التعليم الجامعي بغير اللغة العربية وأثره في الاستيعاب والإبداع
الأستاذ الدكتور فتحي جروان
جامعة عمان العربية للدراسات العليا
الأستاذ الدكتور فتحي جروان
جامعة عمان العربية للدراسات العليا
الملخص
يتناول هذا البحث قضية على درجة كبيرة من الأهمية لما يترتب عليها من انعكاسات خطيرة على مجتمعاتنا العربية وهي تواجه تحديات غير مسبوقة - في حاضرها ومستقبلها- في المجالات التربوية والتقنية والمعلوماتية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية. وإذا كانت تنمية الإبداع لدى الطلبة من الأهداف الرئيسة لمؤسسات التعليم العام والجامعي، فإنّ التساؤل يبدو منطقياً حول العلاقة بينه وبين التعليم بغير اللغة العربية في هذه المؤسسات.
إنّ الإجابة عن هذا التساؤل تستدعي مناقشة المحاور الآتية:
- مفهوم الإبداع كمنظومة متكاملة من العناصر أو المكوّنات المترابطة،
- العلاقة بين اللغة والتفكير الاستدلالي والإبداعي،
- أزمة التعليم الجامعي في التوسع الكمي، ومحدودية التمويل، على حساب الجودة والبحث العلمي،
- العلاقة بين التعليم الجامعي بغير اللغة العربية والاستيعاب والإبداع،
- العلاقة بين تعلّم لغات أجنبية وبراءات الاختراع في العلوم المختلفة.
إن مراجعة العديد من الدراسات والبحوث العلمية العربية التي تعرضت لمعوقات الإبداع لم تُشر إلى التعليم بغير اللغة العربية كأحد محفّزات الإبداع، وذلك لأنّ الإبداع في واقع الأمر عملية معقّدة تنطوي على عوامل معرفية وانفعالية وثقافية وأخلاقية متداخلة، تشكّل حالة ذهنية نشطة يمكن أن تؤدي إلى نتاجات أو اختراقات أصيلة إذا ما وجدت بيئة مناسبة. كما أنّ دراسة تاريخ الاكتشافات العلمية وسير حياة المبدعين، تثبت أن الإنجازات الإبداعية والابتكارات العلمية كانت في معظمها نتاج مجهودات أفراد حباهم الله بقدرات أو مواهب استثنائية، واحتضنتهم بيئة أسرية داعمة، قبل أن يصلوا إلى مرحلة التعليم الجامعي أو يتعلموا لغات أجنبية.
وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنّ عدد براءات الاختراع بالنسبة لعدد السكان في الدول التي تُدرّس العلوم بلغاتها الوطنية، يزيد على عددها في الدول التي اعتمدت لغات أجنبية في تدريس العلوم، وذلك كما ورد في تقرير التنمية البشرية في الدول العربية، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2004.
مقدمة:
تواجه المدرسة والجامعة في الدول العربية بشكل خاص تحديات غير مسبوقة، تفرضها التغيرات المتسارعة في مجالات الاتصالات والعولمة والنظام العالمي الجديد الذي بدأت معالمه تتشكل في بداية العقد الأخير من القرن الماضي، واتضحت بعض ملامحه التي شملت العالم الإسلامي بكامله في بداية العقد الأول من القرن الحالي، وتعرضت مؤسسات التعليم لضغوطات هائلة كي تطور برامجها، وتعيد النظر فيها حتى تستجيب للمصالح الخارجية من جهة، واحتياجات طلبتها المستقبلية من جهة أخرى، والتي تتلخص في كيفية إعدادهم للتعامل مع هذه التغيرات التي تكاد تطال جميع جوانب حياة المجتمع في تاريخه، ولغته، وثقافته، ومعتقداته، وموارده الطبيعية.
وإذا سلّمنا بأن التغير ظاهرة ملازمة لحياة المجتمعات والأفراد، على اختلاف الأزمنة والأمكنة، فإن الدعوة للإصلاح والتطوير التربوي تمثل استجابة طبيعية بل وضرورية، لضمان توفير متطلبات التنمية والتطور، التي تُعد الموارد البشرية أهم عناصرها وأدواتها، فكيف إذا كانت التقديرات في بلادنا تشير إلى أن ثلث عدد السكان وربما أكثر على مقاعد الدراسة؟
وفي هذا الصدد لا بُدّ من إثارة مجموعة من التساؤلات ذات العلاقة:
- هل يكون الإصلاح من أجل تطوير القدرات الإبداعية لطلبتنا بتعليمهم بلغة أجنبية، على حساب لغتهم العربية؟
- وهل الدول التي حققت إنجازات متقدمة في مجالات العلوم المختلفة اعتمدت لغات غير لغاتها الأصلية في جامعاتها ومدارسها؟
- وهل التعليم باللغة الوطنية من معوقات الاستيعاب والإبداع في مختلف العلوم والآداب؟
- وهل يجوز تهميش اللغة العربية التي تنفرد بخصوصية لا تشاركها فيها أيّ لغة من لغات العالم (كونها لغة القرآن الكريم)، تحت أيّ ذرائع أو مبررات؟
لقد أظهرت نتائج الدراسة الموسّعة التي قام بها عدد من الباحثين العرب بإشراف منتدى الفكر العربي في عمّان، قبل ربع قرن تقريباً، ضمن إطار "مشروع مستقبل التعليم في الوطن العربي"، أن التعليم العربي تعليم ماضوي تجزيئي مأزوم، وأنّ مؤسسات التربية والتعليم العام والجامعي في معظم الدول العربية تواجه تحديات حقيقية وخطيرة، على أكثر من صعيد.
وقد ورد في التقرير النهائي لمشروع مستقبل التعليم في الوطن العربي الذي قام به منتدى الفكر العربي بعنوان (تعليم الأمة العربية في القرن الحادي والعشرين: الكارثة أو الأمل) ما يأتي: "… وفي المراجعة الدقيقة التي قمنا بها لكل الوثائق الرسمية في الدول العربية حول أهداف التعليم، لم نعثر على هدف إعداد المواطن للمستقبل كهدف واضح أو صريح، بل إن كلمة "المستقبل" لا تكاد توجد على الإطلاق في معظم هذه الوثائق، وحتى في فحصنا لمضمون المواد التعليمية نادرا ما يرد أي ذكر للمستقبل. وفي الحالات النادرة والمتفرقة التي ورد فيها أي ذكر للمستقبل، فقد ورد بصورة هلامية غير واضحة، وكان المقصود به تحسين المستوى الاجتماعي - الاقتصادي، أو مجرد الإعداد لممارسة عمل على المستوى الفردي… إن التركيز الذي وجدناه في أهداف ومضامين التعليم في الأقطار العربية طبقاً لوثائقها الرسمية هو على الماضي والحاضر، هذا مع أن التعليم بطبيعته هو عملية مستقبلية…" (إبراهيم، 1991، صفحة 65-66).
واليوم ونحن في بدايات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين نلاحظ أنّ ما توصلت إليه تلك الدراسة لا يزال صالحاً لوصف الوضع الراهن الذي تواجه فيه أمتنا العربية تحديات جارفة تكاد تعصف بموروثها الحضاري والثقافي، في عصر المعرفة والأزمات الأمنية والتقنية والمعلوماتية والاقتصادية، وما يترتب عليها من عواقب تحتّم علينا وقفة تأمل ومراجعة موضوعية ومتأنية، لتحديد السبل والطرائق التي يمكن أن تعيننا على الخروج من هذه الأزمات بأقل الخسائر. ولأنها تمثل مشكلات في غاية التعقيد وغير مسبوقة، فإنها بحاجة للتفكير في كيفية إيجاد حلول غير مسبوقة أيضاً.
وتمثل اللغة العربية بما لها من خصوصية، حجر الزاوية في استنهاض الأمة للقيام بدورها الحضاري، وتفعيلها في مؤسساتنا التعليمية، والإعلامية، والاجتماعية، للقيام بهذا الدور، وللحفاظ عليها في حد ذاتها. دون أن يعني ذلك انغلاقاً أو مجافاةً للغات الأخرى.
- مفهوم الإبداع كمنظومة متكاملة من العناصر أو المكوّنات المترابطة:
تشير المراجعة المستفيضة للأدب التربوي حول تعريف مفهوم الإبداع، إلى وجود أكثر من مائة تعريف يمكن تصنيفها ضمن أربعة محاور:
§ تعريفات محورها الفرد المبدع بخصائصه الشخصية والمعرفية والتطورية.
§ تعريفات محورها الناتج الإبداعي أو الجانب المادي الملموس للعملية الإبداعية.
§ تعريفات محورها المناخ أو البيئة التي يحدث فيها الإبداع.
§ تعريفات محورها العملية الإبداعية، ومراحلها وارتباطها بحل المشكلات ومعالجة المعلومات وأنماط التفكير.
ويشار لهذه المحاور عادة بصيغة مختصرة فيما يسمى بـ(4P's)، وهي ترمز إلى الشخص، والعملية الإبداعية، والناتج الإبداعي، والبرهان أو عملية الإقناع بأصالة الناتج الإبداعي وفائدته. وقد يكون من المناسب اقتراح التعريف الآتي الذي يجمع بين هذه المحاور الأربعة:
الإبداع مزيج من القدرات والاستعدادات والخصائص الشخصية للفرد التي إذا ما وُجدت في بيئة مُحفزة يمكن أن تتفاعل مع عناصرها، وترقى بالعمليات العقلية لتؤدي إلى نتاجات أصيلة ومفيدة بالنسبة لخبرات الفرد، أو المؤسسة، أو المجتمع، أو العالم إذا كانت النتاجات من مستوى الاختراقات في أحد ميادين الحياة الإنسانية.
إنّ هذا التعريف المركّب للإبداع يحدّد جميع العناصر ذات العلاقة بالظاهرة الإبداعية، كما أنه ينطوي على مجموعة من الاستنتاجات المهمّة التي ينبغي أخذها بالاعتبار في التخطيط لأي مشروعات تستهدف رعاية الإبداع وتحفيزه، ومن أهمها النظر للإبداع كمنظومة تتضمن أربعة مكوّنات رئيسة، هي:
1. الشخص المبدع، وهذا يعني أنّنا نتحدّث عن أفراد توافرت لديهم خصائص واستعدادات أو قدرات غير عادية، مقارنة بالآخرين.
2. العملية الإبداعية أو التفكير الإبداعي، وهذه تعني أنّنا نتحدث عن عمليات تفكير هادفة، ومعاناة، قد تطول وقد تقصر، ومن الصعب التنبؤ بنهايتها.
3. البيئة الحاضنة، وهذه تعني مزيجاً من العناصر المتداخلة بدءاً بالأسرة، مروراً بالمدرسة ثمّ الجامعة، والمجتمع بثقافته ومؤسساته الحكومية والأهلية.
4. النتاجات الإبداعية، وهذه تعني المحصّلة النهائية التي لا بدّ أن تتوافر فيها مجموعة من الخصائص كالأصالة أو الجِدّة والفائدة، ويتقبلها المجتمع في بلد ما أو عصر ما.
ويمكن تمثيل التداخل والترابط بين مكونات منظومة الإبداع الأربع على النحو التالي:
الفرد عمليات التفكير البيئة المحصلة
قدرات واستعدادات الاحساس بالمشكلة
- مرونة التفكير
+
- طلاقة التفكير
- أصالة التفكير الأسرة ابتكارات ونتاجات
إبداعية في مجالات العلوم الآداب والفنون البصرية والأدائية
معرفة ومهارات
في المجال المدرسة والجامعة
دافعية الثقافة، الموارد والإمكانات
اتجاهات
أصحاب الخبرة
المؤسسات الاجتماعية
وهناك بعض النقاط التي تحتاج إلى تأكيد وتوضيح، ومن أهمها ما يلي:
§ الإبداع منظومة تتضمن عدة مكونات مترابطة ومتداخلة.
§ الإبداع معاناة وجهد وليس وحياً أو إلهاماً يحدث من فراغ.
§ الأصالة في الإبداع نسبية وليست مطلقة.
§ النتاجات الإبداعية لها مستويات يحددها الإطار المرجعي للمقارنة.
§ البيئة بجميع عناصرها تمثل الحاضنة للظاهرة الإبداعية وبدونها تنعدم الفرص للإبداع.
§ توافر البيئة المناسبة والرعاية تقوّي احتمالات التوصل إلى نتاجات إبداعية.
§ قيمة النتاجات الإبداعية وفائدتها يحددها المجتمع في ضوء المعايير السائدة.
معوقات الإبداع ومحفّزاته:
تناولت دراسات كثيرة – عربية وأجنبية- البحث في أبرز معوقات الإبداع، والأساليب أو الإجراءات التي يمكن أن تساهم في التغلب على هذه المعوقات، من أجل تحفيز وتسهيل عملية تنمية القدرات الإبداعية عند الطلبة في المدارس والجامعات (حمود، 1995؛ الشايب، 1992؛ سايمنتن، 1993). وأظهرت هذه الدراسات أنّ معوقات الإبداع يمكن تصنيفها في ثلاث فئات، هي:
- الأسرة من حيث مستواها الاقتصادي والاجتماعي، والتعليمي والثقافي، وأساليب التنشئة السائدة لديها في تربية أطفالها.
- المؤسسات التعليمية من حيث مناهجها، ومصادر التعلم المتوافرة، وطرائق التدريس فيها، وأساليب التقويم التقليدية، والمناخ التربوي السائد فيها.
- المجتمع، من حيث الاتجاهات والقيم السائدة فيه، وتحديد ادوار الجنسين، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، والاضطرابات الأمنية والسياسية والحروب.
ولم يرد في أيّ من الدراسات التي تمّت مراجعتها أنّ التعلّم بغير لغة الأم أو اللغة الوطنية من بين معوقات الإبداع.
الإبداع والثقافة العربية
يتوافر في المراجع ذات الصلة بموضوع الثقافة عشرات التعريفات التي تعبّر عن وجهات نظر متباينة للمفكرين وعلماء الاجتماع والإنثربولوجي وغيرهم. وهناك عدة تصنيفات للموضوعات والمواد التي تقع تحت مظلّة الثقافة. ولكننا نعتقد أن التعريف التالي يشمل أهم العناصر المتكررة في كثير من التعريفات:
الثقافة عبارة عن منظومة ديناميكية كلية من المعارف والعقائد والفنون والقيم والأعراف، التي تشتمل على مكونات مادية وغير مادية تمثل تجارب الماضي والحاضر لشعب أو مجتمع ما، وتعبّر عن تراثه وسلوكه الجمعي، تتناقلها الأجيال بصورة انتقائية، ويكتسبها الفرد من مجتمعه بالتعلّم المباشر وغير المباشر، لتصبح جزءاً من شخصيته، وكيانه الذهني والنفسي
يتناول هذا البحث قضية على درجة كبيرة من الأهمية لما يترتب عليها من انعكاسات خطيرة على مجتمعاتنا العربية وهي تواجه تحديات غير مسبوقة - في حاضرها ومستقبلها- في المجالات التربوية والتقنية والمعلوماتية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية. وإذا كانت تنمية الإبداع لدى الطلبة من الأهداف الرئيسة لمؤسسات التعليم العام والجامعي، فإنّ التساؤل يبدو منطقياً حول العلاقة بينه وبين التعليم بغير اللغة العربية في هذه المؤسسات.
إنّ الإجابة عن هذا التساؤل تستدعي مناقشة المحاور الآتية:
- مفهوم الإبداع كمنظومة متكاملة من العناصر أو المكوّنات المترابطة،
- العلاقة بين اللغة والتفكير الاستدلالي والإبداعي،
- أزمة التعليم الجامعي في التوسع الكمي، ومحدودية التمويل، على حساب الجودة والبحث العلمي،
- العلاقة بين التعليم الجامعي بغير اللغة العربية والاستيعاب والإبداع،
- العلاقة بين تعلّم لغات أجنبية وبراءات الاختراع في العلوم المختلفة.
إن مراجعة العديد من الدراسات والبحوث العلمية العربية التي تعرضت لمعوقات الإبداع لم تُشر إلى التعليم بغير اللغة العربية كأحد محفّزات الإبداع، وذلك لأنّ الإبداع في واقع الأمر عملية معقّدة تنطوي على عوامل معرفية وانفعالية وثقافية وأخلاقية متداخلة، تشكّل حالة ذهنية نشطة يمكن أن تؤدي إلى نتاجات أو اختراقات أصيلة إذا ما وجدت بيئة مناسبة. كما أنّ دراسة تاريخ الاكتشافات العلمية وسير حياة المبدعين، تثبت أن الإنجازات الإبداعية والابتكارات العلمية كانت في معظمها نتاج مجهودات أفراد حباهم الله بقدرات أو مواهب استثنائية، واحتضنتهم بيئة أسرية داعمة، قبل أن يصلوا إلى مرحلة التعليم الجامعي أو يتعلموا لغات أجنبية.
وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنّ عدد براءات الاختراع بالنسبة لعدد السكان في الدول التي تُدرّس العلوم بلغاتها الوطنية، يزيد على عددها في الدول التي اعتمدت لغات أجنبية في تدريس العلوم، وذلك كما ورد في تقرير التنمية البشرية في الدول العربية، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2004.
مقدمة:
تواجه المدرسة والجامعة في الدول العربية بشكل خاص تحديات غير مسبوقة، تفرضها التغيرات المتسارعة في مجالات الاتصالات والعولمة والنظام العالمي الجديد الذي بدأت معالمه تتشكل في بداية العقد الأخير من القرن الماضي، واتضحت بعض ملامحه التي شملت العالم الإسلامي بكامله في بداية العقد الأول من القرن الحالي، وتعرضت مؤسسات التعليم لضغوطات هائلة كي تطور برامجها، وتعيد النظر فيها حتى تستجيب للمصالح الخارجية من جهة، واحتياجات طلبتها المستقبلية من جهة أخرى، والتي تتلخص في كيفية إعدادهم للتعامل مع هذه التغيرات التي تكاد تطال جميع جوانب حياة المجتمع في تاريخه، ولغته، وثقافته، ومعتقداته، وموارده الطبيعية.
وإذا سلّمنا بأن التغير ظاهرة ملازمة لحياة المجتمعات والأفراد، على اختلاف الأزمنة والأمكنة، فإن الدعوة للإصلاح والتطوير التربوي تمثل استجابة طبيعية بل وضرورية، لضمان توفير متطلبات التنمية والتطور، التي تُعد الموارد البشرية أهم عناصرها وأدواتها، فكيف إذا كانت التقديرات في بلادنا تشير إلى أن ثلث عدد السكان وربما أكثر على مقاعد الدراسة؟
وفي هذا الصدد لا بُدّ من إثارة مجموعة من التساؤلات ذات العلاقة:
- هل يكون الإصلاح من أجل تطوير القدرات الإبداعية لطلبتنا بتعليمهم بلغة أجنبية، على حساب لغتهم العربية؟
- وهل الدول التي حققت إنجازات متقدمة في مجالات العلوم المختلفة اعتمدت لغات غير لغاتها الأصلية في جامعاتها ومدارسها؟
- وهل التعليم باللغة الوطنية من معوقات الاستيعاب والإبداع في مختلف العلوم والآداب؟
- وهل يجوز تهميش اللغة العربية التي تنفرد بخصوصية لا تشاركها فيها أيّ لغة من لغات العالم (كونها لغة القرآن الكريم)، تحت أيّ ذرائع أو مبررات؟
لقد أظهرت نتائج الدراسة الموسّعة التي قام بها عدد من الباحثين العرب بإشراف منتدى الفكر العربي في عمّان، قبل ربع قرن تقريباً، ضمن إطار "مشروع مستقبل التعليم في الوطن العربي"، أن التعليم العربي تعليم ماضوي تجزيئي مأزوم، وأنّ مؤسسات التربية والتعليم العام والجامعي في معظم الدول العربية تواجه تحديات حقيقية وخطيرة، على أكثر من صعيد.
وقد ورد في التقرير النهائي لمشروع مستقبل التعليم في الوطن العربي الذي قام به منتدى الفكر العربي بعنوان (تعليم الأمة العربية في القرن الحادي والعشرين: الكارثة أو الأمل) ما يأتي: "… وفي المراجعة الدقيقة التي قمنا بها لكل الوثائق الرسمية في الدول العربية حول أهداف التعليم، لم نعثر على هدف إعداد المواطن للمستقبل كهدف واضح أو صريح، بل إن كلمة "المستقبل" لا تكاد توجد على الإطلاق في معظم هذه الوثائق، وحتى في فحصنا لمضمون المواد التعليمية نادرا ما يرد أي ذكر للمستقبل. وفي الحالات النادرة والمتفرقة التي ورد فيها أي ذكر للمستقبل، فقد ورد بصورة هلامية غير واضحة، وكان المقصود به تحسين المستوى الاجتماعي - الاقتصادي، أو مجرد الإعداد لممارسة عمل على المستوى الفردي… إن التركيز الذي وجدناه في أهداف ومضامين التعليم في الأقطار العربية طبقاً لوثائقها الرسمية هو على الماضي والحاضر، هذا مع أن التعليم بطبيعته هو عملية مستقبلية…" (إبراهيم، 1991، صفحة 65-66).
واليوم ونحن في بدايات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين نلاحظ أنّ ما توصلت إليه تلك الدراسة لا يزال صالحاً لوصف الوضع الراهن الذي تواجه فيه أمتنا العربية تحديات جارفة تكاد تعصف بموروثها الحضاري والثقافي، في عصر المعرفة والأزمات الأمنية والتقنية والمعلوماتية والاقتصادية، وما يترتب عليها من عواقب تحتّم علينا وقفة تأمل ومراجعة موضوعية ومتأنية، لتحديد السبل والطرائق التي يمكن أن تعيننا على الخروج من هذه الأزمات بأقل الخسائر. ولأنها تمثل مشكلات في غاية التعقيد وغير مسبوقة، فإنها بحاجة للتفكير في كيفية إيجاد حلول غير مسبوقة أيضاً.
وتمثل اللغة العربية بما لها من خصوصية، حجر الزاوية في استنهاض الأمة للقيام بدورها الحضاري، وتفعيلها في مؤسساتنا التعليمية، والإعلامية، والاجتماعية، للقيام بهذا الدور، وللحفاظ عليها في حد ذاتها. دون أن يعني ذلك انغلاقاً أو مجافاةً للغات الأخرى.
- مفهوم الإبداع كمنظومة متكاملة من العناصر أو المكوّنات المترابطة:
تشير المراجعة المستفيضة للأدب التربوي حول تعريف مفهوم الإبداع، إلى وجود أكثر من مائة تعريف يمكن تصنيفها ضمن أربعة محاور:
§ تعريفات محورها الفرد المبدع بخصائصه الشخصية والمعرفية والتطورية.
§ تعريفات محورها الناتج الإبداعي أو الجانب المادي الملموس للعملية الإبداعية.
§ تعريفات محورها المناخ أو البيئة التي يحدث فيها الإبداع.
§ تعريفات محورها العملية الإبداعية، ومراحلها وارتباطها بحل المشكلات ومعالجة المعلومات وأنماط التفكير.
ويشار لهذه المحاور عادة بصيغة مختصرة فيما يسمى بـ(4P's)، وهي ترمز إلى الشخص، والعملية الإبداعية، والناتج الإبداعي، والبرهان أو عملية الإقناع بأصالة الناتج الإبداعي وفائدته. وقد يكون من المناسب اقتراح التعريف الآتي الذي يجمع بين هذه المحاور الأربعة:
الإبداع مزيج من القدرات والاستعدادات والخصائص الشخصية للفرد التي إذا ما وُجدت في بيئة مُحفزة يمكن أن تتفاعل مع عناصرها، وترقى بالعمليات العقلية لتؤدي إلى نتاجات أصيلة ومفيدة بالنسبة لخبرات الفرد، أو المؤسسة، أو المجتمع، أو العالم إذا كانت النتاجات من مستوى الاختراقات في أحد ميادين الحياة الإنسانية.
إنّ هذا التعريف المركّب للإبداع يحدّد جميع العناصر ذات العلاقة بالظاهرة الإبداعية، كما أنه ينطوي على مجموعة من الاستنتاجات المهمّة التي ينبغي أخذها بالاعتبار في التخطيط لأي مشروعات تستهدف رعاية الإبداع وتحفيزه، ومن أهمها النظر للإبداع كمنظومة تتضمن أربعة مكوّنات رئيسة، هي:
1. الشخص المبدع، وهذا يعني أنّنا نتحدّث عن أفراد توافرت لديهم خصائص واستعدادات أو قدرات غير عادية، مقارنة بالآخرين.
2. العملية الإبداعية أو التفكير الإبداعي، وهذه تعني أنّنا نتحدث عن عمليات تفكير هادفة، ومعاناة، قد تطول وقد تقصر، ومن الصعب التنبؤ بنهايتها.
3. البيئة الحاضنة، وهذه تعني مزيجاً من العناصر المتداخلة بدءاً بالأسرة، مروراً بالمدرسة ثمّ الجامعة، والمجتمع بثقافته ومؤسساته الحكومية والأهلية.
4. النتاجات الإبداعية، وهذه تعني المحصّلة النهائية التي لا بدّ أن تتوافر فيها مجموعة من الخصائص كالأصالة أو الجِدّة والفائدة، ويتقبلها المجتمع في بلد ما أو عصر ما.
ويمكن تمثيل التداخل والترابط بين مكونات منظومة الإبداع الأربع على النحو التالي:
الفرد عمليات التفكير البيئة المحصلة
قدرات واستعدادات الاحساس بالمشكلة
- مرونة التفكير
+
- طلاقة التفكير
- أصالة التفكير الأسرة ابتكارات ونتاجات
إبداعية في مجالات العلوم الآداب والفنون البصرية والأدائية
معرفة ومهارات
في المجال المدرسة والجامعة
دافعية الثقافة، الموارد والإمكانات
اتجاهات
أصحاب الخبرة
المؤسسات الاجتماعية
وهناك بعض النقاط التي تحتاج إلى تأكيد وتوضيح، ومن أهمها ما يلي:
§ الإبداع منظومة تتضمن عدة مكونات مترابطة ومتداخلة.
§ الإبداع معاناة وجهد وليس وحياً أو إلهاماً يحدث من فراغ.
§ الأصالة في الإبداع نسبية وليست مطلقة.
§ النتاجات الإبداعية لها مستويات يحددها الإطار المرجعي للمقارنة.
§ البيئة بجميع عناصرها تمثل الحاضنة للظاهرة الإبداعية وبدونها تنعدم الفرص للإبداع.
§ توافر البيئة المناسبة والرعاية تقوّي احتمالات التوصل إلى نتاجات إبداعية.
§ قيمة النتاجات الإبداعية وفائدتها يحددها المجتمع في ضوء المعايير السائدة.
معوقات الإبداع ومحفّزاته:
تناولت دراسات كثيرة – عربية وأجنبية- البحث في أبرز معوقات الإبداع، والأساليب أو الإجراءات التي يمكن أن تساهم في التغلب على هذه المعوقات، من أجل تحفيز وتسهيل عملية تنمية القدرات الإبداعية عند الطلبة في المدارس والجامعات (حمود، 1995؛ الشايب، 1992؛ سايمنتن، 1993). وأظهرت هذه الدراسات أنّ معوقات الإبداع يمكن تصنيفها في ثلاث فئات، هي:
- الأسرة من حيث مستواها الاقتصادي والاجتماعي، والتعليمي والثقافي، وأساليب التنشئة السائدة لديها في تربية أطفالها.
- المؤسسات التعليمية من حيث مناهجها، ومصادر التعلم المتوافرة، وطرائق التدريس فيها، وأساليب التقويم التقليدية، والمناخ التربوي السائد فيها.
- المجتمع، من حيث الاتجاهات والقيم السائدة فيه، وتحديد ادوار الجنسين، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، والاضطرابات الأمنية والسياسية والحروب.
ولم يرد في أيّ من الدراسات التي تمّت مراجعتها أنّ التعلّم بغير لغة الأم أو اللغة الوطنية من بين معوقات الإبداع.
الإبداع والثقافة العربية
يتوافر في المراجع ذات الصلة بموضوع الثقافة عشرات التعريفات التي تعبّر عن وجهات نظر متباينة للمفكرين وعلماء الاجتماع والإنثربولوجي وغيرهم. وهناك عدة تصنيفات للموضوعات والمواد التي تقع تحت مظلّة الثقافة. ولكننا نعتقد أن التعريف التالي يشمل أهم العناصر المتكررة في كثير من التعريفات:
الثقافة عبارة عن منظومة ديناميكية كلية من المعارف والعقائد والفنون والقيم والأعراف، التي تشتمل على مكونات مادية وغير مادية تمثل تجارب الماضي والحاضر لشعب أو مجتمع ما، وتعبّر عن تراثه وسلوكه الجمعي، تتناقلها الأجيال بصورة انتقائية، ويكتسبها الفرد من مجتمعه بالتعلّم المباشر وغير المباشر، لتصبح جزءاً من شخصيته، وكيانه الذهني والنفسي

تعليق