النحو العربي ودوره في تدريس اللغة العربية وفهم نظامها
الأستاذ الدكتور علي أحمد مدكور
عميد كلية التربية جامعة السلطان قابوس
الأستاذ الدكتور علي أحمد مدكور
عميد كلية التربية جامعة السلطان قابوس
مقدمة:
اللغة قدر الإنسان. فلغة الإنسان هي عالمه. وحدود لغة الإنسان هي حدود عالمه. فهي ولاء وانتماء، وثقافة وهوية، ووطن وشخصية.
فاللغة هي الهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والطعام الذي نأكله، والفكر الذي يدور فينا وحولنا. فهي تحمل المجتمع في جوفها، وتعبر عن ضميره، وتشكل حياته، وتوجه سلوك أفراده، وجماعاته، ونظمه ومؤسساته.
واللغة هي الأم التي تنسج شبكة الوفاق بين أفراد المجتمع وجماعاته، ونظمه ومؤسساته، وقيمه ومعتقداته. فلا وفاق بدون لغة. ولا مجتمع بدون وفاق.
وكما تسهم اللغة في صياغة المجتمع، فإن المجتمع يسهم بدوره في صياغتها وتطويرها. فالجماعة الناطقة باللغة هي التي تهب الألفاظ معانيها، وتشتق من المفردات ما يعبر عن مستحدثاتها ومراميها.
واللغة منهج للتفكير، ونظام للاتصال والتعبير. فثقافة كل مجتمع كامنة في لغته، وفي معجمها، ونحوها، وصرفها، ونصوصها، وفنها، وأدبها.. فلا حضارة إنسانية دون نهضة لغوية.
أزمة العربية في بلادها:
اللغة العربية أهم مقومات الثقافة الإسلامية. وهي أكثر اللغات الإنسانية ارتباطاً بعقيدة الأمة وهويتها وشخصيتها. لذلك صمدت أكثر من سبعة عشر قرناً سجلاً أميناً لحضارة أمتها وازدهارها،. وشاهداً على إبداع أبنائها وهم يقودون ركب الحضارة التي سادت الأرض حوالي تسعة قرون.
وفي اللغة العربية ذاتها سمات تميزها. من أهم هذه السمات قدرتها الفائقة على حساسية التواصل، فاللغة العربية لغة غنية ودقيقة إلى حد كبير. فقد استوعبت التراثين العربي والإسلامي، كما استوعبت ما نقل إليها من تراث الأمم والشعوب ذات الحضارة القديمة كالفارسية واليونانية والرومانية والمصرية.. إلخ. كما نقلت إلى البشرية في فترة ما، أسس الحضارة وعوامل التقدم في العلوم الطبيعية والرياضيات والطب والفلك والموسيقى. وما تزال تنقل إلى العالم اليوم العقيدة الشاملة ممثلة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالقرآن نزل بلسان عربي مبين. وهذه حقائق يجب ترسيخها في عقول الناشئة، كما ينبغي أن تكون أهدافا ثابتة لعلوم اللغة والأدب والفنون خاصة، والعلوم الإنسانية والاجتماعية عامة.
وهي لغة موسيقية شاعرة. فإذا تكلم ذو بيان فإنك تطرب لسماعها، وتفهم بيانها، وترتاح لمعانيها وأصواتها. وهي بهذا الجرس والرنين منحت العربي التفوق في الأداء كلاماً وكتابة، وغناء وشعراً على وزن وقافية. لذلك يجب التركيز في مناهج تعليمها على تدريب المتعلم على التذوق الأدبي والفني، وعلى الإحساس بالجمال في الأداء اللغوي، وعلى حسن الإلقاء.
وهي لغة متميزة من الناحية الصوتية؛ فقد اشتملت على جميع الأصوات في اللغات السامية. وأصواتها تستغرق كل جهاز النطق عند الإنسان، ابتداء بما بين الشفتين في نطق حروف كالباء والميم والفاء، وانتهاء، بجوف الناطق في حروف كالألف والواو والياء.(1)، لذلك فإن تدريب الأبناء على إخراج الحروف من مخارجها، ونطق الأصوات بطريقة سليمة، يعتبر هدفاً من أهم أهداف مناهج تعليم اللغة العربية.
وبالرغم من تميز اللغة العربية، إلا أننا نعيش أزمة لغوية طاحنة، هي – في الواقع – دليل على انتكاسة الأمة وتبعيتها، وتخلفها عن الركب. ويرجع نبيل علي أسباب الأزمة إلى عوامل كثيرة من أهمها:
1. عدم إلمام الكثيرين لدينا بجوانب إشكالية اللغة؛ حيث يقتصر تناولها في أغلب الأحوال على الجوانب التعليمية، والمصطلحية، خوفاً من الخوض في دراسة علاقة اللغة العربية بالدين والسياسة القومية والوطنية.
2. قصور العتاد لمعظم منظرينا اللغويين. وخاصة بعد أن أصبحت اللغة ساحة ساخنة للتداخل الفلسفي، والعلمي، والتربوي، والفني، والإعلامي، والتقاني.
3. خطأ التشخيص لدائنا اللغوي. حيث يوجه الاتهام إلى إدانة اللغة العربية ذاتها، تحت زعم أن هذه اللغة الإنسانية العظيمة تحمل بداخلها كوامن التخلف الفكري والعجز عن تلبية مطالب العصر!
4. الابتعاد عن السبب الحقيقي وراء ذلك، وهو العولمة الاقتصادية. وانبهار الجماهير العربية بثقافة الغرب ولغاتها، وتدهور اهتمام الجماهير باللغة العربية، وعدم اعتزازهم بها. وإلحاق أبنائهم بالمدارس الخاصة والجامعات الخاصة، التي تعلم باللغات الأجنبية، والافتخارُ بذلك واعتبارُه نوعاً من الوجاهة الاجتماعية، ودليلاً على التقدم الحضاري !!! وهنا تقوم اللغة العربية دليلاً شاهداً على الانتكاسة الثقافية للأمة في الوقت الحاضر.
5. غياب إرادة الإصلاح اللغوي. إننا نعاني من أزمة لغوية حادة تلطخ جبيننا الحضاري. وجاءت تكنولوجيا المعلومات لتضيف إلى الأمة بعداً جديداً، يتعلق بضرورة معالجة اللغة العربية آلياً بواسطة الحاسوب.(2) ومع ذلك فحركات التعريب تواجه معارضة شديدة بعد أن سارت شوطاً لا بأس به من قبل. والحكومات عاجزة، أو فلنقل بصراحة غير راغبة في فرض تشريع ملزم بعدم استخدام اللغات الأجنبية في التعليم، وفي لافتات المحلات، وغير راغبة في أن تقتدي حتى بإسرائيل التي تحرم استخدام المصطلح الأجنبي الذي يتم إقرار مقابل له باللغة العبرية .. ووصل بهم الأمر إلى أنهم يعلمون أبناء العرب اللغة العربية باللغة العبرية!
6. عولمة تعليمنا، بحيث لا تعكس سياساته، ومفاهيمه، وسلوك مدرسيه، وأداء طلابه، ما للغة الأم من أهمية. فالاهتمام باللغة العربية لا يتم إلا من خلال المقرر الخاص بها! وأما المقررات الأخرى فهي حرة طليقة من قيود العربية والالتزام بها. وفي مقرر اللغة العربية ذاته، يتم اختزال العربية في النحو. ويتم اختزال النحو في إعراب أواخر الكلم! ويصل الأمر إلى حد الإبكاء عندما تعلم اللغة العربية من قبل المدرسين باللهجات العامية! ... وهكذا لم يثمر التعليم العربي – في الواقع- إلا مزيداً من عزوف الطلاب عن مداومة تعلم لغتهم الأم، وتذوق مآثرها!
7. التعليم باللغات الأجنبية على مستوى التعليم العام والعالي، بالرغم من الحقيقة العلمية التي أجمع عليها الباحثون واللغويون، وهي أن التعليم بغير اللغة الأم يغلق مفاتيح الفكر، ويعوق عملية الإبداع والابتكار لدى المتعلمين، إلا أن المخططين للسياسة التعليمية قد صموا آذانهم – رغم الاعتراضات المتكررة في كل الندوات والمؤتمرات – عن سماع ذلك. وسمحوا بإنشاء المدارس التي تعلم باللغات الأجنبية على مستوى التعليم العام وهو الأمر المحرم لدى الدول المتقدمة. كما سمحوا بفتح الشعب والأقسام التي تعلم باللغات الأجنبية على مستوى التعليم العالي. غير ناظرين إلى التجربة المصرية القديمة التي كانت تعلم الطب باللغة العربية، وخرجت الأفذاذ النادرين الذين لا يثق معظم الناس إلا بطبهم وعلمهم. وغير مهتمين بالتجربة السورية الرائعة السائدة حاليا!
ولقد أدى الاهتمام بالتعليم باللغات الأجنبية إلى إهمال حركة التعريب بل وإلى معارضته من قبل كثيرين من الأكاديميين، بل ومن بعض رواد الحداثة وما بعدها!.
إننا بحاجة إلى إثارة وعي القيادات السياسية في الوطن العربي بخطورة المشكلة اللغوية. التي هي من الخطورة والأهمية بحيث يصعب علاجها أو تناولها من دون إستراتيجية واضحة للإصلاح اللغوي الشامل، وذلك في إطار خطة قومية أكثر شمولا لإعداد الأقطار العربية للدخول إلى عصر المعلومات والمعرفة.(3)
إن رسم الخطة القومية سالفة الذكر يتطلب الإجابة عن الأسئلة الآتية:
كيف نهيئ لغتنا العربية لمطالبة عصر المعلومات؟
كيف نبعث الحياة في كيان هذه اللغة العظيمة تنظيرا، وتعليما، واستخداما؟
كيف نحررها من احتكارية بعض المتخصصين فيها الذين يدورون حولها ولا يردون حوضها؟
كيف نخرجها من دائرة اهتمام المتخصصين فقط إلى الدائرة الأوسع والأشمل. وخاصة بعد أن صار علم اللغة الحديث يستند – فيما يستند - إلى الرياضيات، والهندسة، والإحصاء، والمنطق، والبيولوجي، والفسيولوجي، والسوسيولوجي، وأخيراً علم الحاسوب ونظم المعلومات؟
كيف نهتم بالمعالجة الآلية للغة العربية، ونعرّب نظم التشغيل، وننتج لغات برمجة عربية، ونستعد للدخول إلى عصر الترجمة الآلية عن طريق اللغة العربية. (4)
إن التقاعس في هذه الأمور في غاية الخطورة؛ حيث إن إسرائيل قد تقدمت إلى منظمة الوحدة الأوروبية لتطوير نظم الترجمة الآلية من لغات دول السوق إلى اللغة العربية (لا العبرية)؛ وذلك حتى تتأهل لدخول الأسواق العربية من هذا الباب، وحتى تستطيع النفاذ المباشر إلى التفاصيل الفنية الدقيقة لتعريب نظم المعلومات، والاحتفاظ بالأسرار التكنولوجية الدقيقة لتعريب نظم المعلومات. فإذا سمحنا لإسرائيل أن تتولى نيابة عنا مهمة معالجة اللغة العربية آلياً، فعندئذ تكون قد حلت بنا كارثة ثقافية كبرى.(5)
ضرورة تعليم الناشئة مبادئ البرمجة:
إن نظم التشغيل تتعامل حاليا مع اللغة العربية مثلها مثل غيرها من اللغات الأخرى على مستوى عنصر الحرف . لكن مع تقدم نظم التشغيل الآتي لا محالة، سوف ترتقي هذه النظم للتعامل مع الكلمة العربية، أي على المستوى الصرفي، ثم مع الجملة العربية؛ أي المستوى النحوي. لكن هذا يحتاج إلى جهود المستثمرين، ومساهمة الباحثين والخبراء والمطورين؛ لأن شركات المايكروسوفت الأجنبية ليس لديها الدافع للإنفاق على اللغة العربية، وليس لديها الخبراء في هذه اللغة أيضاً. لذا يحتاج الأمر إلى جهود المخلصين من أبناء الوطن العربي في كل هذه المجالات.
كما أننا في أمس الحاجة إلى أن نعلم صغارنا مبادئ البرمجة باللغة العربية؛ نظراً إلى العلاقة الوثيقة بين البرمجة والفكر من جانب، وبين الفكر واللغة من جانب آخر. وقد عربت لغات سهلة للصغار مثل لغة "اللجو" ولغة "البيسك" إلا أن جهود التعريب قد توقفت – للأسف – هي الأخرى، في ظل غياب الحماس للتعريب عموماً إضافة إلى أسباب أخرى.
النحو منهج للتفكير ونظام للتعبير والاتصال :
ولكن أين موقع النحو من كل هذا؟ وما دوره في تدريس العربية وحفظ نظامها؟
إن الغاية من تدريس النحو إرساء النظام اللغوي في الذهن، وإقامة اللسان، وتجنب اللحن في الكلام؛ فإن تحدث المتعلم أو قرأ أو كتب كان واضح المعنى، مستقيم العبارة، جميل الأسلوب.
إن تعلم اللغة العربية إنما هو عملية ذهنية واعية لاكتساب السيطرة على الأنماط الصوتية والنحوية والمعجمية، من خلال دراسة هذه الأنماط وتحليلها بوصفها محتوى معرفياً. فتعلم اللغة يستند إلى الفهم الواعي لنظام اللغة كشروط لإتقانها. فالكفاية المعرفية سابقة على الأداء اللغوي وشرط لحدوثه.(6)
اللغة قدر الإنسان. فلغة الإنسان هي عالمه. وحدود لغة الإنسان هي حدود عالمه. فهي ولاء وانتماء، وثقافة وهوية، ووطن وشخصية.
فاللغة هي الهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والطعام الذي نأكله، والفكر الذي يدور فينا وحولنا. فهي تحمل المجتمع في جوفها، وتعبر عن ضميره، وتشكل حياته، وتوجه سلوك أفراده، وجماعاته، ونظمه ومؤسساته.
واللغة هي الأم التي تنسج شبكة الوفاق بين أفراد المجتمع وجماعاته، ونظمه ومؤسساته، وقيمه ومعتقداته. فلا وفاق بدون لغة. ولا مجتمع بدون وفاق.
وكما تسهم اللغة في صياغة المجتمع، فإن المجتمع يسهم بدوره في صياغتها وتطويرها. فالجماعة الناطقة باللغة هي التي تهب الألفاظ معانيها، وتشتق من المفردات ما يعبر عن مستحدثاتها ومراميها.
واللغة منهج للتفكير، ونظام للاتصال والتعبير. فثقافة كل مجتمع كامنة في لغته، وفي معجمها، ونحوها، وصرفها، ونصوصها، وفنها، وأدبها.. فلا حضارة إنسانية دون نهضة لغوية.
أزمة العربية في بلادها:
اللغة العربية أهم مقومات الثقافة الإسلامية. وهي أكثر اللغات الإنسانية ارتباطاً بعقيدة الأمة وهويتها وشخصيتها. لذلك صمدت أكثر من سبعة عشر قرناً سجلاً أميناً لحضارة أمتها وازدهارها،. وشاهداً على إبداع أبنائها وهم يقودون ركب الحضارة التي سادت الأرض حوالي تسعة قرون.
وفي اللغة العربية ذاتها سمات تميزها. من أهم هذه السمات قدرتها الفائقة على حساسية التواصل، فاللغة العربية لغة غنية ودقيقة إلى حد كبير. فقد استوعبت التراثين العربي والإسلامي، كما استوعبت ما نقل إليها من تراث الأمم والشعوب ذات الحضارة القديمة كالفارسية واليونانية والرومانية والمصرية.. إلخ. كما نقلت إلى البشرية في فترة ما، أسس الحضارة وعوامل التقدم في العلوم الطبيعية والرياضيات والطب والفلك والموسيقى. وما تزال تنقل إلى العالم اليوم العقيدة الشاملة ممثلة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالقرآن نزل بلسان عربي مبين. وهذه حقائق يجب ترسيخها في عقول الناشئة، كما ينبغي أن تكون أهدافا ثابتة لعلوم اللغة والأدب والفنون خاصة، والعلوم الإنسانية والاجتماعية عامة.
وهي لغة موسيقية شاعرة. فإذا تكلم ذو بيان فإنك تطرب لسماعها، وتفهم بيانها، وترتاح لمعانيها وأصواتها. وهي بهذا الجرس والرنين منحت العربي التفوق في الأداء كلاماً وكتابة، وغناء وشعراً على وزن وقافية. لذلك يجب التركيز في مناهج تعليمها على تدريب المتعلم على التذوق الأدبي والفني، وعلى الإحساس بالجمال في الأداء اللغوي، وعلى حسن الإلقاء.
وهي لغة متميزة من الناحية الصوتية؛ فقد اشتملت على جميع الأصوات في اللغات السامية. وأصواتها تستغرق كل جهاز النطق عند الإنسان، ابتداء بما بين الشفتين في نطق حروف كالباء والميم والفاء، وانتهاء، بجوف الناطق في حروف كالألف والواو والياء.(1)، لذلك فإن تدريب الأبناء على إخراج الحروف من مخارجها، ونطق الأصوات بطريقة سليمة، يعتبر هدفاً من أهم أهداف مناهج تعليم اللغة العربية.
وبالرغم من تميز اللغة العربية، إلا أننا نعيش أزمة لغوية طاحنة، هي – في الواقع – دليل على انتكاسة الأمة وتبعيتها، وتخلفها عن الركب. ويرجع نبيل علي أسباب الأزمة إلى عوامل كثيرة من أهمها:
1. عدم إلمام الكثيرين لدينا بجوانب إشكالية اللغة؛ حيث يقتصر تناولها في أغلب الأحوال على الجوانب التعليمية، والمصطلحية، خوفاً من الخوض في دراسة علاقة اللغة العربية بالدين والسياسة القومية والوطنية.
2. قصور العتاد لمعظم منظرينا اللغويين. وخاصة بعد أن أصبحت اللغة ساحة ساخنة للتداخل الفلسفي، والعلمي، والتربوي، والفني، والإعلامي، والتقاني.
3. خطأ التشخيص لدائنا اللغوي. حيث يوجه الاتهام إلى إدانة اللغة العربية ذاتها، تحت زعم أن هذه اللغة الإنسانية العظيمة تحمل بداخلها كوامن التخلف الفكري والعجز عن تلبية مطالب العصر!
4. الابتعاد عن السبب الحقيقي وراء ذلك، وهو العولمة الاقتصادية. وانبهار الجماهير العربية بثقافة الغرب ولغاتها، وتدهور اهتمام الجماهير باللغة العربية، وعدم اعتزازهم بها. وإلحاق أبنائهم بالمدارس الخاصة والجامعات الخاصة، التي تعلم باللغات الأجنبية، والافتخارُ بذلك واعتبارُه نوعاً من الوجاهة الاجتماعية، ودليلاً على التقدم الحضاري !!! وهنا تقوم اللغة العربية دليلاً شاهداً على الانتكاسة الثقافية للأمة في الوقت الحاضر.
5. غياب إرادة الإصلاح اللغوي. إننا نعاني من أزمة لغوية حادة تلطخ جبيننا الحضاري. وجاءت تكنولوجيا المعلومات لتضيف إلى الأمة بعداً جديداً، يتعلق بضرورة معالجة اللغة العربية آلياً بواسطة الحاسوب.(2) ومع ذلك فحركات التعريب تواجه معارضة شديدة بعد أن سارت شوطاً لا بأس به من قبل. والحكومات عاجزة، أو فلنقل بصراحة غير راغبة في فرض تشريع ملزم بعدم استخدام اللغات الأجنبية في التعليم، وفي لافتات المحلات، وغير راغبة في أن تقتدي حتى بإسرائيل التي تحرم استخدام المصطلح الأجنبي الذي يتم إقرار مقابل له باللغة العبرية .. ووصل بهم الأمر إلى أنهم يعلمون أبناء العرب اللغة العربية باللغة العبرية!
6. عولمة تعليمنا، بحيث لا تعكس سياساته، ومفاهيمه، وسلوك مدرسيه، وأداء طلابه، ما للغة الأم من أهمية. فالاهتمام باللغة العربية لا يتم إلا من خلال المقرر الخاص بها! وأما المقررات الأخرى فهي حرة طليقة من قيود العربية والالتزام بها. وفي مقرر اللغة العربية ذاته، يتم اختزال العربية في النحو. ويتم اختزال النحو في إعراب أواخر الكلم! ويصل الأمر إلى حد الإبكاء عندما تعلم اللغة العربية من قبل المدرسين باللهجات العامية! ... وهكذا لم يثمر التعليم العربي – في الواقع- إلا مزيداً من عزوف الطلاب عن مداومة تعلم لغتهم الأم، وتذوق مآثرها!
7. التعليم باللغات الأجنبية على مستوى التعليم العام والعالي، بالرغم من الحقيقة العلمية التي أجمع عليها الباحثون واللغويون، وهي أن التعليم بغير اللغة الأم يغلق مفاتيح الفكر، ويعوق عملية الإبداع والابتكار لدى المتعلمين، إلا أن المخططين للسياسة التعليمية قد صموا آذانهم – رغم الاعتراضات المتكررة في كل الندوات والمؤتمرات – عن سماع ذلك. وسمحوا بإنشاء المدارس التي تعلم باللغات الأجنبية على مستوى التعليم العام وهو الأمر المحرم لدى الدول المتقدمة. كما سمحوا بفتح الشعب والأقسام التي تعلم باللغات الأجنبية على مستوى التعليم العالي. غير ناظرين إلى التجربة المصرية القديمة التي كانت تعلم الطب باللغة العربية، وخرجت الأفذاذ النادرين الذين لا يثق معظم الناس إلا بطبهم وعلمهم. وغير مهتمين بالتجربة السورية الرائعة السائدة حاليا!
ولقد أدى الاهتمام بالتعليم باللغات الأجنبية إلى إهمال حركة التعريب بل وإلى معارضته من قبل كثيرين من الأكاديميين، بل ومن بعض رواد الحداثة وما بعدها!.
إننا بحاجة إلى إثارة وعي القيادات السياسية في الوطن العربي بخطورة المشكلة اللغوية. التي هي من الخطورة والأهمية بحيث يصعب علاجها أو تناولها من دون إستراتيجية واضحة للإصلاح اللغوي الشامل، وذلك في إطار خطة قومية أكثر شمولا لإعداد الأقطار العربية للدخول إلى عصر المعلومات والمعرفة.(3)
إن رسم الخطة القومية سالفة الذكر يتطلب الإجابة عن الأسئلة الآتية:
كيف نهيئ لغتنا العربية لمطالبة عصر المعلومات؟
كيف نبعث الحياة في كيان هذه اللغة العظيمة تنظيرا، وتعليما، واستخداما؟
كيف نحررها من احتكارية بعض المتخصصين فيها الذين يدورون حولها ولا يردون حوضها؟
كيف نخرجها من دائرة اهتمام المتخصصين فقط إلى الدائرة الأوسع والأشمل. وخاصة بعد أن صار علم اللغة الحديث يستند – فيما يستند - إلى الرياضيات، والهندسة، والإحصاء، والمنطق، والبيولوجي، والفسيولوجي، والسوسيولوجي، وأخيراً علم الحاسوب ونظم المعلومات؟
كيف نهتم بالمعالجة الآلية للغة العربية، ونعرّب نظم التشغيل، وننتج لغات برمجة عربية، ونستعد للدخول إلى عصر الترجمة الآلية عن طريق اللغة العربية. (4)
إن التقاعس في هذه الأمور في غاية الخطورة؛ حيث إن إسرائيل قد تقدمت إلى منظمة الوحدة الأوروبية لتطوير نظم الترجمة الآلية من لغات دول السوق إلى اللغة العربية (لا العبرية)؛ وذلك حتى تتأهل لدخول الأسواق العربية من هذا الباب، وحتى تستطيع النفاذ المباشر إلى التفاصيل الفنية الدقيقة لتعريب نظم المعلومات، والاحتفاظ بالأسرار التكنولوجية الدقيقة لتعريب نظم المعلومات. فإذا سمحنا لإسرائيل أن تتولى نيابة عنا مهمة معالجة اللغة العربية آلياً، فعندئذ تكون قد حلت بنا كارثة ثقافية كبرى.(5)
ضرورة تعليم الناشئة مبادئ البرمجة:
إن نظم التشغيل تتعامل حاليا مع اللغة العربية مثلها مثل غيرها من اللغات الأخرى على مستوى عنصر الحرف . لكن مع تقدم نظم التشغيل الآتي لا محالة، سوف ترتقي هذه النظم للتعامل مع الكلمة العربية، أي على المستوى الصرفي، ثم مع الجملة العربية؛ أي المستوى النحوي. لكن هذا يحتاج إلى جهود المستثمرين، ومساهمة الباحثين والخبراء والمطورين؛ لأن شركات المايكروسوفت الأجنبية ليس لديها الدافع للإنفاق على اللغة العربية، وليس لديها الخبراء في هذه اللغة أيضاً. لذا يحتاج الأمر إلى جهود المخلصين من أبناء الوطن العربي في كل هذه المجالات.
كما أننا في أمس الحاجة إلى أن نعلم صغارنا مبادئ البرمجة باللغة العربية؛ نظراً إلى العلاقة الوثيقة بين البرمجة والفكر من جانب، وبين الفكر واللغة من جانب آخر. وقد عربت لغات سهلة للصغار مثل لغة "اللجو" ولغة "البيسك" إلا أن جهود التعريب قد توقفت – للأسف – هي الأخرى، في ظل غياب الحماس للتعريب عموماً إضافة إلى أسباب أخرى.
النحو منهج للتفكير ونظام للتعبير والاتصال :
ولكن أين موقع النحو من كل هذا؟ وما دوره في تدريس العربية وحفظ نظامها؟
إن الغاية من تدريس النحو إرساء النظام اللغوي في الذهن، وإقامة اللسان، وتجنب اللحن في الكلام؛ فإن تحدث المتعلم أو قرأ أو كتب كان واضح المعنى، مستقيم العبارة، جميل الأسلوب.
إن تعلم اللغة العربية إنما هو عملية ذهنية واعية لاكتساب السيطرة على الأنماط الصوتية والنحوية والمعجمية، من خلال دراسة هذه الأنماط وتحليلها بوصفها محتوى معرفياً. فتعلم اللغة يستند إلى الفهم الواعي لنظام اللغة كشروط لإتقانها. فالكفاية المعرفية سابقة على الأداء اللغوي وشرط لحدوثه.(6)

تعليق