بين أبي علي الفارسي ويونس بن حبيب(2)
اطِّرَادُ الجرِّ بِإضْمَارِ حَرْفِهِ بعدَ فاءِ الجزاءِ
اطِّرَادُ الجرِّ بِإضْمَارِ حَرْفِهِ بعدَ فاءِ الجزاءِ
أجمع النحاة البصريون على أن الأصل في حروف الجر أن لا تعمل مع الحذف ، وإنما تعمل مع الحذف في بعض المواضع إذا كان لها عوض، وحيث لا عوضَ وجب البقاء على الأصل ، والتمسك بالأصل تمسك باستصحاب الحال ، وهو من الأدلة المعتبرة( 1).
ومن المواضع التي سوغ فيها النحاة الجر مع الحذف باطراد : المجرور المقرون بفاء الجزاء استنادًا إلى ما حكاه يونس عن العرب من قولهم : «مررتُ برجلٍ إنْ لا صالحٍ فطالحٍ» على تقدير : (إنْ لا أمُرُّ بصالحٍ فقد مررتُ بطالحٍ) ، كما استندوا في دعواهم الاطراد على شيء فهموه من كلام سيبويه حول هذه الحكاية، بيد أنه ليس في كلامه ما يدل من قريب أو بعيد على جواز الحذف باطراد في مثل هذا الموضع ، بل على الجواز مع الضعف والقبح المستلزم للقلة والندرة لا للاطراد والكثرة .
قال سيبويه : «وزعم يونس أن من العرب من يقول : (إنْ لا صالحٍ فطالحٍ) ، على : (إنْ لا أكُنْ مَررْتُ بِصَالحٍ فطالحٍ) وهذا قبيح ضعيف؛ لأنك تضمر بعد (إنْ لا) فعلًا آخر فيه حذف غير الذي تضمر بعد (إنْ لا) في قولك : (إنْ لا يكنْ صالحًا فطالحٌ)، ولا يجوز أن يضمر الجار، ولكنهم لما ذكروه في أول كلامهم شبهوه بغيره من الفعل، وكان هذا عندهم أقوى إذا أضمرت (رُبَّ) ونحوها في قولهم:
* وبَلْدَةٍ ليسَ بِهَا أَنِيْسُ( 2) *
ومن ثَمَّ قال يونس : (امْرُرْ على أيُّهم أفضلُ إن زيدٍ وإنْ عمروٍ)، يعني: إن مررتَ بزيدٍ أو مررتَ بعمروٍ»(3 ).
فسيبويه في هذا التقرير يحكم على ما حكاه يونس بالضعف والقبح من جهتين : إحداهما: أنك تحتاج إلى إضمار أشياء ، وحُكم الإضمار أن يكون شيئًا واحدًا ، وذلك أنك إذا قلت: مررتُ برجلٍ إنْ لا صالح فطالح ، تقديره: إن لا أكن مررتُ بصالح، فتضمر: (أكُنْ) و (مررتُ) ، والباء.
والجهة الأخرى: أن حرف الجر يقبح إضماره إلا في مواضع قد جعل منه عوضٌ كما ذكر النحاة.( 4)
وقد اتبع هذا المسلك في تفسير كلام سيبويه أبو علي الذي قال بعد نقله حكاية يونس: «إنما يقبح هذا ؛لأنك محتاج إلى إضمار فعلين، أحدهما : ما كنت تضمره إذا نصبت (صالحًا) – يعني (يكنْ) – والآخر: (مررتُ) ،فيكون التقدير : إلا أكُنْ مررتُ بصالحٍ ، كما قبح إضمار الفعلين إذا أمرت المخاطب أن يأمر الغائب ، ويزيد هذا قبحًا أنك تضمر معه حرف الخفض»(5 ).
فأبو علي – تبعًا لسيبويه – يستقبح قول يونس : (إنْ لا صَالحٍ فطالحٍ)؛ لأنه يترتب عليه إضمار ثلاثة أشياء ، أحدها حرف جر غير معوض عنه بشيء .
وقد زعم ابن مالك أن الجر بحرف مضمر بعد فاء الجزاء سائغ مطرد عند سيبويه، والذي دفعه لذلك قول سيبويه : «ولكنهم لما ذكروه – أي الفعل المحذوف – في أول كلامهم شبهوه بغيره من الفعل ، وكان هذا عندهم أقوى إذا أضمرت (رُبَّ) ونحوها»(6 ).
قال ابن مالك : «ومثال الجرِّ بمضمر بعد (إنْ) و (الفاء) الجزائيتين ما حكى يونس من قولهم: مررت برجلٍ صالح؛ إلا صالحٍ فطالحٍ ، على تقدير: إنْ لا أمرُّ بصالحٍ فقد مررتُ بطالحٍ ، وأجاز: امْرُرْ بِأَيِّهِمَا أفضلُ، إن زيدٍ وإن عمرٍو ، وجعل سيبويه إضمار الباء بعد إن لتَضَمُّنِ مَا قَبْلَهَا إيَّاهَا أسهلَ من إضمار (رُبَّ) بعد الواو ،فَعُلِمَ بذلك اطرادهُ عنده»(7 ).
غير أن كلام سيبويه لا يوحي بشيء مما فهمه منه ابن مالك ، بل يفهم أنه يجيز ما أجازه يونس على قبح وضعف ؛ ولذلك قال أبو سعيد السيرافي : «قال سيبويه محتجًّا لإجازة ما أجازه يونس على قبحه : ولكنهم لما ذكروه في أول كلامهم شَبَّهوه بغيره من الفعل، وكان هذا عندهم أقوى إذا أضمر (رُبَّ) ونحوها .. »( 8).
وكذا فهم أبو الحسن الرماني من كلامه أيضًا؛ إذ قال : «ومنهم من يجرُّه فيقول : (إلا صالحٍ فطالحٍ) ، وهذا ضعيف من أجل إضمار حرف الجر؛ لأنه إنما جاز لدلالة الكلام عليه وتقديره : (إلا أكُنْ مررتُ برجلٍ صالحٍ) حكاه يونس عن العرب»( 9).
وقد تشكك أبو حيان في دعوى ابن مالك «أن القياس على هذه الأوجه كلها جائز»( 10) قائلًا:
«وجميع هذه المسائل التي ذكر ابن مالك أنه يجوز الجر فيها على إضمار الحرف ينبغي أن يُتَثَبَّتَ في القياس عليها»( 11).
وقد تبع أكثرُ النحاة بعد ابنِ مالكٍ مسلكَهُ في اطراد الجر مع إضمار الحرف بعد فاء الجزاء اعتمادًا على ما استند إليه وما فهمه من كلام سيبويه، من أنه جعل إضمار هذه الباء بعد (إن) أسهل من إضمار (رُبَّ) بعد الواو، فعلم من ذلك أن إضماره غير قبيح عند سيبويه ، ومنهم :
الرضي( 12)، وابن الناظم( 13)، والمرادي(14 )، وابن هشام(15 )، وابن عقيل( 16)، والشاطبي( 17)، والأشموني( 18)، والأزهري(19 )، والسيوطي(20 ).
ولكن الذي فهمه شُرَّاح الكتاب وكبار المدرسة البصرية يقرر أنه سائغ جائز على ضعف وقبح عند سيبويه ، وهو مذهب ابن السراج(21 )، والسيرافي(22 )، والفارسي( 23)، والرماني(24).
_______________
(1 ) الإنصاف في مسائل الخلاف 1/396 .
( 2) صدر بيت من أرجوزة لجران العود عامر بن الحارث وعجزه:*إلا اليَعَافِيرُ وإلا العِيْسُ* وهو من شواهد سيبويه في الكتاب 1/133 بولاق، 1/263 هارون، و شرح السيرافي 2/161 ، و الإنصاف 1/271 ،و شرح المفصل لابن يعيش 2/80 ، و شرح التسهيل 2/286 ، و أوضح المسالك 2/261 ، و الجنى الداني 164 ، و شرح التصريح 1/547 ، و الخزانة 4/121 ، وقد استشهد به سيبويه لجواز إضمار حرف الجر ، والتقدير:[ورب بلدةٍ]، وليست الواو عنده عوضًا من[رب] بل حرف عطف .
(3 ) الكتاب 1/133 بولاق، 1/262-263 هارون، الأصول لابن السراج 2/248 .
(4 ) انظر: شرح السيرافي 2/160 ، شرح المفصل2/117.
( 5) التعليقة 1/174 .
( 6) شرح التسهيل 3/192 ، الكتاب 1/133 .
( 7) شرح التسهيل 3/192 ، شرح الكافية الشافية 2/827 .
( 8) شرح السيرافي 2/161 .
(9 ) شرح الرماني 2/561 .
(10 ) شرح التسهيل 3/192 .
(11 ) ارتشاف الضرب 4/1759 .
(12 ) شرح الكافية 2/148 .
( 13) شرح الألفية 271 .
( 14) توضيح المقاصد 2/781 .
( 15) أوضح المسالك 3/80 .
( 16) المساعد 2/300 .
( 17) المقاصد الشافية 3/712 .
( 18) شرح الأشموني 2/352 .
(19 ) شرح التصريح 1/671-672 .
( 20) همع الهوامع 4/225 .
(21 ) الأصول 2/248 .
( 22) شرح السيرافي 2/160-161 .
( 23) التعليقة 1/174 .
(24 ) شرح الرماني 2/561 .
ومن المواضع التي سوغ فيها النحاة الجر مع الحذف باطراد : المجرور المقرون بفاء الجزاء استنادًا إلى ما حكاه يونس عن العرب من قولهم : «مررتُ برجلٍ إنْ لا صالحٍ فطالحٍ» على تقدير : (إنْ لا أمُرُّ بصالحٍ فقد مررتُ بطالحٍ) ، كما استندوا في دعواهم الاطراد على شيء فهموه من كلام سيبويه حول هذه الحكاية، بيد أنه ليس في كلامه ما يدل من قريب أو بعيد على جواز الحذف باطراد في مثل هذا الموضع ، بل على الجواز مع الضعف والقبح المستلزم للقلة والندرة لا للاطراد والكثرة .
قال سيبويه : «وزعم يونس أن من العرب من يقول : (إنْ لا صالحٍ فطالحٍ) ، على : (إنْ لا أكُنْ مَررْتُ بِصَالحٍ فطالحٍ) وهذا قبيح ضعيف؛ لأنك تضمر بعد (إنْ لا) فعلًا آخر فيه حذف غير الذي تضمر بعد (إنْ لا) في قولك : (إنْ لا يكنْ صالحًا فطالحٌ)، ولا يجوز أن يضمر الجار، ولكنهم لما ذكروه في أول كلامهم شبهوه بغيره من الفعل، وكان هذا عندهم أقوى إذا أضمرت (رُبَّ) ونحوها في قولهم:
* وبَلْدَةٍ ليسَ بِهَا أَنِيْسُ( 2) *
ومن ثَمَّ قال يونس : (امْرُرْ على أيُّهم أفضلُ إن زيدٍ وإنْ عمروٍ)، يعني: إن مررتَ بزيدٍ أو مررتَ بعمروٍ»(3 ).
فسيبويه في هذا التقرير يحكم على ما حكاه يونس بالضعف والقبح من جهتين : إحداهما: أنك تحتاج إلى إضمار أشياء ، وحُكم الإضمار أن يكون شيئًا واحدًا ، وذلك أنك إذا قلت: مررتُ برجلٍ إنْ لا صالح فطالح ، تقديره: إن لا أكن مررتُ بصالح، فتضمر: (أكُنْ) و (مررتُ) ، والباء.
والجهة الأخرى: أن حرف الجر يقبح إضماره إلا في مواضع قد جعل منه عوضٌ كما ذكر النحاة.( 4)
وقد اتبع هذا المسلك في تفسير كلام سيبويه أبو علي الذي قال بعد نقله حكاية يونس: «إنما يقبح هذا ؛لأنك محتاج إلى إضمار فعلين، أحدهما : ما كنت تضمره إذا نصبت (صالحًا) – يعني (يكنْ) – والآخر: (مررتُ) ،فيكون التقدير : إلا أكُنْ مررتُ بصالحٍ ، كما قبح إضمار الفعلين إذا أمرت المخاطب أن يأمر الغائب ، ويزيد هذا قبحًا أنك تضمر معه حرف الخفض»(5 ).
فأبو علي – تبعًا لسيبويه – يستقبح قول يونس : (إنْ لا صَالحٍ فطالحٍ)؛ لأنه يترتب عليه إضمار ثلاثة أشياء ، أحدها حرف جر غير معوض عنه بشيء .
وقد زعم ابن مالك أن الجر بحرف مضمر بعد فاء الجزاء سائغ مطرد عند سيبويه، والذي دفعه لذلك قول سيبويه : «ولكنهم لما ذكروه – أي الفعل المحذوف – في أول كلامهم شبهوه بغيره من الفعل ، وكان هذا عندهم أقوى إذا أضمرت (رُبَّ) ونحوها»(6 ).
قال ابن مالك : «ومثال الجرِّ بمضمر بعد (إنْ) و (الفاء) الجزائيتين ما حكى يونس من قولهم: مررت برجلٍ صالح؛ إلا صالحٍ فطالحٍ ، على تقدير: إنْ لا أمرُّ بصالحٍ فقد مررتُ بطالحٍ ، وأجاز: امْرُرْ بِأَيِّهِمَا أفضلُ، إن زيدٍ وإن عمرٍو ، وجعل سيبويه إضمار الباء بعد إن لتَضَمُّنِ مَا قَبْلَهَا إيَّاهَا أسهلَ من إضمار (رُبَّ) بعد الواو ،فَعُلِمَ بذلك اطرادهُ عنده»(7 ).
غير أن كلام سيبويه لا يوحي بشيء مما فهمه منه ابن مالك ، بل يفهم أنه يجيز ما أجازه يونس على قبح وضعف ؛ ولذلك قال أبو سعيد السيرافي : «قال سيبويه محتجًّا لإجازة ما أجازه يونس على قبحه : ولكنهم لما ذكروه في أول كلامهم شَبَّهوه بغيره من الفعل، وكان هذا عندهم أقوى إذا أضمر (رُبَّ) ونحوها .. »( 8).
وكذا فهم أبو الحسن الرماني من كلامه أيضًا؛ إذ قال : «ومنهم من يجرُّه فيقول : (إلا صالحٍ فطالحٍ) ، وهذا ضعيف من أجل إضمار حرف الجر؛ لأنه إنما جاز لدلالة الكلام عليه وتقديره : (إلا أكُنْ مررتُ برجلٍ صالحٍ) حكاه يونس عن العرب»( 9).
وقد تشكك أبو حيان في دعوى ابن مالك «أن القياس على هذه الأوجه كلها جائز»( 10) قائلًا:
«وجميع هذه المسائل التي ذكر ابن مالك أنه يجوز الجر فيها على إضمار الحرف ينبغي أن يُتَثَبَّتَ في القياس عليها»( 11).
وقد تبع أكثرُ النحاة بعد ابنِ مالكٍ مسلكَهُ في اطراد الجر مع إضمار الحرف بعد فاء الجزاء اعتمادًا على ما استند إليه وما فهمه من كلام سيبويه، من أنه جعل إضمار هذه الباء بعد (إن) أسهل من إضمار (رُبَّ) بعد الواو، فعلم من ذلك أن إضماره غير قبيح عند سيبويه ، ومنهم :
الرضي( 12)، وابن الناظم( 13)، والمرادي(14 )، وابن هشام(15 )، وابن عقيل( 16)، والشاطبي( 17)، والأشموني( 18)، والأزهري(19 )، والسيوطي(20 ).
ولكن الذي فهمه شُرَّاح الكتاب وكبار المدرسة البصرية يقرر أنه سائغ جائز على ضعف وقبح عند سيبويه ، وهو مذهب ابن السراج(21 )، والسيرافي(22 )، والفارسي( 23)، والرماني(24).
_______________
(1 ) الإنصاف في مسائل الخلاف 1/396 .
( 2) صدر بيت من أرجوزة لجران العود عامر بن الحارث وعجزه:*إلا اليَعَافِيرُ وإلا العِيْسُ* وهو من شواهد سيبويه في الكتاب 1/133 بولاق، 1/263 هارون، و شرح السيرافي 2/161 ، و الإنصاف 1/271 ،و شرح المفصل لابن يعيش 2/80 ، و شرح التسهيل 2/286 ، و أوضح المسالك 2/261 ، و الجنى الداني 164 ، و شرح التصريح 1/547 ، و الخزانة 4/121 ، وقد استشهد به سيبويه لجواز إضمار حرف الجر ، والتقدير:[ورب بلدةٍ]، وليست الواو عنده عوضًا من[رب] بل حرف عطف .
(3 ) الكتاب 1/133 بولاق، 1/262-263 هارون، الأصول لابن السراج 2/248 .
(4 ) انظر: شرح السيرافي 2/160 ، شرح المفصل2/117.
( 5) التعليقة 1/174 .
( 6) شرح التسهيل 3/192 ، الكتاب 1/133 .
( 7) شرح التسهيل 3/192 ، شرح الكافية الشافية 2/827 .
( 8) شرح السيرافي 2/161 .
(9 ) شرح الرماني 2/561 .
(10 ) شرح التسهيل 3/192 .
(11 ) ارتشاف الضرب 4/1759 .
(12 ) شرح الكافية 2/148 .
( 13) شرح الألفية 271 .
( 14) توضيح المقاصد 2/781 .
( 15) أوضح المسالك 3/80 .
( 16) المساعد 2/300 .
( 17) المقاصد الشافية 3/712 .
( 18) شرح الأشموني 2/352 .
(19 ) شرح التصريح 1/671-672 .
( 20) همع الهوامع 4/225 .
(21 ) الأصول 2/248 .
( 22) شرح السيرافي 2/160-161 .
( 23) التعليقة 1/174 .
(24 ) شرح الرماني 2/561 .

تعليق