الأخطاء اللغوية في الإعلام العربي
الأستاذ الدكتور داود عبده
أستاذ علم اللغة في جامعة فيلادلفيا- الأردن
الأستاذ الدكتور داود عبده
أستاذ علم اللغة في جامعة فيلادلفيا- الأردن
ليس موضوع الأخطاء اللغوية في وسائل الإعلام وغيرها جديدا, فقد تناوله الكثيرون, ولكنني اهتممت ببعض ما لم يهتمّ به الآخرون وتناولت بعض ما تناولوه بطريقة مختلفة. وسأكتفي بالإشارة إلى أربعة منهم وجدت اتفاقا بيني وبينهم في كثير من النتائج التي توصلوا إليها, وهم كمال بشر ونهاد الموسى وأحمد مختار عمر وجعفر عبابنه. ففي عام 1979 عرض كمال بشر في جامعة الكويت بحثا عنوانه "الأخطاء الشائعة في نظام الجملة بين طلاب الجامعات".(1) وفي عام 1984 صدر كتاب نهاد الموسى اللغة العربية وأبناؤها: أبحاث في قضية الخطأ وضعف الطلبة في اللغة العربية. (2) وفي عام 1991 صدر كتاب أحمد مختار عمر أخطاء اللغة العربية المعاصرة عند الكتاب والإذاعيين.(3) وأخيرا في عام 2000 عرض نهاد الموسى وجعفر عبابنة بحثين في ندوة اللغة العربية ووسائل الإعلام في جامعة البترا, الأول عنوانه "ظاهرة الخطأ في لغة الإعلام" (4) والثاني عنوانه "الأخطاء النحوية والتركيبية في وسائل الإعلام". (5).
وقد بدأ اهتمامي بهذا الموضوع قبل خمس سنوات بمحض الصدفة, فقد أبدى صديق إعجابه بمذيعي إذاعة لندن العربية, فأخذت – بدافع الفضول - أسجل ما أسمع من أخطائهم منذ ذلك الحين كلما أتيح لي أن أفعل ذلك. وكنت أسجّل التاريخ والأسماء ما استطعت. ثم أخذت أضيف ما كنت أسمع من أخطاء من بعض الفضائيات, وبخاصة الجزيرة وأبوظبي والأردنية والمنار. والنتيجة التي توصلت إليها هي أنّ ما ذكره المعجَب بالإذاعيين في إذاعة لندن ربما كان صحيحا في العصور الغابرة, ولكنه بالتأكيد ليس صحيحا اليوم, فاليوم كلنا في الهم شرق!
غير أنني قبل أن أتحدث عن الظواهر والأخطاء اللغوية التي وجدتها شائعة فيما سمعته أود أن أشير إلى جانب إيجابي في الإعلام المسموع, فمن السارّ أن نجد أن الحديث بالفصحى يحتلّ مكانة بارزة في كلام المشتركين في الحوارات والمناقشات وبعض المسلسلات. وقد شاهدت معظم حلقات أحد هذه المسلسلات, وهو مسلسل أبي الطيب المتنبي الذي عرضته فضائية أبو ظبي وسجّلت بعض الأخطاء اللغوية التي وردت في الحلقات التي شاهدتها. وسأشير إلى هذه الأخطاء في ثنايا حديثي عن الأخطاء الأخرى التي سجّلتها. وكنت أتمنى – وما نيل المطالب بالتمني – أن تخلو الفصحى التي نسمعها من الأخطاء اللغوية, ولكنّ الحديث بالفصحى, رغم الأخطاء, أفضل من الحديث باللهجات العامية.
وقبل أن أتحدّث عن الأخطاء اللغوية الشائعة وبعض أسبابها سأتناول بعض الظواهر السائدة في وسائل الإعلام التي أشرت إليها:
الظاهرة الأولى هي ظاهرة الأصوات العامية:
وأعني بها ظاهرة التمسك بالسمات اللهجية في اللفظ, فكثيرون لا يزالون يلفظون الثاء سينا والذال زايا والظاء زايا مفخمة. ومن أمثلة ما سجّلته من ألفاظ, وهي كثيرة جدا: يسعون حسيسا, وبلغ أرزل العمر, والعُسور على جُسّة, وزَهيرة الاسنين. وأصحاب هذا اللفظ لا يميزون بين كثير وكسير, وثناء وسناء, وذلّ وزلّ, وذكيّ وزكيّ.
هذه فئة. وفئة ثانية تلفظ القاف غينا, فتخلط بين الاستقلال والاستغلال,والقريب والغريب.
وفئة ثالثة تلفظ الجيم شينا مجهورة (جيما مستمرة). ومن أمثلة ما ورد في مسلسل أبي الطيب: فما نجوت إن نجا, وجئتك لاجئة, وحُجّاج (بلفظ الجيم شينا مجهورة, كالجيم في الفرنسية, وقد سماها بعض اللغويين "الجيم السورية"). وهذه الظاهرة شائعة في بعض المدن دون الريف والبادية.
غير أن ظاهرة لفظ الضاد ظاء تبدو شائعة أكثر من غيرها. وإذا كانت لغة الضاد لا تميّز بين ضلّ وظلّ, وحضر وحظر, وضنّ وظنّ, وحضٌّ وحظٌّ, فهذا محزن حقا. وقد بلغ من شيوع هذه الظاهرة أن انتقلت إلى الكتابة, فقد قرأت في صحيفة أردنية قبل أيام دعوة إلى "تظافر الجهود". ومثل هذا الخطأ في الكتابة شائع جدا فيما يكتبه بعض الطلاب, فكلمة "ضرب", مثلا, تُكتب "ظرب", و"نظام" تُكتب "نضام"!
ومن اللفظ العاميّ جعل الفتحة السابقة للتاء المربوطة كسرة مائلة, كما في: القمة العربية الحالية, وكتلة هوائية باردة (بلفظ الفتحة السابقة للتاء المربوطة كسرة مائلة).
ومنها تحويل لام التعريف جيما قبل الجيم, فنحن نسمع عبارات مثل: مكافحةُ جَّريمة, والإقامةُ جَّبريّة, وبينَ جّانبين, (وشكرا لاتصالكم بجّامعة الأردنية!), جاعلين الجيم صوتا شمسيا في حين أنها في الفصحى من الأصوات "القمرية".
ومن الظواهر اللافتة اختلاف موقع النبر. فمن المتحدثين من يضع النبر في كلمات مثل "أعلن" و"غادر" و"مشكلة" على المقطع الأول, ومنهم من يضعه على المقطع الثاني. ولكن بما أنّ اختلاف موقع النبر لا يؤثّر على المعنى إلا في حالات قليلة, فقد لا يكون لاختلاف موقعه أهمية كبيرة. (6)
ورغم كل مظاهر اللفظ العاميّ التي ذكرتها فهناك ما يدعو إلى التفاؤل, فقد لاحظتُ أنّ كثيرا من المتحدثين يحاولون التخلي عن السمات اللفظية للهجاتهم, فكثير من إخوتنا المصريين, على سبيل المثال, ينطقون الجيم جيما (مع أنّ /g/ هي أصل الجيم وليس العكس كما يظن الكثيرون(7)). وكثير من أبناء اللهجات التي تخلو من الثاء والذال والظاء أخذوا ينطقون الثاء ثاء, والذال ذالا, والظاء ظاء. بل إنّ منهم من بالغ في التصحيح فوقع في الخطأ, كقول أحدهم: "رائحته ذكيّة", وقول آخر: "الغثّ والثمين", وقول ثالث: "هذا وضع مُـخْذٍ". وكان أحد المذيعين ينجح في معظم الأحيان في لفظ الثاء وأختيها, فإذا واجهته كلمة فيها ثاءان, كثلاثة وثالث, وجد صعوبة في نطق الثاء الثانية, فقال: ثلاسة وثالس !
وعندما أطالب بالتخلّي عن بعض سمات اللهجات العامية, فإنـّني أفعل ذلك حرصا على وحدة اللغة التي هي أهم أركان وحدة الأمة, وليس لأنني أتفق مع آراء من يتّهم اللهجات العامية ظلما بأنها لا ضابط لها ولا قواعد. ويبدو أن مفهوم القواعد عند من يقولون إن اللهجات العامية لا قواعد لها مفهوم ضيق يقتصر على حركات الإعراب, فللهجات العامية – ككلّ اللغات واللهجات في العالم – قواعد صوتية وقواعد لتركيب الكلمة وقواعد لتركيب الجملة. والجدير بالذكر أن كثيرا من هذه القواعد على المستويات الثلاثة لا يختلف عن قواعد الفصحى(8) . وقبل قليل دعوت إلى التخلي عن قاعدة من قواعد العامية الصوتية حين طالبت بالتمسّك باللام القمرية مع الجيم, رغم أن القاعدة العامة في لفظ لام التعريف هي ما نسمعه في اللهجات العامية, فالجيم – كالشين – صوت أدنى حنكي (غاريّ), أي من الأصوات "الشمسية" (9).
الظاهرة الثانية هي ظاهرة التسكين:
وهي ظاهرة مألوفة منذ زمن طويل. فاللغة العربية تجيز الوقف. وقد حُذفت حركة الإعراب في بعض الكلمات في القراءات القرآنية. وورد في الشعر كثير من التسكين. ولكن التسكين في وسائل الإعلام بلغ حدا غير مقبول, فهو يقع في مواقع لا يحسن الوقوف فيها, كتسكين كلمة في وسط مكوّن جمليّ, كالمضاف والمضاف إليه, والموصوف وصفته, والاسم والضمير المتصل به, كما تشير الأمثلة التالية: رئيسْ ألوفدْ, وغيرْ صحيحْ, واللقاءْ ألقصيرْ.
وأخذنا نسمع السكون في آخر كلمات تعوّدنا سماع حركاتها الأخيرة, مثل: ليسْ وسوفْ وحيثْ ونحنْ ومعْ والذينْ ومن ثـَمّ ْْ . وأخذنا نسمع جملا تُقرأ كلّ كلماتها أو معظمها ساكنة الآخر, وهذا يستدعي قراءتها مقطعة الأوصال وتحويل همزات الوصل فيها إلى همزات قطع.
وظنّ الذين يسكّنون أنهم يطبقون المقولة المشهورة "سكّنْ تسلمْ ". ولكنّ للتسكين آثارا جانبية أبعد ما تكون عن السلامة. من هذه الآثار:
1- الفعل المضارع المرفوع والفعل المضارع المنصوب يصبحان مجزومين. الرئيسُ يسافرْ غدا ولن يحضرْ... وعندما قال المتنبي (الممثل) في مسلسل أبي الطيب: لماذا لا تقرأِ القرآنَ جيدا؟ بتسكين "تقرأ" فإنه اضطرّ إلى إضافة كسرة منعا لالتقاء الساكنين, فبدا الفعل مجزوما.
2- الاسم المرفوع والاسم المنصوب يصبحان مجرورين إذا أُضيفت كسرة منعا لالتقاء الساكنين : قال رئيسِ الوفد إنّه يحثّ جميعِ الأطراف, وهذا شائع جدا. وعلى نطاق أضيق تلجأ بعض اللهجات إلى الفتحة للتخلص من التقاء الساكنين(بدل الكسرة), فيصبح الاسم المرفوع والاسم المجرور منصوبين.
3- حذف التنوين الدالّ على النصب والألف التي تحلّ محلّه عند الوقف: ليس صحيحْ, كان هذا واضحْ, ستعطيه اهتمامْ كبيرْ.
4- سقوط التاء المربوطة, كما في "قضيتُ الليلَ الماضيَ " ( والمقصود: قضيتُ الليلة الماضية). وجدير بالذكر أنّ لفظ التاء المربوطة واجب (في الفصحى والعامية على السواء) إذا كانت الكلمة التي تنتهي بها مضافا, مثل: مدينة القاهرة, ومشكلة اللاجئين. (10)
5- انتهاء الكلمة الساكنة بفتحة توهم بأنّ ذلك خطأ في حركة الإعراب, وهي في الواقع ليست سوى فتحة أداة التعريف في الكلمة التالية: قال رئيسَ الوفد (رئيسْ اَلوفد). وقد تكون هذه الفتحة مضافة منعا لالتقاء الساكنين عند أصحاب اللهجات التي تلجأ إلى الفتحة في تطبيق هذه القاعدة الصوتية, كما ذكرت قبل قليل.
6- مخالفة القاعدة الصوتية التي لا تجيز توالي ثلاثة أصوات صحيحة (التقاء ساكنين): وحْدْكم, وضرْبْهم, وتحتلـّـْها .
ومن نتائج التسكين أمثلة وقعت أكثر ما وقعت في حديث الناطقين باللهجة القاهرية, منها:
- تحويل تاء المتكلم وتاء المخاطب المذكر إلى تاء المخاطبة نتيجة إضافة كسرة منعا لالتقاء الساكنين: أنا اتـّصلتِ به, وأنتَ قلتِ في حديثك, وكما أشرتِ حضرتَك.
- تقصير الحركة الطويلة لوقوعها قبل صحيحين متواليين (قبل ساكن) في وسط الكلمة نتيجة لتسكين الصحيح الأول منهما, مثل: إغلاقُ أبوَبْها ومصادرةُ أموَلْها, وشراءُ الأسلحةِ وتكدِسْها. (11)
- حذف التـنوين في مثل: توفيرْ دعمِ ماليّ, وعنفْ وعنفِ مضادّ. ومن المعروف أنّ التسكين هو حذف الحركة الأخيرة في الكلمة وحذف التنوين (إن كان ثمة تنوين) نتيجة لذلك. وما حدث هنا هو ظهور حركة (مضافة للتخلّص من التقاء الساكنين) دون ظهور تنوين بعدها, وهي ظاهرة غريبة عن سمات العربية الفصحى.
وعلى عكس المسكّنين نجد أحيانًا من يطيب له أن يحرّك الساكن (بسبب الجهل بقواعد اللغة), كما في: ولم يسبقَ لأحدٍ, ولا تشغلَ بالك, وتؤدّي ما تؤديَهُ, ووحدة أراضيَها. ولكنّ أطرف مثال على تحريك الساكن إصرار أحد المذيعين على إضافة ضمة إلى كلمة "فقط", فهو يلفظها "فَقَطُ". وقد وردت في النشرات التي أذاعها عشرات المرات. ولا أدري من أين أتى بهذه الضمة, فكلمة "فقطْ" تتألّف من فاء و"قَطْ", بسكون الطاء, وهي تعـني "فحسْب" أو "يكفي". (12)
الظاهرة الثالثة هي ظاهرة زوال همزة الوصل:
لاحظنا في بعض الأمثلة السابقة كثرة تحويل همزة الوصل إلى همزة قطع. وقد بدأنا نسمع همزة القطع في مواقع لم نكن نحلم في أسوأ كوابيسنا أن نسمعها فيها. وإليكم أمثلة لا أشكّ في أنكم بُليتم بسماع مثلها: شكرا لِأزّميل, وَألسياسةُ أَلخارجيةْ لِألحكومةِ ألجديدة, ونقدّمُ إستعراضنا لِألصحفِ أَلعربية.
ويكثر تحويل همزة الوصل إلى همزة قطع بعد أداة التعريف, مثل: الإقتصاد والإعتراف والإستمرار والإستقبال وكثير غيرها.
وتكثر كذلك في لفظ بعض الكلمات كاسم وابن واثنين. وقد ورد على لسان المتنبي (الممثل) في مسلسل أبي الطيب: للإطمئنان على إبني, وتستحقّ الإحترام. وقال ابن خالويه (الممثل): الإثنان, وللعسل ثمانون إسما. والطريف أن زوجة القيصر في المسلسل كانت أفصح من المتنبي (الممثل) وابن خالويه (الممثل) حين قالت: كيف أقسّم جسدي بين اثنين؟ (ولم تقل: بين إثنين). وهكذا يمكن القول إنّ همزة الوصل في طريقها إلى الزوال في وسائل الإعلام العربي وفي العربية المعاصرة بعامة.
الظاهرة الرابعة هي ظاهرة "أو":
وقد بدأت محدودة وأصبحت الآن على معظم الألسنة. في الماضي كان المذيع يعتذر إذا أخطأ, وإذا لم يعتذر, فإنه على الأقلّ يصحح الخطأ بطريقة تدلّ على الاعتراف به, مستعملا كلمة "بل" أو ما شابهها. أما جيل الإذاعيين الصاعد فإنه حين يدرك أنه أخطأ يلجأ إلى "أو" متبوعة بالكلمة المصحّحة, كأن لا فرق بين الخطأ والصواب. وكثير من الأمثلة التي سجلتها من ظاهرة "أو" تدلّ على أن أصحابها لا يستطيعون قراءة ما ليس مشكولا, بل لا يستطيعون التعرّف على بعض الكلمات إلا بعد إعادة النظر فيها, فيقرأون "المطار" "إطارا" و"الأسئلة" أسلحة, ولا يميزون بين "يحثّ" و"يبحث". وكان من الممكن عدم وقوعهم في الخطأ لو أنهم أعدّوا أنفسهم لقراءة النص قبل مواجهة المستمعين. وفيما يلي قليل من الكثير الذي سجّلته:
يَعقد أو يُعقد, تَذْكر أو تـُذَكّر, تنسحب أو تسحب, يبحث أو يحثّ, إطار أو مطار, الاجتماع أو الإجماع, يحتاج أو يحتجّ, الإجابة عن كل الأسلحة أو الأسئلة, ينتحرون على أساورها أو أسوارها. وهذا غيض من فيض.
الظاهرة الخامسة هي ظاهرة "يعني":
وإذا كانت ظاهرة "أو" قد شملت معظم الألسنة, فإنّ ظاهرة "يعني" قد أصبحت على كل لسان. فهي ظاهرة عجيبة أقرب إلى الوباء. ولا أعرف أحدًا تحدّث دون إعداد سلم منها. حتى الأجانب ممن يتكلمون اللغة العربية أصابتهم العدوى. ولعلكم سمعتم الناطق باسم الحكومة البريطانية جرالد رسل وجمله التي تكثر فيها "يعني". وقد لاحظت أنّ من المتحدّثين من يفتتح كل جملة يقولها بـ"يعني". ولعل أطرف ما سمعته من "اليعنيات" قول أحد المذيعين: "نرحب يعني بضيفنا"! وقوله في مناسبة أخرى "إذن يعني شكرا لكِ". وقد سمعت بعض العرب يتحدثون باللغة الإنجليزية, فلا يبخلون على سامعيهم من الأجانب بسيل من "يعني" التي لا تعني لهم شيئا.
الأخطاء اللغوية وأسبابها:
أنتقل الآن إلى الأخطاء اللغوية في وسائل الإعلام. ولعلّ هذا هو الوقت المناسب لإتحافكم بنماذج من أخطاء فئة من الإذاعيين لم يستطيعوا التعرف على الكلمة من السياق لأنها كانت غير مشكولة. ولم يصحّحوا أخطاءهم لأنهم لم يفهموا ماقرأوه. وفيما يلي بعض الأمثلة:
يؤََثـّر الموتُ على تسليم نفسه (بدل "يُؤْثِر الموتَ"). هذا يؤَذّن بنتيجة خطيرة (بدل "يُؤْذِن"). يدور فيها قتال ضارٌّ (بدل "ضارٍ"). هذا خبر عارٌ من الصحة (بدل "عارٍ"). السلطات الأمنية تـُعِدّ بالقبض عليهم (بدل "تَعِد"). يشْكون في صحة التقرير (بدل "يَشُكّون"). أحد الجريحـِينَ كان طفلا (بدل "جريحَيْنِ"). كانت محصّنة بفضل مراقبةِ مَحْكمة (بدل "بفضل مراقبةٍ مُحْكَمة").. تخترق المـُرَكّبات المدرّعة (بدل "المَرْكبات"). الأخطار التي تَُحـَدّق بالتلاميذ (بدل "تُحْدِق"). كادت تؤدّي بحياته (بدل "تُودي"). نجله متْهم بالإتْجار بالمخدّرات (بدل "متـَّهم بالاتـِّجار"). أقسم بـِنْ لادن بأغلظ الإِيمان (بدل "الأََيْْمان"). تطالب تركيا بمنْح قيمتِها عشرةِ مليارات دولار (بدل "مِنَحٍ قيمتُها عشَرةُ مليارات"). أنـَحـّت باللائمة عليهم (بدل "أنْحَتْ"). أما أنا فلا أدري على من "أُنِحّ" باللائمة في تعيين هؤلاء المذيعين.
وواضح من الأمثلة السابقة أن مُعِدّ النصوص التي وردت فيها تلك الأمثلة غير قارئها, وأنّها لم تكن مشكولة لأنّ معدّها كان يَفترض أن القارئ يتقن اللغة العربية. ولو كانت مشكولة لنجونا من سماع بعضها. (أقول "بعضها" لأنّ أصحاب مثل هذه الأخطاء قد يجدون أيضا صعوبة في قراءة الكلمات المشكولة!)
ورغم أنّ الأخطاء اللغوية التي وردت في مسلسل أبي الطيب لا تنتمي إلى الفئة السابقة, فإنني سأذكر لكم طرفا منها لتروا أن الأخطاء اللغوية ظاهرة واسعة الانتشار, لم يستطع الحيلولة دونها في هذا المسلسل إشراف ثلاثة مصححين لغويين. وسأكتفي بأمثلة من الأخطاء التي وردت على لسان المتنبي (الممثل), لا لأنها كانت أكثر من أخطاء غيره, بل لما للمتنبي (الشاعر) من مكانة رفيعة في اللغة العربية. من هذه الأخطاء:
لا تتحدث كالسَّوَقة (يقصد السُّوقَـة), وانا مبتلٍ به (يقصد مبتلىً), وهل تسمحي لي؟, وقد تستطيعَ, وسيأتيني شعراءٌ, وأصبحت عيناه مثلُ عينيّ. والعجيب أنّ الممثّل الذي مثّل دور الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس أخطأ (في الحلقات التي شاهدتها.) في قراءة سبعة أبيات من شعره منها:
- نـَعُدّ المشرفية والعوالي وتقتلنا المنون بلا قتالِ
(الشاعر يُعِدّ المشرفية والعوالي والممثل يَعُدّها)
- إني نزلت بكذابين ضيفَهمُ عن القرى وعن الترحال محدود (يقصد:ضيفُهمُ)
- أبنتَ الدهر عندي كلّ بنتٍ فكيف وصلت أنت من الزُّحام؟ (يقصد:الزِّحام)
- قابضا كفّه اليمينَ على الدنـــــــــــيا ولو شاء حازها بالشَّمال (يقصد: الشِّمال)
(والخلط بين الشَّمال والشِّمال, والجـَنوب والجـُنوب شائع جدا.)
أما في الأبيات الثلاثة الأخرى فقد أدخل الممثل تغييرات على بعض ما قاله الشاعر, فنتج من ذلك خلل في العروض. (13)
والسؤال الذي سأحاول الإجابة عنه الآن هو:
وقد بدأ اهتمامي بهذا الموضوع قبل خمس سنوات بمحض الصدفة, فقد أبدى صديق إعجابه بمذيعي إذاعة لندن العربية, فأخذت – بدافع الفضول - أسجل ما أسمع من أخطائهم منذ ذلك الحين كلما أتيح لي أن أفعل ذلك. وكنت أسجّل التاريخ والأسماء ما استطعت. ثم أخذت أضيف ما كنت أسمع من أخطاء من بعض الفضائيات, وبخاصة الجزيرة وأبوظبي والأردنية والمنار. والنتيجة التي توصلت إليها هي أنّ ما ذكره المعجَب بالإذاعيين في إذاعة لندن ربما كان صحيحا في العصور الغابرة, ولكنه بالتأكيد ليس صحيحا اليوم, فاليوم كلنا في الهم شرق!
غير أنني قبل أن أتحدث عن الظواهر والأخطاء اللغوية التي وجدتها شائعة فيما سمعته أود أن أشير إلى جانب إيجابي في الإعلام المسموع, فمن السارّ أن نجد أن الحديث بالفصحى يحتلّ مكانة بارزة في كلام المشتركين في الحوارات والمناقشات وبعض المسلسلات. وقد شاهدت معظم حلقات أحد هذه المسلسلات, وهو مسلسل أبي الطيب المتنبي الذي عرضته فضائية أبو ظبي وسجّلت بعض الأخطاء اللغوية التي وردت في الحلقات التي شاهدتها. وسأشير إلى هذه الأخطاء في ثنايا حديثي عن الأخطاء الأخرى التي سجّلتها. وكنت أتمنى – وما نيل المطالب بالتمني – أن تخلو الفصحى التي نسمعها من الأخطاء اللغوية, ولكنّ الحديث بالفصحى, رغم الأخطاء, أفضل من الحديث باللهجات العامية.
وقبل أن أتحدّث عن الأخطاء اللغوية الشائعة وبعض أسبابها سأتناول بعض الظواهر السائدة في وسائل الإعلام التي أشرت إليها:
الظاهرة الأولى هي ظاهرة الأصوات العامية:
وأعني بها ظاهرة التمسك بالسمات اللهجية في اللفظ, فكثيرون لا يزالون يلفظون الثاء سينا والذال زايا والظاء زايا مفخمة. ومن أمثلة ما سجّلته من ألفاظ, وهي كثيرة جدا: يسعون حسيسا, وبلغ أرزل العمر, والعُسور على جُسّة, وزَهيرة الاسنين. وأصحاب هذا اللفظ لا يميزون بين كثير وكسير, وثناء وسناء, وذلّ وزلّ, وذكيّ وزكيّ.
هذه فئة. وفئة ثانية تلفظ القاف غينا, فتخلط بين الاستقلال والاستغلال,والقريب والغريب.
وفئة ثالثة تلفظ الجيم شينا مجهورة (جيما مستمرة). ومن أمثلة ما ورد في مسلسل أبي الطيب: فما نجوت إن نجا, وجئتك لاجئة, وحُجّاج (بلفظ الجيم شينا مجهورة, كالجيم في الفرنسية, وقد سماها بعض اللغويين "الجيم السورية"). وهذه الظاهرة شائعة في بعض المدن دون الريف والبادية.
غير أن ظاهرة لفظ الضاد ظاء تبدو شائعة أكثر من غيرها. وإذا كانت لغة الضاد لا تميّز بين ضلّ وظلّ, وحضر وحظر, وضنّ وظنّ, وحضٌّ وحظٌّ, فهذا محزن حقا. وقد بلغ من شيوع هذه الظاهرة أن انتقلت إلى الكتابة, فقد قرأت في صحيفة أردنية قبل أيام دعوة إلى "تظافر الجهود". ومثل هذا الخطأ في الكتابة شائع جدا فيما يكتبه بعض الطلاب, فكلمة "ضرب", مثلا, تُكتب "ظرب", و"نظام" تُكتب "نضام"!
ومن اللفظ العاميّ جعل الفتحة السابقة للتاء المربوطة كسرة مائلة, كما في: القمة العربية الحالية, وكتلة هوائية باردة (بلفظ الفتحة السابقة للتاء المربوطة كسرة مائلة).
ومنها تحويل لام التعريف جيما قبل الجيم, فنحن نسمع عبارات مثل: مكافحةُ جَّريمة, والإقامةُ جَّبريّة, وبينَ جّانبين, (وشكرا لاتصالكم بجّامعة الأردنية!), جاعلين الجيم صوتا شمسيا في حين أنها في الفصحى من الأصوات "القمرية".
ومن الظواهر اللافتة اختلاف موقع النبر. فمن المتحدثين من يضع النبر في كلمات مثل "أعلن" و"غادر" و"مشكلة" على المقطع الأول, ومنهم من يضعه على المقطع الثاني. ولكن بما أنّ اختلاف موقع النبر لا يؤثّر على المعنى إلا في حالات قليلة, فقد لا يكون لاختلاف موقعه أهمية كبيرة. (6)
ورغم كل مظاهر اللفظ العاميّ التي ذكرتها فهناك ما يدعو إلى التفاؤل, فقد لاحظتُ أنّ كثيرا من المتحدثين يحاولون التخلي عن السمات اللفظية للهجاتهم, فكثير من إخوتنا المصريين, على سبيل المثال, ينطقون الجيم جيما (مع أنّ /g/ هي أصل الجيم وليس العكس كما يظن الكثيرون(7)). وكثير من أبناء اللهجات التي تخلو من الثاء والذال والظاء أخذوا ينطقون الثاء ثاء, والذال ذالا, والظاء ظاء. بل إنّ منهم من بالغ في التصحيح فوقع في الخطأ, كقول أحدهم: "رائحته ذكيّة", وقول آخر: "الغثّ والثمين", وقول ثالث: "هذا وضع مُـخْذٍ". وكان أحد المذيعين ينجح في معظم الأحيان في لفظ الثاء وأختيها, فإذا واجهته كلمة فيها ثاءان, كثلاثة وثالث, وجد صعوبة في نطق الثاء الثانية, فقال: ثلاسة وثالس !
وعندما أطالب بالتخلّي عن بعض سمات اللهجات العامية, فإنـّني أفعل ذلك حرصا على وحدة اللغة التي هي أهم أركان وحدة الأمة, وليس لأنني أتفق مع آراء من يتّهم اللهجات العامية ظلما بأنها لا ضابط لها ولا قواعد. ويبدو أن مفهوم القواعد عند من يقولون إن اللهجات العامية لا قواعد لها مفهوم ضيق يقتصر على حركات الإعراب, فللهجات العامية – ككلّ اللغات واللهجات في العالم – قواعد صوتية وقواعد لتركيب الكلمة وقواعد لتركيب الجملة. والجدير بالذكر أن كثيرا من هذه القواعد على المستويات الثلاثة لا يختلف عن قواعد الفصحى(8) . وقبل قليل دعوت إلى التخلي عن قاعدة من قواعد العامية الصوتية حين طالبت بالتمسّك باللام القمرية مع الجيم, رغم أن القاعدة العامة في لفظ لام التعريف هي ما نسمعه في اللهجات العامية, فالجيم – كالشين – صوت أدنى حنكي (غاريّ), أي من الأصوات "الشمسية" (9).
الظاهرة الثانية هي ظاهرة التسكين:
وهي ظاهرة مألوفة منذ زمن طويل. فاللغة العربية تجيز الوقف. وقد حُذفت حركة الإعراب في بعض الكلمات في القراءات القرآنية. وورد في الشعر كثير من التسكين. ولكن التسكين في وسائل الإعلام بلغ حدا غير مقبول, فهو يقع في مواقع لا يحسن الوقوف فيها, كتسكين كلمة في وسط مكوّن جمليّ, كالمضاف والمضاف إليه, والموصوف وصفته, والاسم والضمير المتصل به, كما تشير الأمثلة التالية: رئيسْ ألوفدْ, وغيرْ صحيحْ, واللقاءْ ألقصيرْ.
وأخذنا نسمع السكون في آخر كلمات تعوّدنا سماع حركاتها الأخيرة, مثل: ليسْ وسوفْ وحيثْ ونحنْ ومعْ والذينْ ومن ثـَمّ ْْ . وأخذنا نسمع جملا تُقرأ كلّ كلماتها أو معظمها ساكنة الآخر, وهذا يستدعي قراءتها مقطعة الأوصال وتحويل همزات الوصل فيها إلى همزات قطع.
وظنّ الذين يسكّنون أنهم يطبقون المقولة المشهورة "سكّنْ تسلمْ ". ولكنّ للتسكين آثارا جانبية أبعد ما تكون عن السلامة. من هذه الآثار:
1- الفعل المضارع المرفوع والفعل المضارع المنصوب يصبحان مجزومين. الرئيسُ يسافرْ غدا ولن يحضرْ... وعندما قال المتنبي (الممثل) في مسلسل أبي الطيب: لماذا لا تقرأِ القرآنَ جيدا؟ بتسكين "تقرأ" فإنه اضطرّ إلى إضافة كسرة منعا لالتقاء الساكنين, فبدا الفعل مجزوما.
2- الاسم المرفوع والاسم المنصوب يصبحان مجرورين إذا أُضيفت كسرة منعا لالتقاء الساكنين : قال رئيسِ الوفد إنّه يحثّ جميعِ الأطراف, وهذا شائع جدا. وعلى نطاق أضيق تلجأ بعض اللهجات إلى الفتحة للتخلص من التقاء الساكنين(بدل الكسرة), فيصبح الاسم المرفوع والاسم المجرور منصوبين.
3- حذف التنوين الدالّ على النصب والألف التي تحلّ محلّه عند الوقف: ليس صحيحْ, كان هذا واضحْ, ستعطيه اهتمامْ كبيرْ.
4- سقوط التاء المربوطة, كما في "قضيتُ الليلَ الماضيَ " ( والمقصود: قضيتُ الليلة الماضية). وجدير بالذكر أنّ لفظ التاء المربوطة واجب (في الفصحى والعامية على السواء) إذا كانت الكلمة التي تنتهي بها مضافا, مثل: مدينة القاهرة, ومشكلة اللاجئين. (10)
5- انتهاء الكلمة الساكنة بفتحة توهم بأنّ ذلك خطأ في حركة الإعراب, وهي في الواقع ليست سوى فتحة أداة التعريف في الكلمة التالية: قال رئيسَ الوفد (رئيسْ اَلوفد). وقد تكون هذه الفتحة مضافة منعا لالتقاء الساكنين عند أصحاب اللهجات التي تلجأ إلى الفتحة في تطبيق هذه القاعدة الصوتية, كما ذكرت قبل قليل.
6- مخالفة القاعدة الصوتية التي لا تجيز توالي ثلاثة أصوات صحيحة (التقاء ساكنين): وحْدْكم, وضرْبْهم, وتحتلـّـْها .
ومن نتائج التسكين أمثلة وقعت أكثر ما وقعت في حديث الناطقين باللهجة القاهرية, منها:
- تحويل تاء المتكلم وتاء المخاطب المذكر إلى تاء المخاطبة نتيجة إضافة كسرة منعا لالتقاء الساكنين: أنا اتـّصلتِ به, وأنتَ قلتِ في حديثك, وكما أشرتِ حضرتَك.
- تقصير الحركة الطويلة لوقوعها قبل صحيحين متواليين (قبل ساكن) في وسط الكلمة نتيجة لتسكين الصحيح الأول منهما, مثل: إغلاقُ أبوَبْها ومصادرةُ أموَلْها, وشراءُ الأسلحةِ وتكدِسْها. (11)
- حذف التـنوين في مثل: توفيرْ دعمِ ماليّ, وعنفْ وعنفِ مضادّ. ومن المعروف أنّ التسكين هو حذف الحركة الأخيرة في الكلمة وحذف التنوين (إن كان ثمة تنوين) نتيجة لذلك. وما حدث هنا هو ظهور حركة (مضافة للتخلّص من التقاء الساكنين) دون ظهور تنوين بعدها, وهي ظاهرة غريبة عن سمات العربية الفصحى.
وعلى عكس المسكّنين نجد أحيانًا من يطيب له أن يحرّك الساكن (بسبب الجهل بقواعد اللغة), كما في: ولم يسبقَ لأحدٍ, ولا تشغلَ بالك, وتؤدّي ما تؤديَهُ, ووحدة أراضيَها. ولكنّ أطرف مثال على تحريك الساكن إصرار أحد المذيعين على إضافة ضمة إلى كلمة "فقط", فهو يلفظها "فَقَطُ". وقد وردت في النشرات التي أذاعها عشرات المرات. ولا أدري من أين أتى بهذه الضمة, فكلمة "فقطْ" تتألّف من فاء و"قَطْ", بسكون الطاء, وهي تعـني "فحسْب" أو "يكفي". (12)
الظاهرة الثالثة هي ظاهرة زوال همزة الوصل:
لاحظنا في بعض الأمثلة السابقة كثرة تحويل همزة الوصل إلى همزة قطع. وقد بدأنا نسمع همزة القطع في مواقع لم نكن نحلم في أسوأ كوابيسنا أن نسمعها فيها. وإليكم أمثلة لا أشكّ في أنكم بُليتم بسماع مثلها: شكرا لِأزّميل, وَألسياسةُ أَلخارجيةْ لِألحكومةِ ألجديدة, ونقدّمُ إستعراضنا لِألصحفِ أَلعربية.
ويكثر تحويل همزة الوصل إلى همزة قطع بعد أداة التعريف, مثل: الإقتصاد والإعتراف والإستمرار والإستقبال وكثير غيرها.
وتكثر كذلك في لفظ بعض الكلمات كاسم وابن واثنين. وقد ورد على لسان المتنبي (الممثل) في مسلسل أبي الطيب: للإطمئنان على إبني, وتستحقّ الإحترام. وقال ابن خالويه (الممثل): الإثنان, وللعسل ثمانون إسما. والطريف أن زوجة القيصر في المسلسل كانت أفصح من المتنبي (الممثل) وابن خالويه (الممثل) حين قالت: كيف أقسّم جسدي بين اثنين؟ (ولم تقل: بين إثنين). وهكذا يمكن القول إنّ همزة الوصل في طريقها إلى الزوال في وسائل الإعلام العربي وفي العربية المعاصرة بعامة.
الظاهرة الرابعة هي ظاهرة "أو":
وقد بدأت محدودة وأصبحت الآن على معظم الألسنة. في الماضي كان المذيع يعتذر إذا أخطأ, وإذا لم يعتذر, فإنه على الأقلّ يصحح الخطأ بطريقة تدلّ على الاعتراف به, مستعملا كلمة "بل" أو ما شابهها. أما جيل الإذاعيين الصاعد فإنه حين يدرك أنه أخطأ يلجأ إلى "أو" متبوعة بالكلمة المصحّحة, كأن لا فرق بين الخطأ والصواب. وكثير من الأمثلة التي سجلتها من ظاهرة "أو" تدلّ على أن أصحابها لا يستطيعون قراءة ما ليس مشكولا, بل لا يستطيعون التعرّف على بعض الكلمات إلا بعد إعادة النظر فيها, فيقرأون "المطار" "إطارا" و"الأسئلة" أسلحة, ولا يميزون بين "يحثّ" و"يبحث". وكان من الممكن عدم وقوعهم في الخطأ لو أنهم أعدّوا أنفسهم لقراءة النص قبل مواجهة المستمعين. وفيما يلي قليل من الكثير الذي سجّلته:
يَعقد أو يُعقد, تَذْكر أو تـُذَكّر, تنسحب أو تسحب, يبحث أو يحثّ, إطار أو مطار, الاجتماع أو الإجماع, يحتاج أو يحتجّ, الإجابة عن كل الأسلحة أو الأسئلة, ينتحرون على أساورها أو أسوارها. وهذا غيض من فيض.
الظاهرة الخامسة هي ظاهرة "يعني":
وإذا كانت ظاهرة "أو" قد شملت معظم الألسنة, فإنّ ظاهرة "يعني" قد أصبحت على كل لسان. فهي ظاهرة عجيبة أقرب إلى الوباء. ولا أعرف أحدًا تحدّث دون إعداد سلم منها. حتى الأجانب ممن يتكلمون اللغة العربية أصابتهم العدوى. ولعلكم سمعتم الناطق باسم الحكومة البريطانية جرالد رسل وجمله التي تكثر فيها "يعني". وقد لاحظت أنّ من المتحدّثين من يفتتح كل جملة يقولها بـ"يعني". ولعل أطرف ما سمعته من "اليعنيات" قول أحد المذيعين: "نرحب يعني بضيفنا"! وقوله في مناسبة أخرى "إذن يعني شكرا لكِ". وقد سمعت بعض العرب يتحدثون باللغة الإنجليزية, فلا يبخلون على سامعيهم من الأجانب بسيل من "يعني" التي لا تعني لهم شيئا.
الأخطاء اللغوية وأسبابها:
أنتقل الآن إلى الأخطاء اللغوية في وسائل الإعلام. ولعلّ هذا هو الوقت المناسب لإتحافكم بنماذج من أخطاء فئة من الإذاعيين لم يستطيعوا التعرف على الكلمة من السياق لأنها كانت غير مشكولة. ولم يصحّحوا أخطاءهم لأنهم لم يفهموا ماقرأوه. وفيما يلي بعض الأمثلة:
يؤََثـّر الموتُ على تسليم نفسه (بدل "يُؤْثِر الموتَ"). هذا يؤَذّن بنتيجة خطيرة (بدل "يُؤْذِن"). يدور فيها قتال ضارٌّ (بدل "ضارٍ"). هذا خبر عارٌ من الصحة (بدل "عارٍ"). السلطات الأمنية تـُعِدّ بالقبض عليهم (بدل "تَعِد"). يشْكون في صحة التقرير (بدل "يَشُكّون"). أحد الجريحـِينَ كان طفلا (بدل "جريحَيْنِ"). كانت محصّنة بفضل مراقبةِ مَحْكمة (بدل "بفضل مراقبةٍ مُحْكَمة").. تخترق المـُرَكّبات المدرّعة (بدل "المَرْكبات"). الأخطار التي تَُحـَدّق بالتلاميذ (بدل "تُحْدِق"). كادت تؤدّي بحياته (بدل "تُودي"). نجله متْهم بالإتْجار بالمخدّرات (بدل "متـَّهم بالاتـِّجار"). أقسم بـِنْ لادن بأغلظ الإِيمان (بدل "الأََيْْمان"). تطالب تركيا بمنْح قيمتِها عشرةِ مليارات دولار (بدل "مِنَحٍ قيمتُها عشَرةُ مليارات"). أنـَحـّت باللائمة عليهم (بدل "أنْحَتْ"). أما أنا فلا أدري على من "أُنِحّ" باللائمة في تعيين هؤلاء المذيعين.
وواضح من الأمثلة السابقة أن مُعِدّ النصوص التي وردت فيها تلك الأمثلة غير قارئها, وأنّها لم تكن مشكولة لأنّ معدّها كان يَفترض أن القارئ يتقن اللغة العربية. ولو كانت مشكولة لنجونا من سماع بعضها. (أقول "بعضها" لأنّ أصحاب مثل هذه الأخطاء قد يجدون أيضا صعوبة في قراءة الكلمات المشكولة!)
ورغم أنّ الأخطاء اللغوية التي وردت في مسلسل أبي الطيب لا تنتمي إلى الفئة السابقة, فإنني سأذكر لكم طرفا منها لتروا أن الأخطاء اللغوية ظاهرة واسعة الانتشار, لم يستطع الحيلولة دونها في هذا المسلسل إشراف ثلاثة مصححين لغويين. وسأكتفي بأمثلة من الأخطاء التي وردت على لسان المتنبي (الممثل), لا لأنها كانت أكثر من أخطاء غيره, بل لما للمتنبي (الشاعر) من مكانة رفيعة في اللغة العربية. من هذه الأخطاء:
لا تتحدث كالسَّوَقة (يقصد السُّوقَـة), وانا مبتلٍ به (يقصد مبتلىً), وهل تسمحي لي؟, وقد تستطيعَ, وسيأتيني شعراءٌ, وأصبحت عيناه مثلُ عينيّ. والعجيب أنّ الممثّل الذي مثّل دور الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس أخطأ (في الحلقات التي شاهدتها.) في قراءة سبعة أبيات من شعره منها:
- نـَعُدّ المشرفية والعوالي وتقتلنا المنون بلا قتالِ
(الشاعر يُعِدّ المشرفية والعوالي والممثل يَعُدّها)
- إني نزلت بكذابين ضيفَهمُ عن القرى وعن الترحال محدود (يقصد:ضيفُهمُ)
- أبنتَ الدهر عندي كلّ بنتٍ فكيف وصلت أنت من الزُّحام؟ (يقصد:الزِّحام)
- قابضا كفّه اليمينَ على الدنـــــــــــيا ولو شاء حازها بالشَّمال (يقصد: الشِّمال)
(والخلط بين الشَّمال والشِّمال, والجـَنوب والجـُنوب شائع جدا.)
أما في الأبيات الثلاثة الأخرى فقد أدخل الممثل تغييرات على بعض ما قاله الشاعر, فنتج من ذلك خلل في العروض. (13)
والسؤال الذي سأحاول الإجابة عنه الآن هو:

تعليق