُخبر عنها وحدها دون الأفعال فلا تكون الأفعال إلا أداة للخبر. وقال مثل ذلك تلميذه أبو بكر بن السرّاج: “فالاسم يخصه أشياء يُعتبر بها منها أن يُقال: إن الاسم ما جاز أن يُخبر عنه نحو قولك: عمرو منطلق وقام بكر” (الأصول، 1/37). وقال الزجاجي: “المبتدأ يُبتدأ فيه بالاسم المحدّث عنه قبل الحديث وكذلك حكم كل مُخبر عنه. والفرق بينه وبين الفاعل أن الفاعل مبتدأ بالحديث قبله”([3]) (الإيضاح، 38).
ومثل هذا قاله تلميذ آخر لابن السرّاج وهو أبو سعيد السيرافي: “فالفعل حديث عن الفاعل والخبر حديث عن المبتدأ” (شرح سيبويه، 1/39). وذكر في مكان آخر كلام أحد معاصريه من العلماء أضاف إلى ذلك تحفظا مُهمّا على ما قالوه وهو الفرق بين البنيتين في امتناع تقديم الفاعل إطلاقا: “واحتج لقولهم مع ذلك بأن الفاعل مضارع للمبتدأ لأنه مُخْبَر عنه بفعله الذي قبله…إلا في التقديم والتأخير” (2/266).
وقد جاء هذا القول في الكتاب كما مرّ، في موضع غير ملائم يتطرق فيه إلى الفعل غير المتعدى ثم خرج فجأة إلى موضوع آخر وهو القول المذكور. “فالأسماء المحدَّث عنها والأمثلة دليلة على ما مضى وما لم يمض من المحدّث به عن الأسماء” (الكتاب، 1/14). ورجع بعد هذه الفقرة (وقد اختصرناها) إلى الموضوع الأول بدون أي وصل وأي تنبيه. وما جاء في الفقرة لم يتكرّر في أي مكان من الكتاب. ثم إنه لم تأت عبارة “المخبر به” إلا هنا. فشككنا، لكل هذا، أن يكون وقع إقحام هذا النص مع عدم إعادة ذكر الفكرة إطلاقا في جهات أخرى من الكتاب (مع تكرر ذكر ما قاله عن الإسناد هو نفسه).
فالتسوية بين المسند والمسند إليه من جهة والفعل والفاعل والمبتدأ والخبر من جهة أخرى وهو قول صحيح([4]) أدّاهم إلى تعميم التسوية في كل شيء مما تتصف به الجملة الاسمية والجملة الفعلية. مع أنهما بِنْيتان مختلفتان. فالفعل لا يفارقه فاعله أبدًا ولا يتقدم عليه أبدا وليس كذلك المبتدأ والخبر. والأمر الثالث أن الفاعل يمكن أن يكون نكرة وليس المبتدأ كذلك غالبا. ثم كيف يكون الفاعل عندهم مخبرا عنه وهو نكرة؟ فهذه فروق كيبرة جدا فلا يمكن أن يكون تطابق بين البنيتين بل لا تطابق بينهما إلاّ في كون كل واحدة منها مُسند ومسند إليه. وهو في الحقيقة شرط تحوّل المجموع من الكلم إلى كلام أو جملة مفيدة. وهذا لا يترتّب عليه بالضرورة أن يكون الفعل حديثًا عن فاعله في جميع الأحوال كما يكون خبر المبتدأ حديثًا عنه دائما وبالتمام.
ودليل قوي يدل على ما قلناه هو الامتناع المطلق من تقدّم الفاعل على فعله. ولماذا يا ترى؟ فالجواب هو لئلا تنقلب البنية إلى ما يخالفها وهي بنية الجملة الاسمية: لا يمكن أن تنقلب الجملة الفعلية إلى جملة اسمية مع بقاء نفس الغرض من كل واحدة من البنيتين. فالاسمية يكون المبتدأ فيها هو المقدّم لأنه هو المحدّث عنه المهتم به وضعًا واستعمالاً. ولا يكون المبني عليه إلا خبرًا. أما الفعلية (التي يتصدرها الفعل) فالحديث هو فيها في الواقع عن وقوع حدث في حين وقوعه إيجابًا أو نفيًا وما يترتب على ذلك من ضرورة ذكر فاعله (ليكون كلاما مفيدا). فالذي يهم المتكلم ههنا هو الإخبار عما حصل أو ما يحصل في وقت حصوله بمجيء الفعل في موضع الابتداء. فإن انقلبت البنية بتقديم الفاعل صار الفاعل مبتدأ. فيكون حينئذ لزومًا هو المحدّث عنه. فلا بد من تقديم الفعل إذا كان المراد الإخبار عن حصول الحدث وإلا صار الاسم المحدث عنه (المبتدأ الذي له خبر). فالفعل دليل على الحدث في حين حدوثه (وهو كلام سيبويه))[5](. فهذا لا يدل عليه الاسم كخبر المبتدأ إلاّ ما كان مشتقا من الاسم الدال على الحدث (المصدر). ولا يكون ذكر الفعل إخبارًا إلا مع ذكر فاعله ونعني بذلك أن وجود الفاعل يقتضيه نظام اللغة والنحو خاصة فكما أن لفظ الفعل لا يأتي في موضع المبتدأ (لا يقال “خرج يزيد” إلا إذا كان يزيد اسما) فكذلك لا يأتي الفعل وحده لإفادة وقوع حدث بل لا بد أن يأتي في تركيب مماثل في الصيغة (وحدها) للمسند والمسند إليه أي بربط بين الفعل واسم يكون له علاقة به أساسية. فلا يكون الفاعل هو المحدّث عنه كما لو كان مبتدأ لأن ما يفيده الفعل والفاعل لا يطابق ما يأتي به المبتدأ والخبر لفظا ومعنىً.
فالجملة الاسمية ليست مبدؤة باسم إلا لأنها خبر وحديث قبل كل شيء عن شخص أو ذات وهو مدلول الاسم وحده. ويقابله الحدث الذي هو مدلول الفعل. فالحدث يُخبر عنه بما يفيد وقوعه في زمان حصوله ولا يكون هذا إلا بالفعل أو ما في معناه. بخلاف الذات التي يُخبر عنها بذكر ما يدل على شيء من صفاتها أو أحوالها أو حتى أعمالها أو أعمال ما له علاقة به (في مثل الجملة التي في موضع الخبر) وهذا القول يبدو مناقضا، مع ذلك، لما أجمع عليه النحاة من امتناع الإخبار عن الفعل واختصاص الاسم بذلك واحتياج الفعل المطلق إليه. فقد قال الرضى: “مدلول الفعل إذا كان تحت لفظ الفعل لا يُخبر عنه” (شرح الكافية، 1/29). وصّرح بذلك سيبويه نفسه ومثّل له بـ*إن يضرب ياتينا” (1/3). والإجابة عن ذلك تكمن في قول الرضى السابق: “مدلول الفعل إذا كان تحت لفظ الفعل”. ويعني بذلك لفظ الفعل في البنية النحوية فلا يعني الحدث في الواقع بل في صورة الفعل قسيم المفهوم النحوي الذي هو الاسم. ولهذا أيضا لا يشترط أن يكون الفاعل معرفة. فهذا دليل آخر على أنه ليس الفاعل هو المحدّث عنه بدون قيد مثل المبتدأ. وذلك لأن الفعل يدل على حدوث حادث له بداية ونهاية ويحتاج لذلك إلى لفظ خاص مغاير تماما للاسم المحض والحرف.
وذكر سيبويه الفرق بينهما من جانب آخر: بكون المبتدأ والخبر لشيء واحد (أو يكون الخبر ظرفًا أو جارا ومجرورا) بخلاف الفاعل والمفعول به، وقد يكون الفاعل نكرة ويخبر عنه لأنه ليس هو المقصود بعينه بالخبر في الجملة الفعلية. والواقع أن له علاقة بالحدث إذ هو صاحب الحدث الفاعل أو المنفعل فذكره هو تخصيص لازم للحدث فلا يجب أن يكون معرفة.
وآخر دليل سنذكره فيما يخص هذا التوهم هو في وجود علاقة قوية بين الجار والمجرور أو الظرف وبين الفعل. وهذا قد ذكره كل النحاة القدماء. وقويت هذه العلاقة حتى ذهب الأخفش إلى أن العامل في الرجل في مثل “في الدار رجل” هو الجار والمجرور وهذا قد نفاه سيبويه في أول الكتاب بقول صريح. ومع ذلك فإنه يعترف أن للجار والمجرور أو الظرف معنى الفعل وقدّر فعل “استقر” بالنسبة إلى المثال السابق ويؤيد هذا ما لاحظوه من أن الاسم النكرة يجوز أن يكون مبتدأ إذا كان خبره جارا ومجرورًا وعندئذ يُقدّم عليه في مثل “في الدار رجل”. فكما لا يقال”: *رجل قام” لا يقال”: *رجل في الدار”([6]). وللجار والمجرور معنى الفعل كـ “استقر” أو “يكون” أو “يوجد” وغير ذلك. وليس هناك سبب آخر لضرورة تقديم الجار والمجرور على “رجل” إلا الالتباس بأن يكون قام أو في الدار صفة لرجل.
وقد انفرد أحد النحاة من تلاميذ ابن السراج المتميّزين وهو أبو الحسن الرماني (المتوفى في 384) بالملاحظة الدقيقة حول الدور الذي يقوم به الفعل في الكلام. قال: إنما دلالته (الفعل) دلالة الإفادة كدلالة الجملة” وقال: “فليس دلالته دلالة الإشارة أصلا أي دلالة وضعية (شرح الكتاب، 1/175)([7]) ويُسمي الرماني هذه الدلالة دلالة التصريح أيضا في مقابل دلالة التضمين التي هي نوع من الدلالة العقلية.
فبما أن الفعل لا يدل إلا دلالة إفادة فذكره (لزومًا مع فاعله) وهو إخبار على الدوام. فالمحدّث عنه الحقيقي عند ذكر الفعل مع فاعله هو “الحدث في حين وقوعه” كما قلنا وكما حرّره سيبويه هو وشيخه، وليس الحدث كشيء بعينه أيضا فهذا يدل عليه الاسم كمصدر (فيجرّد عن دلالته على الزمان).
ونؤكد أن سيبويه لم يتردد في جعل الفعل كحدث هو المحدّث عنه ولا يريد بالفعل ههنا الفعل كمصطلح نحوي أي اللفظ الدال. فالإخبار كيف ما كان يخص الحدث الحقيقي والمسمّى الحقيقي لا الأفعال ولا الأسماء. ولهذا لا يوجد أي تناقض بين كلامه وما قال النحويون عن الفعل بأن الفعل “لا يخبر عنه” (قول النحاة بإجماع) وهو صحيح من حيث أن الذي يخبر عنه عند المتوهمين من النحاة هو الاسم (المبتدأ عندهم) فلا يمكن بحال أن يأتي الفعل ككلمة في التعبير اللغوي في موضع المبتدأ. لأن الموضع لا تدخل فيه إلا الأدلة اللغوية لا المدلولات التي تدل عليها كالحدث.
وقال سيبويه بالنص الصريح: “فإذا حدّثت عن فعل (=حدث) في حين وقوعه غير منقطع” (1/82) و”فإنما تُحدِّث عن اتّصال فعل في حين وقوعه” (نفسه). فسيبويه يقول بوضوح تام أن المحدّث عنه قد يكون الفعل وهو يعني الحدث في حين وقوعه (أي الحدث الواقع لا لفظ الفعل كمصطلح نحوي).
وقال مثل هذا نحاة آخرون مثل عبد القاهر الجرجاني: كان “ضَرَبَ” و”قَتَل” خبرًا عن حدث وشيءٍ خارج من العدم إلى الوجود” (المقتصد، 260) وقال الرضى: “ضَرَبَ مُفيد في نفسه الإخبار عن وقوع ضَرْب وفي فاعله الضاربيةِ” (شرح الكافية، 1/38). وأكَّد ذلك ابن الأنباري (أبو البركات): و”ما نسمّيه فعلا من فعل يفعل إنما هو إخبار بوقوع ذلك الفعل في زمان معين” (الإنصاف، 44)([8]).
فما يقع من الوقائع يُخبر عنها بالأفعال وللأفعال في التعبير اللغوي صيغ ومواضع خاصة في الجملة. فالاسم مدلوله هو الشخص أي الذات أو الشيء بعينه سواء كان مادّيا أو مجردا. أما الفعل فلا يدل في الأصل إلا على ما يحدث ويتجدّد وينقضي وهو الحدث وكحدث واقع لا كشيء بعينه فلا يمكن أن يُخبر عنه إلا بلفظ خاص يتضّمن الدلالة على زمان الوقوع ونسبة الحدث إلى متعلقه وهو الفاعل([9]). فالمخبر عنه، في الحقيقة، ليس هو الفاعل كما يكون المبتدأ هو المخبر عنه هو وحده.
هذا وقد يسأل السائل عن ماهية العلاقة الأساسية التي ينعقد بها الفعل مع فاعله. فإن كانت علاقة التلازم بين الفعل ومن قام به أي الفاعل في الحقيقة فالحق أن الكثير من الأفعال هي أفعال تتطلب فاعلا حقيقيًا لأنها تدلّ على فعل علاجي له تأثير في الغير مثل ضرب وكتب وصنع إلا أن الكثير منها ليست كذلك مثل مرض وسقط ومات. وأكثره يأتي على وزن فعِل وفَعُل وافتعل وانفعل وغيرها. قال ابن السراج عن هذا: كان فاعلا في الحقيقة أو لم يكن لأن الفعل ينقسم قسمين: منه حقيقي ومنه غير حقيقي” (الأصول، 1/73). وذكر أنواعًا من الأفعال غير حقيقية الفاعل.
أما الفعل الحقيقي ذو الفاعل فلا إشكال فيه إذ الفاعل بفاعليته أقرب عنصر إلى الحدث وأحق الأفعال ههنا بالإسناد إلى المسند إليه الذي هو الفعل. ومع ذلك فقد جعل النحاة كل الأفعال غير الحقيقية من جنس الحقيقية في انعقاده بالإسناد مع اسم سمَّوه فاعلا. وهو ما لاحظوه في كلام العرب: يُنزّل فيه كل اسم يأتي مع الفعل ولا يفارقه منزلة الفاعل الحقيقي. فهذا إسناد نحوي يخصّ نظام اللغة اللفظي (البنية وعناصرها) لا الأحداث ولا المسميات.
إلا أن هناك اتصالاً عميقًا بين الاسم والفعل من حيث الإخبار على الرغم من الفوارق الكبيرة التي ذكرناها. وذلك راجع إلى أن الأسماء والأفعال العربية المتصرفة تُشْتَقّ بعضها من بعض وتتصرّف لكونها من جذر واحد وصيغة يصاغ عليها الجذر. فينتج من ذلك تداخل عميق بين الألفاظ ومعانيها. فمفهوم الحدث وهو مدلول الفعل في الأصل قد تدل عليه أسماء وهي المصدر والصفات المشتقة كلها منه (التي لها جِذْر واحد) بفضل التصرف إلى صيغ مختلفة ويخرج مدلول الزمان حينئذ من الفعل وقد صار مصدرًا وكذلك الصفات إلا في حالات معينة فيما يخصّ اسمي الفاعل والمفعول. وهناك أيضا دَرَجات بين الأفعال من حيث قربها أو بعدها عن الاسمية أو مفهوم الذات. فالحقيقية منها تحمل شيئا من مفهوم الاسم مثل الأفعال التي على وزن فعِل وفَعُل وأفعال المطاوعة والانفعال. فكل هذه الأفعال تندمج فيها ما يخصّ الذات مع الحدث.
وقد اخترنا من ذلك ثلاث مسائل تتعلق الأولى بما بالغ فيه المازني أو شيخه الأخفش فيما يخص التسوية بين المسند والمسند إليه من جهة والفعل والفاعل والمبتدأ والخبر من جهة أخرى. والثانية تتعلق بعدم فهم الأخفش لعبارة سيبويه: الاسم المبتدأ (1/409) وسيبويه يريد ههنا الاسم الذي يقوم مقام الفعل ويعمل عمله (في:”أقائم الأخوانِ”). أما المسألة الثالثة فهي عدم تدقيق الكثير من النحاة (بعد سيبويه) في تحديدهم لدلالة الفعل على الزمان مع التباس مفهومي “المنقطع” و”غير المنقطع” عليهم.
إن التوهم الأول الذي لا يزال راسخا في الأذهان إلى الآن هو في وظيفة الإسناد أي في جعل المسند إليه هو المحدَّث عنه أو المخبر عنه في جميع الأحوال على الإطلاق وأن يكون هو دومًا اسما. وجعل المسند هو غالبا المحدَّث به (أو المخبر به بالإسناد). ومن أقدم من قال هذا القول المازني كما سيأتي (وقد يكون شيخه أبو الحسن الأخفش) ([1]).
أما سيبويه فإنه قال:”المسند والمسند إليه وهما ما لا يستغني واحد منهما عن الآخر ولا يجد المتكلم منه بدّا. فمن ذلك الاسم المبتدأ والمبني عليه…ومثل ذلك: يذهب عبد الله. فلا بد للفعل من الاسم كما لم يكن للاسم الأول بد من الآخر في الابتداء” (الكتاب،1/3).
ينبغي أن نلاحظ أن سيبويه لم يبيّن عند كلامه عن الإسناد ما هو دور كل من المسند والمسند إليه ولم يفصّل الكلام عنهما أبدا. فلم يقل إن المسند إليه هو المحدّث عنه ولا أن المسند هو المخبر به أو الحديث كما سيقوله كل من جاء بعده. إلا أنه جاء في كتابه في مكان آخر غير مناسب من حيث الموضوع ومرة واحدة أن “الأسماء هي المحدّث عنها” كما سيأتي.
فقد اكتفى سيبويه ههنا بالتأكيد على أن لا كلام إلا بإسناد عنصر إلى آخر ومثّل لهما باسم +اسم وفعل +اسم. وأكَّد أنه لا استغناء أحدهما عن الآخر. فأقل ما يكون عليه الكلام هذان العنصران مسندا أحدهما إلى الآخر وكذلك هما المبتدأ والخبر أو المبني عليه والفعل والفاعل. أما عدم الاستغناء لأحدهما عن الآخر فلم يقصره على العلاقة بين الاسم والفعل بل شمل أيضا الاسم مع الاسم.
وقال المبرد بهذا الصدد: “فالفاعل والفعل بمنزلة الابتداء([2]) والخبر إذا قلت: قام زيد فهو بمنزلة: القائم زيد” (المقتضب، 1/8). وقال في مكان آخر من كتابه هذا: “وقال قوم: لما كانت الأسماء هي التي يُخبر عنها. إنما الأفعال آلة لها. جعلت لها على الأفعال فضيلة تُبيَّن بها حال تَمكُّنها. وكل الأقاويل جميل وهذا قول المازني” (نفس المرجع 257). فقد نسب المبرد هذا القول إلى صاحبه كما مرّ وأهم ما جاء فيه أن الأسماء هي التي يُخبر عنها وحدها دون الأفعال فلا تكون الأفعال إلا أداة للخبر. وقال مثل ذلك تلميذه أبو بكر بن السرّاج: “فالاسم يخصه أشياء يُعتبر بها منها أن يُقال: إن الاسم ما جاز أن يُخبر عنه نحو قولك: عمرو منطلق وقام بكر” (الأصول، 1/37). وقال الزجاجي: “المبتدأ يُبتدأ فيه بالاسم المحدّث عنه قبل الحديث وكذلك حكم كل مُخبر عنه. والفرق بينه وبين الفاعل أن الفاعل مبتدأ بالحديث قبله”([3]) (الإيضاح، 38).
ومثل هذا قاله تلميذ آخر لابن السرّاج وهو أبو سعيد السيرافي: “فالفعل حديث عن الفاعل والخبر حديث عن المبتدأ” (شرح سيبويه، 1/39). وذكر في مكان آخر كلام أحد معاصريه من العلماء أضاف إلى ذلك تحفظا مُهمّا على ما قالوه وهو الفرق بين البنيتين في امتناع تقديم الفاعل إطلاقا: “واحتج لقولهم مع ذلك بأن الفاعل مضارع للمبتدأ لأنه مُخْبَر عنه بفعله الذي قبله…إلا في التقديم والتأخير” (2/266).
وقد جاء هذا القول في الكتاب كما مرّ، في موضع غير ملائم يتطرق فيه إلى الفعل غير المتعدى ثم خرج فجأة إلى موضوع آخر وهو القول المذكور. “فالأسماء المحدَّث عنها والأمثلة دليلة على ما مضى وما لم يمض من المحدّث به عن الأسماء” (الكتاب، 1/14). ورجع بعد هذه الفقرة (وقد اختصرناها) إلى الموضوع الأول بدون أي وصل وأي تنبيه. وما جاء في الفقرة لم يتكرّر في أي مكان من الكتاب. ثم إنه لم تأت عبارة “المخبر به” إلا هنا. فشككنا، لكل هذا، أن يكون وقع إقحام هذا النص مع عدم إعادة ذكر الفكرة إطلاقا في جهات أخرى من الكتاب (مع تكرر ذكر ما قاله عن الإسناد هو نفسه).
فالتسوية بين المسند والمسند إليه من جهة والفعل والفاعل والمبتدأ والخبر من جهة أخرى وهو قول صحيح([4]) أدّاهم إلى تعميم التسوية في كل شيء مما تتصف به الجملة الاسمية والجملة الفعلية. مع أنهما بِنْيتان مختلفتان. فالفعل لا يفارقه فاعله أبدًا ولا يتقدم عليه أبدا وليس كذلك المبتدأ والخبر. والأمر الثالث أن الفاعل يمكن أن يكون نكرة وليس المبتدأ كذلك غالبا. ثم كيف يكون الفاعل عندهم مخبرا عنه وهو نكرة؟ فهذه فروق كيبرة جدا فلا يمكن أن يكون تطابق بين البنيتين بل لا تطابق بينهما إلاّ في كون كل واحدة منها مُسند ومسند إليه. وهو في الحقيقة شرط تحوّل المجموع من الكلم إلى كلام أو جملة مفيدة. وهذا لا يترتّب عليه بالضرورة أن يكون الفعل حديثًا عن فاعله في جميع الأحوال كما يكون خبر المبتدأ حديثًا عنه دائما وبالتمام.
ودليل قوي يدل على ما قلناه هو الامتناع المطلق من تقدّم الفاعل على فعله. ولماذا يا ترى؟ فالجواب هو لئلا تنقلب البنية إلى ما يخالفها وهي بنية الجملة الاسمية: لا يمكن أن تنقلب الجملة الفعلية إلى جملة اسمية مع بقاء نفس الغرض من كل واحدة من البنيتين. فالاسمية يكون المبتدأ فيها هو المقدّم لأنه هو المحدّث عنه المهتم به وضعًا واستعمالاً. ولا يكون المبني عليه إلا خبرًا. أما الفعلية (التي يتصدرها الفعل) فالحديث هو فيها في الواقع عن وقوع حدث في حين وقوعه إيجابًا أو نفيًا وما يترتب على ذلك من ضرورة ذكر فاعله (ليكون كلاما مفيدا). فالذي يهم المتكلم ههنا هو الإخبار عما حصل أو ما يحصل في وقت حصوله بمجيء الفعل في موضع الابتداء. فإن انقلبت البنية بتقديم الفاعل صار الفاعل مبتدأ. فيكون حينئذ لزومًا هو المحدّث عنه. فلا بد من تقديم الفعل إذا كان المراد الإخبار عن حصول الحدث وإلا صار الاسم المحدث عنه (المبتدأ الذي له خبر). فالفعل دليل على الحدث في حين حدوثه (وهو كلام سيبويه))[5](. فهذا لا يدل عليه الاسم كخبر المبتدأ إلاّ ما كان مشتقا من الاسم الدال على الحدث (المصدر). ولا يكون ذكر الفعل إخبارًا إلا مع ذكر فاعله ونعني بذلك أن وجود الفاعل يقتضيه نظام اللغة والنحو خاصة فكما أن لفظ الفعل لا يأتي في موضع المبتدأ (لا يقال “خرج يزيد” إلا إذا كان يزيد اسما) فكذلك لا يأتي الفعل وحده لإفادة وقوع حدث بل لا بد أن يأتي في تركيب مماثل في الصيغة (وحدها) للمسند والمسند إليه أي بربط بين الفعل واسم يكون له علاقة به أساسية. فلا يكون الفاعل هو المحدّث عنه كما لو كان مبتدأ لأن ما يفيده الفعل والفاعل لا يطابق ما يأتي به المبتدأ والخبر لفظا ومعنىً.
فالجملة الاسمية ليست مبدؤة باسم إلا لأنها خبر وحديث قبل كل شيء عن شخص أو ذات وهو مدلول الاسم وحده. ويقابله الحدث الذي هو مدلول الفعل. فالحدث يُخبر عنه بما يفيد وقوعه في زمان حصوله ولا يكون هذا إلا بالفعل أو ما في معناه. بخلاف الذات التي يُخبر عنها بذكر ما يدل على شيء من صفاتها أو أحوالها أو حتى أعمالها أو أعمال ما له علاقة به (في مثل الجملة التي في موضع الخبر) وهذا القول يبدو مناقضا، مع ذلك، لما أجمع عليه النحاة من امتناع الإخبار عن الفعل واختصاص الاسم بذلك واحتياج الفعل المطلق إليه. فقد قال الرضى: “مدلول الفعل إذا كان تحت لفظ الفعل لا يُخبر عنه” (شرح الكافية، 1/29). وصّرح بذلك سيبويه نفسه ومثّل له بـ*إن يضرب ياتينا” (1/3). والإجابة عن ذلك تكمن في قول الرضى السابق: “مدلول الفعل إذا كان تحت لفظ الفعل”. ويعني بذلك لفظ الفعل في البنية النحوية فلا يعني الحدث في الواقع بل في صورة الفعل قسيم المفهوم النحوي الذي هو الاسم. ولهذا أيضا لا يشترط أن يكون الفاعل معرفة. فهذا دليل آخر على أنه ليس الفاعل هو المحدّث عنه بدون قيد مثل المبتدأ. وذلك لأن الفعل يدل على حدوث حادث له بداية ونهاية ويحتاج لذلك إلى لفظ خاص مغاير تماما للاسم المحض والحرف.
وذكر سيبويه الفرق بينهما من جانب آخر: بكون المبتدأ والخبر لشيء واحد (أو يكون الخبر ظرفًا أو جارا ومجرورا) بخلاف الفاعل والمفعول به، وقد يكون الفاعل نكرة ويخبر عنه لأنه ليس هو المقصود بعينه بالخبر في الجملة الفعلية. والواقع أن له علاقة بالحدث إذ هو صاحب الحدث الفاعل أو المنفعل فذكره هو تخصيص لازم للحدث فلا يجب أن يكون معرفة.
وآخر دليل سنذكره فيما يخص هذا التوهم هو في وجود علاقة قوية بين الجار والمجرور أو الظرف وبين الفعل. وهذا قد ذكره كل النحاة القدماء. وقويت هذه العلاقة حتى ذهب الأخفش إلى أن العامل في الرجل في مثل “في الدار رجل” هو الجار والمجرور وهذا قد نفاه سيبويه في أول الكتاب بقول صريح. ومع ذلك فإنه يعترف أن للجار والمجرور أو الظرف معنى الفعل وقدّر فعل “استقر” بالنسبة إلى المثال السابق ويؤيد هذا ما لاحظوه من أن الاسم النكرة يجوز أن يكون مبتدأ إذا كان خبره جارا ومجرورًا وعندئذ يُقدّم عليه في مثل “في الدار رجل”. فكما لا يقال”: *رجل قام” لا يقال”: *رجل في الدار”([6]). وللجار والمجرور معنى الفعل كـ “استقر” أو “يكون” أو “يوجد” وغير ذلك. وليس هناك سبب آخر لضرورة تقديم الجار والمجرور على “رجل” إلا الالتباس بأن يكون قام أو في الدار صفة لرجل.
وقد انفرد أحد النحاة من تلاميذ ابن السراج المتميّزين وهو أبو الحسن الرماني (المتوفى في 384) بالملاحظة الدقيقة حول الدور الذي يقوم به الفعل في الكلام. قال: إنما دلالته (الفعل) دلالة الإفادة كدلالة الجملة” وقال: “فليس دلالته دلالة الإشارة أصلا أي دلالة وضعية (شرح الكتاب، 1/175)([7]) ويُسمي الرماني هذه الدلالة دلالة التصريح أيضا في مقابل دلالة التضمين التي هي نوع من الدلالة العقلية.
فبما أن الفعل لا يدل إلا دلالة إفادة فذكره (لزومًا مع فاعله) وهو إخبار على الدوام. فالمحدّث عنه الحقيقي عند ذكر الفعل مع فاعله هو “الحدث في حين وقوعه” كما قلنا وكما حرّره سيبويه هو وشيخه، وليس الحدث كشيء بعينه أيضا فهذا يدل عليه الاسم كمصدر (فيجرّد عن دلالته على الزمان).
ونؤكد أن سيبويه لم يتردد في جعل الفعل كحدث هو المحدّث عنه ولا يريد بالفعل ههنا الفعل كمصطلح نحوي أي اللفظ الدال. فالإخبار كيف ما كان يخص الحدث الحقيقي والمسمّى الحقيقي لا الأفعال ولا الأسماء. ولهذا لا يوجد أي تناقض بين كلامه وما قال النحويون عن الفعل بأن الفعل “لا يخبر عنه” (قول النحاة بإجماع) وهو صحيح من حيث أن الذي يخبر عنه عند المتوهمين من النحاة هو الاسم (المبتدأ عندهم) فلا يمكن بحال أن يأتي الفعل ككلمة في التعبير اللغوي في موضع المبتدأ. لأن الموضع لا تدخل فيه إلا الأدلة اللغوية لا المدلولات التي تدل عليها كالحدث.
وقال سيبويه بالنص الصريح: “فإذا حدّثت عن فعل (=حدث) في حين وقوعه غير منقطع” (1/82) و”فإنما تُحدِّث عن اتّصال فعل في حين وقوعه” (نفسه). فسيبويه يقول بوضوح تام أن المحدّث عنه قد يكون الفعل وهو يعني الحدث في حين وقوعه (أي الحدث الواقع لا لفظ الفعل كمصطلح نحوي).
وقال مثل هذا نحاة آخرون مثل عبد القاهر الجرجاني: كان “ضَرَبَ” و”قَتَل” خبرًا عن حدث وشيءٍ خارج من العدم إلى الوجود” (المقتصد، 260) وقال الرضى: “ضَرَبَ مُفيد في نفسه الإخبار عن وقوع ضَرْب وفي فاعله الضاربيةِ” (شرح الكافية، 1/38). وأكَّد ذلك ابن الأنباري (أبو البركات): و”ما نسمّيه فعلا من فعل يفعل إنما هو إخبار بوقوع ذلك الفعل في زمان معين” (الإنصاف، 44)([8]).
فما يقع من الوقائع يُخبر عنها بالأفعال وللأفعال في التعبير اللغوي صيغ ومواضع خاصة في الجملة. فالاسم مدلوله هو الشخص أي الذات أو الشيء بعينه سواء كان مادّيا أو مجردا. أما الفعل فلا يدل في الأصل إلا على ما يحدث ويتجدّد وينقضي وهو الحدث وكحدث واقع لا كشيء بعينه فلا يمكن أن يُخبر عنه إلا بلفظ خاص يتضّمن الدلالة على زمان الوقوع ونسبة الحدث إلى متعلقه وهو الفاعل([9]). فالمخبر عنه، في الحقيقة، ليس هو الفاعل كما يكون المبتدأ هو المخبر عنه هو وحده.
هذا وقد يسأل السائل عن ماهية العلاقة الأساسية التي ينعقد بها الفعل مع فاعله. فإن كانت علاقة التلازم بين الفعل ومن قام به أي الفاعل في الحقيقة فالحق أن الكثير من الأفعال هي أفعال تتطلب فاعلا حقيقيًا لأنها تدلّ على فعل علاجي له تأثير في الغير مثل ضرب وكتب وصنع إلا أن الكثير منها ليست كذلك مثل مرض وسقط ومات. وأكثره يأتي على وزن فعِل وفَعُل وافتعل وانفعل وغيرها. قال ابن السراج عن هذا: كان فاعلا في الحقيقة أو لم يكن لأن الفعل ينقسم قسمين: منه حقيقي ومنه غير حقيقي” (الأصول، 1/73). وذكر أنواعًا من الأفعال غير حقيقية الفاعل.
أما الفعل الحقيقي ذو الفاعل فلا إشكال فيه إذ الفاعل بفاعليته أقرب عنصر إلى الحدث وأحق الأفعال ههنا بالإسناد إلى المسند إليه الذي هو الفعل. ومع ذلك فقد جعل النحاة كل الأفعال غير الحقيقية من جنس الحقيقية في انعقاده بالإسناد مع اسم سمَّوه فاعلا. وهو ما لاحظوه في كلام العرب: يُنزّل فيه كل اسم يأتي مع الفعل ولا يفارقه منزلة الفاعل الحقيقي. فهذا إسناد نحوي يخصّ نظام اللغة اللفظي (البنية وعناصرها) لا الأحداث ولا المسميات.
إلا أن هناك اتصالاً عميقًا بين الاسم والفعل من حيث الإخبار على الرغم من الفوارق الكبيرة التي ذكرناها. وذلك راجع إلى أن الأسماء والأفعال العربية المتصرفة تُشْتَقّ بعضها من بعض وتتصرّف لكونها من جذر واحد وصيغة يصاغ عليها الجذر. فينتج من ذلك تداخل عميق بين الألفاظ ومعانيها. فمفهوم الحدث وهو مدلول الفعل في الأصل قد تدل عليه أسماء وهي المصدر والصفات المشتقة كلها منه (التي لها جِذْر واحد) بفضل التصرف إلى صيغ مختلفة ويخرج مدلول الزمان حينئذ من الفعل وقد صار مصدرًا وكذلك الصفات إلا في حالات معينة فيما يخصّ اسمي الفاعل والمفعول. وهناك أيضا دَرَجات بين الأفعال من حيث قربها أو بعدها عن الاسمية أو مفهوم الذات. فالحقيقية منها تحمل شيئا من مفهوم الاسم مثل الأفعال التي على وزن فعِل وفَعُل وأفعال المطاوعة والانفعال. فكل هذه الأفعال تندمج فيها ما يخصّ الذات مع الحدث.

تعليق