نظرة نقدية في (إعراب القرآن)لابن النحاس
د. محمد إبراهيم الخوجة
د. محمد إبراهيم الخوجة
هو أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي([1] ) النحاس ([2]) النحوي المصري الذي عرف بابن النحاس ([3]). نشأ في مصر ثم رحل إلى بغداد التي كانت آنذاك مركزًا لطالبي العلم من مصر والأندلس، فقد لقي فيها أصحاب المبرد وأخذ عن الأخفش الأصغر ونفطويه والزجاج وغيرهم، ثم عاد إلى مصر([4]) يعلم أهلها ومن يفد عليها من طلاب العلم إلى أن كانت وفاته في يوم السبت لخمس خلون من ذي الحجة سنة 338 هـ ([5]).
ومما ذكره الزبيدي قوله: أبو جعفر النحاس واسع العلم غزير الرواية كثير التأليف.([6]) فهو كثير الرواية عن شيوخه، وهم كثر منهم:
- محمد بن الوليد بن ولاد المصري النحوي التميمي ( ت 298 هـ)([7]).
- أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل الأخفش الصغير ( ت 315 أو 316هـ)([8]).
- الزجاج أبو إسحق إبراهيم ( ت 310 أو 316 هـ ) ([9]).
- ابن كيسان أبو الحسن محمد بن أحمد. (ت 299هـ) ([10]).
- نفطويه أبو عبدالله إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان المهلبي(ت323هـ)([11]).
- أبو بكر أحمد بن محمد بن شقير البغدادي (ت 315هـ) ([12]).
- الطحاوي أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المصري ( ت 321 هـ)([13]).
- أبو بكر بن الحداد محمد بن أحمد بن جعفر الكناني (ت 344 هـ)([14]).
وبعد أن استوفى النحاس جمع العلم من مناهله دأب إلى نقل ما جمعه من علم وهو في مصر. إذ وفد إليه طلاب العلم من المغرب ومصر ، ومن هؤلاء العلماء:
- أبو بكر الأدفوي ( ت 388 هـ) ([15])
- محمد بن يحيى الأزدي النحوي ( ت 358 هـ) ([16])
- محمد بن مفرج المعافري ( ت 371 هـ ) وقد روى إعراب القرآن، وأول من أدخله إلى الأندلس. ([17])
- أبو الحكم منذر بن سعيد البلوطي (ت 335 هـ) ([18]) (*)
وقد ذكر القفطي شذرات من صفاته منها أنه كان متواضعا لا يتكبر أن يسأل الفقهاء وأهل النظر ويناقشهم عما أشكل عليه في تأليفاته.([19]) ومن ذلك قول المنذر ابن سعيد البلوطي الأندلسي: " أتيت ابن النحاس في مجلسه بمصر، وألفيته يملي في أخبار الشعراء شعر قيس المجنون حيث يقول:
خليليّ هل بالشام عينٌ حزينةٌٌ تبكِّي على نجد لعلي أُعينُها
قد أسلمها الباكون إلا حمامةً مُطوّقةً باتت وبات قرينها
فقلت: باتا يفعلان ماذا ؟ فقال لي: وكيف تقول أنت ؟ فقلت: ( بانت وبان قرينها) فسكت."([20])
وكان لالتقاء ابن النحاس العدد الكبير من علماء اللغة والنحو والفقه والحديث دور أساسي في تأليف كتابه ( إعراب القرآن )؛ فقد شمل هذا الكتاب آراء ابن النحاس وشيوخه شمولا يتوجب تفصيل الكتاب في قسم مستقل.
· كتاب إعراب القرآن:
اتخذ علماء اللغة مواقف متعددة من البحث في علوم القرآن الكريم وإعرابه؛ فمنهم من اتبع منهجا أخلاقيا وتحرج من إعراب القرآن الكريم كالأصمعي، ومنهم من كان يستغل حصيلته اللغوية والعلمية ليوظفها في خدمة النص القرآني ، وهذا ما صنعه أبو جعفر النحاس في كتب منها: إعراب القرآن، ومعاني القرآن، والناسخ والمنسوخ.
ويتميز إعراب القرآن في أنه أول كتاب وصل إلينا وهو يحمل مادة غزيرة، فقد جلب النحاس فيه الأقاويل وحشد الوجوه، إذ يمثل الكتاب مرحلة نضج ابن النحاس العلمية؛ ذلك أنه ضمن الكتاب ما استطاع من ألوان المعرفة في شتى العلوم.([21])
وهكذا، فإن الكتاب ينقل إلينا عددا كبيرا من آراء العلماء الذين أخذ عنهم ابن النحاس، فتعددت آراء الكتاب فمنها البصري ومنها الكوفي. وهذا الجمع لهذا الكم من الآراء يقودنا إلى ضرورة التعرف إلى مصادر هذا الكتاب، ومنهج النحاس فيه. وهذا ما سنتحدث عنه في المواضيع التالية لتتضح لنا الصورة الكلية لـ ( إعراب القرآن ).
ـ مصادر الكتاب:
يعد كتاب إعراب القرآن موسوعة في هذا الموضوع ذلك أن النحاس ضمنه كل ما استطاع جمعه من معرفة سواء أكان مصدرها شيوخه أم الروايات الشفوية أم الكتب المدونة. ولذلك فقد اعتمد النحاس في تأليف هذا الكتاب على عدد كبير من المصادر، منها: كتاب سيبويه، ومصادر بصرية، ومصادر كوفية، وعلى عدد من الحفاظ والمحدثين(*) نبتسر الحديث عنها في الصفحات التالية:
1- كتاب سيبويه:
لقد أولى النحاس كتاب سيبويه عناية شديدة؛ فأخذ منه العديد من الآراء ووازنها تارة بآراء علماء عدة، وتارة أخرى اكتفى بالنقل والتوضيح. ولابن النحاس في نقله من كتاب سيبويه طريقتان:
الأولى: الأخذ بالمعنى وإيراد الرأي:
ومن ذلك قوله: " مذهب الخليل وسيبويه في ( الم ) وما أشبهها أنها لم تعرب لأنها بمنزلة حروف التهجي فهي محكية ولو أعربت ذهب معنى الحكاية وكان قد أعرب بعض الاسم، وقال الفراء: إنما لم تعرب لأنك لم ترد أن تخبر عنها بشيء، وقال أحمد بن يحيى: لا يعجبني قول الخليل فيها لأنك إذا قلت: زاي فليست هي الزاي التي في زيد لأنك قد زدت عليها. قال أبو جعفر: هذا الرد لا يلزم لأنك لا تقدر أن تنطق بحرف واحد حتى تزيد عليه. قال ابن كيسان: ( الم) في موضع نصب بمعنى عليك ( الم)، ويجوز أن يكون موضعه رفعا بمعنى: هذا (الم) أو هو أو ذاك."([22])
الثانية: نقل النص من كتاب سيبويه إن تعذر إيراد الرأي:
ومن ذلك الاستدلال برأي سيبويه في قوله تعالى: ( فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتُـذَكِّـرَ إحداهما الأخرى)([23])، إذ استشهد ابن النحاس بسيبويه بقوله: " قال سيبويه: ( أن تضل إحداهما فتَـذْكِـرَ إحداهما الأخرى) انتصب لأنه أمَر بالإشهاد لأن تذكر ومن أجل أن تذكر. قال: فإن قال إنسان: كيف جاز أن تقول أن تضلَّ ؟ ولم يعدَّ هذا للإضلال والالتباس فإنما ذكر أن تضل لأنه سبب الإذكار كما يقول الرجل: أعددتـَه أن يميل الحائط فأدعمهُ. وهو لا يطلب بإعداده ذلك ميلان الحائط ولكنه أخبر بعلة الدعم وبسببه."([24])
2- المصادر البصرية:
الذي ينظر في كتاب إعراب القرآن يجد أن الآراء البصرية تتردد بكثرة؛ " فنحن نقرأ آراء أعلام النحو واللغة والقراءات البصريين مبثوثة فيه مثل أبي عمرو ابن العلاء ويونس وقطرب والأخفش سعيد بن مسعدة وأبي عبيدة وأبي عمرو الجرمي وابن الأعرابي والمازني وأبي حاتم السجستاني والمبرد ومحمد بن الوليد ولاّد وأبي إسحاق الزجاج "([25]) منهم من أخذ عنه الرواية مباشرة(*)، ومنهم من قرأ كتبه؛ فنقل منها(**).
3- المصادر الكوفية:
تجتمع آراء الكوفيون وآراء البصريين في ( إعراب القرآن) فيرجح ابن النحاس رأيا مرة، ويترك الآراء دون ترجيح حينا، ويرفض رأيا حينا آخر. ومن العلماء الكوفيين الذين أخذ عنهم في الكتاب: الكسائي وثعلب والفراء ومحمد بن حبيب ومحمد بن سعدان وابن السكيت ونفطويه وابن رستم(*). وهناك عالمان مزجا بين المذهبين البصري والكوفي إذ أخذا عن المبرد وثعلب، وهما: ابن كيسان وابن شقير.([26])
4- الحفاظ والمحدثون:
لقد كان عدد من شيوخ ابن النحاس من الحفاظ والمحدثين الذين سمع عنهم في التفسير والقراءات وما احتواه (الكتاب) من أحاديث مسندة. ومن هؤلاء العلماء: بكر ابن سهل الدمياطي وجعفر بن محمد الفاريابي والنسائي والطحاوي والحسن بن غليب المصري وأبو الحسن الدمشقي وأبو القاسم البغوي ومحمد بن جرير الطبري.([27])
ـ منهج ابن النحاس في (إعراب القرآن):
حدد ابن النحاس منهجه في مقدمة كتابه ( إعراب القرآن ) ، وحدد القصد من الكتاب أيضا إذ قال : " هذا كتاب أذكر فيه إن أشاء الله إعراب القرآن ، والقراءات التي تحتاج إلى أن يبين إعرابها والعلل فيها ، ولا أُخليه من اختلاف النحويين، وما يحتاج إليه من المعاني وما أجازه بعضهم ومنعه بعضهم وزيادات في المعاني وشرح لها، ومن الجموع واللغات، وسوق كل لغة إلى أصحابها. ولعله يمر الشيء غير مشبع فيتوهم متصفحه أن ذلك لإغفال وإنما هو لأن له موضعا غير ذلك. ومذهبنا الإيجاز والمجيئ بالنكتة في موضعها من غير إطالة وقصدنا في هذا الكتاب الإعراب وما شاكله بعون الله وحسن توفيقه " ([28]) .
كان إذن قصد النحاس في هذا الكتاب الإعراب وما شاكله . وهو من النحويين الذين حاولوا أن يجمعوا بين المذهبين البصري والكوفي ؛ فقد كان شيوخه من المذهبين و كذلك مصادره، وله مصنف في مسائل المذهبين سماه ( المقنع في اختلاف البصريين والكوفين )؛ فثقافته الواسعة وروايته الغزيرة لأقوال علماء المذهبين جعله يقف من النحاة مواقف مستقلة في كثير من المسائل ، فكان يذكر في المسألة أقوالا لعلماء المذهبين ثم يختار أو يفضل قولا بصريا أو كوفيا أو يقبلها جميعا([29]).
ـ الخلاف النحوي: (*)
اختلف ابن النحاس في كتابه ( إعراب القرآن ) مع عدد من أعلام النحاة هم: الفراء وأبو عبيد الكسائي والأخفش وأبو حاتم السجستاني والزجاج والخليل وسيبويه والمبرد والأخفش الصغير وقطرب والقتيبي وثعلب. وهو في اختلافه مع النحاة واتفاقه مع آرائهم في موقفين: موقف اتخذه من البصريين، وموقف اتخذه من الكوفيين.
1ـ موقفه من البصريين :
لا تكاد مسألة من المسائل التي يعرضها ابن النحاس في كتابه تخلو من ذكره لأقوال العلماء البصريين فيها . فسيبويه يلازمه من أول كتابه حتى نهايته ، وكذا الاخفش سعيد بن مسعدة وأبو العباس المبرد وشيخه الزجاج وغيرهم. وكان يستخدم اصطلاحات البصريين في مواضع كثيرة؛ من ذلك الرفع بالإبتداء للمبتدأ ([30]) ورفع الفعل المضارع لمضارعته الأسماء ([31]) ، والنصب بـ ( لا ) النافية للجنس لأنها مضارعة (لأن) عندهم ([32]) ، وتسمية حروف الجر بالظروف ([33]) ، والبدل هو عند الكوفيين الترجمة أو البيان ([34]) ، والفاصلة وهو عند الكوفيين عماد ([35]) . وقد نستخلص ما رواه من أقوال البصريين أمرين :
الأول : الأخذ بأقوالهم وما ذهبوا إليه ورد أقوال الكوفيين إذا كانت غير موافقة لهم حتى ذهب إلى نقد سماع الكوفيين بأن أكثره عن غير الفصحاء([36]). وكان البصريون يفتخرون على الكوفيين قائلين : " نحن نأخذ اللغة عن حرشة الضباب وأكلة اليرابيع وهؤلاء أخذوا اللغة عن أهل السواد أصحاب الكواميخ وأكلة الشواريز". ([37])
وقد أخذ النحاس برأي البصريين في أصل اشتقاق ( صيب ) في الآية ( أو كصيب من السماء)([38]) بأنه على صيوب ثم أدغم مثل ميت ، ورد قول الكوفيين بأن أصله ( صويب ) ثم أدغم ؛ وعلل ذلك بقوله: " ولو كان كما قالوا لما جاز إدغامه كما لا يجوز إدغام طويل."([39])
وأخذ برأي البصريين في أن أصل ألف ( ربا ) واو لا ياء كما قال الكوفيون ، لقوله: " ويقال: في تثنية ربا ربوان كذا قال سيبويه ... والكوفيون يقولون : ربيان بالياء ويكتبون ربا بالياء وسمعت أبا إسحاق يقول ليس يكفيهم أن يغلطوا في الخط حتى يتجاوزوا ذلك إلى التثنية . قال أبو جعفر : والقرآن يدل على ما قال البصريون . قال الله عز وجل: ( وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس )([40]) " ([41]) .
وأخذ برأي البصريين في تقدير وزن ( أشياء )، ومنعه من الصرف في قوله تعالى: ( يا آيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم ) ([42]) موافقا قول الخليل وسيبويه والمازني؛ ذلك أن أصلها فعلاء: شيئاء ، فاستثقلت همزتان بينهما ألف فقلبت الأولى فصارت لفعاء معترضا على قول الكسائي وأبي عبيد بأنها لم تنصرف لأنها أشبهت حمراء لقول العرب: أشياوات مثل: حمراوات. ورجح هذه الأقوال بقوله : وأصح هذه الأقوال قول الخليل وسيبويه ويلزم الكسائي وأبا عبيد ألا يصرفا أسماء وأبناء لأنه يقال فيهما : أبناوات وأسماوات. واعترض ـ أيضاـ على قول الأخفش والفراء بأنها لم تنصرف لأنها أفعلاء أشيئاء على وزن أشيِعاع ذاكرا قول المازني بأن تصغير أشياء أُشَيّاء. ثم قال ابن النحاس : وهذا كلام بيّن لأن أشياء لو كانت أفعلاء ما جاز أن تصغر حتى ترد إلى الواحد ، وأيضا أن فعلا لا يجمع على أفعلاء . ([43])
وذكر أصل ( كينونة ) و( صيرورة ) ووزنهما في ذكره ( ميت ) في الآية: ( إلى بلد ميت ) ([44]) واللغة في تشديدها وتخفيفها واحدة ، وذلك قوله: " وزعم سيبويه أن قولهم كان كينونة وصار صيرورة ، وكذا قيدودة ، ورد محمد بن يزيد على الكوفيين قولهم : إنه فعلول من جهتين : إحداهما لأنه ليس في كلام العرب فعلول ، والثانية أنه لو كان كما قالوا لكان بالواو . قال أبو جعفر : وهذا كلام بين ( حسن ) في كينونة لأنها من الكون وفي القيدودة لأنها من الأقود. " ([45])
ووافق سيبويه والأخفش في فعليه ( نعم وبئس ) ، وجعل ( ما ) بعد بئس اسما مستقلا في الآية ( بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا ) ([46]) ثم رد قول الكسائي ولم يجوز قول الفراء. قال أبو جعفر : قال سيبويه كأنه قال ـ تعالى ـ بئس الشيء اشتروا به أنفسهم، ثم قال : ( أن ) على التفسير كأنه قيل له : ما هو ؟ كما تقول العرب: بئسما له . يريدون بئس الشيء له . وقال الأخفش : هو مثل قولك : بئس رجلا زيد . والتقدير عنده بئس شيئا اشتروا به أنفسهم ومثله: ( إن تبدو الصدقات فنعما هي ) ([47]) . وقال الكسائي ( ما ) و ( اشتروا ) اسم واحد في موضع رفع ، وقال الفراء : يجوز أن تكون ( ما ) مع بئس بمنزلة كلما. ثم قال ابن النحاس : أبين هذه الأقوال قول الأخفش ونظيره ما حكى عن العرب بئسما تزويج ولا مهر. وقول سيبويه حسن يجعل ( ما ) وحدها اسما لا بهامها ، وسبيل بئس ونعم أن لا تدخلا على معرفة إلا للجنس فأما قول الكسائي فمردود من هذه الجهة ، وقول الفراء لا يجوز لأنه يبقى الفعل بلا فاعل ، وإنما تكون ( ما ) كافة في الحروف نحو إنما وربما. ([48])
ولم يجوّز تقديم الفاعل على الفعل في الآية: ( والعمل الصالح يرفعه ) ([49]) ورد قول ثعلب في أن ( العمل ) مرفوع بالفعل ( يرفعه ) قائلا : لأن الفاعل إذا كان قبل الفعل لم يرتفع بالفعل . هذا قول جميع النحويين إلا شيئا حكاه لنا علي بن سليمان عن أحمد بن يحيى أنه أجاز : زيد قام بمعنى قام زيد، ثم قال: ويبين لك فساد هذا قول العرب : الزيدان قاما ، ولو كان كما قال لقيل الزيدان قام. ([50])
ووافق الخليل وسيبويه في عمل ( ما ) النافية عمل ليس وهو قول البصريين في الآية ( ما هذا بشرا ) ([51]) ، واعترض على قول الكوفيين بأنها لا تعمل شيئا ولكن الخبر لما حذفت منه الباء نصب بنزع الخافض قائلا : " فألزمهم البصريون أن يقولوا زيد القمر. لأن المعنى كالقمر فرد هذا أحمد بن يحيى بأن قال : الباء أدخل في حروف الخفض من الكاف لأن الكاف تكون اسما . قال أبو جعفر : لا يصح إلا قول البصريين وهذا القول يتناقض لأن الفراء أجاز نصا : ما بمنطلق زيد وأنشد :
أما والله أن لو كنتَ حرا وما بالحر أنتَ ولا العتيق
ومنع نصا النصب. ولا نعلم بين النحويين اختلافا أنه جائز : ما فيك براغب زيد. ثم يحذفون الباء ويرفعون ، وحكى البصريون والكوفيون : ما زيد منطلق بالرفع ، وحكى البصريون أنها لغة تميم. " ([52])
وخطأ الأخفش سعيد بن مسعدة في قوله بزيادة ( من ) في الآية: ( مما تنبت الأرض)([53])، وهو أيضا قول الكوفيين في عدم اشتراط النفي لزيادة ( من ) قال ابن النحاس: " هذا خطأ على قول سيبويه لأن ( من ) لا تزاد عنه في الواجب ، وإنما دعا الأخفش إلى هذا أنه لم يجد مفعولا ليخرج فأراد أن يجعل ما مفعولا ، والأولى أن يكون المفعول محذوفا دل عليه سائر الكلام." ([54])
ومما ذكره الزبيدي قوله: أبو جعفر النحاس واسع العلم غزير الرواية كثير التأليف.([6]) فهو كثير الرواية عن شيوخه، وهم كثر منهم:
- محمد بن الوليد بن ولاد المصري النحوي التميمي ( ت 298 هـ)([7]).
- أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل الأخفش الصغير ( ت 315 أو 316هـ)([8]).
- الزجاج أبو إسحق إبراهيم ( ت 310 أو 316 هـ ) ([9]).
- ابن كيسان أبو الحسن محمد بن أحمد. (ت 299هـ) ([10]).
- نفطويه أبو عبدالله إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان المهلبي(ت323هـ)([11]).
- أبو بكر أحمد بن محمد بن شقير البغدادي (ت 315هـ) ([12]).
- الطحاوي أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المصري ( ت 321 هـ)([13]).
- أبو بكر بن الحداد محمد بن أحمد بن جعفر الكناني (ت 344 هـ)([14]).
وبعد أن استوفى النحاس جمع العلم من مناهله دأب إلى نقل ما جمعه من علم وهو في مصر. إذ وفد إليه طلاب العلم من المغرب ومصر ، ومن هؤلاء العلماء:
- أبو بكر الأدفوي ( ت 388 هـ) ([15])
- محمد بن يحيى الأزدي النحوي ( ت 358 هـ) ([16])
- محمد بن مفرج المعافري ( ت 371 هـ ) وقد روى إعراب القرآن، وأول من أدخله إلى الأندلس. ([17])
- أبو الحكم منذر بن سعيد البلوطي (ت 335 هـ) ([18]) (*)
وقد ذكر القفطي شذرات من صفاته منها أنه كان متواضعا لا يتكبر أن يسأل الفقهاء وأهل النظر ويناقشهم عما أشكل عليه في تأليفاته.([19]) ومن ذلك قول المنذر ابن سعيد البلوطي الأندلسي: " أتيت ابن النحاس في مجلسه بمصر، وألفيته يملي في أخبار الشعراء شعر قيس المجنون حيث يقول:
خليليّ هل بالشام عينٌ حزينةٌٌ تبكِّي على نجد لعلي أُعينُها
قد أسلمها الباكون إلا حمامةً مُطوّقةً باتت وبات قرينها
فقلت: باتا يفعلان ماذا ؟ فقال لي: وكيف تقول أنت ؟ فقلت: ( بانت وبان قرينها) فسكت."([20])
وكان لالتقاء ابن النحاس العدد الكبير من علماء اللغة والنحو والفقه والحديث دور أساسي في تأليف كتابه ( إعراب القرآن )؛ فقد شمل هذا الكتاب آراء ابن النحاس وشيوخه شمولا يتوجب تفصيل الكتاب في قسم مستقل.
· كتاب إعراب القرآن:
اتخذ علماء اللغة مواقف متعددة من البحث في علوم القرآن الكريم وإعرابه؛ فمنهم من اتبع منهجا أخلاقيا وتحرج من إعراب القرآن الكريم كالأصمعي، ومنهم من كان يستغل حصيلته اللغوية والعلمية ليوظفها في خدمة النص القرآني ، وهذا ما صنعه أبو جعفر النحاس في كتب منها: إعراب القرآن، ومعاني القرآن، والناسخ والمنسوخ.
ويتميز إعراب القرآن في أنه أول كتاب وصل إلينا وهو يحمل مادة غزيرة، فقد جلب النحاس فيه الأقاويل وحشد الوجوه، إذ يمثل الكتاب مرحلة نضج ابن النحاس العلمية؛ ذلك أنه ضمن الكتاب ما استطاع من ألوان المعرفة في شتى العلوم.([21])
وهكذا، فإن الكتاب ينقل إلينا عددا كبيرا من آراء العلماء الذين أخذ عنهم ابن النحاس، فتعددت آراء الكتاب فمنها البصري ومنها الكوفي. وهذا الجمع لهذا الكم من الآراء يقودنا إلى ضرورة التعرف إلى مصادر هذا الكتاب، ومنهج النحاس فيه. وهذا ما سنتحدث عنه في المواضيع التالية لتتضح لنا الصورة الكلية لـ ( إعراب القرآن ).
ـ مصادر الكتاب:
يعد كتاب إعراب القرآن موسوعة في هذا الموضوع ذلك أن النحاس ضمنه كل ما استطاع جمعه من معرفة سواء أكان مصدرها شيوخه أم الروايات الشفوية أم الكتب المدونة. ولذلك فقد اعتمد النحاس في تأليف هذا الكتاب على عدد كبير من المصادر، منها: كتاب سيبويه، ومصادر بصرية، ومصادر كوفية، وعلى عدد من الحفاظ والمحدثين(*) نبتسر الحديث عنها في الصفحات التالية:
1- كتاب سيبويه:
لقد أولى النحاس كتاب سيبويه عناية شديدة؛ فأخذ منه العديد من الآراء ووازنها تارة بآراء علماء عدة، وتارة أخرى اكتفى بالنقل والتوضيح. ولابن النحاس في نقله من كتاب سيبويه طريقتان:
الأولى: الأخذ بالمعنى وإيراد الرأي:
ومن ذلك قوله: " مذهب الخليل وسيبويه في ( الم ) وما أشبهها أنها لم تعرب لأنها بمنزلة حروف التهجي فهي محكية ولو أعربت ذهب معنى الحكاية وكان قد أعرب بعض الاسم، وقال الفراء: إنما لم تعرب لأنك لم ترد أن تخبر عنها بشيء، وقال أحمد بن يحيى: لا يعجبني قول الخليل فيها لأنك إذا قلت: زاي فليست هي الزاي التي في زيد لأنك قد زدت عليها. قال أبو جعفر: هذا الرد لا يلزم لأنك لا تقدر أن تنطق بحرف واحد حتى تزيد عليه. قال ابن كيسان: ( الم) في موضع نصب بمعنى عليك ( الم)، ويجوز أن يكون موضعه رفعا بمعنى: هذا (الم) أو هو أو ذاك."([22])
الثانية: نقل النص من كتاب سيبويه إن تعذر إيراد الرأي:
ومن ذلك الاستدلال برأي سيبويه في قوله تعالى: ( فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتُـذَكِّـرَ إحداهما الأخرى)([23])، إذ استشهد ابن النحاس بسيبويه بقوله: " قال سيبويه: ( أن تضل إحداهما فتَـذْكِـرَ إحداهما الأخرى) انتصب لأنه أمَر بالإشهاد لأن تذكر ومن أجل أن تذكر. قال: فإن قال إنسان: كيف جاز أن تقول أن تضلَّ ؟ ولم يعدَّ هذا للإضلال والالتباس فإنما ذكر أن تضل لأنه سبب الإذكار كما يقول الرجل: أعددتـَه أن يميل الحائط فأدعمهُ. وهو لا يطلب بإعداده ذلك ميلان الحائط ولكنه أخبر بعلة الدعم وبسببه."([24])
2- المصادر البصرية:
الذي ينظر في كتاب إعراب القرآن يجد أن الآراء البصرية تتردد بكثرة؛ " فنحن نقرأ آراء أعلام النحو واللغة والقراءات البصريين مبثوثة فيه مثل أبي عمرو ابن العلاء ويونس وقطرب والأخفش سعيد بن مسعدة وأبي عبيدة وأبي عمرو الجرمي وابن الأعرابي والمازني وأبي حاتم السجستاني والمبرد ومحمد بن الوليد ولاّد وأبي إسحاق الزجاج "([25]) منهم من أخذ عنه الرواية مباشرة(*)، ومنهم من قرأ كتبه؛ فنقل منها(**).
3- المصادر الكوفية:
تجتمع آراء الكوفيون وآراء البصريين في ( إعراب القرآن) فيرجح ابن النحاس رأيا مرة، ويترك الآراء دون ترجيح حينا، ويرفض رأيا حينا آخر. ومن العلماء الكوفيين الذين أخذ عنهم في الكتاب: الكسائي وثعلب والفراء ومحمد بن حبيب ومحمد بن سعدان وابن السكيت ونفطويه وابن رستم(*). وهناك عالمان مزجا بين المذهبين البصري والكوفي إذ أخذا عن المبرد وثعلب، وهما: ابن كيسان وابن شقير.([26])
4- الحفاظ والمحدثون:
لقد كان عدد من شيوخ ابن النحاس من الحفاظ والمحدثين الذين سمع عنهم في التفسير والقراءات وما احتواه (الكتاب) من أحاديث مسندة. ومن هؤلاء العلماء: بكر ابن سهل الدمياطي وجعفر بن محمد الفاريابي والنسائي والطحاوي والحسن بن غليب المصري وأبو الحسن الدمشقي وأبو القاسم البغوي ومحمد بن جرير الطبري.([27])
ـ منهج ابن النحاس في (إعراب القرآن):
حدد ابن النحاس منهجه في مقدمة كتابه ( إعراب القرآن ) ، وحدد القصد من الكتاب أيضا إذ قال : " هذا كتاب أذكر فيه إن أشاء الله إعراب القرآن ، والقراءات التي تحتاج إلى أن يبين إعرابها والعلل فيها ، ولا أُخليه من اختلاف النحويين، وما يحتاج إليه من المعاني وما أجازه بعضهم ومنعه بعضهم وزيادات في المعاني وشرح لها، ومن الجموع واللغات، وسوق كل لغة إلى أصحابها. ولعله يمر الشيء غير مشبع فيتوهم متصفحه أن ذلك لإغفال وإنما هو لأن له موضعا غير ذلك. ومذهبنا الإيجاز والمجيئ بالنكتة في موضعها من غير إطالة وقصدنا في هذا الكتاب الإعراب وما شاكله بعون الله وحسن توفيقه " ([28]) .
كان إذن قصد النحاس في هذا الكتاب الإعراب وما شاكله . وهو من النحويين الذين حاولوا أن يجمعوا بين المذهبين البصري والكوفي ؛ فقد كان شيوخه من المذهبين و كذلك مصادره، وله مصنف في مسائل المذهبين سماه ( المقنع في اختلاف البصريين والكوفين )؛ فثقافته الواسعة وروايته الغزيرة لأقوال علماء المذهبين جعله يقف من النحاة مواقف مستقلة في كثير من المسائل ، فكان يذكر في المسألة أقوالا لعلماء المذهبين ثم يختار أو يفضل قولا بصريا أو كوفيا أو يقبلها جميعا([29]).
ـ الخلاف النحوي: (*)
اختلف ابن النحاس في كتابه ( إعراب القرآن ) مع عدد من أعلام النحاة هم: الفراء وأبو عبيد الكسائي والأخفش وأبو حاتم السجستاني والزجاج والخليل وسيبويه والمبرد والأخفش الصغير وقطرب والقتيبي وثعلب. وهو في اختلافه مع النحاة واتفاقه مع آرائهم في موقفين: موقف اتخذه من البصريين، وموقف اتخذه من الكوفيين.
1ـ موقفه من البصريين :
لا تكاد مسألة من المسائل التي يعرضها ابن النحاس في كتابه تخلو من ذكره لأقوال العلماء البصريين فيها . فسيبويه يلازمه من أول كتابه حتى نهايته ، وكذا الاخفش سعيد بن مسعدة وأبو العباس المبرد وشيخه الزجاج وغيرهم. وكان يستخدم اصطلاحات البصريين في مواضع كثيرة؛ من ذلك الرفع بالإبتداء للمبتدأ ([30]) ورفع الفعل المضارع لمضارعته الأسماء ([31]) ، والنصب بـ ( لا ) النافية للجنس لأنها مضارعة (لأن) عندهم ([32]) ، وتسمية حروف الجر بالظروف ([33]) ، والبدل هو عند الكوفيين الترجمة أو البيان ([34]) ، والفاصلة وهو عند الكوفيين عماد ([35]) . وقد نستخلص ما رواه من أقوال البصريين أمرين :
الأول : الأخذ بأقوالهم وما ذهبوا إليه ورد أقوال الكوفيين إذا كانت غير موافقة لهم حتى ذهب إلى نقد سماع الكوفيين بأن أكثره عن غير الفصحاء([36]). وكان البصريون يفتخرون على الكوفيين قائلين : " نحن نأخذ اللغة عن حرشة الضباب وأكلة اليرابيع وهؤلاء أخذوا اللغة عن أهل السواد أصحاب الكواميخ وأكلة الشواريز". ([37])
وقد أخذ النحاس برأي البصريين في أصل اشتقاق ( صيب ) في الآية ( أو كصيب من السماء)([38]) بأنه على صيوب ثم أدغم مثل ميت ، ورد قول الكوفيين بأن أصله ( صويب ) ثم أدغم ؛ وعلل ذلك بقوله: " ولو كان كما قالوا لما جاز إدغامه كما لا يجوز إدغام طويل."([39])
وأخذ برأي البصريين في أن أصل ألف ( ربا ) واو لا ياء كما قال الكوفيون ، لقوله: " ويقال: في تثنية ربا ربوان كذا قال سيبويه ... والكوفيون يقولون : ربيان بالياء ويكتبون ربا بالياء وسمعت أبا إسحاق يقول ليس يكفيهم أن يغلطوا في الخط حتى يتجاوزوا ذلك إلى التثنية . قال أبو جعفر : والقرآن يدل على ما قال البصريون . قال الله عز وجل: ( وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس )([40]) " ([41]) .
وأخذ برأي البصريين في تقدير وزن ( أشياء )، ومنعه من الصرف في قوله تعالى: ( يا آيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم ) ([42]) موافقا قول الخليل وسيبويه والمازني؛ ذلك أن أصلها فعلاء: شيئاء ، فاستثقلت همزتان بينهما ألف فقلبت الأولى فصارت لفعاء معترضا على قول الكسائي وأبي عبيد بأنها لم تنصرف لأنها أشبهت حمراء لقول العرب: أشياوات مثل: حمراوات. ورجح هذه الأقوال بقوله : وأصح هذه الأقوال قول الخليل وسيبويه ويلزم الكسائي وأبا عبيد ألا يصرفا أسماء وأبناء لأنه يقال فيهما : أبناوات وأسماوات. واعترض ـ أيضاـ على قول الأخفش والفراء بأنها لم تنصرف لأنها أفعلاء أشيئاء على وزن أشيِعاع ذاكرا قول المازني بأن تصغير أشياء أُشَيّاء. ثم قال ابن النحاس : وهذا كلام بيّن لأن أشياء لو كانت أفعلاء ما جاز أن تصغر حتى ترد إلى الواحد ، وأيضا أن فعلا لا يجمع على أفعلاء . ([43])
وذكر أصل ( كينونة ) و( صيرورة ) ووزنهما في ذكره ( ميت ) في الآية: ( إلى بلد ميت ) ([44]) واللغة في تشديدها وتخفيفها واحدة ، وذلك قوله: " وزعم سيبويه أن قولهم كان كينونة وصار صيرورة ، وكذا قيدودة ، ورد محمد بن يزيد على الكوفيين قولهم : إنه فعلول من جهتين : إحداهما لأنه ليس في كلام العرب فعلول ، والثانية أنه لو كان كما قالوا لكان بالواو . قال أبو جعفر : وهذا كلام بين ( حسن ) في كينونة لأنها من الكون وفي القيدودة لأنها من الأقود. " ([45])
ووافق سيبويه والأخفش في فعليه ( نعم وبئس ) ، وجعل ( ما ) بعد بئس اسما مستقلا في الآية ( بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا ) ([46]) ثم رد قول الكسائي ولم يجوز قول الفراء. قال أبو جعفر : قال سيبويه كأنه قال ـ تعالى ـ بئس الشيء اشتروا به أنفسهم، ثم قال : ( أن ) على التفسير كأنه قيل له : ما هو ؟ كما تقول العرب: بئسما له . يريدون بئس الشيء له . وقال الأخفش : هو مثل قولك : بئس رجلا زيد . والتقدير عنده بئس شيئا اشتروا به أنفسهم ومثله: ( إن تبدو الصدقات فنعما هي ) ([47]) . وقال الكسائي ( ما ) و ( اشتروا ) اسم واحد في موضع رفع ، وقال الفراء : يجوز أن تكون ( ما ) مع بئس بمنزلة كلما. ثم قال ابن النحاس : أبين هذه الأقوال قول الأخفش ونظيره ما حكى عن العرب بئسما تزويج ولا مهر. وقول سيبويه حسن يجعل ( ما ) وحدها اسما لا بهامها ، وسبيل بئس ونعم أن لا تدخلا على معرفة إلا للجنس فأما قول الكسائي فمردود من هذه الجهة ، وقول الفراء لا يجوز لأنه يبقى الفعل بلا فاعل ، وإنما تكون ( ما ) كافة في الحروف نحو إنما وربما. ([48])
ولم يجوّز تقديم الفاعل على الفعل في الآية: ( والعمل الصالح يرفعه ) ([49]) ورد قول ثعلب في أن ( العمل ) مرفوع بالفعل ( يرفعه ) قائلا : لأن الفاعل إذا كان قبل الفعل لم يرتفع بالفعل . هذا قول جميع النحويين إلا شيئا حكاه لنا علي بن سليمان عن أحمد بن يحيى أنه أجاز : زيد قام بمعنى قام زيد، ثم قال: ويبين لك فساد هذا قول العرب : الزيدان قاما ، ولو كان كما قال لقيل الزيدان قام. ([50])
ووافق الخليل وسيبويه في عمل ( ما ) النافية عمل ليس وهو قول البصريين في الآية ( ما هذا بشرا ) ([51]) ، واعترض على قول الكوفيين بأنها لا تعمل شيئا ولكن الخبر لما حذفت منه الباء نصب بنزع الخافض قائلا : " فألزمهم البصريون أن يقولوا زيد القمر. لأن المعنى كالقمر فرد هذا أحمد بن يحيى بأن قال : الباء أدخل في حروف الخفض من الكاف لأن الكاف تكون اسما . قال أبو جعفر : لا يصح إلا قول البصريين وهذا القول يتناقض لأن الفراء أجاز نصا : ما بمنطلق زيد وأنشد :
أما والله أن لو كنتَ حرا وما بالحر أنتَ ولا العتيق
ومنع نصا النصب. ولا نعلم بين النحويين اختلافا أنه جائز : ما فيك براغب زيد. ثم يحذفون الباء ويرفعون ، وحكى البصريون والكوفيون : ما زيد منطلق بالرفع ، وحكى البصريون أنها لغة تميم. " ([52])
وخطأ الأخفش سعيد بن مسعدة في قوله بزيادة ( من ) في الآية: ( مما تنبت الأرض)([53])، وهو أيضا قول الكوفيين في عدم اشتراط النفي لزيادة ( من ) قال ابن النحاس: " هذا خطأ على قول سيبويه لأن ( من ) لا تزاد عنه في الواجب ، وإنما دعا الأخفش إلى هذا أنه لم يجد مفعولا ليخرج فأراد أن يجعل ما مفعولا ، والأولى أن يكون المفعول محذوفا دل عليه سائر الكلام." ([54])

تعليق