وسائل الإعلام (المقروءة والمسموعة والمرئية)
وأثرها في مستوى الأداء اللغوي باللغة السليمة
الأستاذ الدكتور أحمد العلوي
رئيس اتحاد اللسانيين المغاربة
المملكة المغربية
العربية في وسائل الإعلام العربية والحصار
وأثرها في مستوى الأداء اللغوي باللغة السليمة
الأستاذ الدكتور أحمد العلوي
رئيس اتحاد اللسانيين المغاربة
المملكة المغربية
العربية في وسائل الإعلام العربية والحصار
قضية اللغة العربية في وسائل الإعلام ليست جديدة، هي حاضرة في السياسات اللغوية القائمة في الدول العربية؛ من هذه الدول من تجعل للعربية مكانا كافيا ومنها من تسوى بين العربية ولغة من اللغات تنتخبها انتخابا في المساحات الإذاعية، بحيث تكون لكل منهما إذاعتها كالمغرب في فعله بالعربية والفرنسية، ومنها من حررت قطاع الإذاعة المرئية والمسموعة وشرطت شروطا كمصر، ومنها من حررت القطاع ولم تضع شروطا على اللغة ولا على نوعها التصنيفي إلا الشروط المهنية كالمغرب. ولكن الاختيارات اللغوية تتبع القوة بمختلف أصنافها، ولذلك فمنزلة العربية الفصحى في هذه الإذاعات متدهورة بالمقارنة مع العربية الدارجة المغربية الهجينة المفرنسة عمدا دون موجب دلالي أو تواصلي. دارجة سافلة لأنها خليط من الدارجة العربية المغربية ودارجة عربية مفرنسة من إنتاج تلاميذ الثانويات التابعة للبعثة الفرنسية.
وإذا تركنا المغرب إلى مصر وجدنا الدارجة المصرية غالبة على الإعلام المنطوق أما الإعلام المكتوب فلغته عربية معاصرة، وأحيانا منحرفة كالحال في صحافة الدول العربية كلها، خاضعة معياريا للدارجة المصرية ولآثار الترجمة، بدليل سهولة الترجمة بين تلك العربية والدارجة المصرية واللغة الأجنبية. وهذا متيسر فهم أسبابه، فالمقارنة بين لغة الصحافة اليوم وفي أول القرن العشرين في كل البلدان العربية ذات الاشتغال الصحفي المبكر تبين قوة تأثر العربية المعاصرة الإعلامية بخيال اللغتين الفرنسية والإنجليزية على الخصوص، وبالدارجة العربية تركيباً ودلالة. وربما كانت بلدان المغرب العربي أشد وعيا بالفرق بين العربية الفصحى والدارجة العربية، ولذلك ترى المتحدثين الرشداء في الإذاعة المنطوقة أو المرئية يختارون الفصحى وإن لم يجيدوها أحيانا، أو يختارون الدارجة القحة، وأحيانا يفرون إلى الفرنسية لعجزهم عن العربية الفصحى وكرههم للإجابة بالدارجة المغربية العربية، بل إن هذا ما سهل على الحزب الفرنكوفوني فرض الدارجة العربية المشوّهة بالفرنسية في الإذاعات المنطوقة، فهي على كل حال دارجة وتشويه الدارجة أخف وقعا على نفوس الجمهور من تشويه الفصحى. سبب ذلك إن التحدث بالعربية الفصحى أو الفرنسية عند هؤلاء هو رمز التعلم والثقافة. أما الحديث بالدارجة العربية العامية فيدخلهم في الدهماء والسوقة. وهذا ما لا نلحظه عند المصريين مثلا، فكبارهم في الثقافة والسياسة والإعلام لا يتحرجون من التحدث في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة بالدارجة المصرية العربية التي ليست عندهم رمزا للدهمائية.
الدارجة العربية مربوطة فكريا عند المغربي باللاتعلم؛ لا يعد عند طائفة من المغاربة متعلما إلا من يتكلم بالعربية الفصحى أو بلغة متعلمة كالفرنسية. هذا سر استعمال عدد من الرسميين ومن المغاربة في أحاديثهم العمومية الإذاعية اللغة الفرنسية. أنهم يجهلون الفصحى ولا يريدون التحدث بالدارجة لأنهم يريدون أن يبدوا في صورة المتعلمين. وفي السنوات الآخرة تحول هذا الوهم إلى أعضاء شبان في الحكومة المغربية يجهلون بعض العربية ويعرفون بعضها، فانقلبوا إلى الفرنسية في تصريحاتهم وخطبهم الإذاعية، بل إن هذا الوهم انتقل إلى التجار، فصاروا يزينون واجهات متاجرهم بالإعلانات الفرنسية، ولا سبب لذلك إلا التظاهر بالتعلم وما يجلبه من رفعة متوهمة، وخصوصا إذا كان ذلك التعلم موجها إلى جهة لغوية مؤيدة ومرتبطة بمصالح جماعة مهيمنة.
والملاحظ في هذا الخصوص انه ليس هناك تطابق بين معنى الحزب الفرنكوفونى الذي ذكرناه آنفا ومعنى الناطقين بالفرنسية أو العارفين بها، ففي ذلك الحزب من لا يحسن من الفرنسية شيئا وإنما هو تابع. وأقرب مثال لذلك التجار في ما يكتبون على واجهات متاجرهم، والأمر نفسه ينطبق على ما يمكن تسميته بالحزب العربي، ففي العارفين بالفرنسية وغيرها من اللغات من هو من أنصار العربية واستعمالها في كل المجالات. الحاصل أن الجهل بالفصحى هو الذي فتح الطريق للدارجة العربية المغربية المشوهة في الإذاعات المنطوقة وخصوصا الحرة. وحين نتحدث عن الجهل بالفصحى فإننا نقصد الطبقة الفرنكوفونية المسيطرة. أما حقيقة الأمر في الجمهور فتدل عليه نسبة مشاهدة الفضائيات العربية ومبيعات الصحف، فإن العربية منها تبيع أضعاف أضعاف الصحف الفرنسية. أما الصحف الناطقة بالدارجة فلا يعلم منها إلا مجلة واحدة تمزج العربية المعاصرة بمقالات دارجة، ولكنها تلقى الاستنكار من القراء، ولو علم المشرفون عليها وهم من الحزب الفرنكوفونى أن الدارجة مقبولة من الجمهور لتركوا العربية الفصحى المعاصرة إلى الدارجة، ولكنهم نكصوا عن ذلك خوفا من الكارثة الربحية. ويدل على انتشار العربية الفصحى المعاصرة في الجمهور العربي الممثل للأغلبية والأمازيغى- وهو الانتشار الذي لا تعكسه وسائل الإعلام - العمل الإعلامي للحركات الأمازيغية، فإنك تراها تدعو إلى نفسها وتنشر أفكارها وتدافع عما تسميه هوية لها في الصحف والمجلات الناطقة بالعربية الفصحى المعاصرة.
والحاصل مرة أخرى أن العربية الفصحى حاضرة في الجمهور ولا خوف عليها، وإن كانت الأخطار والمؤامرات تحاك لتقزيمها. ولكنها لا تحظى في وسائل الإعلام بما يناسب ذلك الحضور الطاغي في جمهور المغاربة. ويبدو أن السبب في ذلك اقتصادي تشغيلي؛ فالطبقات الفرنكوفونية المسيطرة تريد أن تدافع عن الفرنسية بالخسارة أي بالإنفاق عليها من غير ربح مرجو، وبتمييع العربية بمستوياتها. دليل ذلك اللوافت الإعلانية الإلكترونية وغير الإلكترونية التي توزعها الشركات في الطرقات، أو تنشرها الإدارة في الصحف والمجلات، فإن واحدا في المائة من المغاربة يفهمها ولا بد أن الأغلبية تسأل العالم بالفرنسية عن معنى ما هو مكتوب فيها. ولكن الجهاز الاقتصادي والإداري مصرّ عليها بالرغم من الخسارة المتحققة من عجز تلك اللوافت عن النفوذ إلى إفهام المغاربة الجاهلين في أغلبيتهم بالفرنسية. لا سبب لهذا الإصرار على الإعلان والإعلام بالفرنسية في الوسائل المكتوبة والمرئية والمسموعة بالإضافة لما ذكرناه من قبل إلا إكراه المغاربة على تعلم الفرنسية قبل غيرها إن شاؤوا ان يعيشوا وهم يدركون ما يجرى حولهم بالفرنسية من إعلان وإعلام ولوافت متاجر وإدارات, وتخييرهم بين ذلك وبين الشعور بالغربة في بلادهم، وإرضاء الميول اللاواعية عند الفرنكوفونيين العارفين بالفرنسية والجاهلين بها التابعين للعارفين. الغرض مسح هويتهم العربية.
ليس الأمر أمر وسائل تكنولوجية، فشركات الإعلان والمعلنون يتحولون إلى العربية بمناسبة الدعوة إلى شراء كبش عيد الأضحى والاقتراض البنكي والدعاية الانتخابية وما شابه ذلك. وكأنها حين تخاطب بالفرنسية في أغلب الشؤون وخصوصا في الدعاية للبضاعات الثمينة لا تتجه إلى هؤلاء المغاربة، ولكن إلى مغاربة فرنكوفونيين يمتازون بالقدرة المالية وفيهم من لا يعرف الفرنسية ولكن يميل إليها أيديولوجيا وذوقيا بحكم مركزه المالي، كما يتصور ويسأل من يحسنها أن يترجم له ما في الإعلان المرفوع.
أضف إلى ما تقدم أن هذا الواقع في وسائل الإعلام والإعلان له هدف آخر؛ هو فتح باب العمل أمام خريجي المدارس الفرنسية الجاهلين بالعربية الفصحى وبالدارجة العربية المغربية الصافية، ومنها تمييع العربية بأصنافها وتقديمها إلى المستمع في صورة اللغة المعتمدة على الفرنسية في أبسط المعاني.
يمكن الحديث في المغرب على صعيد اللغة الإعلامية المنطوقة عن حوالي ستين في المائة من اللغة العربية المعاصرة المضبوطة في الإذاعة الرسمية وخصوصا في نشرات الأخبار، وعن مائة في المائة من العربية الدارجة المفرنسة المشوهة في الإذاعات الحرة، ويمكن توسيع نطاق هذه الإحكام لتشمل دول المغرب العربي.
لا ينحصر أمر مضايقة العربية في ما تقدم، فإن عوامل مضايقة العربية تمتد إلى النصيب الذي اقتطع من الإذاعة العربية المرئية ليمنح للفرنسية وللأمازيغية أي البربرية، مع ملاحظة أنها خصصت لها محطة خاصة بها ولم يقتطع من المحطة البربرية شيء للعربية. وقبل البربرية كانت الفرنسية وما زالت تقتسم مع العربية نصيبها الزمني في الإذاعة المرئية لا المسموعة التي فيها للفرنسية محطة رسمية خاصة ومحطات خاصة. باختصار ليس هناك محطة مرئية إذاعية خاصة بالعربية الفصحى في المغرب خالية من غيرها. وإنما هناك محطة مختلطة رسمية للعربية فيها نصيب كبير بتموجاتها اللهجية، ومحطات حرة ناطقة بالعرنسية المغربية. نعم هناك كثير من المحطات الإذاعية المرئية الفضائية المغربية، ولكنها تخضع كلها لأصل الاختلاط ولا تنجو من ذلك إلا المحطة البربرية.
الكارثة العظمى والغائلة الفاحشة التي تسببت في هذا الاختلاط اللغوي البارز في وسائل الإعلام وفي وسائل الإعلان أيضا وفي كل مناحي الحياة في المغرب والمغارب الأخرى هو غياب نخبة سياسية ذات مشروع مجتمعي لغوي أو مشاريع مجتمعية لغوية متنافسة. الدول في الشمال الأفريقي العربي التي تعرف تعددية حزبية نجدها خالية من قيادات تستحق اسم النخبة السياسية كما تستحقها النخبة الفرنسية بكل اتجاهاتها مثلا. النخبة تقوم حين تترادف في معناها النخبة الثقافية بالنخبة المشرعة ترادفا تاما أو غالبا، أو حين تستطيع النخبة السياسية تمثيل النخبة الثقافية. ما في المغرب الأقصى مثلا هو نخب سياسية بين قوسين ومشعوذة. ليس لها مشروع ولا مشاريع للوضعية اللغوية ولا تستحق اسم النخبة السياسية لأن الوصول إلى موقع التقرير فيها لا يتم بوسائل سياسية متعارف عليها في الديموقراطيات، ولأنها برهنت في السنين الأخيرة عن شعوذة سياسية عظيمة. وهذا في مقابل حضور نخبة فكرية واسعة ولكنها غير سياسية وليس في يدها من الأمر شيء، هذه النخبة السياسية- تجوزا- بين موقفين؛ فهي إما مهملة للقضية اللغوية في الإذاعة ووسائل الإعلام، وإما تابعة لمواقع القوة والمال التي تمثل وحدها مشروعا مجتمعيا يضم القضية اللغوية ويحقق غاياته فيها، ويستحق اسم النخبة السياسية القدرية وإن اختلفت الآراء حولها. لذلك فإن كارثة الاختلاط اللغوي في وسائل الإعلام لم تجد في النخبة الحزبية مجازا من يفكر بوسائل سياسية في إصلاحها، بل إن هذه النخبة الفارغة من معاني النخبة لم تنتبه إلى سوء صياغة الفقرة الخاصة بالعربية في الدستور الجديد بالرغم من أنها استشيرت فيه. إنها صياغة أقل ما يقال فيها أنها مبهمة مظلمة، تنص على أن العربية تظل لغة رسمية ولا تقول إنها اللغة الرسمية. أضف إلى ذلك أن وراء الصياغة وحولها ووراءها وأمامها اعتقادا بترادف العربية الفصحى والدارجة العربية، وفي ذلك ما فيه من مغالطة علمية، فإن الدارجة عربية ولكنها مستقلة، ومن حكم بترادفها مع الفصحى فإنما أراد أن يلغي ذكرها من الدستور لتصبح الأمازيغية ندا للعربية الفصحى.
والنتيجة على مستوى وسائل الإعلام معروفة من الناحية النظرية على الأقل وهي المناصفة في النفقات والمحطات الإعلامية والثنائية اللغوية بمساوئها. وهو الحل الذي لم تلجأ إليه الدول الحكيمة كفرنسا ذات اللهجات الكثيرة التي لا مكان لها في الدستور ولا في وسائل الإعلام الكبرى.
لقد برهنت النخبة السياسية - مجازا- التي استشيرت في أمر الدستور الجديد وفي الصياغة الخاصة بالعربية منه على جهلها بالحدود العلمية اللغوية، وعلى فقدانها القدرة على صياغة البند الخاص بالعربية بطريقة لغوية سليمة. لماذا عرجنا على اللغة والدستور؟ لأن الوضعية الدستورية الجديدة سيكون لها تأثير على الوضعية الإعلامية يزيد في نهاية الأمر من قوة الفرنسية في وسائل الإعلام تحت ستار التنازع المفتعل بين لهجات الأمازيغية وهي كلها لهجات، وبين العربية ودارجتها.
إن الغرض الأساسي للحزب الفرنكوفوني المستتر في المغرب هو محاربة العربية لفائدة الفرنسية. والأمازيغية ليست إلا سلاحا فرنكوفونيا من جملة أسلحة يراد به إلجاء المغاربة إلى الفرنسية لتكون حلا وسطا في النزاع اللغوي المرتقب. إن ضرب العربية وإضعاف موقعها الرمزي لا يتأتى بالفرنسية، ولكنه يتأتى باختلاق ذلك النزاع حتى إذا أنزلت العربية الفصحى عن وحدانيتها الرمزية سهل بعد ذلك استجلاب الفرنسية بدعوى ضعف الأمازيغية وعجزها عن القيام بوظائف لغة معاصرة، وبدعوى منع الدكتاتورية اللغوية العربية، وبدعوى قدرة الفرنسية على القيام بدور اللغة الوسطى الحاملة للسلم اللغوي.
لم يتجرأ الحزب الفرنكوفونى المستتر على الإشارة إلى الفرنسية ضمن روافد الثقافة المغربية في الدستور، وإن كانت لها اليد الطولى في وسائل الإعلام والإدارة والتجارة والاقتصاد وفي الثقافة المغربية. لكن مادام قد تجرأ على الاعتراف الدستوري بالرافد العبري الانعزالي تاريخيا، الذي تخلو منه الثقافة العربية إلا في باب الخرافات الإسرائيليات المتسربة إلى التفسير القرآني الذي مازال مذهب منه يغتصب حقوق العرب. فلماذا لا يجوز أن يكون الاعتراف الدستوري بالرافد العبري مقدمة للاعتراف بالرافد الفرنسي وغيره، بحيث تصبح العربية وتاريخها وثقافتها وماضيها مجرد رافد من الروافد؟ لماذا لا يكون الاعتراف بتلك الروافد مقدمة لمخطط مستقبلي غايته تقزيم العربية وتقزيم اللهجات المحلية ومنها البربرية، وتحويل المغرب إلى بابل جديدة تحتلها لغات كثيرة كما جاء في الأسطورة القديمة؟ الغرض واضح هو زعزعة استقرار العربية الفصحى باللغات المحلية وبغير اللغات المحلية، تمهيدا لبقاء الفرنسية لغة متعملقة بين لغات كثيرة قزمة أو مقزّمة، وإلى تخليد وإثراء الاختلاط اللغوي في وسائل الإعلام والتعدد الثقافي واللغوي المفتعل.
إن العربية الفصحى والدارجة مازالت تحتل الرتبة الغالبة؛ إذ يتحدث الدارجة العربية أكثر من 80 في المائة من المغاربة، وأكثر من ذلك في البلدان المجاورة، ولا خوف أيضا على العربية الفصحى إن اخترنا جانب التفاؤل. ولكن لا بد من الانتباه إلى مؤامرات الحزب الفرنكوفونى الذي ليس موجودا على خريطة الأحزاب قانونيا، ولكنه موجود فعليا وله سيطرة على جزء كبير من دواليب الإدارة.
وإذا تركنا المغرب إلى مصر وجدنا الدارجة المصرية غالبة على الإعلام المنطوق أما الإعلام المكتوب فلغته عربية معاصرة، وأحيانا منحرفة كالحال في صحافة الدول العربية كلها، خاضعة معياريا للدارجة المصرية ولآثار الترجمة، بدليل سهولة الترجمة بين تلك العربية والدارجة المصرية واللغة الأجنبية. وهذا متيسر فهم أسبابه، فالمقارنة بين لغة الصحافة اليوم وفي أول القرن العشرين في كل البلدان العربية ذات الاشتغال الصحفي المبكر تبين قوة تأثر العربية المعاصرة الإعلامية بخيال اللغتين الفرنسية والإنجليزية على الخصوص، وبالدارجة العربية تركيباً ودلالة. وربما كانت بلدان المغرب العربي أشد وعيا بالفرق بين العربية الفصحى والدارجة العربية، ولذلك ترى المتحدثين الرشداء في الإذاعة المنطوقة أو المرئية يختارون الفصحى وإن لم يجيدوها أحيانا، أو يختارون الدارجة القحة، وأحيانا يفرون إلى الفرنسية لعجزهم عن العربية الفصحى وكرههم للإجابة بالدارجة المغربية العربية، بل إن هذا ما سهل على الحزب الفرنكوفوني فرض الدارجة العربية المشوّهة بالفرنسية في الإذاعات المنطوقة، فهي على كل حال دارجة وتشويه الدارجة أخف وقعا على نفوس الجمهور من تشويه الفصحى. سبب ذلك إن التحدث بالعربية الفصحى أو الفرنسية عند هؤلاء هو رمز التعلم والثقافة. أما الحديث بالدارجة العربية العامية فيدخلهم في الدهماء والسوقة. وهذا ما لا نلحظه عند المصريين مثلا، فكبارهم في الثقافة والسياسة والإعلام لا يتحرجون من التحدث في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة بالدارجة المصرية العربية التي ليست عندهم رمزا للدهمائية.
الدارجة العربية مربوطة فكريا عند المغربي باللاتعلم؛ لا يعد عند طائفة من المغاربة متعلما إلا من يتكلم بالعربية الفصحى أو بلغة متعلمة كالفرنسية. هذا سر استعمال عدد من الرسميين ومن المغاربة في أحاديثهم العمومية الإذاعية اللغة الفرنسية. أنهم يجهلون الفصحى ولا يريدون التحدث بالدارجة لأنهم يريدون أن يبدوا في صورة المتعلمين. وفي السنوات الآخرة تحول هذا الوهم إلى أعضاء شبان في الحكومة المغربية يجهلون بعض العربية ويعرفون بعضها، فانقلبوا إلى الفرنسية في تصريحاتهم وخطبهم الإذاعية، بل إن هذا الوهم انتقل إلى التجار، فصاروا يزينون واجهات متاجرهم بالإعلانات الفرنسية، ولا سبب لذلك إلا التظاهر بالتعلم وما يجلبه من رفعة متوهمة، وخصوصا إذا كان ذلك التعلم موجها إلى جهة لغوية مؤيدة ومرتبطة بمصالح جماعة مهيمنة.
والملاحظ في هذا الخصوص انه ليس هناك تطابق بين معنى الحزب الفرنكوفونى الذي ذكرناه آنفا ومعنى الناطقين بالفرنسية أو العارفين بها، ففي ذلك الحزب من لا يحسن من الفرنسية شيئا وإنما هو تابع. وأقرب مثال لذلك التجار في ما يكتبون على واجهات متاجرهم، والأمر نفسه ينطبق على ما يمكن تسميته بالحزب العربي، ففي العارفين بالفرنسية وغيرها من اللغات من هو من أنصار العربية واستعمالها في كل المجالات. الحاصل أن الجهل بالفصحى هو الذي فتح الطريق للدارجة العربية المغربية المشوهة في الإذاعات المنطوقة وخصوصا الحرة. وحين نتحدث عن الجهل بالفصحى فإننا نقصد الطبقة الفرنكوفونية المسيطرة. أما حقيقة الأمر في الجمهور فتدل عليه نسبة مشاهدة الفضائيات العربية ومبيعات الصحف، فإن العربية منها تبيع أضعاف أضعاف الصحف الفرنسية. أما الصحف الناطقة بالدارجة فلا يعلم منها إلا مجلة واحدة تمزج العربية المعاصرة بمقالات دارجة، ولكنها تلقى الاستنكار من القراء، ولو علم المشرفون عليها وهم من الحزب الفرنكوفونى أن الدارجة مقبولة من الجمهور لتركوا العربية الفصحى المعاصرة إلى الدارجة، ولكنهم نكصوا عن ذلك خوفا من الكارثة الربحية. ويدل على انتشار العربية الفصحى المعاصرة في الجمهور العربي الممثل للأغلبية والأمازيغى- وهو الانتشار الذي لا تعكسه وسائل الإعلام - العمل الإعلامي للحركات الأمازيغية، فإنك تراها تدعو إلى نفسها وتنشر أفكارها وتدافع عما تسميه هوية لها في الصحف والمجلات الناطقة بالعربية الفصحى المعاصرة.
والحاصل مرة أخرى أن العربية الفصحى حاضرة في الجمهور ولا خوف عليها، وإن كانت الأخطار والمؤامرات تحاك لتقزيمها. ولكنها لا تحظى في وسائل الإعلام بما يناسب ذلك الحضور الطاغي في جمهور المغاربة. ويبدو أن السبب في ذلك اقتصادي تشغيلي؛ فالطبقات الفرنكوفونية المسيطرة تريد أن تدافع عن الفرنسية بالخسارة أي بالإنفاق عليها من غير ربح مرجو، وبتمييع العربية بمستوياتها. دليل ذلك اللوافت الإعلانية الإلكترونية وغير الإلكترونية التي توزعها الشركات في الطرقات، أو تنشرها الإدارة في الصحف والمجلات، فإن واحدا في المائة من المغاربة يفهمها ولا بد أن الأغلبية تسأل العالم بالفرنسية عن معنى ما هو مكتوب فيها. ولكن الجهاز الاقتصادي والإداري مصرّ عليها بالرغم من الخسارة المتحققة من عجز تلك اللوافت عن النفوذ إلى إفهام المغاربة الجاهلين في أغلبيتهم بالفرنسية. لا سبب لهذا الإصرار على الإعلان والإعلام بالفرنسية في الوسائل المكتوبة والمرئية والمسموعة بالإضافة لما ذكرناه من قبل إلا إكراه المغاربة على تعلم الفرنسية قبل غيرها إن شاؤوا ان يعيشوا وهم يدركون ما يجرى حولهم بالفرنسية من إعلان وإعلام ولوافت متاجر وإدارات, وتخييرهم بين ذلك وبين الشعور بالغربة في بلادهم، وإرضاء الميول اللاواعية عند الفرنكوفونيين العارفين بالفرنسية والجاهلين بها التابعين للعارفين. الغرض مسح هويتهم العربية.
ليس الأمر أمر وسائل تكنولوجية، فشركات الإعلان والمعلنون يتحولون إلى العربية بمناسبة الدعوة إلى شراء كبش عيد الأضحى والاقتراض البنكي والدعاية الانتخابية وما شابه ذلك. وكأنها حين تخاطب بالفرنسية في أغلب الشؤون وخصوصا في الدعاية للبضاعات الثمينة لا تتجه إلى هؤلاء المغاربة، ولكن إلى مغاربة فرنكوفونيين يمتازون بالقدرة المالية وفيهم من لا يعرف الفرنسية ولكن يميل إليها أيديولوجيا وذوقيا بحكم مركزه المالي، كما يتصور ويسأل من يحسنها أن يترجم له ما في الإعلان المرفوع.
أضف إلى ما تقدم أن هذا الواقع في وسائل الإعلام والإعلان له هدف آخر؛ هو فتح باب العمل أمام خريجي المدارس الفرنسية الجاهلين بالعربية الفصحى وبالدارجة العربية المغربية الصافية، ومنها تمييع العربية بأصنافها وتقديمها إلى المستمع في صورة اللغة المعتمدة على الفرنسية في أبسط المعاني.
يمكن الحديث في المغرب على صعيد اللغة الإعلامية المنطوقة عن حوالي ستين في المائة من اللغة العربية المعاصرة المضبوطة في الإذاعة الرسمية وخصوصا في نشرات الأخبار، وعن مائة في المائة من العربية الدارجة المفرنسة المشوهة في الإذاعات الحرة، ويمكن توسيع نطاق هذه الإحكام لتشمل دول المغرب العربي.
لا ينحصر أمر مضايقة العربية في ما تقدم، فإن عوامل مضايقة العربية تمتد إلى النصيب الذي اقتطع من الإذاعة العربية المرئية ليمنح للفرنسية وللأمازيغية أي البربرية، مع ملاحظة أنها خصصت لها محطة خاصة بها ولم يقتطع من المحطة البربرية شيء للعربية. وقبل البربرية كانت الفرنسية وما زالت تقتسم مع العربية نصيبها الزمني في الإذاعة المرئية لا المسموعة التي فيها للفرنسية محطة رسمية خاصة ومحطات خاصة. باختصار ليس هناك محطة مرئية إذاعية خاصة بالعربية الفصحى في المغرب خالية من غيرها. وإنما هناك محطة مختلطة رسمية للعربية فيها نصيب كبير بتموجاتها اللهجية، ومحطات حرة ناطقة بالعرنسية المغربية. نعم هناك كثير من المحطات الإذاعية المرئية الفضائية المغربية، ولكنها تخضع كلها لأصل الاختلاط ولا تنجو من ذلك إلا المحطة البربرية.
الكارثة العظمى والغائلة الفاحشة التي تسببت في هذا الاختلاط اللغوي البارز في وسائل الإعلام وفي وسائل الإعلان أيضا وفي كل مناحي الحياة في المغرب والمغارب الأخرى هو غياب نخبة سياسية ذات مشروع مجتمعي لغوي أو مشاريع مجتمعية لغوية متنافسة. الدول في الشمال الأفريقي العربي التي تعرف تعددية حزبية نجدها خالية من قيادات تستحق اسم النخبة السياسية كما تستحقها النخبة الفرنسية بكل اتجاهاتها مثلا. النخبة تقوم حين تترادف في معناها النخبة الثقافية بالنخبة المشرعة ترادفا تاما أو غالبا، أو حين تستطيع النخبة السياسية تمثيل النخبة الثقافية. ما في المغرب الأقصى مثلا هو نخب سياسية بين قوسين ومشعوذة. ليس لها مشروع ولا مشاريع للوضعية اللغوية ولا تستحق اسم النخبة السياسية لأن الوصول إلى موقع التقرير فيها لا يتم بوسائل سياسية متعارف عليها في الديموقراطيات، ولأنها برهنت في السنين الأخيرة عن شعوذة سياسية عظيمة. وهذا في مقابل حضور نخبة فكرية واسعة ولكنها غير سياسية وليس في يدها من الأمر شيء، هذه النخبة السياسية- تجوزا- بين موقفين؛ فهي إما مهملة للقضية اللغوية في الإذاعة ووسائل الإعلام، وإما تابعة لمواقع القوة والمال التي تمثل وحدها مشروعا مجتمعيا يضم القضية اللغوية ويحقق غاياته فيها، ويستحق اسم النخبة السياسية القدرية وإن اختلفت الآراء حولها. لذلك فإن كارثة الاختلاط اللغوي في وسائل الإعلام لم تجد في النخبة الحزبية مجازا من يفكر بوسائل سياسية في إصلاحها، بل إن هذه النخبة الفارغة من معاني النخبة لم تنتبه إلى سوء صياغة الفقرة الخاصة بالعربية في الدستور الجديد بالرغم من أنها استشيرت فيه. إنها صياغة أقل ما يقال فيها أنها مبهمة مظلمة، تنص على أن العربية تظل لغة رسمية ولا تقول إنها اللغة الرسمية. أضف إلى ذلك أن وراء الصياغة وحولها ووراءها وأمامها اعتقادا بترادف العربية الفصحى والدارجة العربية، وفي ذلك ما فيه من مغالطة علمية، فإن الدارجة عربية ولكنها مستقلة، ومن حكم بترادفها مع الفصحى فإنما أراد أن يلغي ذكرها من الدستور لتصبح الأمازيغية ندا للعربية الفصحى.
والنتيجة على مستوى وسائل الإعلام معروفة من الناحية النظرية على الأقل وهي المناصفة في النفقات والمحطات الإعلامية والثنائية اللغوية بمساوئها. وهو الحل الذي لم تلجأ إليه الدول الحكيمة كفرنسا ذات اللهجات الكثيرة التي لا مكان لها في الدستور ولا في وسائل الإعلام الكبرى.
لقد برهنت النخبة السياسية - مجازا- التي استشيرت في أمر الدستور الجديد وفي الصياغة الخاصة بالعربية منه على جهلها بالحدود العلمية اللغوية، وعلى فقدانها القدرة على صياغة البند الخاص بالعربية بطريقة لغوية سليمة. لماذا عرجنا على اللغة والدستور؟ لأن الوضعية الدستورية الجديدة سيكون لها تأثير على الوضعية الإعلامية يزيد في نهاية الأمر من قوة الفرنسية في وسائل الإعلام تحت ستار التنازع المفتعل بين لهجات الأمازيغية وهي كلها لهجات، وبين العربية ودارجتها.
إن الغرض الأساسي للحزب الفرنكوفوني المستتر في المغرب هو محاربة العربية لفائدة الفرنسية. والأمازيغية ليست إلا سلاحا فرنكوفونيا من جملة أسلحة يراد به إلجاء المغاربة إلى الفرنسية لتكون حلا وسطا في النزاع اللغوي المرتقب. إن ضرب العربية وإضعاف موقعها الرمزي لا يتأتى بالفرنسية، ولكنه يتأتى باختلاق ذلك النزاع حتى إذا أنزلت العربية الفصحى عن وحدانيتها الرمزية سهل بعد ذلك استجلاب الفرنسية بدعوى ضعف الأمازيغية وعجزها عن القيام بوظائف لغة معاصرة، وبدعوى منع الدكتاتورية اللغوية العربية، وبدعوى قدرة الفرنسية على القيام بدور اللغة الوسطى الحاملة للسلم اللغوي.
لم يتجرأ الحزب الفرنكوفونى المستتر على الإشارة إلى الفرنسية ضمن روافد الثقافة المغربية في الدستور، وإن كانت لها اليد الطولى في وسائل الإعلام والإدارة والتجارة والاقتصاد وفي الثقافة المغربية. لكن مادام قد تجرأ على الاعتراف الدستوري بالرافد العبري الانعزالي تاريخيا، الذي تخلو منه الثقافة العربية إلا في باب الخرافات الإسرائيليات المتسربة إلى التفسير القرآني الذي مازال مذهب منه يغتصب حقوق العرب. فلماذا لا يجوز أن يكون الاعتراف الدستوري بالرافد العبري مقدمة للاعتراف بالرافد الفرنسي وغيره، بحيث تصبح العربية وتاريخها وثقافتها وماضيها مجرد رافد من الروافد؟ لماذا لا يكون الاعتراف بتلك الروافد مقدمة لمخطط مستقبلي غايته تقزيم العربية وتقزيم اللهجات المحلية ومنها البربرية، وتحويل المغرب إلى بابل جديدة تحتلها لغات كثيرة كما جاء في الأسطورة القديمة؟ الغرض واضح هو زعزعة استقرار العربية الفصحى باللغات المحلية وبغير اللغات المحلية، تمهيدا لبقاء الفرنسية لغة متعملقة بين لغات كثيرة قزمة أو مقزّمة، وإلى تخليد وإثراء الاختلاط اللغوي في وسائل الإعلام والتعدد الثقافي واللغوي المفتعل.
إن العربية الفصحى والدارجة مازالت تحتل الرتبة الغالبة؛ إذ يتحدث الدارجة العربية أكثر من 80 في المائة من المغاربة، وأكثر من ذلك في البلدان المجاورة، ولا خوف أيضا على العربية الفصحى إن اخترنا جانب التفاؤل. ولكن لا بد من الانتباه إلى مؤامرات الحزب الفرنكوفونى الذي ليس موجودا على خريطة الأحزاب قانونيا، ولكنه موجود فعليا وله سيطرة على جزء كبير من دواليب الإدارة.

تعليق