فن التعبير الشفهي "المحادثة" باللّغة العربية ودوره في المناشط اللغوية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    فن التعبير الشفهي "المحادثة" باللّغة العربية ودوره في المناشط اللغوية

    فن التعبير الشفهي "المحادثة" باللّغة العربية ودوره في المناشط اللغوية التي يحتاج إليها الإنسان العربي في حياته
    الأستاذ الدكتور عبد السلام المسدّي
    أستاذ اللغويات- جامعة تونس
    اللغة العربية- كما ازدهرت وكما وصلتنا مع فجر نهضتنا ماضياً- قضية فكرية غزيرة الموارد. واللّغة العربية هي الآن وكما تتعاطى أمرَها مؤسسات المجتمع مسألة تربوية خلافية. أمّا اللّغة العربية من منظور استشراف مستقبلها واستقراء ما قد تؤول إليه فقضية حضارية كبرى ترتدّ إلى إشكال سياسي بالغ الخطورة والتعقيد، وبها يرتبط الجوهر الثقافي الذي يتأسس عليه معمار الهوية في بعديه التاريخ الماضي والمصيري القادم.

    إن كثيراً من حقائق العلم وحقائق التاريخ إذا اجتمعت وتوالجت أفضت إلى خلاصات مركزة، بل إنها – في بعض المجالات- تتجلى في بساطة متناهية تكاد تتحدانا ببداهتها لفرط ما تناسيناها. فاللّغة العربية لو أنصفها التاريخ وأهلها لكان من المفروض ألا تنتقل من المستوى الأدائي وهو المنطوق المسموع إلى المستوى الخطي وهو المكتوب المقروء إلا وهي مستوفية لحروفها. فتدوين اللّغة العربية خطيًّا- سواء بشكل يدوي أو بشكل تقني- وهي عارية من حركاتها بدعة لا تعرفها اللّغات الإنسانية قاطبة، والذي انجر عن هذا الوضع الشاذ من قول بعضهم:"الناس يقرؤون لغاتهم ليفهموا ما قرؤوا، والعرب يفهمون المكتوب كي يتوصلوا إلى قراءته" إنما يجسم منتهى الغرابة لأن هذه القولة قد قيلت في أول أمرها على البراءة ثم أصبحت قولة ظالمة لأن فيها غمزاً على اللّغة العربية في أنها هي الحاملة لداء الشذوذ.

    وبنفس الاستقراء الافتراضي سنقول إن اللّغة العربية- لو أنصفها التاريخ وأهلها- لكان من المفروض أن تكون هي أداة التداول في كل ما يتصل بمجالات الفكر والثقافة والمعارف، وبكل حقل التيسير والتوجيه، وكذلك بكل دوائر الإبداع والفنون، أي كان من المظنون أن تكون هي اللّسان التداولي في كل خطاب حي يتعلق بما يسمى في الأعراف الإنسانية بعالم الرموز والمجردات، وعندئذ يكون من الطبيعي أن يتخاطب الناس بلهجاتهم العامية فيما اتصل بالحياة المعيشية وبالصلات الاجتماعية المتحققة على مدار الزمن الطبيعي، وهو ما يصطلح عليه بعوالم الماديات وما جاورها.

    من وراء هذه المداخل الافتراضية نروم الإحاطة بالدوائر التي تمثل أسيجة متناضدة تحاصر مسألة التداول الأدائي للغة العربية الفصحى في زماننا هذا. بل إننا نصادر على أن فن المشافهة كما تقتضيه فصاحة اللّغة العربية وكما يغيب في معظم أحوال التداول اللّغوي في الواقع العربي إن هو إلا إشكال جوهري يقع على سنم هرم من الإشكالات الحيوية التي علينا أن نفحصها مليًّا لنتبين حقيقة هذا الفن الغائب. أما مدارات هذا الهرم الإشكالي فهي أربعة محاور: وجه ثقافي ووجه تربوي ووجه لغوي ووجه سياسي، ولئن جاءت متباينة حيناً فهي في الأحيان الكثيرة متوالجة متداخلة.

    إن وضع اللغة العربية في هذه المرحلة التاريخية وضعٌ حرجٌ جداً، فهناك حملة واسعة تصاحبُ حملة الكونية الثقافية تتقصّد النيلَ من كل الثقافات الإنسانية ذات الجذور الحضارية المتأصلة وفي مقدمتها الثقافة العربية، وتتوسل هذه الحملات العدائية دائماً بالعامل اللّغوي، وكثيراً ما تتعلل بأن العربية الفصحى لغة مفارقة للواقع لحي المعيش، فتحاول أن تبث الوهم بأن لغة الواقع هي التي يجب أن تصبح اللّغة الرسميّة، وهذا معناه تحويلها إلى لغة تربويّة ثم إلى لغة إبداعية حتى ويكتب بها الفكر، ومن هنا تتسلل المعاول الناسفة، أما المرمى البعيد المنشود فهو أن تلقى العربية نفسَ المصير الذي صادفته اللّغة اللاتينية بأن تنحل إلى لهجات تتطور إلى لغات قائمة الذات.

    مثل هذه الدعوى لا تجد لها رواجاً في أقطارنا العربية بشكل رسمي، ولكن السلوك الموضوعي كثيراً ما يمهد لها السبيل ولا سيما إذا انتبهنا إلى طغيان العاميات على أجهزة الإعلام المرئي والمسموع، فنصيب العربية الفصحى ما انفك يتقلص، ونزعة الاستسهال بحكم قانون المجهود الأدنى ما فتئت تزرع الوهم بأن العربية لا تتلاءم مع برامج الحياة اليومية.

    إن الترصد المنظّم للغة العربية ليَتّخذ شكل الحرب الصامتة الناسفة: تتكشف حينا وتتقنّع أحياناً أخرى، وتقنّعُها أخطر من تكشّفها لأنه يستنجد بسلاح المسكوت عنه، وهو أوقع في النفوس وأقدر على تملك الأغرار. ولهذا الترصد أسبابه الموضوعية: فهناك اليوم قلق حقيقي يساور كبار المهندسين الذين يخططون الاستراتيجية الكونية، وقد يصل ذلك القلق ببعضهم إلى درجة الخوف، وببعضهم الآخر إلى درجة الفزع، أما موضوع الأمر فهو احتمال تزايد الوزن الحضاري للغة العربية في المستقبل المنظور فضلاً عن المستقبل البعيد. إن هؤلاء المخططين الاستراتيجيين يقرؤون للحقيقة الموضوعية حسابها، فاللسان العربي هو اللّغة القوميّة لحوالي 300 مليون، وهو يمثل إلى جانب ذلك مرجعية اعتبارية لأكثر من 850 مليونَ مسلم غير عربيّ كلهم يتوقون إلى اكتساب اللّغة العربية، فإن لم يتقنوها لأنها ليست لغتهم القومية فإنهم في أضعف الإيمان يناصرونها ويحتمون بأنموذجها.

    ثم إن اللسان العربي حاملُ تراث، وناقل معرفة، وشاهدٌ حيّ على الجذور التي استلهم منها الغرب نهضته الحديثة في كل العلوم النظرية والطبية والفلسفية، وهو بهذا الاعتبار يخيفهم أكثر مما يخفيهم اللسان الصيني أو الهندي. ولا يغفل هؤلاء المهندسون الثقافيون الساهرون على برمجة الذهن الجماعي في عصر الأممية والكونية عن الرسالة الحضارية والروحية التي حملت بها اللغة العربية، وهم العارفون بأن التماهي بين الهوية واللغة لم يبلغ تمامه الأقصى في الثقافات الإنسانية كما بلغه عند العرب بكل اطراد تاريخي وبكل تواتر فكري واجتماعي ونفسي.

    ولكن اللغة العربية تخيف أيضاً بشيء آخر هو ألصق بالحقيقة العلمية القاطعة وأعلق بمعطيات المعرفة اللسانية الحديثة، فلأوّل مرة في تاريخ البشرية- على ما نعلمه من التاريخ الموثوق به- يُكتب للسان طبيعي أن يُعمّر حوالي سبعة عشر قرناً محتفظاً بمنظومته الصوتية والصرفية والنحوية فيطوّعها جميعاً ليواكب التطور الحتمي في الدلالات دون أن يتزعزع النظام الثلاثي من داخله، بينما يشهد العلم في اللّسانيات التاريخية والمقارنة أن أربعة قرون كانت فيما مضى هي الحد الأقصى الذي يبدأ بعده التغيّر التدريجي لمكوّنات المنظومة اللغوية، وهذا حاصل قطعاً بصرف النظر عن انتماء اللغة إلى اللغات الحضارية التي صنَعت ثقافة إنسانية، أو بقائها في صنف الألسنة الطبيعية الفطرية كلغات شعوب كثيرة عاشت في المناطق الاستوائية وفي المناطق القطبيّة بين جل قارات المعمورة.

    إن اللّغة العربية تلقي بتاريخها تحدّياً كبيراً أمام العلم الإنساني، وهذا التحدي يبتهج به العلماء الذين أخلصوا إلى العلم مهجتهم، ولكنه يَغيظ سَدَنة التوظيف الأممي ويستفز دعاة الثقافة الكونية، لا سيما منذ بدأت المعرفة اللغوية المتقدمة على المستوى العالمي تكتشف ما في التراث العربي من مخزون هائل يتصل بآليات الوصف اللغوي، ويقف على الحقائق النحوية العجيبة، ويستلهم مكوّنات المنظومة الصورية الراقية التي انتهى إليها النحو العربي من حيث هو إعراب، ومن حيث هو منطق قياسي، ومن حيث هو كذلك علم بأصول الظاهرة اللغوية الكلية.

    ليس لعالم اللغة أن يستنقص من شأن أي لسان بشري ولكن ليس من حقه أن يسكت عن توظيف العلم لغير مرامي العلم، وقد تهون المرامي لو كانت اقتصادية، أو تمجيدية، أو تفاخرية، أما أن تكون سياسية موسومة بطابع الذرائعية والميكافيليّة فإن الصمت معها يغدو إثماً فكرياً في حق المعرفة.

    وهل يليق بالباحث المتجرد النزيه الذي أخلص للمعرفة مهجته أن يسكت عن مناورات استخدام البحث العلمي والمكائد المنصوبة من وراء التمويلات المشبوهة الداعمة له. ومَن من العارفين لا يعلم في أيامنا هذه كيف يسهل الحصول على الدعم المالي السخي من لدن الجهات الغربية العديدة- ومن بينها مجلس الاتحاد الأوروبي، وصناديق الأحقيّة الشاملة فيه، والأموال المرصودة ضمن برامج التأهيل الاقتصادي- وذلك بمجرّد أن تَعرض مشروعاً للبحث العلمي، الفردي أو الجماعي، أو بمجرّد أن تعرض فكرةَ إقامة ندوة أو ملتقى، على أن يكون ما تعرضه متصلاً بدراسة لهجة من اللّهجات العربية، أو يكون متعلقاً بمدى تأثير استخدام اللهجة العامية في التوازن النفسي. وتتهاطل عليك التشجيعات لو اقترحتَ أن يكون موضوع البحث أثرَ أيّ لغة من اللغات في اللّغة العربية كاللغة التركية أو البربرية أو الفرنسية أو الإنجليزية. ولن تظفر بدانق واحد لو اعتزمتَ دراسة أثر اللّغة العربية في قاموس اللّغة الإسبانية أو قلت إني أعتزم البحث في الألفاظ المتداولة في اللّغات الأجنبية والتي هي ذات أصول عربية.



    ستحصل على أموال سخية إذا قلت إني في حاجة إلى تحسين مستوى الموظفين –في أي مؤسّسة من القطاع العام أو الخاص- وذلك في مدى حذقهم للغة الأجنبية، وسترى أعوان البعثات الأمريكية والبريطانية في المغرب العربي يتسابقون إليك إن أعلنت عزمك على الارتقاء بمستوى اللّغة الإنجليزية. ولن يصغي إليك أحد ولن يأتيك درهم لو عرضت مشروعات تعاونية تهدف إلى تطوير مستوى العاملين والموظفين في مدى حذقهم للغة العربية بوصفها أداة التفكير وأداة التواصل وأداة التسيير الجماعي. والحال أن الأداء اللغوي القومي هو مفتاح المفاتيح في كل تأهيل استثماري وفي كل أحقية اقتصادية بل وفي كل امتلاك لمهارات اللغات الأجنبية.

    في فرنسا الآن –ومنذ عام 1996- تنظيم تربوي فيه من الغرابة ما لا يترك شكّا في النوايا الحضارية المتوارية، وهذا تنظيم يخص تراتيب الباكالوريا التي هي شهادة الثانوية العامة. فمن بين المواد التي يتعين على كل مترشح أن يجتازها امتحانٌ في إحدى اللغات، وكانت اللغة العربية من بين اللّغات التي يمكن اختيارها كالإنجليزية والألمانية وغيرهما، وكثيراً ما كان أبناء الجالية العربية الذين تابعوا دراستهم على النظام الفرنسي يختارون اللغة العربية لاجتياز اختباراتها ضمن مواد الباكالوريا، وإذا بالتشريع الإداري الجديد قد أدخل اللهجات العربية ضمن اللغات التي يمكن اختيارها، بل أصبح أبناء الجالية العربية يجتازون بالتوازي اختباراً في اللغة الفصحى واختباراً في اللهجة بحسب ثلاث مجموعات إقليمية: المجموعة المغاربية والمجموعة المصرية والمجموعة الشامية. هكذا تسمّى النصوصُ الترتيبيّة دوائر الاختيار.

    ولكن الإمعان في التسللّ الثقافي لم يقف عند هذا الحدّ: فاختبارات اللّغة العربية الفصحى هي اختبارات شفويّة، والاختبارات في اللّهجة هي اختبارات كتابية، وهذا منتهى المكر الحضاري لأنه إصرار على إعطاء اللهجات "دستورا" نظامياً وإحلالها في النفوس محل الكيان الثقافي الكامل والمستقل. وتدفقت منذئذ المغريات وتهاطلت أموال الدعم حتى يتجند أهل الخبرة في ترتيب الأدوات التربوية المساعدة، وفي تصنيف الكتب المدرسية المُعينة على اجتياز اختبارات اللّهجات العربية... وما زال مسلسل فصم أبناء الجالية العربية عن مراضعهم الثقافية والحضاريّة متواصلاً.

    إن الخبراء العالميين هم أدرى الناس بأن الأداء اللغوي للفرد لا يمكن أن يرتقي ذهنيّاً بأي لغة أجنبيّة ما لم ينطلق من امتلاك تام للمهارة الأدائية بواسطة طريق اللغة القومية أي بواسطة اللغة التي يرتبط بها الاكتساب الأمومي وما يرافقه من شحن بالقيم الوجدانية والعاطفية والروحانية وحتى الأسطورية الميتولوجية أحياناً. وهذا مما يندرج ضمن الحقائق المعرفية على الإطلاق لا على وجه التقييد، وهو في مكاسب علم اللسانيات من صنف الحقائق اليقينيّة القاطعة لأنه في منزلة الكليّات التي تَصْدق على كل فرد آدمي، وفي كل عصر من العصور، ومع كل ثقافة من الثقافات، وانطلاقاً من أي لسان بين الألسنة البشرية الطبيعية.

    إن الصراع مكوّن أساسيّ في تاريخ البشر، وإن الحروب عامل جوهري من عوامل الأحداث المحددة لتواريخ الأمم والشعوب، ومن الفلاسفة فريق ذهبوا إلى القول بأن تاريخ الأمم هو تاريخ حروبها. ولكن الذي كثيراً ما يخفى على الإنسان هو أن الحروب اللغوية بين المجموعات البشرية ليست أقل ضراوة من الحروب العسكرية المكشوفة، وأن الصراعات اللغوية بين معاقل الثقافات قد تحتدم فتشعل فتائل حرب تجارية واقتصادية وعسكرية لأن اللّغة من خلال الثقافة والثقافة من خلال اللّغة هو الأمر الوحيد الذي به يتحقق الانتصار أو الانهزام فيركن في الزمن ويدوم في التاريخ حتى يستمر فإذا ثبتت وحالفته ظروف البقاء كان في نتائجه أقوى من أي انتصار عسكري إن كان انتصاراً، وأفظع من أي انهزام ميداني إذ لو أراد الإنسان أن يعيد كتابة تاريخ البشرية من خلال صراعاتها اللغوية لتمكّن من إنجاز قفزة نوعية في معايير التفسير، ولاستطاع تحقيق ثورة عميقة في مقاييس التأويل، ولعله قادر أن يرسي مرجعيات جديدة في استشراف حركة التاريخ على المنظور المستقبلي: قريب المدى منه، ومتوسطه، وبعيده. وهل نحتاج إلى استدلال مستفيض نبرهن به على مقاصد الثقافة الكونية حيال اللّغة العربية وما يبيّت لها عند فرسان التخطيط الاستراتيجي للأممية الزاحفة وللعولمة الضاغطة والحال أن تنافس العظماء الدوليين على كسب مراكز النفوذ وصراع الكبار على الإمساك بزمامات الكونية إنما يرتديان الثوب اللغوي في كل جولة من جولاتهما.
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #2
    إن الركن الثقافي- في الصراع الدولي الجديد- يبدو للنظرة العجلى أوهن الأركان إذا ما قيس إلى السياسي والاقتصادي والعسكري، ولكنه في التقدير المتبصر الوئيد هو أقواها لأنه أعمقها وأبقاها، حتى ولو جارينا الوهم وقلنا إن سلطة الثقافة أقل شأناً وأضعف إجراء وأبطأ إنجازاً من سلطة القرار ومن سلطة المال فإنه لا مناص لنا من التسليم بأن المجموع هو سلسلة. وفي منطق المنظومات يعلم الجميع بأن أقوى حلقات السلسلة هي أوهنها لأنها تفرض على سائر الحلقات أن تسير حسب خطوتها وإلا انفراط العقد.

    هي إذن الحرب الثقافية الشاملة، أو قل هي الحرب العالمية الثقافية، وهذا الجزم ليس توسلاً بالمجاز ولا هو اتكاء على خطاب متأدلج جديد. وهو بعيد قطعاً عن صيحات الاستنفار التي تأتي تدرّعاً من الخوف المتولد عن عقدة الاستنقاص الذاتي، وإنما هو ما هو لأن هذه الحرب الجديدة تعلن بنفسها عن نفسها أنها حرب، وتعلن بنفسها عن نفسها أنها ثقافية.

    وبنفس المنهج البانورامي بوسعنا أن نستشف كيف أن لهذه الحرب مقصداً محدداً، وكيف أن لها جسراً متحركاً: فأما المرمى فهو نسف الهوية، وأما المطية فهي تقويض اللغة. هنا – على وجه الدقة والتعيين- تنبثق في وضوح صارخ مجموعة من الحقائق الجديدة التي يتولد بعضها من بعض بفعل المجادلة الذاتية. أولاها أن الثقافة العربية تأتي في مقدمة الثقافات التي تستهدفها الحرب الجديدة، وهذا الاستهداف يتقنع – في مد وجزر بين الخلط الماكر والدس المفضوح- بستائر صراع القوميات، أو بأردية صراع المعتقدات. وثانيتها أن اللغة العربية الفصحى هي- في كل الاحتمالات ومع كل التقليبات –الرأس الذي يراد اجتثاثه بشكل قاطع لا رجعة فيه.



    إن السؤال المتعلق بمصير اللغة العربية ربما كان فيما مضى ومن خلال منعطفات زمنية وتاريخية مختلفة – ضرباً من الاحتشاد الوقائي. وقد كان بالفعل كذلك منذ بداية النهضة العربية الحديثة، واستمر على ما هو عليه عندما جثم الاستعمار، ثم تمكّن واشتد طيلة سنوات المقاومة والتحرير، ولكنه في هذا الزمن الجديد، ومع تفتق التاريخ عن الاستعمار الثقافي الجديد، قد غدا سؤالاً راهناً، ضاغطاً، حارقاً، لا يحتمل التأجيل، بل أضحى من أمهات الأسئلة لأنه بثقله الرمزي يقوم مقام أركان الصراع الكلاسيكية كلها: السياسي والحربي والاقتصادي والفكري.

    غير أن بين المسألة اللغوية فيما سلف وما هي عليه الآن فروقاً بالغة الدقة ولا سيما في ارتباط القضية بخلفياتها السياسية والحضارية. فمن قبل- في حقبة الاستعمار التقليدي وما تلاه من موجات التحرر والانعتاق- كان الخطاب السياسي الرسمي لدى السلطات الاستعمارية يتفصّى من مسؤولية العداء الثقافي ويتنصل تبعاً من كل المرامي الحضارية البعيدة، ويقدم نفسه على أنه حركة تمدينيّة ذات مقاصد إنسانية نبيلة، وهكذا كان الخطاب "الكولونيالي" خطاباً تبشيرياً يخاتل ليتستر على قناعات أصحابه بأفضليتهم الثقافية.

    أما الحقيقة الجديدة- ولا سيما بعد انقلاب "العالم الحر" على قيمه التي أسّسها منذ نهاية القرن الثامن عشر، وانتكاس مرجعياته التي كانت أعمدة لما أسماه بالمجتمع المدني- فتتمثل في تحول الخطاب الرسمي من خطاب يوازن بحذق سياسي بين المصرح به والمسكوت عنه إلى خطاب مجاهر، يعلن استعلاءه الحضاري، ويكاشف بتهجين الآخر، ولا يتردد في إبراز قناعاته التي تشرّع لأفضليته الثقافية بناء على دونية سائر الثقافات الإنسانية.

    إن المسكوت عند قد خرج إلى فضاء المصرح به، وإن اللغة واقعة في قلب الرحى ضمن الحرب الجديدة، حرب الاختراق الثقافي التي تحتكم إلى استراتيجية الاستهداف في كل أضرب الصراع على واجهاته الأربع. وبناء على ما سلف تبرز لنا اليوم الحقيقة الأجدّ: فعلى مدى الحقب التاريخية الثلاث: حقبة ما قبل الاستعمار، وحقبة الاستعمار، وحقبة ما بعد الاستعمار، كان العدو الكبير للغة العربية هو لغة المستعمر. أما الآن فإن العدو الأكبر لم يعد اللغة الأجنبية بقدر ما هو الثقافة الأجنبية إذا ما تسربت إلى القناعات الحميمة فأصبحت متحكمة في الآليات النفسية عبر التحكم في أدوات التفكير. إنه التسلل إلى كوامن الذات الفردية المؤدي إلى السيطرة على منافذ الذات الجماعية. إنه هو الاستلاب كما لم يستطع علماء الثقافة أن يسيّجوه ويحددوه: أن يصبح الفرد العربي ناطقاً باسم المرجعيات التي يريد الآخر أن نقوم نحن بمهمة ترويجها والإشادة بها. وكم من عربي حذق اللغة الأجنبية حذقاً عالياً وظل في قمة وعيه الحضاري الملتزم! وكم من عربي يتلكأ لسانه بلغة الآخر ويرطن بها رطناً وهو على غاية الوهم بأن سبيل الخلاص التاريخي يبدأ باستيراد الأنساق الذهنية ولو بأغلى الأثمان.

    كل الحروب أصبحت إذن ترتد إلى الحرب الثقافية، وكل الثقافة ترتدّ هي الأخرى إلى الوعي اللغوي اطراداً وعكساً. وفي هذا المنعطف الاستثنائي الذي يشهد على تشكل جديد للمنظومات الإنسانية لم يسبق له نظير في تاريخ الثقافات تجد المعرفة العلمية المتصلة بالظواهر اللغوية مسوّغها الأكبر. فهناك جملة من الحقائق أبرزها العلم اللساني، واعتمدها بشكل كلي، وأهله كانوا واعين بأنها ليست اكتشافات بالمعنى الحقيقي، بل إن بعضها يعد من البديهيات، ولكن الحدث الجديد تمثل في إجلاء أمرها وتبويئها منزلة المفاتيح الإجرائية الناجعة.

    من تلك الحقائق التي غدت كالمسلمات المنطقية أو كالمصادرات الرياضية أن اللغة الطبيعية- من حيث إنها تتجسم في ألسنة قومية- تحيا وتدوم وتبقى بفضل التوارث الثقافي. وهو ما يتضمن النفي القطعي لمبدأ الوراثة الطبيعية في الظواهر اللغوية لأن أي مولود إذا نقلته في سنواته الأولى من بيئته الاجتماعية وأسلمته إلى بيئة أخرى فإنه ينشأ على اللغة التي يتداولها من حلّ بينهم كما لو أنها لغة أمه وأبيه، فأمر اللغة مشدود بالكلية إلى قانون الاكتساب الذي هو ركن متين من أركان النسق الثقافي بكل نواميسه المجردة، ولكل آلياته الإنجازية الفاعلية.

    ومن الحقائق العلمية التي لها أن تتألق الآن في ضوء الشطرنج الكوني الجديد الحقيقة التي تصف الرابطة المعقدة القائمة بين اللغة والفرد والجماعة، ومدارها أن اللغة سابقة للفرد، باقية بعده، لا تحيا إلا بتداول الأفراد لها، ولكنها تموت وتنقرض إذا ما أعرض الأفراد عن تداولها. من هنا ينفتح باب كبير لدراسة أبعاد هذه العلاقة الجدلية حين يتناولها علم اللغة الاجتماعي من زاوية الهرم المجتمعي وكيف تنتظم الصلة بين قمة الهرم فيه وهي سلطة القرار وقاعدته وهي جموع الجماهير.

    وهكذا تتأسس سلسلة من المسلمات: فاللغة "تشتغل" بفضل عقد ضمني بين الأفراد، وهو عقد ضمني بالضرورة، لأن مجرد التداول بشأنه يجعل اللغة تتحول من وظيفتها الطبيعية وهي الحديث عن الكون والوجود والعلم إلى الحديث عن نفسها، واللغة هي الأنموذج الأقصى الذي يجسم بالإطلاق مفهوم الملكية المشاعة، ولو أن أحداً أراد أن يضيف إلى اللغة شيئاً- في مفرداتها أو في مجازاتها أو في صيغها وتراكيبها- فإما أن يرفضه الاستعمال فيذهب هدراً وإما أن يتقبله فيكون ذلك بمثابة التخلي الواعي عن الملكية الفردية وإسهام طوعي في كنوز الثروة الجماعية على الشياع.

    ثم إن اللغة هي التي تحوّل الإفراد من جماعة بشرية إلى مجموعة ثقافية، وهذا على وجه التمحيص يعني أن الرابطة اللغوية أقوى من الرابطة السياسية، لأن الجماعة البشرية إذا ترابطت سياسياً كونت مجموعة وطنية، وهذا لا يقتضي بالضرورة أن يكون التجانس الثقافي قد قام فعلاً بين أفراد المجموعة بمجرد الانضواء تحت الرابطة السياسية الواحدة، والتاريخ – القديم منه والمعاصر والحديث- مليء بالشواهد الدالة. ويكفي أن نتبين كيف انفلقت كيانات سياسية كان يظن أنها التحمت بمجرد انصهارها في سياج الدولة السياسية. ولكن سلطة الثقافة كانت أقوى فتطايرت المنظومة إلى دول ثقافية شأن ما حصل في يوغسلافيا وفي تشيكوسلوفاكيا وفي ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي. أما الشاهد المضاد الذي يبرهن على أن السياسة والاقتصاد والإيديولوجيا هي جميعاً أضعف من الثقافة المتجانسة ومن اللغة المشتركة ومن التراث الفكري الواحد فهو توحد ألمانيا يوم سقط جدار برلين.

    إن مصير اللغة العربية يتراءى من خلال الأخطار التي تهددها بشكل حاسم، وأولها هو ذاك الخطر الثقافي وكما رأيناه وكما جلونا صورته. والخطر الثاني هو اللغة الأجنبية عندما يرافقها لدى التلميذ في مراحل التعليم العام الشعور بأنها هي القادرة على حمل أعباء المعرفة العلمية، وبأن اللغة العربية تظل قاصرة عن أداء تلك الوظيفة، وهذا الإحساس كثيراً ما يزدوج ويظل ازدواجية مغموراً في منطقة اللاوعي، فهو في واجهته الأمامية يخصّ جدول الألفاظ بحكم الوهم المتصل بافتقار العربية للمصطلحات القادرة على أداء الدلالات الفنيّة الدقيقة، وهو في الواجهة الخلفية يولّد الوهم بأن اللغة العربية تعجز عن صياغة الخطاب العلمي الكفيل بمضاهاة الخطاب المسوغ باللغات الأجنبية سواء في وظيفته الأدائيّة أو في وظيفته الإقناعيّة.

    ويأتي الخطر الثالث وهو مما جرت العادة بأن يسكت الناس عليه، ويتمثل في الخطاب التداولي الذي يقع استعماله داخل الفصول –أو الأقسام- في مراحل التعليم العام. فمما لا شك فيه، رغم افتقارنا إلى دراسات ميدانية شاملة للوطن العربي، أن العربية الفصحى تخالطها داخل الفصول اللهجة العامية التي يتداولها أهل ذلك البلد أو يتداولها أهل المعلم إن كان يعمل خارج بلده، وهذه الظاهرة ما انفكت تشيع وتنتشر وتكاد أن تستشري بين قطر عربي وآخر. ولا يعنينا هنا التنقيب عن أسباب الظاهرة من ضعف تكوين المربيّن، أو من الغربة التامة بين الأطفال والتداول الفصيح، أو من نزعة المجهود الأدنى عند المعلمين وعند المتلقين. وإنما الذي يعنينا هو إيقاظ الوعي بخطرها.

    أما الخطر الرابع فواقع بين المستويين من التداول اللغوي داخل المؤسسّة التعليمية، ويتمثل في استعمال العربية الفصحى ولكن بعد نزع حركات الإعراب من أواخر كل كلماتها، وهو ما يفضي إلى تعرية الفصحى من غطائها النحويّ وإخراجها من سياقها الأدائيّ الفصيح لإلحاقها تدريجياً بنظام إبلاغي مغاير تماماً لطبيعتها الأولى. وجسامة الخطر كامنة في التكتم على هذه الظاهرة سواء بين المعنيّين بشؤون التعليم والتربية أو بين المهتمين بالدرس والبحث وتشخيص الظواهر اللغوية. فكيف لا ننتبه إلى غياب الوعي اللغوي عندما نتناول الشأن الثقافي: نتمثل الإبداع ثم نتداول الحديث عنه باللهجة العامية، والحال أنه في أرقى منازل الإفصاح، والمتحدّث عنه كالذين يتحدث إليهم من أقدر الناس على استيعاب الأداء اللغوي القديم.

    يرسم الفنان لوحاته، ويعرضها، ولكن الناس يتجادلون حولها ويجادلون مبدعها فيها، ويدور ذلك على منصات الإعلام المسموع والمرئي ولا أحد يحس بالتناقض الصارخ بين إبداع الفن و"لا إبداع" اللغة. فكلّ على شاكلته في الرطانة واللغط. ويناقش المثقفون شؤون المسرح وشؤون الشعر وطبيعة القصائد فينزلون إلى الحوار الماحي لمراسم الإبداع ولا يعون ولا يشتكون، بل يحتفلون بما يقولون على مصادح المذياع وبين تجهيزات التلفزيون.

    ذلك هو تلهيج الثقافة، يبدأ من الخطاب المسوّى على الفن وينتهي بخطابنا الذي نتحدث به عن هموم الثقافة ذاتها على المنابر وفوق منصّات النوادي والملتقيات، بل والمؤتمرات وأعظمْ بها من مفارقة: ما أن نغادر مراسم المكتوب والمقروء حتى تستهوينا قوانين المجهود الأدنى فكأن العربية أمّ لا تفصح عن نفسها بقدر ما تفصح عنها بناتها. إنه الخطر الذاتي يأتي مضافراً للخطر الموضوعيّ، وإنها لحالة من الانفصام: فالخطاب الثقافي محمول على نظام لغوي، بينما الخطاب الواصف للثقافة أو الناقد للإبداع محمول على نظام آخر مغاير له. نستقبل الثقافة الفصحى ثم نعمل على تلهيجها بوعي أو بدون وعي حتى لنكاد نعزل العربية عن السياق التداولي الحيّ.

    ربما يكون الخطر التاريخي آتيا من أهل القرار الإجرائي في مجتمعنا العربي عندما لا يولون المسألة اللغوية حجمها الحضاري التي هي متسعة له، قادرة عليه، موكّله به. وعندما يغفلون عن أن بقاءهم وبقاء رعاياهم متوقفان على بقاء هويتهم، وأن بقاء هويتهم مرصود ببقاء لغتهم القومية الجامعة. ولكن الخطر الأدهى هو أن المثقف العربي ما انفك في كثير من الأحاديين يتحوّل إلى متواطئ على الثقافة بل على الهوية الثقافية التي بها قوام وجوده الحضاري وعليها مدار صيرورته التاريخية.

    إن المثقف الذي يدير شأنه الفكري والأدبي والإبداعي بلغته القومية وهو يخط ويكتب ويدوّن وينشر ويساجل ثم إذا حاور أو ارتجل أو تحدث عبر أمواج الأثير أو على شاشات المرايا توسل باللّهجة لهو مثقف متواطئ على ذاته الثقافية، ولا يعنيك منه ما قد يبدو عليه من نزعة المجهود الأدنى انسياقاً مع الكسل الذهني أو اتقاء لركوب المحاذير. إنه يحيك المشهد الأوّل من تراجيدية الانتحار اللغوي.

    فيما مضى كانت اللغات الأجنبيّة عدوّا إيديولوجيا يوم كان الصراع الحضاري معتمداً على الاكتساح العسكري وكانت المذهبيات رأس الحربة في المعركة. أما اليوم –في صراع الكونية الثقافية المحتمية بعباءة الأممية السياسية والعولمة الاقتصادية- فإن اللهجات المهِدّدة لبقاء اللغة القومية الفصحى هي العدو الثقافي الشرس لأنها تنتصب حليفاً موضوعياً للكونية الغازية، ولأنها بين أيدي فرسان العولمة وسدنة الأممية ومهرة التدويل حليف استراتيجي ليس كمثله حليف.

    تعليق

    • مصطفى شعبان
      عضو نشيط
      • Feb 2016
      • 12782

      #3
      بل لنقل غير متوجسين ولا مهادنين: إن اللغات الأجنبية قد كانت فعلاً عدواً تاريخياً، وستظل فعلاً عدواً تاريخياً، ولكننا مدعووّن اليوم إلى أن نتخذها حليفا استراتيجياً بعيد المدى فنستنبط معها عقد شراكة بكل فوائضه القيمية المربحة. أما اللهجات – لا كأداة تعبير حيّ تلقائيّ وإنما كوسيط ثقافي وكناقل للمنتج الفكري والإبداعي عند التواصل والمشافهة- فإنها شقيق طبيعي يتحوّل على أيدينا إلى عدو إيديولوجي بكل قيمه السلبية الناسفة.

      إن اللغة العربية بما هي حالم للهوية الثقافية وضامن لسيرورة الذات الحضارية لا يتهددها شيء مثلما يتهددها صمت المثقف وهو ينظر إلى الزحف اللّهجي يكتسح مجالاتها الحيوية ولا سيما في الإبداع الثقافي وفي الحديث عن كل شأن ثقافي مهما تقلصت أبعاده أو انكمشت أحجامه أو ضؤلت أوزانه. وليس من حظ للعرب في أن يواجهوا مخاطر الكونية الزاحفة المستشرية إلا بجبهة داخلية متينة تستمد قوتها من حرية فكرية تبني ولا تخرّب، وتشيّد متانتها على أساس التماسك اللغوي، المطرد في أنساقه، والمنسجم بين أطرافه، فالثقافة معرفة وفن، والعرب الآن يفصّحون المعرفة ما وسعهم الإفصاح ولكنهم يلهّجون الفن إلا من رحم ربنا، وفي هذا كله يكمن نذير الانفصام.

      لقد اتفق العرب جميعاً- في خطتهم الشاملة للثقافة العربية كما هيأتها منظمة الألكسو- على أن "التفريط في اللسان القومي تفريط في الهوية وكسر لهيكل تماسك المجتمع ووحدته". واتفقوا على أن وسائل الإعلام مع الإنتاج الفني كثيراً ما تدعم اللهجة العامية على حساب اللغة العربية الفصيحة، كما لاحظوا أن "القوى الأجنبية تشجع العامية دراسة ودعماً وتؤكد صعوبة العربية السليمة. وثمة دعوات تدعو لترك اللغة الفصيحة والكتابة، والتعليم بالعامية وهي دعوات مشبوهة لا يراد بها وجه العلم ولا خير العروبة". ثم إنهم لاحظوا كيف "أوجدت وسائل الإعلام والكتب والمؤتمرات المشتركة ووسائل الاتصال المختلفة والأغاني والأفلام، وما تزال توجد في الواقع، لهجة عامة مشتركة يتزايد قربها من اللغة المكتوبة لدى الطبقة المثقفة، وهذا الأمر يفتح الباب للتوحيد اللغوي التدريجي بين أبناء الأمة الواحدة. على أن الموقف يصبح حاسماً ومرفوضاً نهائياً إن حاولت أي لهجة من اللهجات الانتقال من مستوى اللهجة المحكية إلى مستوى التقعيد والتنظير، لتصبح لغة إقليمية مكتوبة، ولساناً منفصلاً تصطنع له القواعد النحوية والمعجمية اصطناعاً".

      إن معركة اللغة العربية الآن –من أجل البقاء التداولي- تجري على مساحات ثلاث متوالجة شبيهة بثلاث دوائر مرسومة تتقاطع في جزء منها بحيث تنشأ بين كل دائرتين منطقة مشتركة ثم تنشأ بين الثلاث جميعها منطقة فريدة مشتركة ستكون لها الخصوصية الكبرى.

      فالدّائرة الأولى هي دائرة الثقافة من حيث هي خلاصة الفكر وعصارة الفن، وفضاء كلّ إبداع: سواء أجاءت به العبقرية الفردية، أم جاءت به التنشئة الجماعية، أم كان ثمرة زواج بين الموهبة الوراثية والترويض الاجتماعي بما فيه من تعليم واقتصاد وسياسة. ورأينا ثنائية الحضور والغياب في هذه الدائرة: كيف يحضر الوعي العربي كلما تعلق الخطاب الثقافي بالمكتوب المقروء سواء كان خطاباً منتجاً للمادة الثقافية أو كان خطاباً متحدثاً عن تلك المادة المنتجة، وكيف يغيب الوعي اللغوي كلما تحوّل الأمر إلى تواصل شفاهي وتداول تلقائي، حتى بين المتخصصين الفصحاء المهرة، والحال أن اللحظة الثانية هي الأوقع في النفوس، وهي الأعمق في التأثير ثم هي الأقوى في الأحقية الاستراتيجية ذات المدى البعيد.

      والدائرة الثانية هي دائرة الإعلام، وما من شك في أن التطوّر العملاق الذي عرفته وسائل الاتصال قد دفع التواصل الإعلامي –عبر الأجهزة المسموعة التي تصوغها الإذاعات وعبر الأجهزة المسموعة المرئية التي تبثها التلفزات الأرضية والتلفزات الفضائية –إلى أن يتحوّل إلى مدرسة كبرى تسوّق المعلومة وتروّج الثقافة ولكنها تلقن أيضاً ملكات اللغة، فبأيّ لسان كثفت التواصل الإعلامي حصلت منه على فائض أدائي لدى الجمهور، وعلى مردود متنام في المهارات التعبيرية، وعلى درجة أرقى في طاقة الاستيعاب وملكة الاكتساب. ولئن وفقت بعض الأجهزة الإعلامية العربية إلى الالتزام الشريف باللغة القومية وإلى الرعاية النبيلة لمعيار السلامة ومرجعيّات الفصاحة فإن الوعي كثيراً ما يغيب فتتسلط نزعة المجهود الأدنى، ويعمّ الاستسلام إلى الكسل الفكري وخاصة فيما يسمّى ببرامج "التنشيط" الإذاعي أو التلفزي، أو ما يسمّى بالنقل المباشر، وقد استشرت عاهة "التليهج" حتى إن بعض الفضائيات أصبحت تسوق الأخبار باللغة الفصحى ثم إذا اتصلت على الهواء بمبعوثيها لتأمين النقل المباشر توسلوا باللهجة العامية فتراهم يبذلون من الجهد في سبيل "التلهيج" أكثر مما يبذلونه لو واصلوا نشرة أخبارهم باللغة القومية، والسبب هو تهيّؤ المفاهيم والمصطلحات والعبارات المكرّسة في انصياعها باللغة الفصحى أكثر من تهيؤ العامية لها.

      ومن أكثر السياقات فضحاً لغياب الوعي اللغوي وانسياقاً لغريزة المجهود الذهني الأدنى، وتفويتاً لمنبر تعليمي لغوي نافذ، البرامج الرياضية في الأجهزة الإعلامية، وكم كان من المتيسر أن تتحول تلك الحصص إلى مدرسة للأداء اللغوي الفصيح لتوفرها على السبب الأعظم وهو غزارة اعتناء السامعين والمشاهدين بها وقوة حماسهم في متابعتها، خاصة والشرائح الأكثر اهتماماً بها هم في سنّ تسمح بالاكتساب اللغوي النشيط. ومن يغفل عن نفاذ آلة اللغة كلما كان تلقينها غير مقصود لذاته علناً، وكلما سيق تعليمها من خلال التداول الذي لا يكشف عن غرضه التلقيني فيها؟.

      آلم تر كيف ينقل الآخرون على شبكاتهم الإذاعية وعلى فضائياتهم التلفزيونية مبارياتهم، في كرة القدم أو كرة المضرب أو في ميدان المصارعة وعلى حلبات الملاكمة، وكيف ينطق الواحد منهم مستخدماً لغته الفرنسية أو الإنجليزية على درجة من السلامة والفصاحة بحيث يمكنك أن تحوّلها مباشرة إلى نص مكتوب ينشر على أعمدة الصحف بصياغته الحرفية وبدون أي تنقيح. ثم ألم تر أنه وهو يفعل ذلك لا يستشعر أي غضاضة تأتي من السامعين عليه ولا أي فجاجة يأتي هو بها على السامعين؟.

      أما الدائرة الثالثة فهي الساحة التكوينية التي تتداول الأنظمة العربية حولها مصطلحين: التعليم، وبه تسمّى الوزارات أحياناً. والتربية، وبها أيضاً يقترن اسم الوزارة في بعض الأقطار الأخرى. هي إذن المدرسة بكل مستوياتها ومراتبها من رياض الأطفال إلى أرقى المراكز الجامعية والمؤسسات الأكاديمية. وما لم يواجه المثقف مسؤوليته التاريخية القصوى ليعلن جهاراً بأن المربي أو المعلم أو المدرس أو المحاضر أو كبير الأساتذة ما إن يعمد إلى تعرية لغته من بنائها النحوي الكامل وما إن يجنح إلى اللهجة العامية متوسلاً بها لشرح أو تحليل أو استنباط حتى ينخرط في مشروع تفتيت أمّ المرجعيات وهي اللّغة القومية التي عليها مدار كل هويّة حضارية.

      هكذا نفهم كل السياقات التي تتنزل فيها مسألة التداول الأدائي باللّغة العربية الفصحى، ذاك الذي يصطلح عليه المصلحون بفن المشافهة. فالمتحدث باللّغة العربية –مشافهة حينما لا يستنجد بالوثيقة المكتوبة، وارتجالا عندما لا يكون سارداً لكلام جاهز يَسْتعين على معاودته بالاستذكار بعد أن يكون قد حفظه كليّاً أو جزئيّاً- لهو المدرك لتلك اللحظة التي تتراكب فيها وظيفة الوعي بتسلسل الكلمات ووظيفة الوعي بأوضاعها الإعرابية، وبديهيٌّ أننا في ضربنا لهذا المَثل نفترض أنّ الناطق بالعربية ملتزمٌ بالإفصاحِ عن كلّ الحركات بما فيها علاماتُ الإعراب، في غير انسياق إلى جوازاتِ الوقف على السّكون بين مفاصل الكلام. عندئذ نُحسّ بأنّ تَناضداً يقوم بين ملكات الإدراك فتتواكبُ الذهنيّة وينجلي أمرُها كلما حافظ المتكلم على نسقٍ من التواتر الأدائي لا تشوبه وقفاتُ الصَّمت الطارئة، التي ليس من ورائها دلالة إيحائيّة بالقصد، إنما تُعزى إلى افتقاد النَّسق بين الكفاءات الإدراكية لدى الإنسان.

      إن علم اللسانيات يقف اليوم في منعطف حاسم إذ يمرّ بلحظة معرفيّة حَرجة، ذلك أنه يبحث عن أنموذج من الألسنة الطبيعيّة يُمدّه بما لا تستطيع اللغات العالميّة السائدة الآن أن تمدّه به على الوجه الأكمل. وإننا لعلى يقين جازم بأن اللغة العربية مؤهّلة تمام التأهيل للاضطلاع بهذه المهمّة العلميّة الدقيقة: فهي أوّلاً وقبل كل شيء لغة إعرابيّة، ومن المعلوم أن تاريخ الألسنة الطبيعية قد جنح بالعديد منها إلى أن تتحوّل من لغات تَعتمد الإعراب – أي تَغَيّيرَ أواخر كلماتها بحسب مواقعها في سلسلة الكلام وبحسب ما يَنْجم عن وظائفها النحويّة- إلى لغات قد تخلصت من ظاهرة الإعراب، وهو ما يسمّى في المفاهيم العلمية الدقيقة بالانتقال من خانة اللغات التأليفيّة إلى خانة اللغات التحليليّة. وأهمّ لغة إنسانية مرّت بهذا التحوّل هي اللغة اللاتينيّة التي انسلخت منها لغات غير إعرابية كالفرنسيّة والإيطاليّة والإسبانيّة.

      والسبب الثاني هو أن اللغة العربية لغة اشتقاقية لأنها تعتمد الحركة الذاتية في توليد الألفاظ بعضها من بعض، وهو أنموذج متميّز تماماً من أنموذج اللغات الغربية المشهورة والسائدة كالإنجليزية والفرنسية فكلتاهما من اللغات المسمّاة بالانضمامية تماماً كاللغة الألمانية التي تذهب بهذه الظاهرة إلى أقصاها إذ تتشكل الكلمات عند توليدها بواسطة الخصيصة الالتصاقية المتتابعة. وتتأتى ميزة اللغة العربية هذه بحكم أنها تجمع السّمة الاشتقاقية مع السمّة الإعرابية مما لم يجتمع على سبيل المثال في اللغة اللاتينية.

      والدعامة الثالثة تتمثل في أن العربية هي من أقدم اللغات التي حافظت على بنيتها التاريخية التامة، واللغة العربية مشهود لها –بتحقيق المؤرخين- أنها منذ مطلع القرن الخمس للميلاد قد استوفت منظومتها النحوية التي جاءتنا عليها، بل واستقامت لغة توثيقيّة تُدوّنُ بالخطّ كما دلّ على ذلك شواهد القبور التي تم اكتشافها. وللعربية منزلة تاريخيّة خاصّة بين منازل اللغات السّاميّة بحكم عواملَ موضوعيّة تظافرت على إجلائها منذ كان أوّلُ ذِكْرٍ للعرب في أمّهات التاريخ، ويعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد.

      والسنّد الرابع هو أن اللغة العربية قد وصلتنا معزَّزَة بعلوم غزيرة طوّقت بها فألّمت بمنتهى أسرارها وكانت من ضروب العلم الخالص الذي قد استوفى اشراط المنهج الموضوعي الشامل. فعلوم العربية كما صاغها أعلامها قد أدّت الاستقراءَ حقه بالجمع فالوصف فالترتيب، وأعطت الاستنباط واجبَه من قياس وتجريد وصوغ للقوانين المطّردة، ثم أسلمت أمرها للانتظام النسقي فأوفته حقَّ التحليل وحقّ التفسير ثم حق التعليل، فكان أن انبثق من كل ذلك منظومة صورية هي أقرب إلى المعمار المنطقي المتماسك.

      ثم إن اللغة العربية هي لغة حيّة متداولة سواء في مجال المؤسسة التربوية أو الإعلامية أو ضمن دوائر المؤسسات الرسمية، وليس شيء من ثمار الفكر والعلم والثقافة إلا هو مصوغ بها، فضلاً عن أنها اللغة الرسمية المعترف بها ضمن مؤسسات العمل الدولي والأممي.

      من كل هذه الجوانب تمثل اللغة العربية شيئا ثميناً بين أيدي العلوم الإنسانية ولا سيما العاكف منها على استكشافات الحقائق الإدراكية الجديدة من خلال أرقى النماذج اللغوية وأكثرها غزارة واستكمالاً وتجريداً. ولسنا بمجازفين لو زعمنا أن أكبر فريضة تقع على عاتق أبناء لغة الضاد من هنا فصاعداً إنما هي استثمار تجربة الإنسان العربي مع لغته في أتمّ أشراط الإفصاح بها كي نقدّم للمعرفة الإنسانية زاداً سخيّا يكون الأنموذج الأوفى للّسانيات الإدراكية التي تجمع اليوم بين عدد من الحقول المعرفية فتضم الفلاسفة والحاسوبيين وعلماء النفس واللّغويين والبيولوجييّن وخبراءَ الأعصاب. وتسلل بينهم كلُّ الذين يَحترفون صناعة الخطاب الإعلامي، واشتد مع ذلك فضول السياسيين بعد أن أيقنوا بأن اللغة سلاح جبّار في السيطرة على الآخرين.

      أما ما يشدنا بشكل خاص فهو عكوف اللغويّين على إعادة طرح الأسئلة حول كيفيّة اشتغال اللغة، وحول كيفية اشتغال الفكر عند تعامله مع اللغة، وذلك من خلال مقارنة العقل البشري بالعقل الآلي. والسؤال المطروح علينا ونحن على عتبة هذا العلم الجديد: كيف السبيل إلى انخراطنا –نحن العرب- في ميثاق المعرفة آخذين في الحسبان العلاقة الاستثنائية القائمة بيننا وبين اللغة عامة ولغتنا العربية تخصيصاً؟

      إن بين العربي ولغته من الروابط ما ليس بين الأمم الأخرى وألسنتهم القوميّة: إن بين العربيّ ولغته من التّوتّر ومن المجاذبة ما لا نقف على جنيس له في الثقافات الإنسانيّة الشائعة، والسبب –كما يتراءى لنا في ضرب من الاستشعار الذي لا ينافي تيقظَ المنهج- أنّ أبناء الأمم الأخرى تقوم بين الواحد منهم ولغته في كل لحظة علاقة مزدوجة: هي ثنائيّة في مرجعيّتها الزمنيّة، متميّزةٌ في الإحالة على كِلا البُعدين من الزمن.

      إننا حيثما حللنا بين الناس وجدنا الواحد منهم يتحدّث عن لغته بما هي لغتُه الآنَ، وقد ينتقل إلى الحديث عنها بما هي لغتُه كما كانت في زمن مضى منذ قرن أو منذ قرون، وهو في كلتا الحالين واع تماماً أن الزمن قد أقام بينه وبين لغته القوميّة رابطتين اثنتين: رابطة تاريخيّة ماضية، وأخرى راهنة حاضرة، وهو يعيش في هذه التي هي الحاضرةُ ولكنه لا ينكر تلك التي هي الماضية، وإما يعرف أنها قد فارفته لأنها فارقت حاجاته، فهو يُجلّها ويُكْرم أهلها ولكنه على يقين بأنه لا يلتقي بها إلا لقاءَ الدّرس أو لقاء لحظةِ الإبداع الاستثنائي، وهو في كلّ الأحوال لا يَخْلط بين النّمطين حتى وإن استعصى عليه إفهامُنا كيف تنفصل هذه عن تلك.

      تعليق

      • مصطفى شعبان
        عضو نشيط
        • Feb 2016
        • 12782

        #4
        أمّا العربيّ فمهما تباعدتْ مسافة ما بين درجة الفصاحة التي هو عليها قادرٌ ودرجة البيان الذي يأتي عليه كلام المتكلمين أو تأليف المؤلفين فإنه لا يستشعر أيَّ انفصام زمنيّ يَحُول بينه وبين اندراجه ضمن دائرة التاريخ، أو يحول بين التاريخ وبين الحلول في صميم وعيه الذاتيّ: إنه في كلتا الحالين يتعامل مع اللغة من منطلق التّسليم بأنه في لحظته الراهنة ينتمي إلى هذه وإلى تلك، وأنهما معاً تنتميان إليه، هذه هي منه وإليه وإن لم يقدر على صِنْوها، وتلك هي أداته التي تثبت له أنه ينتمي إلى التي لا يَقدر على أن يأتي بمثلها انتماءه إلى التي يأتيها وتأتيه.

        إنّ أيّ مستوىً من مستويات الأداء اللغويّ هو في وعي العربيّ مستوىً واردٌ ومحتمَل ومقبول في هذه اللحظة التي هو فيها من الزمن التاريخي. فإن كان مستوىً طيعاً يسيراً هيّ‍ناً فهو من بعض تلك اللغة التي قَصّ بها علينا عُمر بن أبي ربيعة محاوراتِه. وإن هو جاء على أداءٍ صَلْدٍ جَموح عنيد فلا ضرورةَ أن نَنْسبه إلى أبي الفرج الأصفهاني ولا إلى أبي حامد الغزاليّ ولا إلى القاضي عبد الجبار.

        الأمران سيّان: أن تقول هذا من لغة طه حسين، أو هذا من لغة الرافعيّ، أو أن تقول هذا من لغة ابن عربيّ يجيء به محمود المسعدي، أو هو لغة النِّقَّريّ يأتي به جمال الغيطانيّ، فالزمن التاريخيّ في كل الحالات غائبٌ أو مُنحجب، وإنما يَنُوبه الزمنُ الحضاريّ الذي يُرتّب اللغة مراتب من الفصاحة ليس لأيّ مرتبة منها فضلٌ على سائر المراتب من حيث مشروعيّة الحضور معنا: إذا كتبتَ بنسق من الأداء تَنْحته نحتاً على مناويل الذاكرة اللغويّة لم تكن مغترباً في الزمن، لأنك لم تَرْحل إلى التاريخ، ولم تسافر إلى الماضي شأنَ من قال عنه القائل: هذا من كلام شكسبير وذاك من كلام رَبْلاَيْ، وإنما أنت هنا واقف على نقطة الزمن الحاضر تستدعي التاريخ إليك، لأن اللغة المنحوتة التي توحي بأنها لغة القرن الثاني أو الخامس من قرون الهجرة هي لغتُك أنتَ ابن القرنِ الخامسَ عشرَ.

        إن الآخرين عندما يَنْسبون كلام الحاضر إلى التاريخ يدركون أن القائل والمقولَ إليه لا ينتميان إلى نمط الأداء اللغويّ المتحدَّثِ عنه إلا بقدر انتماء الزمن الحاضر سُلاليّا إلى الزمن الذي مضى، فالإنجليزي والفرنسي يدركان أنهما يحتكمان الآن إلى سُلّم من الفصاحة يختلف عن سلّم الفصاحة الذي كان للغتيهما منذ بضعة قرون.

        إن الأداء اللغوي عند الآخرين هو إما مُفارِق وإما مُحايث: هو محايث إذا ما بَنَى الواحد من هؤلاء خطابه على آليّات التّداول المَعيش، واقتفى آثارَ التّواصل التي بها يتمّ التراسل، والإعلام ، وفضاء الأوطار، والتعليم، كما تتمّ بها كتابة الرّواية والنصّ المسرحيّ ونصوص السينما وكلام الأغاني. وهو مُفارق حيثما نَبَا السامع نَبْوَةً فأشرقت ملامحه غبطة وتلذذاً، أو كَزَّ خاطرُه كزّا فتجافت عن الكلام مسامعه. هو مفارِق كلّما أيقظ الكلامُ مسامعَه بأنه كلام ليس ككلامه، أو بأنه كلام مستلٌّ من الذاكرة في مَناويله اللفظيّة والتركيبيّة.

        أما العربيّ –سواءٌ أقَصدنا به المتكلّمَ أم السامع أم الباحث في اللغة والكاشف عن أسرارها –فإن العربيّة لديه دوماً لغة مُحايثة: تتفاوت منازل الكيف فيها وتتمايز في الأنواع، ولكنّ الزمن معها تُلغَى مسافاتُه بالمُراهنة التلقائيّة، فالوعي بالانتماء يتحوّل في كل لحظة إلى طاقة كفيلة بإنجاز "التحّيين"، فهو قادر على تحقيق الحُلول: حلولِ الذات في سياق اللغة وحلولِ اللغة في وعي الذات.

        كذا تَرى التاريخ والحاضر منصهريْن: ليسا تاريخاً وحاضراً، وإنما هما "التاريخُ الحاضرُ". وهما كذلك "الحاضر التاريخيّ". واللغة هي الشاهد على الانصهار، لأنها هي المُحوِّل الكيمياويّ للزمن تَنْقله من زمن فيزيائيّ إلى زمن حضاريّ حتى لكأنك تقول إن المسافة بين تاريخ لغويّ وحاضر لغوي تكاد تنعدم، والانصهار بين كلّ مراتب الأداء اللغويّ هو كانصهار هباءة الهيدروجين مع ذرّة الأكسجين: تبددتْ هُويّة كليتهما فحَلّت محلّها هُوية جديدة شاملة.

        في هذا المضمار يتعيّن اعتبار الأداء اللغوي - ولا سيما في ثوبه الحينيّ المرتجَل على البديهة والذي يساق بعفو الخاطر بما ينتج فن المشافهة - درجة راقية من تجليات الملكة اللغوية والذهنية، لأن الإفصاح في هذه اللحظة ينقلب إلى كاشفين: كاشف عن طواعية الإبلاغ وانصياع الرسالة الشفافة، وكاشف عن نموّ إدراكيّ يَتّخذ فيه العقلُ الواعي مَرصَداً حيال العقل اللغويّ الباطن، فتنساب الشواهد. على أن الفرد الآدمي وهو يتكلم إنما هو يعقل ما ينطق به. والثمرة الإيبستيميّة الفضلى هنا هي أن إنتاج الدلالة الكليّة عبر صياغة المعنى المتتالي بين المفردات سيكون أكثر إلزاماً لصاحبه، لأن البرهان على قصدّيته فيه أمتن وأجلى. والسبب الثاوي وراء ما نقول هو أن الملكة الأدائيّة لا تأتي كلياًَ على الوعي النحوي عند الإنجاز: فالنحو هنا ارتياض ذهني متجدد في تحقيق المهارة الأدائيّة كما في إحكام الصناعة عند الكلام.

        فإن نحن أدركنا هذه الخفايا من اللغة الإعرابية التي نعرف الآن نموذجها الأرقى تكشّفت لنا الأسباب الذاتية التي تجعل بعض الناس يتظلمون من "صعوبة" اللغة العربية، متعللين – كما سبق أن أشرنا إليه- بأنهم مضطرون إلى أن يفهموها كي يقرؤوها، بينما الناس من الأمم الأخرى يقرؤون لغاتهم كي يفهموها، ومصدر هذا الظن الواهم من ضربين: الأول أنّ قائله غير واع بأن العربية الفصحى بالنسبة إلى كل عربي في أيامنا هي لغة مكتسبة بالتعلم وليست لغة مكتسبة بالأمومة، ولذلك فالحكم الذي يصدره –سواء أصحّ أم لم يصحّ- هو حكم على آليات الاكتساب من تعلم وتربية وتلقين أكثر مما هو حكم على نظام اللغة، والثاني أن ما يقوله لا يمكن أن يكون حكماً على اللغة العربية وإنما هو في أقرب الاحتمالات حكم على نظام تمثيلها الخطيّ، أي كتابتها، بل حتى في هذا الاحتمال لن يَصدق حكمه لأنه في الحقيقة متعلق بالكتابة العربية كما يقع اختزالها لأسباب تقنيّة واقتصاديّة، فتأتي عارية من نظام الحركات، وهذا في تاريخ الألسنة البشرية اليوم بدعة لا نعرف نظيراً لها كما أسلفنا منذ البداية.

        أما الذي يمكن أن نجلو به هذا الاستشعار عند الناطقين بالعربية، المتداولين لها بإعرابها، المتكلفين في أدائها عناء الإفصاح ومشقة اتقاء اللحن، المتمرسين برياضة الارتجال على عفو الخاطر وإملاء البديهة، فهو شيء تراءى لنا ثم انبثق فتجلّى بعد طول التأمل في حقيقة الإعراب، وامتداد العشرة للقضايا الناجمة عنه، ولا سيما عند تحقيق المقاصد: في صياغة المعنى أولاً، وإيصال الرسالة ثانياً، وإنتاج الدلالة التي هي الجامع ثالثاً.

        ومدار الأمر في يقيننا أن الإنسان إذا انطلق يتحدث باللغة التي اكتسبها عن طريق التعلم –لا بالأمومة- فإنه يقيم من نفسه على نفسه رقيباً مَهمْا تجوّدت مهارته فيها وأيّا كان الزمن الذي امتد به في تحصيلها، وهذه الرقابة الذاتية تزدوج بالضرورة بين السعي وراء المقصد الدلالي من جهة وإحكام إنتاج المعنى طبقاً للمقاصد من جهة ثانية، وقد يتدخل عامل ثالث يتمثل في وعي خاص بنوعية المتلقي وطبيعة استعداداته مما ينعكس بالضرورة على منحى المتكلم في تأليف الكلام وتخصيص مفاصله.

        غير أن المتحدث باللغة الإعرابية، المستوفي لحقوقها النحوية، والمدقق لحركات الأواخر في مفاصلها - دونما ركون إلى نزعة المجهود الأدنى ودون اعتياد افتراضي على حدس السامع و تعديلاته الذهنية – يعيش مع اللغة تجربة مغايرة ولا سيما حين يَرتجل الكلام بعفو الخاطر، وعلى نسقٍ من المواءمة بين حضور المعنى وإنتاج الدلالة، بحيث يغلق على المتلقي باب الاستباق عن طريق التوقع الظني أو الاستلهام الحدسي. وتتمثل هذه التجربة الخاصة في أنه - مثلَ سائر الناطقين باللغات غير الإعرابيّة- يقيم من نفسه على نفسه رقيباً يرعاه متدرجاً به من لحظة التحفّز إلى لحظة التفوّه إلى لحظات الأداء مع امتداد أنفاس الأداء، ولكنه إلى جانب ذلك يقيم لنفسه رقيباً آخر فيستحدث منه وعياً ثانياً يتمثل في التعامل مع اللغة ومع المعنى على أساس مفاتيح الإعراب: فهو عند الإفصاح بلغته الإعرابية مرتجلاً صيغها ودلالاتها يتحصّن بحسّ استثنائي مبنيّ على درجة عالية جدّاً من آليات التوقع في احتمالاته القصوى أو في احتمالاته الدنيا.

        فإذا انطلق المفصح بجملة من الجمل كان حتماً عليه أن يستشعر ما يتهيأ له المتلقي بمجرد حركة إعرابية جاءت في منطلق كلامه، أو ظهرت في منزلة من منازل البدايات فيه، وعندئذ ترى المتكلم يتحرك بمقتضى هذا التوقع، أو تراه يعدِّل من بناء كلامه بمقتضى غياب التوقع ، وأداته في كل ذلك – إلى جانب ترتيب عناصر الكلام مما لا تختصّ به اللغة الإعرابية- هي مفاتيح الإعراب التي تتحول كمنبّهات للإيذان بالدلالة.

        إن الإفصاح بواسطة اللغة الإعرابية يقتضي احترام حيثياتِ سلامة التركيب ومقتضيات سلامة البناء، ويتطلب تحاشيَ التعويل على قرائن السياق وبدائل المقام مما يتوسل به بعض الناس متكأ لإهمال شأن الإعراب أو الاستخفاف بإظهار حركاته حيث يتعين عليها الظهور، وإن الإفصاح ليستدعي كذلك تواؤماً كاملاً بين انبثاق المعنى وتشكل الدلالة وإنجاز الأداء حتى لكأنها عقارب الساعة اليدويّة ذات الجودة التقنيّة الراقية: يتناغم فيها مؤشر الساعات ومؤشر الدقائق ومؤشر الثواني، أو كأنها عدّاد إليكتروني تمرّ فيه الأرقام رأسيّاً على لوحة مستطيلة ذات خانات أفقيّة.

        إن الحركات الإعرابية لتسمح بقيام وعي جديد بنظام تركيب الكلام هو وعي من درجة ثانية، سنصطلح عليه بأنه ضرب من النحو المضادّ يأتي مسانداً للنظام النحوي المطّرد، ذلك أن الضدّية التي نقصدها ليست ضدية المناقضة، ولا ضدّية الإلغاء، وإنما هي ضدية الضمائد: هي ذاكرة مضادّة لأنها تعي الحدث والوقائع، وتحاول أن تعيَ كيف تشكلت الأحداث والوقائع، وتحاول أن تعي أيضاً – بضرب من الافتراض المنهجي- ماذا كان يحصل لو لم تتحقق الوقائع والأحداث. إن مفهوم النحو المضاد الذي نصوغه هو ضرب من الآلية الذهنيّة والنفسية يحذقها المفصح باللغة الإعرابية حذقاً، ويُحكمها إحكاماً، فيتوسّل بها إلى السيطرة على استعدادات المتلقي الذهنيّة والنفسيّة، ومن هذه السبيل يتمكن المفصح من تكثيف إنتاج المعنى بغزارة فائقة.

        إن النحو المضاد –الذي هو في نهاية المطاف حقيقة إدراكيّة- ليجسّمُ خير تجسيم ما لم تعثر له اللسانيات النظرية بعدُ على مقبض إجرائي فاعل، ألا وهو نقطة تقاطع الإرسال والتلقي في عمليّة التواصل اللغوي، ذلك أن الوعي بحقيقة الأداء لدى المتكلم مع الوعي بشروط استقبال الرسالة وحيثيّات تلقيها يتماهيان في تلك اللحظة التي يُطوّع فيها المتكلم تركيبه للخطاب بحسب احتمالات ردود الفعل انطلاقاً من البنية الإعرابية التي نعلم أنها بنية وسطى بين البنية المقطعيّة والبنية "فوق- المقطعية". وهكذا يكون مفهوم "النحو- المضاد" شفرة جديدة من شفرات تركيب الدلالة وتفكيكها.

        إن المتكلم باللغة الإعرابية تراه في حقيقة أمره مستغلاً لما نصطلح عليه بآلية النحو المضاد عندما ينطلق في إحدى محطات خطابه بجملة اسمّية منسوخة بإحدى أخواتها، ثم يبادر بعدها بذكر خبرها ولا سيما إذا كان من قبيل أشباه الجمل الظرفية، فيطول الكلام وتتابع مفاصله بأن تتوالى المعطوفات والمستثنيات والتراكيب الاعتراضيّة، وتمتد الأنفاس حتى يحين موعد ذكر المسند إليه من الجملة الاسميّة وقد أمسى اسما للناسخ، عندئذ ينطلق حوار جديد صامت بين أطراف التواصل باللغة، هو حوارٌ مُنضَّد على الحوار الأساسيّ، يكاد أن يكون على تخوم منطقتين: منطقة الوعي ومنطقة اللاشعور.

        فالسامع المتنبّه لحقيقة اللغة، والمتيقظ لعلامات الإعراب، والبصير بأثر النَّظم في صناعة المعنى، يشتدّ تركيزه الذهنيّ في تلك اللحظة منتظراً ألاّ يخطئ المتكلم في وضع حركة الإعراب التي تناسب اسم الناسخ، ولكن انتظاره مشوب بآليّة التّوقع السالب: أنْ يجانب المتكلمُ الصوابَ فيُخطئَ الإعراب. ومن الناس من يكون وعيه بتناسج النَّظم وآليات الإفصاح أضعف فلا يتيقظ توقعه تيقظاً مخصوصاً، فإن أخطأ المتكلم لم ينتبه إليه وإن لم يخطئ انتبه برهة دون أن يُطيل التّيقظ. ومنهم من لا يَردُ في ذهنه توقع الخطأ، فإن أصاب المتكلم مرّ الصواب على السامع دون أن يترك في ذهنه أثراً، وإن أخطأ المتكلم توتّر ذهنه وتشنجت أعصابه وقد يفوته تسلسل المعنى وانتظام دلالات التركيب.

        كل هذا والمتكلم واقع خارج دائرة المناورة: نعنى أنه مفصح انطلاقاً من مقاصده وامتثالا لمداركه، فما بالنا لو جعل المتكلم من قضيّة التوقع واللاتوقع لدى سامعيه آلة يعزف على أوتارها، ومنبضاً يدغدغ به مشاعر الذين هم بحضرة خطابه يتلقونه بعفو الخاطر، فيعمد إلى شدّ الأنفاس، ويتقصد تكثيف درجات التوقع لدى المتوقعين، وإثارة فضول الآخرين من غير المتوقعين كي يخففوا ممّا خيّم عليهم من الغفوة. وما عسى أن يحدث من حوار صامت يتوالج مع الحوار اللغويّ لو عمد المتكلم في تلك اللحظة الحرجة- التي صنعتها درجات التّوقع واللاتوقع – إلى تحاشي الإعراب والجلوس على ربوة السكون بعد نبذ الحركات؟





        إن اللغة ملكة، وتحصيلها قرينُ تعلّمها، ولا تعلّمَ إلا لتعليم: إراديّ أو غير إراديّ. وسؤالُ اللغة يستدعي المعنى على قدر ما ينادي سؤال المعنى سؤالاً آخر هو سؤال الدلالة: كيف تنشأ، وكيف تتجلى حتى يتمثلها الساعي إلى تحصيل ملكة اللغة. ولكن أسئلة اللغة والإرادة والتحصيل ترتدّ جميعاً إلى سؤال واحد –متفرد ومستبدّ- ألا وهو سؤال الاكتساب: ما الذي منه حاصل بالذات وما الذي منه وافد بحكم الأعراض؟ وهل هناك سمات خاصة تميّز اكتساب اللغة الإعرابية من اكتساب أي لغة أخرى غير إعرابية؟.

        إن اللغة العربية –بأنموذجها الإعرابي- تمثل شاهداً ثميناً على شيئين يتصلان بحقيقة العلم بصرف النظر عن البعد الثقافي وعن المرجعية الحضارية، أي إن هناك مكسباً إنسانياً خالصاً عند التأمل في أنموذج اللغة الأعرابية عندما تظل حيّة يتداولها المجتمع في كل استخداماته الرسمية والتربوية والمعرفية، وهذا مما أصبح يندر على مستوى اللغات الإنسانية المتداولة.

        هناك –أولاً- فرصة للعمل اللغوي يستكشف فيها كيف يتعامل الفكر مع مستويين من التنظيم عند الإفضاء بالكلام، مستوى ترتيب عناصر الخطاب ثم مستوى إحكام الروابط النحوية بواسطة علامات الإعراب، في تلك اللحظة يشتغل الذهن بنظامين متراكبين، كأنما هناك الوعي النحوي الأول ثم الوعي النحوي الثاني، وهذا ما صنعنا له مصطلحاً فسمينا تلك الدرجة الثانية بالنحو المضاد على معنى أنه وعي رقيب متواصل.

        وهناك –ثانياً- فرصة ثمينة لاستكشاف أسرار اكتساب الطفل للغة، فالتجربة التعليمية تثبت أن تداول اللغة العربية مع الأطفال بتحقيق حيثياتها النحوية تفضي بهم إلى استخدام اللغة بشكل نحوي سليم دون أن يكونوا قد حذقوا بعد دروس القواعد النحوية. وعن هذا تنتج حقائق علمية لا تتسنى أبداً عن طريق اكتساب الطفل للغات غير الإعرابية.

        تعليق

        يعمل...