دلالة الفعل (ذاق) في القرآن
الذوق أصل استخدامه في اختبار الشيء، وجاء في الغالب مع سياق الأكل، قال صاحب التاج: “ذاقَه ذَوْقاً وذَواقاً ومَذاقاً ومَذاقَةً: اختبَر طَعْمَه، وأصْله فيما يقلُّ تَناوله فإِنَّ ما يَكثُر من ذلك يُقالُ له: الأَكْل وأَذَقته أَنْا إِذاقَة”[1].
هكذا نصت كتب المعاجم غير أنها قالت: إن الذوق يستخدم في الخير والشر، وقد استخدم في القرآن لهذين المعنيين، فأما استخدامه في الخير فجاء في قوله - تعالى-: "ولئن أذقناه رحمة منا" (فصلت:50)، وأما استخدامه في الشر، فمثاله: "إنكم لذائقوا العذاب الأليم" (الصافات: 38)، “واخْتيرَ في القُرآنِ لَفْظ الذَّوْقِ للعَذابِ؛ لأَنَّ ذلِكَ وإِنْ كانَ في التَّعارُفِ للقَلِيلِ فهو مُسْتَصْلَحٌ للكَثِيرِ فخَصَّهُ بالذكْرِ؛ ليُعْلمَ الأَمرين، وكَثُرَ اسْتعْمالُه في العَذابِ”[2].
ومن هنا فإن (ذاق) التي هي اختبار القليل؛ للحكم على الكثير، وارتبط ذكرها بذوق الطعام الذي يتلذذ به الإنسان، ثم خرجت إلى حقول أخرى كحقل الزواج في مثل: (يذوق عسيلتك وتذوقين عسيلته)، وحقل العذاب وغيره كما تبين… وحقول دلالية أخرى لا يمكن أن نقطع باستخدامها في الحقيقة أو المجاز إلا من كثرة الاستعمال، ومن هنا يمكن القول بأنها إذا جاءت مع الطعام فإنها تكون مألوفة ومن ثم تكون على الحقيقة، وإن خرجت عن هذا المعنى تكون للمجاز، وبهذا يحدث خرق في قوانين الاختيار بين المفردات والوظائف النحوية. وعلى هذا يمكن تأويل (كل نفس ذائقة الموت) وما شابهها، نحو: (إنكم لذائقوا العذاب الأليم)، فالقصد – والله أعلم – التنبيه على عظم الحدث أو عظم ما يُتذَوق، فالموت صعب وينفر كل الناس منه، وأشده بداياته، ولذا كانت له سكرات وآلام لا ينجو منها أحد من الناس، إلا أنها تتفاوت بحسب درجة صلاح العبد أو فساده، وهذه الإذاقة قليلة جدا لحدث الموت الذي يدوم طويلا حتى البعث، وكذا العذاب، إذاقته في البداية شديدة الصعوبة، وساعة هذه الإذاقة يتبين حقيقة المتذوق، تماما كما يستطيع الإنسان أن يعلم حقيقة الطعام بتذوق القليل منه.
____________________________________________
[1] – تاج العروس، مادة ذ.و.ق
[2] السابق نفسه
د. نعيم محمد عبد الغني
الذوق أصل استخدامه في اختبار الشيء، وجاء في الغالب مع سياق الأكل، قال صاحب التاج: “ذاقَه ذَوْقاً وذَواقاً ومَذاقاً ومَذاقَةً: اختبَر طَعْمَه، وأصْله فيما يقلُّ تَناوله فإِنَّ ما يَكثُر من ذلك يُقالُ له: الأَكْل وأَذَقته أَنْا إِذاقَة”[1].
هكذا نصت كتب المعاجم غير أنها قالت: إن الذوق يستخدم في الخير والشر، وقد استخدم في القرآن لهذين المعنيين، فأما استخدامه في الخير فجاء في قوله - تعالى-: "ولئن أذقناه رحمة منا" (فصلت:50)، وأما استخدامه في الشر، فمثاله: "إنكم لذائقوا العذاب الأليم" (الصافات: 38)، “واخْتيرَ في القُرآنِ لَفْظ الذَّوْقِ للعَذابِ؛ لأَنَّ ذلِكَ وإِنْ كانَ في التَّعارُفِ للقَلِيلِ فهو مُسْتَصْلَحٌ للكَثِيرِ فخَصَّهُ بالذكْرِ؛ ليُعْلمَ الأَمرين، وكَثُرَ اسْتعْمالُه في العَذابِ”[2].
ومن هنا فإن (ذاق) التي هي اختبار القليل؛ للحكم على الكثير، وارتبط ذكرها بذوق الطعام الذي يتلذذ به الإنسان، ثم خرجت إلى حقول أخرى كحقل الزواج في مثل: (يذوق عسيلتك وتذوقين عسيلته)، وحقل العذاب وغيره كما تبين… وحقول دلالية أخرى لا يمكن أن نقطع باستخدامها في الحقيقة أو المجاز إلا من كثرة الاستعمال، ومن هنا يمكن القول بأنها إذا جاءت مع الطعام فإنها تكون مألوفة ومن ثم تكون على الحقيقة، وإن خرجت عن هذا المعنى تكون للمجاز، وبهذا يحدث خرق في قوانين الاختيار بين المفردات والوظائف النحوية. وعلى هذا يمكن تأويل (كل نفس ذائقة الموت) وما شابهها، نحو: (إنكم لذائقوا العذاب الأليم)، فالقصد – والله أعلم – التنبيه على عظم الحدث أو عظم ما يُتذَوق، فالموت صعب وينفر كل الناس منه، وأشده بداياته، ولذا كانت له سكرات وآلام لا ينجو منها أحد من الناس، إلا أنها تتفاوت بحسب درجة صلاح العبد أو فساده، وهذه الإذاقة قليلة جدا لحدث الموت الذي يدوم طويلا حتى البعث، وكذا العذاب، إذاقته في البداية شديدة الصعوبة، وساعة هذه الإذاقة يتبين حقيقة المتذوق، تماما كما يستطيع الإنسان أن يعلم حقيقة الطعام بتذوق القليل منه.
____________________________________________
[1] – تاج العروس، مادة ذ.و.ق
[2] السابق نفسه
د. نعيم محمد عبد الغني

تعليق