(أثر التعليم باللغة الأجنبية على التعليم باللغة العربية، نموذجاً)
الأستاذ الدكتور إبراهيم بن أحمد مسلم الحارثي
مدير عام دار المقاصد للدراسات والاستشارات التربوية
المملكة العربية السعودية
الأستاذ الدكتور إبراهيم بن أحمد مسلم الحارثي
مدير عام دار المقاصد للدراسات والاستشارات التربوية
المملكة العربية السعودية
ملخص الدراسة
تسعى هذه الدراسة لاستكشاف المشكلة التي يعاني منها الطلاب الذين يدرسون في مدارس ثنائية اللغة من خلال آراء أولياء أمورهم؛ لذا فإن هذه الدراسة تهدف إلى:
1- استكشاف آراء أولياء الأمور الذين يدرس أبناؤهم في مدارس ثنائية اللغة فيما يختص بتأثير اللغة الإنجليزية على اللغة العربية لدى أطفالهم.
2- استكشاف أهم الآثار السيئة التي تحدث للغة العربية نتيجة استعمال اللغة الإنجليزية لغة التدريس في المدرسة فيما يسمى التعليم ثنائي اللغة أو متعدد اللغات.
وتحديدًا تسعى للإجابة عن الأسئلة التالية:
1- ما الأضرار التي يتعرض لها الطفل فيما يخص اللغة العربية جراء استخدام اللغة الإنجليزية لغة التدريس للمواد الدراسية الأخرى في المدرسة؟
2- ما الآراء والملاحظات الواقعية لأولياء الأمور الذين لهم أبناء يدرسون في مدارس التعليم ثنائي اللغة، وما هو موقفهم من ذلك النوع من التعليم في ضوء خبرتهم الواقعية؟
تكونت أداة الدراسة من أحد عشر سؤالا يتكون كلا منها من شقين: شق كمي وآخر وصفي.
وزعت أداة الدراسة على عينة عشوائية من أولياء أمور الأطفال عددها (100)، استعيد منها (24) واستبعدت (3) منها لأنها كانت خارجة عن موضوع البحث.
وقد كشفت الدراسة عن وجود مشكلات في تعلم اللغة العربية يعاني منها الأطفال تتعلق بالعجز اللغوي في مجالي التعبير الشفوي والكتابة، وفي مجال لفظ الأحرف وتسميتها، بحيث يمكن القول بدخول اللكنة الأعجمية على الأطفال العرب؛ فحرف الحاء غدا يُلفظ هاءً مثل كلمة "حَرْب" تصبح "هَرْب" وقس عليه، أما الطاء فتلفظ تاء وبناء عليه فإن كلمة "طفل" تصبح "تفل". وثمة مجال خطير آخر أحس به بعض أولياء الأمور وهو مجال الهوية الثقافية والقيم والأخلاق؛ فقد أحس بعض أولياء الأمور بالقيم الغربية التي تتناقض مع قيمنا وعقائدنا تتسرب إلى عقول أبنائهم، حتى أن إحدى الأمهات أعلنتها صراحة: إننا بدأنا نفقد هويتنا. وفي الواقع فإن نتائج هذه الدراسة تتفق مع نتائج الدراسات التي أجريت في دول أخرى وأكدت أن النتيجة الطبيعية للتعليم ثنائي اللغة هو إحلال اللغة الثانية محل اللغة الأولى وإحلال ثقافة اللغة الثانية محل ثقافة اللغة الأولى.
ومن هذه الدراسات دراسة فاغو
(Seliger, 1991, pp. 225-240) ودراسة سيلايغر (Vago, 1991, pp 241-2).
تمهيد
شعر الباحث من خلال عمله في القطاع التربوي لعشرات السنين ما يعانيه الطلاب من ضعف في اللغة العربية، وتدهور في الأخلاق، وما تعانيه اللغة العربية من تراجع في جميع المجالات، وفي الوقت نفسه شاهد إقبال الناس على تعلم اللغة الإنجليزية وإهمال اللغة العربية. مع العلم أن إتقان لغة الأم هو الطريق الطبيعي المأمون لإتقان اللغة الثانية أو الثالثة، كما تشير إلى ذلك نتائج كثير من الأبحاث الميدانية في دول العالم المتقدمة، وأن حرصنا على اللغة العربية لا يعني التقليل من حرصنا على تعلم اللغة الإنجليزية مما لا شك فيه أن اللغة الإنجليزية لغة عالمية، وأصبح تعلمها ضرورة عصرية لمتابعة التقدم العلمي والتكنولوجي في العالم، والباحث نفسه خريج جامعة أمريكية ويحمل ماجستير فيزياء نووية، إضافة إلى تخصصاته التربوية، ويدرك أهمية معرفة اللغة الإنجليزية. لكن القضية ليست في تعلمها، وإنما القضية في متى ندرّسها وكيف ندرّسها ومن الشخص المؤهل الذي يصلح لتدريسها، والبيئة التعليمية التي يجري فيها التعليم، القضية كيف نحسن تعليم اللغة الإنجليزية دون أن نقضي على اللغة العربية، أو نلحق الضرر بها وبأجيالنا وثقافتنا وحضارتنا. ألا يمكن إتقان تعلم اللغة الإنجليزية بطريقة أخرى غير نظام التعليم ثنائي اللغة؟ ما الفترة العمرية المناسبة لاكتساب اللغة الأجنبية؟ ما أهمية اكتساب اللهجة الأصلية للغة الأجنبية؟ ما الطرق التدريسية الملائمة لاكتساب اللغة الأجنبية؟ وثمة أسئلة كثيرة يمكن إثارتها تفتح لنا آفاقا جديدة يمكن من خلالها تحسين مستوى اكتساب اللغة الإنجليزية وتقلل الكلفة المالية لتدريسها، وترفع الضرر عن أطفالنا وتصون اللغة العربية من التدهور والاندثار.
اطلع الباحث على مشروع المدارس المستقلة في دولة قطر، وقدم دراسة في إطار المشروع، وكانت من أفضل الدراسات التي قدمت في المشروع، ولمس المشاكل التربوية التي نجمت في مرحلة التطبيق، وزار بعض المدارس التي تشرف على تشغيلها في أبو ظبي شركة موزاييك الأمريكية بدعوة من الشركة نفسها، وقام بمشاهدات صفية في عدد من الصفوف، وناقش المشرفين والمشرفات والطلاب والإدارة المدرسية، وأحس بعملية الهدم التربوي التي يعاني منها الطلاب. وناقش مدير الشركة ومساعديه فيما شاهده، ولم يستطيعوا إنكار الأخطاء المرتكبة في فلسفة المشروع وأسسه وآليات تنفيذه. وألغى -بناء على ذلك- اتفاقية مشروع كانوا سينفذونه في الرياض.
كما اطلع الباحث على دراسات عالمية في مجال إماتة اللغة الأولى في إطار التعليم ثنائي اللغة والتعليم متعدد اللغات، كما اطلع على دراسات في مجال تأثير اللغة الثانية على الأولى، وفي مجالي اكتساب اللغتين الأولى والثانية. ونظر إلى الوضع الراهن في الوطن العربي. فهاله ما رآه من سياسات تربوية عمياء، تسير بخطى حثيثة نحو إماتة اللغة العربية ومحو الثقافة العربية الإسلامية؛ فأراد أن يستجلي الأمر ويستطلع آراء أولياء الأمور الذين لهم أبناء يتعلمون في نظام التعليم ثنائي اللغة، فكان هذا البحث الذي أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفع به أجيال أمتنا العربية المجيدة، وينقذهم به من الحفرة العميقة التي يخطط أعداء العروبة والإسلام أن يوقعوهم فيها.
أسأل الله العلي القدير أن يتقبله من العبد الفقير ويجعله خالصا لجهة الكريم بمنه وكرمه وفضله، إنه نعم المولى ونعم النصير وبالإجابة جدير.
الفصل الأول
الإطار النظري
يرى الباحثون في التأثيرات التي تحل باللغة الأولى تحت وطأة اللغة الثانية وسيطرتها على التعليم في النظام ثنائي اللغة أن الطفل عندما يبني نظاماً جديداً في اللغة الثانية المكتسبة فإنه يفكك أنظمة اللغة الأولى، ويعيد ترتيبها نتيجة للاحتكاك اللغوي بين اللغتين (Maher, 1991, p.67). وهذا يؤيد ما ذهب إليه لغويون آخرون من أن الطفل عندما يبني نظاما لغويًّا جديدًا للغة الثانية إنما يبنيه على أنقاض النظام اللغوي للغة الأولى.
لقد تولدت هذه القناعة لدى الباحثين بسبب الشواهد العملية التي وجدوها في البحوث الميدانية اللغوية. وقد سبقهم إلى هذه النتيجة ابن خلدون في مقدمته حيث قال :"إذا تقدمت في اللسان ملكة العجمة، صار مقصراً في اللغة العربية، وذلك أن الملكة إذا تقدمت في صناعة بمحل، فقلّ أن يجيد صاحبها ملكة في صناعة أخرى... وأن الناشئ من الجيل اختلط عليه الأمر وأخذ من هذه وهذه فاستحدث ملكة وكانت ناقصة..." (المقدمة، ص455) ومعنى ملكة اللغة في التعبيرات المعاصرة البنية الداخلية للغة أو النظام اللغوي الخاص بها، فلكل لغة نظام خاص بها يختلف عن أنظمة اللغات الأخرى، فعندما يخضع الطفل في طفولته المبكرة لنظام لغوي أجنبي قبل أن يمتلك النظام اللغوي للغته الأصلية لغة الأم، فإنه لا يمكن أن يكتسب النظامين المتغايرين معاً، ولا بد أن يسيطر أحدهما على الآخر أو يمتزجا فيخرجا نظاماً مغايرًا لكل منهما. فإذا سبق نظام اللغة الأجنبية وأصبح ملكة لغوية للطفل فإنه يضطر إلى تفكيك نظام لغة الأم الذي لم يكتمل بعد ويعيد ترتيبه في ضوء النظام اللغوي المسيطر وهو نظام اللغة (الإنجليزية)، والنتيجة الطبيعية لذلك أن يكون النظام اللغوي للغة الأم غير مكتمل أي ناقصاً، وهذا ما قصده ابن خلدون أي أن ملكة اللغة العربية ستكون ناقصة ولا يمكن أن يبدع فيها.
وهذا ما عبر عنه سلايغر وفاغو (Seliger&Vago) بالعجز اللغوي وفقدان القدرة على الإبداع الفكري عند بعض الأفراد أو الاختناق اللغوي والاختلاط اللغوي عند فئة أخرى والتدهور والتآكل اللغوي في اللغة الأولى. (Seliger & Vago, 1991, p.3).
ويتفق هذا التعبير لسلايغر وفاغو مع تفسير ابن خلدون لفساد اللسان العربي؛ ويقصد بذلك اللهجات المحلية المنحرفة عن اللغة الفصحى بسبب اختلاط العرب بالشعوب الأخرى، فتسمع الأجيال الناشئة تعبيرات من العجم وأخلاط الناس فيختلط الأمر على الأجيال الصاعدة وتستحدث ملكة جديدة ناقصة عن ملكة اللسان العربي الفصيح، وهو ما تعبر عنها اليوم اللغة العامية أو الدارجة، فهي ملكة عربية ولكنها غير مكتملة.
ويتفق تفسير ابن خلدون كذلك مع ما تـوصل إليـه أوبـلر وماهيشا (Obler & Mahesha) من أن كيفية اكتساب اللغة الثانية وكيفية تعلمها تؤثر على كيفية تنظيم اللغة الأولى وترتيبها في الدماغ بناءً على نتائج أبحاث الدماغ اللغوية العصبونية (Obler & Mahesha, 1991, p. 54). هذا في مجال تأثير اللغة الثانية إذ درّست على أنها لغة ثانية فقط ولم تستخدم وسيطًا لتعليم المواد الأخرى.
ولكن التعليم ثنائي اللغة قضية مختلفة، فالطفل يعيش في بيئة يغمر فيها باللغة الأجنبية من خلال دراسته لجميع المقررات بها، ويضطر الأهل لتعليمه في البيت بتلك اللغة، وإذا أراد أن يستريح من عناء التعليم في المدرسة والبيت يلجأ إلى التلفاز أو الألعاب الإلكترونية، فإذا بها باللغة الإنجليزية، فينغمس الطفل في بحر من اللغة الأجنبية التي هي في حالتنا اللغة الإنجليزية، فلا يستطيع أن يكوّن ملكة كاملة أو حتى ناقصة نوعًا ما بسبب الإقصاء المتعمد للغة العربية، فيستغنى عنها تدريجيًّا إن لم يكن في الجيل الحالي ففي الجيل القادم أو الذي يليه. ولهذا السبب لا بد من حسم الموقف في هذا الجيل، فإن لم نحسمه الآن فإن الأجيال القادمة ستكون أعجز من أن تحسمه.
ستجد من يقول دعنا نكتسب العلوم الحديثة والتكنولوجيا أولاً وبعد أن نصبح دولاً متقدمة نعود ونصلح اللغة العربية. هذه مغالطة منطقية لأنها تدمر الهدف الذي نسعى إليه منذ الخطوة الأولى. لقد سمعنا هذا الكلام قبل ما يقرب من نصف قرن عندما بدأت انتكاسه التعريب الجامعي وتراجعت بعض الجامعات العربية عن التدريس بالعربية إلى التدريس باللغة الإنجليزية بحجة اكتساب الزمن وعدم تضييع الفرصة في الترجمة، وبحجة الاطلاع الواسع على المراجع الإنجليزية المتعددة والمتوفرة. وكانت النتيجة ما ترون الآن من تراجع في العالم العربي في جميع المجالات. وإنكم ترون ما آلت إليه الجامعات في العالم العربي.
الأمة لا تنهض بلغة غيرها. فإن الأمم لا تنهض ولا تتقدم إلا بلغتها. ولم يسجل التاريخ أن نهضت أمة بغير لغتها.
تسلط هذه الدراسة الضوء على تآكل واضمحلال اللغة الأولى (لغة الأم) وانهدام أركانها وتفتيت بنيتها القواعدية وتراكيبها وبلاغتها نتيجة لاحتكاكها باللغة الثانية (اللغة الإنجليزية) في المواقف التعليمية في إطار ما يسمى التعليم ثنائي اللغة (Bilingualism)، والإطار الموازي له المسمى التعليم متعدد اللغات (Multilingualism) الذي قد يكون أشد خطورة منه.
إن كثيراً من الدراسات التي أجريت لمعرفة التأثيرات الحاصلة على لغة الأم في إطار التعليم ثنائي اللغة أو التعليم متعدد اللغات في عدة أقطار في دول العالم تشير إلى تدهور قدرات الطلاب في اللغة الأولى (لغة الأم)، وإلى ظهور حالات مرضية لدى الطلاب من قبيل العجز اللغوي وفقدان القدرة على التفكير السوي نتيجة للتشويش واختلاط الأمور في ذهن الطفل.
إن ظاهرة اضمحلال اللغة الأولى وتآكلها أضحت تنمو وتتفاقم في الأفراد الذين يدرسون في نظام التعليم ثنائي اللغة، وبدأت تتفشى في المجتمع بعامة سواء في المجتمع الأصلي أو في الأقليات المهاجرة، وقد تصل هذه الظاهرة في نهايتها كما وصلت بالفعل في بعض المجتمعات إلى ما يسمى (موت اللغة الأصلية) (Seliger & Vago, 1991, p.9, Dorian, 1981, Schmidt, 1985).
ونجد على أرض الواقع أن التعليم ثنائي اللغة بدأ ينتشر بسرعة عجيبة في وطننا العربي.
إن ظاهرة تراجع اللغة العربية واضمحلالها وتآكلها في الوطن العربي أصبحت واضحة للعيان بحيث لا يمكن تجاهلها. إن اللغة العربية تستصرخ ذوي الضمائر الحية من أصحاب الحس الوطن؛ فهل من مغيث؟!
وقد استخدمت الدراسات اللغوية في مجال الاضمحلال والتآكل اللغوي للغة الأصلية تحت تأثير اللغة الأجنبية أنواعاً مختلفة من البيانات، وأنماطاً متعددة من طرق جمع المعلومات وتبويبها وتحليلها؛ تضمنت المقابلات والتسجيلات الصوتية والترجمات وردود الفعل وسرد القصص والتحفيز على الاستجابة بالصور الثابتة والمتحركة، ونماذج التشجيع والاختبارات المعيارية المقننة والحوارات المفتوحة. وقد تفرع عن هذه الدراسات ما يسمى بالبحوث النفس لغوية (Psycholinguistics) والبحوث المركزة على الجانب اللغوي المجتمعي لاضمحلال اللغة الأصلية للمجتمع (sociolinguistic aspects of first ******** attrition)، ومن العجائب التي تضعف اللغة الأولى في المدرسة ثنائية اللغة هو الاستعمال المتكرر للغة الثانية المتمثل في استعمالها في تدريس المواد الأخرى، وفي التعامل والتواصل مع الطلاب، ومما يزيد الطين بلة، أن الأهل مضطرون لاستعمالها لتدريس أبنائهم في بيوتهم، فينغمس الطالب بهذه اللغة في المدرسة والبيت، الأمر الذي يخرج اللغة العربية من حياته، وهم بهذا الفعل يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المدرسين الخصوصيين الذين يحضرونهم لتعليم أبنائهم. وهكذا يتضاءل دور اللغة العربية في الحياة اليومية للطالب، وتُسلب وظائفها الحياتية وتعطى للغة الأجنبية؛ فلا يشعر المتعلم بحاجة إليها وينظر لها نظرة دونية، ومما زاد الظاهرة تفاقمًا في معظم البلاد العربية ما نشاهده في المحلات التجارية والشركات ومخازن الأغذية الكبرى من تسجيل أسماء المواد الغذائية بالأسماء الإنجليزية، رغم أن المستهلكين معظمهم من العرب، بحيث أصبح اسم الجزر "كاروت" واسم البصل "أُنيون"، كما أفادت إحدى الأمهات.
أما المراسلات بين المؤسسات الاقتصادية والشركات فأصبحت تجرى باللغة الإنجليزية، وفي بعض البلدان العربية تجاوز الأمر المؤسسات الأهلية إلى المؤسسات والدوائر الحكومية. إن إخراج اللغة الأولى (العربية) من التعاملات في المجتمع هو أحد أهم العوامل "المجتمع لغوية "sociolinguistic الذي يغذي ويقوي تآكل اللغة العربية ويسرع فـي اضمحلالها ويجعلـها غـريبة في وطنـها ويحولـها إلى لـغة ثانية بـل إلى لغـة ميتة بين أهلـها. ويمكن الرجوع في هذا الصدد إلى دراسات كثيرة منها دراسة (Dressler, 1991, Seliger&Vago,1991, Corvalan, 1991) ودراسات كثيرة غيرها رغم أنها أجريت على لغات غير اللغة العربية، واللغة العربية لا بواكي لها.
ومن العوامل "المجتمع لغوية" المؤثرة في اضمحلال اللغة الأولى خضوعها أو تبعيتها وتراجعها أمام اللغة الثانية في المجال العاطفي مثل: عدم الاحترام، وعدم إعطائها المكانة الاجتماعية وضعف الاتجاهات الإيجابية نحوها.
لقد حضرت حفلة تخريج في إحدى الجامعات في إحدى المدن العربية وكانت جميع الكلمات التي ألقيت في الحفل باللغة الإنجليزية؛ ولك أن تتخيل الرسالة التربوية التي تعطى للشباب والمجتمع بمثل هذا التصرف.. ويمكن الرجوع للتعرف على أثر المجال العاطفي في تراجع اللغة الأصلية إلى دراسة دريسلر وجوليان ماهر (Dressler, 1991, Maher, 1991).
قد لا يحس الناس بتآكل اللغة الأولى واضمحلالها بالسنوات الأولى للتعليم ثنائي اللغة؛ لأن الأثر التربوي يحتاج إلى سنوات لا تقل عن عشر إلى خمسة عشر سنة حين تصبح نتائجه واضحة للعيان في المجتمع. ولكن الخبراء يمكنهم تبين النواتج التربوية قبل ذلك بكثير. ومن الدراسات التي عالجت هذا الأمر دراسة (Carvilan,1991,Schmidt,1991). ففي بداية السنوات الأولى يحاول الطفل إخضاع اللغة الثانية لقواعد لغة الأم، ثم ما يلبث أن يتبين أن لكل لغة قواعدها الخاصة بها، فيحاول الاحتفاظ بقواعد كل لغة على حدة، ولكن استمرارية التعليم باللغة الأجنبية والاستعمال المتكرر لها في المدرسة والمجتمع ووسائل الإعلام تجعل الطفل يخضع لغة الأم للغة الثانية. فتهيمن اللغة الثانية على بنيته العقلية اللغوية وتخضع اللغة الأولى في حياته للغة الأجنبية إلى الأبد وهذا هو موت اللغة الأولى.
تسعى هذه الدراسة لاستكشاف المشكلة التي يعاني منها الطلاب الذين يدرسون في مدارس ثنائية اللغة من خلال آراء أولياء أمورهم؛ لذا فإن هذه الدراسة تهدف إلى:
1- استكشاف آراء أولياء الأمور الذين يدرس أبناؤهم في مدارس ثنائية اللغة فيما يختص بتأثير اللغة الإنجليزية على اللغة العربية لدى أطفالهم.
2- استكشاف أهم الآثار السيئة التي تحدث للغة العربية نتيجة استعمال اللغة الإنجليزية لغة التدريس في المدرسة فيما يسمى التعليم ثنائي اللغة أو متعدد اللغات.
وتحديدًا تسعى للإجابة عن الأسئلة التالية:
1- ما الأضرار التي يتعرض لها الطفل فيما يخص اللغة العربية جراء استخدام اللغة الإنجليزية لغة التدريس للمواد الدراسية الأخرى في المدرسة؟
2- ما الآراء والملاحظات الواقعية لأولياء الأمور الذين لهم أبناء يدرسون في مدارس التعليم ثنائي اللغة، وما هو موقفهم من ذلك النوع من التعليم في ضوء خبرتهم الواقعية؟
تكونت أداة الدراسة من أحد عشر سؤالا يتكون كلا منها من شقين: شق كمي وآخر وصفي.
وزعت أداة الدراسة على عينة عشوائية من أولياء أمور الأطفال عددها (100)، استعيد منها (24) واستبعدت (3) منها لأنها كانت خارجة عن موضوع البحث.
وقد كشفت الدراسة عن وجود مشكلات في تعلم اللغة العربية يعاني منها الأطفال تتعلق بالعجز اللغوي في مجالي التعبير الشفوي والكتابة، وفي مجال لفظ الأحرف وتسميتها، بحيث يمكن القول بدخول اللكنة الأعجمية على الأطفال العرب؛ فحرف الحاء غدا يُلفظ هاءً مثل كلمة "حَرْب" تصبح "هَرْب" وقس عليه، أما الطاء فتلفظ تاء وبناء عليه فإن كلمة "طفل" تصبح "تفل". وثمة مجال خطير آخر أحس به بعض أولياء الأمور وهو مجال الهوية الثقافية والقيم والأخلاق؛ فقد أحس بعض أولياء الأمور بالقيم الغربية التي تتناقض مع قيمنا وعقائدنا تتسرب إلى عقول أبنائهم، حتى أن إحدى الأمهات أعلنتها صراحة: إننا بدأنا نفقد هويتنا. وفي الواقع فإن نتائج هذه الدراسة تتفق مع نتائج الدراسات التي أجريت في دول أخرى وأكدت أن النتيجة الطبيعية للتعليم ثنائي اللغة هو إحلال اللغة الثانية محل اللغة الأولى وإحلال ثقافة اللغة الثانية محل ثقافة اللغة الأولى.
ومن هذه الدراسات دراسة فاغو
(Seliger, 1991, pp. 225-240) ودراسة سيلايغر (Vago, 1991, pp 241-2).
تمهيد
شعر الباحث من خلال عمله في القطاع التربوي لعشرات السنين ما يعانيه الطلاب من ضعف في اللغة العربية، وتدهور في الأخلاق، وما تعانيه اللغة العربية من تراجع في جميع المجالات، وفي الوقت نفسه شاهد إقبال الناس على تعلم اللغة الإنجليزية وإهمال اللغة العربية. مع العلم أن إتقان لغة الأم هو الطريق الطبيعي المأمون لإتقان اللغة الثانية أو الثالثة، كما تشير إلى ذلك نتائج كثير من الأبحاث الميدانية في دول العالم المتقدمة، وأن حرصنا على اللغة العربية لا يعني التقليل من حرصنا على تعلم اللغة الإنجليزية مما لا شك فيه أن اللغة الإنجليزية لغة عالمية، وأصبح تعلمها ضرورة عصرية لمتابعة التقدم العلمي والتكنولوجي في العالم، والباحث نفسه خريج جامعة أمريكية ويحمل ماجستير فيزياء نووية، إضافة إلى تخصصاته التربوية، ويدرك أهمية معرفة اللغة الإنجليزية. لكن القضية ليست في تعلمها، وإنما القضية في متى ندرّسها وكيف ندرّسها ومن الشخص المؤهل الذي يصلح لتدريسها، والبيئة التعليمية التي يجري فيها التعليم، القضية كيف نحسن تعليم اللغة الإنجليزية دون أن نقضي على اللغة العربية، أو نلحق الضرر بها وبأجيالنا وثقافتنا وحضارتنا. ألا يمكن إتقان تعلم اللغة الإنجليزية بطريقة أخرى غير نظام التعليم ثنائي اللغة؟ ما الفترة العمرية المناسبة لاكتساب اللغة الأجنبية؟ ما أهمية اكتساب اللهجة الأصلية للغة الأجنبية؟ ما الطرق التدريسية الملائمة لاكتساب اللغة الأجنبية؟ وثمة أسئلة كثيرة يمكن إثارتها تفتح لنا آفاقا جديدة يمكن من خلالها تحسين مستوى اكتساب اللغة الإنجليزية وتقلل الكلفة المالية لتدريسها، وترفع الضرر عن أطفالنا وتصون اللغة العربية من التدهور والاندثار.
اطلع الباحث على مشروع المدارس المستقلة في دولة قطر، وقدم دراسة في إطار المشروع، وكانت من أفضل الدراسات التي قدمت في المشروع، ولمس المشاكل التربوية التي نجمت في مرحلة التطبيق، وزار بعض المدارس التي تشرف على تشغيلها في أبو ظبي شركة موزاييك الأمريكية بدعوة من الشركة نفسها، وقام بمشاهدات صفية في عدد من الصفوف، وناقش المشرفين والمشرفات والطلاب والإدارة المدرسية، وأحس بعملية الهدم التربوي التي يعاني منها الطلاب. وناقش مدير الشركة ومساعديه فيما شاهده، ولم يستطيعوا إنكار الأخطاء المرتكبة في فلسفة المشروع وأسسه وآليات تنفيذه. وألغى -بناء على ذلك- اتفاقية مشروع كانوا سينفذونه في الرياض.
كما اطلع الباحث على دراسات عالمية في مجال إماتة اللغة الأولى في إطار التعليم ثنائي اللغة والتعليم متعدد اللغات، كما اطلع على دراسات في مجال تأثير اللغة الثانية على الأولى، وفي مجالي اكتساب اللغتين الأولى والثانية. ونظر إلى الوضع الراهن في الوطن العربي. فهاله ما رآه من سياسات تربوية عمياء، تسير بخطى حثيثة نحو إماتة اللغة العربية ومحو الثقافة العربية الإسلامية؛ فأراد أن يستجلي الأمر ويستطلع آراء أولياء الأمور الذين لهم أبناء يتعلمون في نظام التعليم ثنائي اللغة، فكان هذا البحث الذي أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفع به أجيال أمتنا العربية المجيدة، وينقذهم به من الحفرة العميقة التي يخطط أعداء العروبة والإسلام أن يوقعوهم فيها.
أسأل الله العلي القدير أن يتقبله من العبد الفقير ويجعله خالصا لجهة الكريم بمنه وكرمه وفضله، إنه نعم المولى ونعم النصير وبالإجابة جدير.
الفصل الأول
الإطار النظري
يرى الباحثون في التأثيرات التي تحل باللغة الأولى تحت وطأة اللغة الثانية وسيطرتها على التعليم في النظام ثنائي اللغة أن الطفل عندما يبني نظاماً جديداً في اللغة الثانية المكتسبة فإنه يفكك أنظمة اللغة الأولى، ويعيد ترتيبها نتيجة للاحتكاك اللغوي بين اللغتين (Maher, 1991, p.67). وهذا يؤيد ما ذهب إليه لغويون آخرون من أن الطفل عندما يبني نظاما لغويًّا جديدًا للغة الثانية إنما يبنيه على أنقاض النظام اللغوي للغة الأولى.
لقد تولدت هذه القناعة لدى الباحثين بسبب الشواهد العملية التي وجدوها في البحوث الميدانية اللغوية. وقد سبقهم إلى هذه النتيجة ابن خلدون في مقدمته حيث قال :"إذا تقدمت في اللسان ملكة العجمة، صار مقصراً في اللغة العربية، وذلك أن الملكة إذا تقدمت في صناعة بمحل، فقلّ أن يجيد صاحبها ملكة في صناعة أخرى... وأن الناشئ من الجيل اختلط عليه الأمر وأخذ من هذه وهذه فاستحدث ملكة وكانت ناقصة..." (المقدمة، ص455) ومعنى ملكة اللغة في التعبيرات المعاصرة البنية الداخلية للغة أو النظام اللغوي الخاص بها، فلكل لغة نظام خاص بها يختلف عن أنظمة اللغات الأخرى، فعندما يخضع الطفل في طفولته المبكرة لنظام لغوي أجنبي قبل أن يمتلك النظام اللغوي للغته الأصلية لغة الأم، فإنه لا يمكن أن يكتسب النظامين المتغايرين معاً، ولا بد أن يسيطر أحدهما على الآخر أو يمتزجا فيخرجا نظاماً مغايرًا لكل منهما. فإذا سبق نظام اللغة الأجنبية وأصبح ملكة لغوية للطفل فإنه يضطر إلى تفكيك نظام لغة الأم الذي لم يكتمل بعد ويعيد ترتيبه في ضوء النظام اللغوي المسيطر وهو نظام اللغة (الإنجليزية)، والنتيجة الطبيعية لذلك أن يكون النظام اللغوي للغة الأم غير مكتمل أي ناقصاً، وهذا ما قصده ابن خلدون أي أن ملكة اللغة العربية ستكون ناقصة ولا يمكن أن يبدع فيها.
وهذا ما عبر عنه سلايغر وفاغو (Seliger&Vago) بالعجز اللغوي وفقدان القدرة على الإبداع الفكري عند بعض الأفراد أو الاختناق اللغوي والاختلاط اللغوي عند فئة أخرى والتدهور والتآكل اللغوي في اللغة الأولى. (Seliger & Vago, 1991, p.3).
ويتفق هذا التعبير لسلايغر وفاغو مع تفسير ابن خلدون لفساد اللسان العربي؛ ويقصد بذلك اللهجات المحلية المنحرفة عن اللغة الفصحى بسبب اختلاط العرب بالشعوب الأخرى، فتسمع الأجيال الناشئة تعبيرات من العجم وأخلاط الناس فيختلط الأمر على الأجيال الصاعدة وتستحدث ملكة جديدة ناقصة عن ملكة اللسان العربي الفصيح، وهو ما تعبر عنها اليوم اللغة العامية أو الدارجة، فهي ملكة عربية ولكنها غير مكتملة.
ويتفق تفسير ابن خلدون كذلك مع ما تـوصل إليـه أوبـلر وماهيشا (Obler & Mahesha) من أن كيفية اكتساب اللغة الثانية وكيفية تعلمها تؤثر على كيفية تنظيم اللغة الأولى وترتيبها في الدماغ بناءً على نتائج أبحاث الدماغ اللغوية العصبونية (Obler & Mahesha, 1991, p. 54). هذا في مجال تأثير اللغة الثانية إذ درّست على أنها لغة ثانية فقط ولم تستخدم وسيطًا لتعليم المواد الأخرى.
ولكن التعليم ثنائي اللغة قضية مختلفة، فالطفل يعيش في بيئة يغمر فيها باللغة الأجنبية من خلال دراسته لجميع المقررات بها، ويضطر الأهل لتعليمه في البيت بتلك اللغة، وإذا أراد أن يستريح من عناء التعليم في المدرسة والبيت يلجأ إلى التلفاز أو الألعاب الإلكترونية، فإذا بها باللغة الإنجليزية، فينغمس الطفل في بحر من اللغة الأجنبية التي هي في حالتنا اللغة الإنجليزية، فلا يستطيع أن يكوّن ملكة كاملة أو حتى ناقصة نوعًا ما بسبب الإقصاء المتعمد للغة العربية، فيستغنى عنها تدريجيًّا إن لم يكن في الجيل الحالي ففي الجيل القادم أو الذي يليه. ولهذا السبب لا بد من حسم الموقف في هذا الجيل، فإن لم نحسمه الآن فإن الأجيال القادمة ستكون أعجز من أن تحسمه.
ستجد من يقول دعنا نكتسب العلوم الحديثة والتكنولوجيا أولاً وبعد أن نصبح دولاً متقدمة نعود ونصلح اللغة العربية. هذه مغالطة منطقية لأنها تدمر الهدف الذي نسعى إليه منذ الخطوة الأولى. لقد سمعنا هذا الكلام قبل ما يقرب من نصف قرن عندما بدأت انتكاسه التعريب الجامعي وتراجعت بعض الجامعات العربية عن التدريس بالعربية إلى التدريس باللغة الإنجليزية بحجة اكتساب الزمن وعدم تضييع الفرصة في الترجمة، وبحجة الاطلاع الواسع على المراجع الإنجليزية المتعددة والمتوفرة. وكانت النتيجة ما ترون الآن من تراجع في العالم العربي في جميع المجالات. وإنكم ترون ما آلت إليه الجامعات في العالم العربي.
الأمة لا تنهض بلغة غيرها. فإن الأمم لا تنهض ولا تتقدم إلا بلغتها. ولم يسجل التاريخ أن نهضت أمة بغير لغتها.
تسلط هذه الدراسة الضوء على تآكل واضمحلال اللغة الأولى (لغة الأم) وانهدام أركانها وتفتيت بنيتها القواعدية وتراكيبها وبلاغتها نتيجة لاحتكاكها باللغة الثانية (اللغة الإنجليزية) في المواقف التعليمية في إطار ما يسمى التعليم ثنائي اللغة (Bilingualism)، والإطار الموازي له المسمى التعليم متعدد اللغات (Multilingualism) الذي قد يكون أشد خطورة منه.
إن كثيراً من الدراسات التي أجريت لمعرفة التأثيرات الحاصلة على لغة الأم في إطار التعليم ثنائي اللغة أو التعليم متعدد اللغات في عدة أقطار في دول العالم تشير إلى تدهور قدرات الطلاب في اللغة الأولى (لغة الأم)، وإلى ظهور حالات مرضية لدى الطلاب من قبيل العجز اللغوي وفقدان القدرة على التفكير السوي نتيجة للتشويش واختلاط الأمور في ذهن الطفل.
إن ظاهرة اضمحلال اللغة الأولى وتآكلها أضحت تنمو وتتفاقم في الأفراد الذين يدرسون في نظام التعليم ثنائي اللغة، وبدأت تتفشى في المجتمع بعامة سواء في المجتمع الأصلي أو في الأقليات المهاجرة، وقد تصل هذه الظاهرة في نهايتها كما وصلت بالفعل في بعض المجتمعات إلى ما يسمى (موت اللغة الأصلية) (Seliger & Vago, 1991, p.9, Dorian, 1981, Schmidt, 1985).
ونجد على أرض الواقع أن التعليم ثنائي اللغة بدأ ينتشر بسرعة عجيبة في وطننا العربي.
إن ظاهرة تراجع اللغة العربية واضمحلالها وتآكلها في الوطن العربي أصبحت واضحة للعيان بحيث لا يمكن تجاهلها. إن اللغة العربية تستصرخ ذوي الضمائر الحية من أصحاب الحس الوطن؛ فهل من مغيث؟!
وقد استخدمت الدراسات اللغوية في مجال الاضمحلال والتآكل اللغوي للغة الأصلية تحت تأثير اللغة الأجنبية أنواعاً مختلفة من البيانات، وأنماطاً متعددة من طرق جمع المعلومات وتبويبها وتحليلها؛ تضمنت المقابلات والتسجيلات الصوتية والترجمات وردود الفعل وسرد القصص والتحفيز على الاستجابة بالصور الثابتة والمتحركة، ونماذج التشجيع والاختبارات المعيارية المقننة والحوارات المفتوحة. وقد تفرع عن هذه الدراسات ما يسمى بالبحوث النفس لغوية (Psycholinguistics) والبحوث المركزة على الجانب اللغوي المجتمعي لاضمحلال اللغة الأصلية للمجتمع (sociolinguistic aspects of first ******** attrition)، ومن العجائب التي تضعف اللغة الأولى في المدرسة ثنائية اللغة هو الاستعمال المتكرر للغة الثانية المتمثل في استعمالها في تدريس المواد الأخرى، وفي التعامل والتواصل مع الطلاب، ومما يزيد الطين بلة، أن الأهل مضطرون لاستعمالها لتدريس أبنائهم في بيوتهم، فينغمس الطالب بهذه اللغة في المدرسة والبيت، الأمر الذي يخرج اللغة العربية من حياته، وهم بهذا الفعل يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المدرسين الخصوصيين الذين يحضرونهم لتعليم أبنائهم. وهكذا يتضاءل دور اللغة العربية في الحياة اليومية للطالب، وتُسلب وظائفها الحياتية وتعطى للغة الأجنبية؛ فلا يشعر المتعلم بحاجة إليها وينظر لها نظرة دونية، ومما زاد الظاهرة تفاقمًا في معظم البلاد العربية ما نشاهده في المحلات التجارية والشركات ومخازن الأغذية الكبرى من تسجيل أسماء المواد الغذائية بالأسماء الإنجليزية، رغم أن المستهلكين معظمهم من العرب، بحيث أصبح اسم الجزر "كاروت" واسم البصل "أُنيون"، كما أفادت إحدى الأمهات.
أما المراسلات بين المؤسسات الاقتصادية والشركات فأصبحت تجرى باللغة الإنجليزية، وفي بعض البلدان العربية تجاوز الأمر المؤسسات الأهلية إلى المؤسسات والدوائر الحكومية. إن إخراج اللغة الأولى (العربية) من التعاملات في المجتمع هو أحد أهم العوامل "المجتمع لغوية "sociolinguistic الذي يغذي ويقوي تآكل اللغة العربية ويسرع فـي اضمحلالها ويجعلـها غـريبة في وطنـها ويحولـها إلى لـغة ثانية بـل إلى لغـة ميتة بين أهلـها. ويمكن الرجوع في هذا الصدد إلى دراسات كثيرة منها دراسة (Dressler, 1991, Seliger&Vago,1991, Corvalan, 1991) ودراسات كثيرة غيرها رغم أنها أجريت على لغات غير اللغة العربية، واللغة العربية لا بواكي لها.
ومن العوامل "المجتمع لغوية" المؤثرة في اضمحلال اللغة الأولى خضوعها أو تبعيتها وتراجعها أمام اللغة الثانية في المجال العاطفي مثل: عدم الاحترام، وعدم إعطائها المكانة الاجتماعية وضعف الاتجاهات الإيجابية نحوها.
لقد حضرت حفلة تخريج في إحدى الجامعات في إحدى المدن العربية وكانت جميع الكلمات التي ألقيت في الحفل باللغة الإنجليزية؛ ولك أن تتخيل الرسالة التربوية التي تعطى للشباب والمجتمع بمثل هذا التصرف.. ويمكن الرجوع للتعرف على أثر المجال العاطفي في تراجع اللغة الأصلية إلى دراسة دريسلر وجوليان ماهر (Dressler, 1991, Maher, 1991).
قد لا يحس الناس بتآكل اللغة الأولى واضمحلالها بالسنوات الأولى للتعليم ثنائي اللغة؛ لأن الأثر التربوي يحتاج إلى سنوات لا تقل عن عشر إلى خمسة عشر سنة حين تصبح نتائجه واضحة للعيان في المجتمع. ولكن الخبراء يمكنهم تبين النواتج التربوية قبل ذلك بكثير. ومن الدراسات التي عالجت هذا الأمر دراسة (Carvilan,1991,Schmidt,1991). ففي بداية السنوات الأولى يحاول الطفل إخضاع اللغة الثانية لقواعد لغة الأم، ثم ما يلبث أن يتبين أن لكل لغة قواعدها الخاصة بها، فيحاول الاحتفاظ بقواعد كل لغة على حدة، ولكن استمرارية التعليم باللغة الأجنبية والاستعمال المتكرر لها في المدرسة والمجتمع ووسائل الإعلام تجعل الطفل يخضع لغة الأم للغة الثانية. فتهيمن اللغة الثانية على بنيته العقلية اللغوية وتخضع اللغة الأولى في حياته للغة الأجنبية إلى الأبد وهذا هو موت اللغة الأولى.

تعليق