عود الضمير على متأخر ومسائل أخر
في مقال "مع الصحف" للأستاذ إبراهيم السامرائي
بقلم سالم علي سالم
في مقال "مع الصحف" للأستاذ إبراهيم السامرائي
بقلم سالم علي سالم
عود الضمير على متأخر:
الضمير المقصود هنا ضمير الغائب، وهذا لا بد له من مرجع يبينه. والأصل في مرجع الضمير، كما يقول عباس حسن في "النحو الوافي"، أن يكون سابقاً على الضمير، ولهذا التقدم صورتان:
الأولى: التقدم اللفظي أو الحقيقي، وذلك بأن يكون متقدماً بلفظه وبرتبته معاً، كقولك: الكتاب قرأته واستوعبت مسائله. فضمير المفرد الغائب في "قرأته" وفي "مسائله" يعود على (الكتاب) الوارد نصّاً قبله والمتقدم أيضاً برتبته، فهو المبتدأ. والتقدم في الرتبة أن يكون المرجع في تكوين الجملة متقدماً على الضمير وسابقاً عليه بحسب الأصول والقواعد العربية، فرتبة الفاعل متقدمة على المفعول، ورتبة المبتدأ سابقة على الخبر، ورتبة المضاف قبل المضاف إليه، وهكذا.
والثانية: التقدم المعنوي، ويشمل عدة صور، يعنينا منها هنا تقدم المرجع برتبته رغم تأخير لفظة الصريح، كقولك: "أكرم أباه خالد". فمرجع الضمير هنا "خالد" متأخر عن الضمير لفظاً لكنه متقدم رتبة، فهو الفاعل. وهذا التركيب سائغ في العربية غير منكر، وقد أقرته مراجع النحو، كما أنه قديم لم يبتدعه المحدثون. ففي الأمثال القديمة قدم الفصحى:
ببطنه يعدو الذكّر
بذات فمه يُفتضح الكذوب
عادت لعترها لميس
إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم
في بيته يؤتى الحكم
إلى أمه يلهف اللهفان
على أهلها تجني براقش
حتفها تحمل ضأنٌ بأظلافها
وفي الأمثلة كلها عاد الضمير على متأخر عنه لفظاً متقدم رتبة، والمثل الأخير تمثل به حريث بن حسان الشيباني مخاطباً قيلة التميمية بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لا شك بعد هذا أن القول الذي اقتبسه الأستاذ الدكتور السامرائي في مقاله "مع الصحف" (مجلة المجمع – العدد 31) من صحيفة الاتحاد الاشتراكي المغربية، وهو: "عقب انسحابه المفاجئ من مؤتمر القمة الإفريقي ... صرح الرئيس معمر القذافي بأن ليبيا قامت بواجبها تجاه الصحراء المغربية"، لا شك أن هذا القول سائغ، وفيه عاد الضمير الغائب في "انسحابه" على "الرئيس معمر القذافي" فاعل "صرح" المتقدم برتبته وإن تأخر بلفظه.
ومثل هذا قول الدكتور عبدالهادي التازي في مقاله "المعجمي الدبلوماسي إبراهيم القطان" في العدد 31 نفسه من مجلة المجمع حيث يقول: "ويتعلق الأمر بالمصحف الذي وقفت عليه هناك مما خطه بيده أحد الملوك المغاربة في العصر الوسيط". فالضمير في "بيده" عائد على "أحد الملوك" بعده المتقدم برتبته كفاعل. ولا محل لقول الدكتور السامرائي: "هذه عربية ملحونة وذلك لأن بناء الجملة على هذه الصفة الأعجمية شيء لا نعرفه في عربيتنا الفصيحة" فهذا البناء من العربية القديمة السليمة، ولا يضيره أن نجد مثله في لغة أجنبية فرنسية أو إنجليزية، وقد تقدمت العربية كما نعرفها على هاتين اللغتين في الوجود إطلاقاً بعدة قرون.
وجدير بالذكر أن هذا التركيب دارج في لغة الصحافة بالمشرق العربي أيضاً، وأذكر أن الدكتور جميل علوش انتقده، غير محق، في جريدة الدستور الأردنية قبل بضع سنين.
أما عود الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة معاً، فمثاله "أكرم أبوه خالداً" (المقصود: أكرم أبو خالد خالداً) وذلك لا يصح، ولا أحسب أن أحداً وقع على مثله في جريدة أو كتاب، إلا أن كتب النحو تورده مثلاً، ولا أتصور أحداً مهما فسد ذوقه أو بلغ باللغة جهله يقترف مثل هذا القبح في التعبير.
لم يعد:
يقول الشيخ مصطفى الغلاييني: "وقد تكون آض، ورجع، واستحال، وعاد، وحار وارتد، وتحول، وغدا، وراح، وانقلب، وتبدل، بمعنى "صار" فإن أتت بمعناها فلها حكمها" أي حكم أخوات كان.
وكما يجوز إدخال النفي على الأفعال الناقصة (إلا ما كان فيه نفي أو معنى) يدخل على "عاد" لدى استعماله بمعنى "صار"، وخلافاً لما ذهب إليه الدكتور السامرائي، يصح إذن أن نقول: "لم يعد هناك أي مشكل"، وأستبعد أن يكون هذا التعبير مولداً أو دخيلاً أو مستعاراً من قول الفرنسيين، كما استظهر الدكتور السامرائي، فهو في العامية واسع الانتشار، أقرب ما يكون من بقايا الفصيح.
النجاحات:
يقول الأستاذ السامرائي: "وأرادوا بالكلمة (النجاحات) جمع الاسم وليس المصدر، أي ما تم من النجاح فيه من الأعمال والمنجزات، وهذا من غير شك يومئ إلى أن المحرر العربي قد نظر إلى الكلمة الأجنبية وهي succes وهي مجموعة في الفرنسية دائماً مختومة بعلامة الجمع، وكذلك في الإنجليزية، فلما نقلها إلى العربية جعلها جمعاً".
لقد ضيّعت بالترك القليل الذي حصّلت من الفرنسية. أما في الإنجليزية فالكلمة success (لا succes) وهي مفرد قطعاً، ولا توهم بالجمع وآخرها ss، إذ علامة الجمع s مفردة أو es، ولا تجمع success في الإنجليزية إذا استعلمت مصدراً ولا تدخل عليها أداة التعريف the أو التنكير a، لكنها تجمع بمعنى "أعمال ناجحة" أو "أشخاص ناجحون" فتلحقها حينئذ أداة الجمع المناسبة لنهايتها هكذا successes، وهذا نظير استعمال "نجاحات".
ترشيد الاستهلاك:
يبدو أن كملة "ترشيد" أدخلها الاقتصاديون في الاستعمال مقابل rationalisation الفرنسية الإِنجليزية (مع اختلاف اللفظ في اللغتين). وهي في الإنجليزية تعني التنظيم العلمي للصناعة حرصاً على الحد من الإسراف في اليد العاملة والوقت والموارد. وتوحيد نوعية المنتجات ومقاييسها، مع توخي المحافظة على الأسعار في مستوى ثابت.
والكلمة في هذا المعنى حديثة، حدد معجم أكسفورد عام 1928 تاريخاً لبداية استعمالها في المصطلح الاقتصادي. وقد وضع مجمع القاهرة لها اصطلاح "التنظيم العلمي" فلم يأبه له الكتاب والمترجمون، واستعلموا "الترشيد" في عبارات كالترشيد الصناعي، وترشد الإنتاج، أو الإنفاق، أو الاستهلاك. والمراد هنا اتباع الأولى حسبما يمليه العلم أو المنطق أو حسن التدبير أو الرأي الرشيد، لا التقليل بالضرورة كما يرى الأستاذ السامرائي، إذ قد يتطلب ترشيد الاستهلاك مثلاً تشجيع الزيادة في بعض بدائل السلع والتقليل في بعض لجني فائدة اقتصادية أو تحقيق أمن غذائي، كالحصول على البروتين من لحم الدجاج بدلاً من لحم الضأن، واستعمال زيت الذرة الصفراء بدلاً من زيت الزيتون، والآلة بدلاً من اليد العاملة.
هكذا يتضح أن استعمال كلمة "الترشيد" بالمعنى الاقتصادي المستحدث فيه نظراً إلى معاني rational الإنجليزية (منطقي، معقول، عاقل، معتدل) والكلمة من جذر لاتيني نجده في الإنجليزية أيضاً في ration بمعنى حصة الجندي مثلاً من الطعام (الجراية) وفي rationing بمعنى التقييد في صرف الطعام أو الشراب في حالات خاصة كالانقطاع في الصحراء أو في البحر، أو عامة كالحرب والحصار، وفي ratio بمعنى النسبة أو التناسب العددي بين كميتين، ولا نجد هذه المعاني في مادة "رشد" العربية.
ما زال:
يأخذ الدكتور السامرائي على الصحفي الذي كتب "ما زال علينا أن نقف في وجه المؤامرات" أنه استعمل "ما زال" دون أن يأتي لها بخبر تتم به الفائدة. لكن الجملة تامة مفيدة وخبر "ما زال" مقدم هو الجار والمجرور "علينا" أو متعلَّق حرف الجر المحذوف وتقديره "واجباً"، واسمها متأخر وهو "أن نقف" ولا مجال للمؤاخذة، إلا أن أكون قد أخطأت قصد الدكتور السامرائي.
كتاب الصحف وكتاب الكتب:
يقول الأستاذ السامرائي "إن الكاتب الصحفي مترجماً كان أم غير مترجم، غير ملم بالعربية، ولعله مثله في تلك اللغات الأعجمية. ثم إنه لا يعرف من العربية إلا الأشتات التي تلقفها في المرحلتين الإعدادية والتوجيهية، وتلك بضاعة مزجاة".
هذا الحكم بتعميمه شديد القسوة. فهو إن انطبق على الكثير لا ينطبق على الجميع. وهو من وجه آخر يبرئ بمفهومه المخالف الكتاب غير الصحفيين، رغم كثرة ما يدل في كتب بعضهم على الجهل بالعربية صرفاً ونحواً وأسلوباً، وهذا مثال واحد، نجيب محفوظ، الذي ملأ العالم العربي براوياته يكتب:
ذهبت إليه فوق قدميّ
(ماشياً على قدميّ).
جبهته عالية بصورة بارزة
(علوّاً بارزاً).
شغلنا تماماً بجدول الماء
(تماماً من الإنجليزية).
بتوسطها عامود مرمري
(عمود).
كرهت هذه الحياة حتى الموت
(حتى الموت إنجليزية).
سيدة جميلة واعدة بمعاشرة سعيدة
(واعدة إنجليزية).
ليتغلغلا في أعماقها أكثر
( التغلغل فيه معنى التزايد، وإن كان لا بد فالأولى: ليزداد تغلغلاً. أما "أكثر" فإنجليزية).
أود الا تبقى يوماً أكثر بلا عمل
(أكثر من الإنجليزية ويغني عنها آخر).
أكدوا على حاجة الشعب إلى التربية
(هذه على التي انتقد الأستاذ السامرائي تعدية أكّد بها في لغة الصحف).
يوجد بينهم الآن قطاع طرق
("يوجد" لا لزوم لها وهي إنجليزية).
الدنيا تتلاشى أكثر وأكثر
(أكثر وأكثر من الإنجليزية ولا داعي إليها مع فعل تتلاشى).
ورغم تضحيته إلا أنه فاز بترقية
("فإنه" لا "إلّا أنه").
لم يوجد سبب للغضب
(ما كان للغضب من سبب).
توجد عروس مناسبة لكل سن
(لكل سن عروس مناسبة).
يوجد اتفاق بيننا على ذلك
(بيننا اتفاق).
راقد فوق الفراش
(عليه لا فوقه).
كم أنني سعيدة
(كم أنا سعيدة).
ما دام أن الإصرار هو المسؤول
("أن" بعد "ما دام" قبيحة).
سؤال غريب بعض الشيء
(فيه غرابة، على شيء من الغرابة).
والشاب بقدر ما يثير من عطف بقدر ما يثير من ازدراء
(إحدى عبارتي "بقدر ما" ينبغي حذفها).
ينوء بالعبء وتنزلق قدمه
(ينوء به العبء).
هذا قليل من كثير من روايات نجيب محفوظ "قلب الليل" و"حضرة المحترم" و"حكايات حارتنا" بله رواياته الأخر.
نبّه إلى، ونبّه على:
في تعليقه على عبارة "وانبه على قلمي أن يترك الزمن الرديء" من صحيفة أردنية، يقرر الدكتور السامرائي أن استعمال "على" مع التنبيه يشير إلى الهفوات والغلطات كما جاء في عنوان كتاب لحمزة الأصفهاني "التنبيه على أغاليط الرواة" ويقول لو عدلنا عن استعمال "على" مع "التنبيه" إلى حرف الجر "إلى" لكان ذلك دالاً على غير الخطأ والغلط كأنْ يقال "التنبيه إلى عمل البر والإحسان".
ولكنه لا يبدو لحرف الجر "على" الوارد في العبارة المقتبسة علاقة بما قرره الدكتور السامرائي، فهذا زائد خطأ، وقد دخل على مفعول التنبيه لا على الأمر المنبه عليه أو إليه. والصحيح "انبه قلمي" لا "انبه على قلمي". فالخطأ في وجود "على" أصلاً لا ترك الأولى باستعمالها بدلاً من "إلى" التي يؤثرها الدكتور السامرائي. ولعل العبارة هنا متأثرة بعبارة "حرّج عليه" وهي في الفصحى بمعنى شدد عليه أو ضيق عليه، وفي العامية بمعنى شدد في نهيه، أو عبارة "نبه عليه" في العامية بمعنى نبهه أو حذره أو أوصاه.
أما على أو إلى التي يقصدها الدكتور السامرائي، فمكانها بعد كلمة "قلمي" في العبارة المقتبسة إذا أريد التصريح بها ومضاهاتها بما أورد الأستاذ السامرائي من مثل، ولكن الكاتب تخلّص من كلا الحرفين، على وإلى، مفيداً بالرخصة في النحو، وهي جوار حذف حرف الجر قبل أن المصدرية. ويصح القول لو قيل "وانبه قلمي أن يترك الزمن الرديء" كما يصح القول "وانبه قلمي إلى أن يترك الزمن الرديء" من وجهة نظر نحوية، ولا أتعرض للمعنى.
أكّد:
يرى الدكتور السامرائي، وهو محق، أن تعدية "أكّد" بحرف الجر "على" كما هي في جملة "أكّد الرئيس على عروبة لبنان" لا تصح و"أكّد تصل إلى مدخولها دون حرف جر، وأن استعمال "على" هنا ليس من العربية، وكان ينبغي أن يقال "أكّد الرئيس عروبة لبنان". إلا أنه يذهب إلى أن هذا التجاوز على المألوف من العربية كان بتأثير اللغات الأجنبية ولا سيما الإنجليزية والفرنسية، والفعل في هاتين اللغتين يصل إلى مدخوله بالحرف "على".
أما في الإنجليزية، فالأفعال الدارجة التي تحمل معنى التأكيد تتعدى دون حرف جر، وأشيعها confirm, reaffirm, affirm, reassert, assert, stress, emphasise، وأما في الفرنسية، فلا أدري ولا تثريب عليّ، ولم يورد الأستاذ السامرائي أي مثال من الإنجليزية أو الفرنسية.
البوّابة:
يقول الدكتور السامرائي إن "البوّابة" (بمعنى الباب الكبير أو الباب في السور أو الممر المفضي إلى بلد أو منطقة لا ممر من جهته غيره) من الخطأ الذي استحدثناه، وليس فينا حاجة إلى توليد البوابة التي هي في الأصل مؤنث بوّاب، وهو الآذن القديم الذي يلزم باب الأمير أو الوزير أو غيرهما، فالبوّاب صاحب الباب كالجزار والحداد، وحرفته البوابة كالنجارة والحدادة ثم كأنه يستدرك فيقول: ولسنا ننكر توليد الكلم الجديد، وذلك أن الحياة المعاصرة تفرض علينا إحداث آلاف المصطلحات في كل باب من أبواب المعرفة الجديدة" ولعله يعني أنه لا ينكر ابتكار مصطلح جديد ما دام فينا حاجة إليه، أما ما كان مثل البوّابة فلا حاجة إلى توليده. على أي حال الحاجة واضحة في هذا الانتشار الواسع في استعمال "البوّابة" في الكلام المكتوب والدارج، وترد الكلمة في الترجمة مقابل gate ولا ضير في هجر البوّابة بمعنى أنثى البوّاب لافتقاد النساء في حرفة البوّابة، وقبولها بمعنى الباب الكبير.
ولعل توليد البوّابة بمعنى الباب الكبير كان من استعمال البوّابة لجماعة البوابين كالسيارة للقوم يسيرون والحمّارة لأصحاب الحمير في السفر، وكذلك البغّالة، والهجانة اليوم الجند المحمولون على الهجن من الإبل في الجيش العربي الأردني. والجمع على وزن فعّالة، كالحدّادة والدّبّاغة والخيّالة والقنّاصة والكشّافة والجوّالة، دارج في لغة التخاطب والكتابة المعاصرة.
وانتقال المعنى من الدلالة على جماعة من الأشخاص إلى الدلالة على مكان اجتماعهم مشهود في مثل "الصاغة" لسوق الصاغة، والدباغة في القدس أصبح اسم موضع استمر عَلماً بعد اندثار حرفة الدباغة التي كانت فيه. وفي الحكايات المأثورة أن ثعلباً سأل صاحبه أين الملتقى، وقد وقع كلاهما في الفخ فأجابه: بالفرائين بعد ثلاثة أيام، أي في سوق الفرائين. وهكذا، ربما أصبحت البوّابة المكان الذي يلزمه البوّابة أو جماعة البوابين، وهو في مقتضى الحال باب كبير.
الأولى: التقدم اللفظي أو الحقيقي، وذلك بأن يكون متقدماً بلفظه وبرتبته معاً، كقولك: الكتاب قرأته واستوعبت مسائله. فضمير المفرد الغائب في "قرأته" وفي "مسائله" يعود على (الكتاب) الوارد نصّاً قبله والمتقدم أيضاً برتبته، فهو المبتدأ. والتقدم في الرتبة أن يكون المرجع في تكوين الجملة متقدماً على الضمير وسابقاً عليه بحسب الأصول والقواعد العربية، فرتبة الفاعل متقدمة على المفعول، ورتبة المبتدأ سابقة على الخبر، ورتبة المضاف قبل المضاف إليه، وهكذا.
والثانية: التقدم المعنوي، ويشمل عدة صور، يعنينا منها هنا تقدم المرجع برتبته رغم تأخير لفظة الصريح، كقولك: "أكرم أباه خالد". فمرجع الضمير هنا "خالد" متأخر عن الضمير لفظاً لكنه متقدم رتبة، فهو الفاعل. وهذا التركيب سائغ في العربية غير منكر، وقد أقرته مراجع النحو، كما أنه قديم لم يبتدعه المحدثون. ففي الأمثال القديمة قدم الفصحى:
ببطنه يعدو الذكّر
بذات فمه يُفتضح الكذوب
عادت لعترها لميس
إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم
في بيته يؤتى الحكم
إلى أمه يلهف اللهفان
على أهلها تجني براقش
حتفها تحمل ضأنٌ بأظلافها
وفي الأمثلة كلها عاد الضمير على متأخر عنه لفظاً متقدم رتبة، والمثل الأخير تمثل به حريث بن حسان الشيباني مخاطباً قيلة التميمية بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لا شك بعد هذا أن القول الذي اقتبسه الأستاذ الدكتور السامرائي في مقاله "مع الصحف" (مجلة المجمع – العدد 31) من صحيفة الاتحاد الاشتراكي المغربية، وهو: "عقب انسحابه المفاجئ من مؤتمر القمة الإفريقي ... صرح الرئيس معمر القذافي بأن ليبيا قامت بواجبها تجاه الصحراء المغربية"، لا شك أن هذا القول سائغ، وفيه عاد الضمير الغائب في "انسحابه" على "الرئيس معمر القذافي" فاعل "صرح" المتقدم برتبته وإن تأخر بلفظه.
ومثل هذا قول الدكتور عبدالهادي التازي في مقاله "المعجمي الدبلوماسي إبراهيم القطان" في العدد 31 نفسه من مجلة المجمع حيث يقول: "ويتعلق الأمر بالمصحف الذي وقفت عليه هناك مما خطه بيده أحد الملوك المغاربة في العصر الوسيط". فالضمير في "بيده" عائد على "أحد الملوك" بعده المتقدم برتبته كفاعل. ولا محل لقول الدكتور السامرائي: "هذه عربية ملحونة وذلك لأن بناء الجملة على هذه الصفة الأعجمية شيء لا نعرفه في عربيتنا الفصيحة" فهذا البناء من العربية القديمة السليمة، ولا يضيره أن نجد مثله في لغة أجنبية فرنسية أو إنجليزية، وقد تقدمت العربية كما نعرفها على هاتين اللغتين في الوجود إطلاقاً بعدة قرون.
وجدير بالذكر أن هذا التركيب دارج في لغة الصحافة بالمشرق العربي أيضاً، وأذكر أن الدكتور جميل علوش انتقده، غير محق، في جريدة الدستور الأردنية قبل بضع سنين.
أما عود الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة معاً، فمثاله "أكرم أبوه خالداً" (المقصود: أكرم أبو خالد خالداً) وذلك لا يصح، ولا أحسب أن أحداً وقع على مثله في جريدة أو كتاب، إلا أن كتب النحو تورده مثلاً، ولا أتصور أحداً مهما فسد ذوقه أو بلغ باللغة جهله يقترف مثل هذا القبح في التعبير.
لم يعد:
يقول الشيخ مصطفى الغلاييني: "وقد تكون آض، ورجع، واستحال، وعاد، وحار وارتد، وتحول، وغدا، وراح، وانقلب، وتبدل، بمعنى "صار" فإن أتت بمعناها فلها حكمها" أي حكم أخوات كان.
وكما يجوز إدخال النفي على الأفعال الناقصة (إلا ما كان فيه نفي أو معنى) يدخل على "عاد" لدى استعماله بمعنى "صار"، وخلافاً لما ذهب إليه الدكتور السامرائي، يصح إذن أن نقول: "لم يعد هناك أي مشكل"، وأستبعد أن يكون هذا التعبير مولداً أو دخيلاً أو مستعاراً من قول الفرنسيين، كما استظهر الدكتور السامرائي، فهو في العامية واسع الانتشار، أقرب ما يكون من بقايا الفصيح.
النجاحات:
يقول الأستاذ السامرائي: "وأرادوا بالكلمة (النجاحات) جمع الاسم وليس المصدر، أي ما تم من النجاح فيه من الأعمال والمنجزات، وهذا من غير شك يومئ إلى أن المحرر العربي قد نظر إلى الكلمة الأجنبية وهي succes وهي مجموعة في الفرنسية دائماً مختومة بعلامة الجمع، وكذلك في الإنجليزية، فلما نقلها إلى العربية جعلها جمعاً".
لقد ضيّعت بالترك القليل الذي حصّلت من الفرنسية. أما في الإنجليزية فالكلمة success (لا succes) وهي مفرد قطعاً، ولا توهم بالجمع وآخرها ss، إذ علامة الجمع s مفردة أو es، ولا تجمع success في الإنجليزية إذا استعلمت مصدراً ولا تدخل عليها أداة التعريف the أو التنكير a، لكنها تجمع بمعنى "أعمال ناجحة" أو "أشخاص ناجحون" فتلحقها حينئذ أداة الجمع المناسبة لنهايتها هكذا successes، وهذا نظير استعمال "نجاحات".
ترشيد الاستهلاك:
يبدو أن كملة "ترشيد" أدخلها الاقتصاديون في الاستعمال مقابل rationalisation الفرنسية الإِنجليزية (مع اختلاف اللفظ في اللغتين). وهي في الإنجليزية تعني التنظيم العلمي للصناعة حرصاً على الحد من الإسراف في اليد العاملة والوقت والموارد. وتوحيد نوعية المنتجات ومقاييسها، مع توخي المحافظة على الأسعار في مستوى ثابت.
والكلمة في هذا المعنى حديثة، حدد معجم أكسفورد عام 1928 تاريخاً لبداية استعمالها في المصطلح الاقتصادي. وقد وضع مجمع القاهرة لها اصطلاح "التنظيم العلمي" فلم يأبه له الكتاب والمترجمون، واستعلموا "الترشيد" في عبارات كالترشيد الصناعي، وترشد الإنتاج، أو الإنفاق، أو الاستهلاك. والمراد هنا اتباع الأولى حسبما يمليه العلم أو المنطق أو حسن التدبير أو الرأي الرشيد، لا التقليل بالضرورة كما يرى الأستاذ السامرائي، إذ قد يتطلب ترشيد الاستهلاك مثلاً تشجيع الزيادة في بعض بدائل السلع والتقليل في بعض لجني فائدة اقتصادية أو تحقيق أمن غذائي، كالحصول على البروتين من لحم الدجاج بدلاً من لحم الضأن، واستعمال زيت الذرة الصفراء بدلاً من زيت الزيتون، والآلة بدلاً من اليد العاملة.
هكذا يتضح أن استعمال كلمة "الترشيد" بالمعنى الاقتصادي المستحدث فيه نظراً إلى معاني rational الإنجليزية (منطقي، معقول، عاقل، معتدل) والكلمة من جذر لاتيني نجده في الإنجليزية أيضاً في ration بمعنى حصة الجندي مثلاً من الطعام (الجراية) وفي rationing بمعنى التقييد في صرف الطعام أو الشراب في حالات خاصة كالانقطاع في الصحراء أو في البحر، أو عامة كالحرب والحصار، وفي ratio بمعنى النسبة أو التناسب العددي بين كميتين، ولا نجد هذه المعاني في مادة "رشد" العربية.
ما زال:
يأخذ الدكتور السامرائي على الصحفي الذي كتب "ما زال علينا أن نقف في وجه المؤامرات" أنه استعمل "ما زال" دون أن يأتي لها بخبر تتم به الفائدة. لكن الجملة تامة مفيدة وخبر "ما زال" مقدم هو الجار والمجرور "علينا" أو متعلَّق حرف الجر المحذوف وتقديره "واجباً"، واسمها متأخر وهو "أن نقف" ولا مجال للمؤاخذة، إلا أن أكون قد أخطأت قصد الدكتور السامرائي.
كتاب الصحف وكتاب الكتب:
يقول الأستاذ السامرائي "إن الكاتب الصحفي مترجماً كان أم غير مترجم، غير ملم بالعربية، ولعله مثله في تلك اللغات الأعجمية. ثم إنه لا يعرف من العربية إلا الأشتات التي تلقفها في المرحلتين الإعدادية والتوجيهية، وتلك بضاعة مزجاة".
هذا الحكم بتعميمه شديد القسوة. فهو إن انطبق على الكثير لا ينطبق على الجميع. وهو من وجه آخر يبرئ بمفهومه المخالف الكتاب غير الصحفيين، رغم كثرة ما يدل في كتب بعضهم على الجهل بالعربية صرفاً ونحواً وأسلوباً، وهذا مثال واحد، نجيب محفوظ، الذي ملأ العالم العربي براوياته يكتب:
ذهبت إليه فوق قدميّ
(ماشياً على قدميّ).
جبهته عالية بصورة بارزة
(علوّاً بارزاً).
شغلنا تماماً بجدول الماء
(تماماً من الإنجليزية).
بتوسطها عامود مرمري
(عمود).
كرهت هذه الحياة حتى الموت
(حتى الموت إنجليزية).
سيدة جميلة واعدة بمعاشرة سعيدة
(واعدة إنجليزية).
ليتغلغلا في أعماقها أكثر
( التغلغل فيه معنى التزايد، وإن كان لا بد فالأولى: ليزداد تغلغلاً. أما "أكثر" فإنجليزية).
أود الا تبقى يوماً أكثر بلا عمل
(أكثر من الإنجليزية ويغني عنها آخر).
أكدوا على حاجة الشعب إلى التربية
(هذه على التي انتقد الأستاذ السامرائي تعدية أكّد بها في لغة الصحف).
يوجد بينهم الآن قطاع طرق
("يوجد" لا لزوم لها وهي إنجليزية).
الدنيا تتلاشى أكثر وأكثر
(أكثر وأكثر من الإنجليزية ولا داعي إليها مع فعل تتلاشى).
ورغم تضحيته إلا أنه فاز بترقية
("فإنه" لا "إلّا أنه").
لم يوجد سبب للغضب
(ما كان للغضب من سبب).
توجد عروس مناسبة لكل سن
(لكل سن عروس مناسبة).
يوجد اتفاق بيننا على ذلك
(بيننا اتفاق).
راقد فوق الفراش
(عليه لا فوقه).
كم أنني سعيدة
(كم أنا سعيدة).
ما دام أن الإصرار هو المسؤول
("أن" بعد "ما دام" قبيحة).
سؤال غريب بعض الشيء
(فيه غرابة، على شيء من الغرابة).
والشاب بقدر ما يثير من عطف بقدر ما يثير من ازدراء
(إحدى عبارتي "بقدر ما" ينبغي حذفها).
ينوء بالعبء وتنزلق قدمه
(ينوء به العبء).
هذا قليل من كثير من روايات نجيب محفوظ "قلب الليل" و"حضرة المحترم" و"حكايات حارتنا" بله رواياته الأخر.
نبّه إلى، ونبّه على:
في تعليقه على عبارة "وانبه على قلمي أن يترك الزمن الرديء" من صحيفة أردنية، يقرر الدكتور السامرائي أن استعمال "على" مع التنبيه يشير إلى الهفوات والغلطات كما جاء في عنوان كتاب لحمزة الأصفهاني "التنبيه على أغاليط الرواة" ويقول لو عدلنا عن استعمال "على" مع "التنبيه" إلى حرف الجر "إلى" لكان ذلك دالاً على غير الخطأ والغلط كأنْ يقال "التنبيه إلى عمل البر والإحسان".
ولكنه لا يبدو لحرف الجر "على" الوارد في العبارة المقتبسة علاقة بما قرره الدكتور السامرائي، فهذا زائد خطأ، وقد دخل على مفعول التنبيه لا على الأمر المنبه عليه أو إليه. والصحيح "انبه قلمي" لا "انبه على قلمي". فالخطأ في وجود "على" أصلاً لا ترك الأولى باستعمالها بدلاً من "إلى" التي يؤثرها الدكتور السامرائي. ولعل العبارة هنا متأثرة بعبارة "حرّج عليه" وهي في الفصحى بمعنى شدد عليه أو ضيق عليه، وفي العامية بمعنى شدد في نهيه، أو عبارة "نبه عليه" في العامية بمعنى نبهه أو حذره أو أوصاه.
أما على أو إلى التي يقصدها الدكتور السامرائي، فمكانها بعد كلمة "قلمي" في العبارة المقتبسة إذا أريد التصريح بها ومضاهاتها بما أورد الأستاذ السامرائي من مثل، ولكن الكاتب تخلّص من كلا الحرفين، على وإلى، مفيداً بالرخصة في النحو، وهي جوار حذف حرف الجر قبل أن المصدرية. ويصح القول لو قيل "وانبه قلمي أن يترك الزمن الرديء" كما يصح القول "وانبه قلمي إلى أن يترك الزمن الرديء" من وجهة نظر نحوية، ولا أتعرض للمعنى.
أكّد:
يرى الدكتور السامرائي، وهو محق، أن تعدية "أكّد" بحرف الجر "على" كما هي في جملة "أكّد الرئيس على عروبة لبنان" لا تصح و"أكّد تصل إلى مدخولها دون حرف جر، وأن استعمال "على" هنا ليس من العربية، وكان ينبغي أن يقال "أكّد الرئيس عروبة لبنان". إلا أنه يذهب إلى أن هذا التجاوز على المألوف من العربية كان بتأثير اللغات الأجنبية ولا سيما الإنجليزية والفرنسية، والفعل في هاتين اللغتين يصل إلى مدخوله بالحرف "على".
أما في الإنجليزية، فالأفعال الدارجة التي تحمل معنى التأكيد تتعدى دون حرف جر، وأشيعها confirm, reaffirm, affirm, reassert, assert, stress, emphasise، وأما في الفرنسية، فلا أدري ولا تثريب عليّ، ولم يورد الأستاذ السامرائي أي مثال من الإنجليزية أو الفرنسية.
البوّابة:
يقول الدكتور السامرائي إن "البوّابة" (بمعنى الباب الكبير أو الباب في السور أو الممر المفضي إلى بلد أو منطقة لا ممر من جهته غيره) من الخطأ الذي استحدثناه، وليس فينا حاجة إلى توليد البوابة التي هي في الأصل مؤنث بوّاب، وهو الآذن القديم الذي يلزم باب الأمير أو الوزير أو غيرهما، فالبوّاب صاحب الباب كالجزار والحداد، وحرفته البوابة كالنجارة والحدادة ثم كأنه يستدرك فيقول: ولسنا ننكر توليد الكلم الجديد، وذلك أن الحياة المعاصرة تفرض علينا إحداث آلاف المصطلحات في كل باب من أبواب المعرفة الجديدة" ولعله يعني أنه لا ينكر ابتكار مصطلح جديد ما دام فينا حاجة إليه، أما ما كان مثل البوّابة فلا حاجة إلى توليده. على أي حال الحاجة واضحة في هذا الانتشار الواسع في استعمال "البوّابة" في الكلام المكتوب والدارج، وترد الكلمة في الترجمة مقابل gate ولا ضير في هجر البوّابة بمعنى أنثى البوّاب لافتقاد النساء في حرفة البوّابة، وقبولها بمعنى الباب الكبير.
ولعل توليد البوّابة بمعنى الباب الكبير كان من استعمال البوّابة لجماعة البوابين كالسيارة للقوم يسيرون والحمّارة لأصحاب الحمير في السفر، وكذلك البغّالة، والهجانة اليوم الجند المحمولون على الهجن من الإبل في الجيش العربي الأردني. والجمع على وزن فعّالة، كالحدّادة والدّبّاغة والخيّالة والقنّاصة والكشّافة والجوّالة، دارج في لغة التخاطب والكتابة المعاصرة.
وانتقال المعنى من الدلالة على جماعة من الأشخاص إلى الدلالة على مكان اجتماعهم مشهود في مثل "الصاغة" لسوق الصاغة، والدباغة في القدس أصبح اسم موضع استمر عَلماً بعد اندثار حرفة الدباغة التي كانت فيه. وفي الحكايات المأثورة أن ثعلباً سأل صاحبه أين الملتقى، وقد وقع كلاهما في الفخ فأجابه: بالفرائين بعد ثلاثة أيام، أي في سوق الفرائين. وهكذا، ربما أصبحت البوّابة المكان الذي يلزمه البوّابة أو جماعة البوابين، وهو في مقتضى الحال باب كبير.

تعليق