قــراءة في كتاب:
"الأخطاء الشائعة في استخدامات حروف الجرّ"
للدكتور محمود إسماعيل عمّار "بحث نصّيّ"
د. ياسين أبو الهيجاء
جامعة الإسراء
"الأخطاء الشائعة في استخدامات حروف الجرّ"
للدكتور محمود إسماعيل عمّار "بحث نصّيّ"
د. ياسين أبو الهيجاء
جامعة الإسراء
لا مراء في أنّ العربية تعيش في عصرنا هذا فوضى لغوية عارمة؛ وأبرز أسبابها الإقبال غير المسبوق على استخدام اللغة، فوسائل الإعلام بشتى أنواعها تنتشر انتشاراً لم تنتشره من قبل، يقابل هذا ضعف مستشرٍ في العربية، لدى من يُفترض أنّهم من المختصين فيها، قبل أن يكون لدى غيرهم، يضاف إلى ذلك أنّ المؤثرات في الحياة اللغوية خرجت من أيدي المعنيين على أنّ هذه الحقائق – على مرارتها- لا تعني أن يُترك الحبل على الغارب، بل يجب مناقشة التعبيرات والأساليب المُحدثة وتمحيصها، وإجازة ما كان منها لإجازته سبيل. وهذا يقتضي أن تُعالج تلك التعبيرات والأساليب معالجة بعيدة من الرفض المسبق، والاتهام بخرق القوانين اللغوية، لا سيما أن الكثير منها أصبح منتشراً، والتلويح بالمعجمات في وجه تلك الاستعمالات، وجعلها سيوفاً مصلتة على رقابها مرتقىً غير يسير ولا مأمون، لا من حيث الاستقراء المعجمي، ولا من حيث استخدامها عند القدماء، وينبغي ألاّ يغيب عن كلّ هذا معطياتُ الحضارة الحديثة وما أنتجته من تعبيرات، وأساليب، فضلاَ عن الألفاظ، والاحتكام في هذه التراكيب إلى المعجم، لن يفضي إلى شيء ذي بال في الكثير منها.
وقد قرأت في هذا الصدد كتاب الدكتور محمود إسماعيل عمار "الأخطاء الشائعة في استعمالات حروف الجرّ"، وهو كتاب طريف في موضوعه، بذل فيه مؤلفه جهداً يستحق الثناء. وقد قرأته منذ زمن، وسجّلت على حواشيه كثيراً من الملحوظات، والنصوص التراثية التي تدفع ما يقول به من تخطئة جملة من التعبيرات والأساليب، ثم وجدتني أعود إليه، فأقيد ملحوظات جديدة، وقد رأيت أن أخرج ذلك مخرجاً، يناقش بعض الآراء التي احتج لها المؤلّف في تخطئة بعض الاستخدامات اللغوية، وقد عنيت بآراء مجمع اللغة العربية في القاهرة- إن كانت ممّا يمت بصلة إلى القضايا المطروحة - تلك الآراء المغمورة لدى الكثيرين.
لقد دفع المؤلف إلى عمله هذا ما رآه من توسّع في استخدام حروف الجر، إذ يقول:"وجدت حروف الجر في لغتنا المعاصرة قد جرى التوسع فيها، عما عهدته العربية من استعمالات ومعان وتراكيب، ورأيت الموضوع –كما قال ابن جنّي- جديراً أن يوضع فيه كتاب ضخم". ويردف قائلاً:"وقد تتبعت الخَلَل في استعمال حروف الجرّ، في لغتنا المعاصرة، كما يظهر في الكتابة والخطابة والشعر… وفي ضوء تصنيف هذه الأخطاء، تمثل البحث في ستة فصول". وينبئ هذا القول بشيئين: أولهما أنّ ثمة خللاً في استخدام حروف الجر، وثانيهما أنّ هذا الخلل مما أحدثه المعاصرون، غير أنّ المسألة تحتاج إلى تمحيص كبير ورويّّة عميقة، فيما يجوز ولا يجوز في هذا الصدد، وهي مرقاة وعرة كما ذكرت قبلاً. وفي هذا البحث أنا مَعْنيّ بأمرين، أولهما وأهمهما استقراء النصوص عند القدماء والمتأخرين وبعض المعاصرين، في محاولة لرصد استخدام هؤلاء للأساليب والتعبيرات موضع التخطئة، فهذا البحث هو بحث نصّيٌّ بشكل رئيس، وثانيهما محاولة تقصّي سبب هذا الخروج عن المألوف في استخدام حروف الجر، إنْ كان ثَمة سبب يلوح وراء ذلك.
وقد تخيّرت ست عشرة مسألة، ممّا يتسع له هذا المقام، بدا لي أنها أكثر تداولاً بين الكتاب والمثقّفين؛ لذلك قدمتها على غيرها. وتحمل معالجة هذه المسائل فكرة معينة، ألا وهي التحرّي والتثبت في مسألة تخطئة وتصويب التعبيرات والأساليب اللغوية لدى المحدثين، فنحن نعاني اليوم من هُوّةِ هائلة بين اللغويين والمثقفين. فاللغويون يتحصّنون وراء المعجمات والشواهد اللغوية، والمثقفون - وعلى الأخصّ الكتاب بشتى أصنافهم- يرفعون راية شعراء عصر الاستشهاد" علينا أن نقول وعليكم أن تؤوّلوا"، على كثرة الدخلاء والمستكتبين في طرف المثقفين، وقد تنعدم القنطرة التي يلتقي فوقها الطرفان. ويزيد هذه الهوة اتساعاً غياب الهيئة اللغوية التي تعمل بمنزلة المصفاة اللغوية التي تمر من خلالها الاستخدامات المحدثة، ورأس الأمر الذيوع والتقاط الكتاب والمثقفين لهذه التعبيرات، ثم نشرها على ألسنتهم وأقلامهم.
ومصادر البحث كما أقرها المؤلف تصنف في أربع مجموعات، وهي:كتب المعجمات، والكتب المعنية بالأخطاء اللغوية، والقرآن الكريم والحديث الشريف والشعر الجاهلي، وأخيراً كتب النحو للوقوف على بعض القواعد، أو الاستشهاد بما ورد فيها. وقد توزعت الأخطاء بين تغيير حرف الجر، وإسقاطه، وزيادته، وإدخاله على غير مجروره الأصلي.
وأهم ما ينبغي أن أؤكد عليه مرةً أخرى في هذا البحث أنه بحث نصيّ بالدرجة الأولى، وعلى هذا فالإطالة في سرد مواضع وجود التركيب أو التعبير موضوع البحث، ليست بالإطالة المملة، ولا بالزيادة المخلّة، وإنما هي شيء مقصود لذاته، يهدف إلى تتبّع سيرورتها، وأوجه تطورها، ولئن تقاطع هذا مع البحث التاريخي في بعض جوانبه، فهو يفارقه في انصرافه عن الاستقصاء التام للظاهرة المدروسة. ولست بزاعم بما جمعت من نصوص، أثبَتُّ بها تلك الاستخدامات، أنّ سبب استخدام المحدثين لتلك التراكيب أو التعبيرات، إنما هو وقوع الكتّاب على تلك النصوص، فقد يكون ذلك، ولكن ليس بشرط، وإنما هي محاولة لتسجيل سبق القدماء في الخروج على تلك القواعد الذهبية التي صاغها اللغويون، وأصحاب المعجمات على رأسهم، وأنّ الكُتّابَ المُحدَثين ليسوا بِدْعاً من المستخدمين، وأن سبب خروج القدماء قد يكون سبباً يسلكه المحدثون، فيفضون إلى النتيجة نفسها. وقد اتخذت ميداناً للبحث طائفة كبيرة من الكتب، تضمّ عشرات المجلّدات، من كتب الأدب واللغة والفقه والتاريخ والمعجمات والسِيَر والرحلات، وما كان هذا البحث ليظهر لولا توفيق الله أولاً، ودور الحاسوب الكبير فيه ثانياً، ولكان استغرق السنوات الطوال قبل الوصول فيه إلى النتائج التي انتهى إليها.
· ينبغي عليك أنْ تفعل كذا:
يقول المؤلّف في ما غُيِّر فيه حرف الجرّ، من الاستعمالات الخاطئة قولهم:"ينبغي عليك الحضور، وينبغي عليك أن تستعدّ للاختبار..، وهذا الفعل تُستعمل معه (اللام)، ولا تستعمل معه على، قال تعالى:"لا الشمس ينبغي لها أن تُدرك القمر"(يس40) و "وما علّمناه الشعر وما ينبغي له"(يس69) و"وهبْ لي ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي"(ص35).
وعلى ذلك تقول:"ينبغي لك الحضور" و"ينبغي له أن يستعدّ، ويجوز أن يستخدم بدون اللام، فيقال، ينبغي أنْ يحضر" "وينبغي أنْ يتابع أولياء أمور التلاميذ أبناءهم"، وفي النفي تقول:"ينبغي ألاّ تتأخّر عن الطائرة" ، وقد خَطّأ زهدي الجارالله التركيب المذكور من قبل.
إنّ أول ما يمكن أن يسجّل في الكلام على هذا التعبير قلة استخدامه نسبيًّا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى الاجتزاء فيه بالمضارع من الماضي"انبغى"، الذي يستخدم نادراً، وبعد تتبّع الفعل "ينبغي" في عشرات المجلدات، عند القدماء والمتأخرين وَجَدتُهُ يُستخدم على خمسة أوجه، أولها وأكثرها وأشيعها أن يلي "ينبغي" المصدرُ المؤوّل؛ "أنْ" والفعل المضارع، وقد يُفصل بينها وبين المصدر المؤول بشبه جملة، مكوّنة من جار هو(اللام) ومجرور، نحو: "ينبغي له أن يفعل كذا"، وهو كثير أيضاً، وأقل منه أنْ يكون الجارّ هو(على)، على سبيل الجملة المعترضة، نحو " ينبغي "على هذا"، أو"على ما ذكره"، " أو"على قياسه" أن يكون كذا"، وأندر شيء أن يَلي "ينبغي" حرف الجرّ "الباء" داخلةً على ضمير المخاطب، ولم أقع عليه إلاّ مرة واحدة في تاريخ دمشق، في حديث ابن المقرئ، وهو مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلّم، إذ جاء فيه:"يا مقداد هذه بَرَكَة كان ينبغي بك أن تُعلمني حتى تُوقظَ صاحبينا"، وثانيها ذِكْر "ينبغي" دون أن يليها شيء، نحو " الحمد لله الذي خلق كلّ شيء كما ينبغي"، وهو قليل، وثالثها أن يليها الفاعل صريحاً، وقد يليه اسمٌ مقترنٌ باللام نحو " سُبْحَانَ الَّذِي لا يَنْبَغِي التَّسْبِيحُ إِلاّ لَهُ"، و:لا ينبغي هذا للمتقين"، وقد يفصل بينها وبينه شبهُ جملة، نحو،"ولا ينبغي عندي التنازعُ"، وهو قليل أيضاً، ورابعها الذي خطّأه المؤلّف، وقد وقعت عليه في نصوص نادرة عند المتأخرين، كالقرطبي(671هـ) "هكذا ينبغي على أئمة الحاجّ فمن دونهم"، والمالقي(ت741هـ) في "مقتل الشهيد عثمان" "فكان ينبغي عليهم أن يقاتلوا عنه وينصروه" والزرعي (ت751هـ)" في "مدارج السالكين" "هذا لو قام بما ينبغي عليه أن يقوم به لسيده من حقوقه".
إنّ معالجة هذا التركيب بعيداً من المعنى، هو جهادٌ في غير ميدان، فـ "ينبغي " في كلّ أنماط تركيبها - المذكور آنفاً - عند القدماء والمتأخرين، باستثناء النمط الرابع الذي خطّأه المؤلّف، يختلف عن معنى "ينبغي عليه"؛ من قِبَلِ أنّ الأوّل محمله إمّا على معنى يَصلُح له، أو "يَحسُن به،" أو"يستحبّ له"، ولا يخرج في الأنماط المذكورة عن أحد هذه المعاني، أمّا تركيب "ينبغي عليه" فيحمل معنى الوجوب والقَسْر، والقدماء لم يعرفوا هذا المعنى لـ"ينبغي"، إلاّ ما وجدناه عند بعض المتأخرين في النصوص المذكورة. وعلى هذا فإن من يستخدم تركيب "ينبغي عليه"، يُضمّن "ينبغي" معنى جديداً هو "يجب"، فهل يجوز هذا التضمين أم لا؟ تلك هي القضية.
لقد أجازَ مجمعُ اللغة في قرار لا يَعدم الجُرأة التضمينَ ، وأصدر في ذلك قراراً، ولم يتنكّب جادّة الصواب، وهذا التعبير تتوافر فيه الشروط الثلاثة التي أقرّها المجمع لجواز التضمين، وهي المناسبة بين الفعلين، ووجود القرينة، وملاءمته للذوق العربي. أمّا سبب تضمين بعض المتأخرين، وجلّ المحدثين "ينبغي" هذا المعنى القسْري بشكل واسع، فلا يَبعد أن يكون قد وصل إليهم من الاستخدامات الكثيرة لـ"ينبغي" مقرونةً بحرف الجرّ "على" على سبيل الجملة المعترضة، المشار إليه، في النمط الأوّل، ثم نُظِر إلى هذا الحرف على أنه لصيقة لهذا الفعل، فساوى عندهم "يجب على"، وقد يكون وراء ذلك الفهم الخطأ لمعنى"ينبغي"؛ ذلك أنّ جلّ السياقات التي ترد فيها، يمكن حملها فيها على معنى الوجوب، خلاصة الأمر وُلد هذا التعبير الجديد؛ عند المتأخرين على استحياء، وعند المحدثين بشكل واسع، والأصوب أن يُقبل، وقد أصبح مستخدماً، ولا يضير ذلك التعبير الفصيح القديم، الذي لم يعد متداولاً، إلاّ في نطاق محدود.
يتابع العمل عن كثب:
وهذا التعبير أيضاً أدرجه المؤلف في باب تغيير حرف الجرّ، وذكر أنهم يقولون: المسؤول يتابع العمل عن كثب أو راقبه عن كثب، وقد أشرفت على تنفيذه عن كثب، فيستعملون "عن" موضع" من " ويستعرض مادة كثب في المعجمات، ويخلص إلى أنها تدل على تجمّع، وعلى قرب، والكُثبة القطعة المرتفعة المجتمعة،.. ويُقال رماه من كثب، وطلبه من كثب عن قرب، ولذا فالصواب أن تقول "يتابع العمل من كثب"، ويراقبه من كثب، وفي حديث بدر "فارموهم بالنبل من كَثَب"، جاء في اللسان: ويقال: هو يَرْمِي من كَثَبٍ، ومِنْ كَثَمٍ أَي من قُرْبٍ وَتَمَكُّنٍ؛ قال الشاعر:
فَهـــــذانِ يَذودانِ
وذا مِنْ كَثَبٍ يرمــــي
وقال الآخر:
رَمَتْ من كَثب قلبي
ولـــــم تَــرْمِ بكُثــــّاب
ويُردف قائلاً: ولا محلّ لقول المنجد "رماه من كثب أو عن كثب".
وقد قرأت في هذا الصدد كتاب الدكتور محمود إسماعيل عمار "الأخطاء الشائعة في استعمالات حروف الجرّ"، وهو كتاب طريف في موضوعه، بذل فيه مؤلفه جهداً يستحق الثناء. وقد قرأته منذ زمن، وسجّلت على حواشيه كثيراً من الملحوظات، والنصوص التراثية التي تدفع ما يقول به من تخطئة جملة من التعبيرات والأساليب، ثم وجدتني أعود إليه، فأقيد ملحوظات جديدة، وقد رأيت أن أخرج ذلك مخرجاً، يناقش بعض الآراء التي احتج لها المؤلّف في تخطئة بعض الاستخدامات اللغوية، وقد عنيت بآراء مجمع اللغة العربية في القاهرة- إن كانت ممّا يمت بصلة إلى القضايا المطروحة - تلك الآراء المغمورة لدى الكثيرين.
لقد دفع المؤلف إلى عمله هذا ما رآه من توسّع في استخدام حروف الجر، إذ يقول:"وجدت حروف الجر في لغتنا المعاصرة قد جرى التوسع فيها، عما عهدته العربية من استعمالات ومعان وتراكيب، ورأيت الموضوع –كما قال ابن جنّي- جديراً أن يوضع فيه كتاب ضخم". ويردف قائلاً:"وقد تتبعت الخَلَل في استعمال حروف الجرّ، في لغتنا المعاصرة، كما يظهر في الكتابة والخطابة والشعر… وفي ضوء تصنيف هذه الأخطاء، تمثل البحث في ستة فصول". وينبئ هذا القول بشيئين: أولهما أنّ ثمة خللاً في استخدام حروف الجر، وثانيهما أنّ هذا الخلل مما أحدثه المعاصرون، غير أنّ المسألة تحتاج إلى تمحيص كبير ورويّّة عميقة، فيما يجوز ولا يجوز في هذا الصدد، وهي مرقاة وعرة كما ذكرت قبلاً. وفي هذا البحث أنا مَعْنيّ بأمرين، أولهما وأهمهما استقراء النصوص عند القدماء والمتأخرين وبعض المعاصرين، في محاولة لرصد استخدام هؤلاء للأساليب والتعبيرات موضع التخطئة، فهذا البحث هو بحث نصّيٌّ بشكل رئيس، وثانيهما محاولة تقصّي سبب هذا الخروج عن المألوف في استخدام حروف الجر، إنْ كان ثَمة سبب يلوح وراء ذلك.
وقد تخيّرت ست عشرة مسألة، ممّا يتسع له هذا المقام، بدا لي أنها أكثر تداولاً بين الكتاب والمثقّفين؛ لذلك قدمتها على غيرها. وتحمل معالجة هذه المسائل فكرة معينة، ألا وهي التحرّي والتثبت في مسألة تخطئة وتصويب التعبيرات والأساليب اللغوية لدى المحدثين، فنحن نعاني اليوم من هُوّةِ هائلة بين اللغويين والمثقفين. فاللغويون يتحصّنون وراء المعجمات والشواهد اللغوية، والمثقفون - وعلى الأخصّ الكتاب بشتى أصنافهم- يرفعون راية شعراء عصر الاستشهاد" علينا أن نقول وعليكم أن تؤوّلوا"، على كثرة الدخلاء والمستكتبين في طرف المثقفين، وقد تنعدم القنطرة التي يلتقي فوقها الطرفان. ويزيد هذه الهوة اتساعاً غياب الهيئة اللغوية التي تعمل بمنزلة المصفاة اللغوية التي تمر من خلالها الاستخدامات المحدثة، ورأس الأمر الذيوع والتقاط الكتاب والمثقفين لهذه التعبيرات، ثم نشرها على ألسنتهم وأقلامهم.
ومصادر البحث كما أقرها المؤلف تصنف في أربع مجموعات، وهي:كتب المعجمات، والكتب المعنية بالأخطاء اللغوية، والقرآن الكريم والحديث الشريف والشعر الجاهلي، وأخيراً كتب النحو للوقوف على بعض القواعد، أو الاستشهاد بما ورد فيها. وقد توزعت الأخطاء بين تغيير حرف الجر، وإسقاطه، وزيادته، وإدخاله على غير مجروره الأصلي.
وأهم ما ينبغي أن أؤكد عليه مرةً أخرى في هذا البحث أنه بحث نصيّ بالدرجة الأولى، وعلى هذا فالإطالة في سرد مواضع وجود التركيب أو التعبير موضوع البحث، ليست بالإطالة المملة، ولا بالزيادة المخلّة، وإنما هي شيء مقصود لذاته، يهدف إلى تتبّع سيرورتها، وأوجه تطورها، ولئن تقاطع هذا مع البحث التاريخي في بعض جوانبه، فهو يفارقه في انصرافه عن الاستقصاء التام للظاهرة المدروسة. ولست بزاعم بما جمعت من نصوص، أثبَتُّ بها تلك الاستخدامات، أنّ سبب استخدام المحدثين لتلك التراكيب أو التعبيرات، إنما هو وقوع الكتّاب على تلك النصوص، فقد يكون ذلك، ولكن ليس بشرط، وإنما هي محاولة لتسجيل سبق القدماء في الخروج على تلك القواعد الذهبية التي صاغها اللغويون، وأصحاب المعجمات على رأسهم، وأنّ الكُتّابَ المُحدَثين ليسوا بِدْعاً من المستخدمين، وأن سبب خروج القدماء قد يكون سبباً يسلكه المحدثون، فيفضون إلى النتيجة نفسها. وقد اتخذت ميداناً للبحث طائفة كبيرة من الكتب، تضمّ عشرات المجلّدات، من كتب الأدب واللغة والفقه والتاريخ والمعجمات والسِيَر والرحلات، وما كان هذا البحث ليظهر لولا توفيق الله أولاً، ودور الحاسوب الكبير فيه ثانياً، ولكان استغرق السنوات الطوال قبل الوصول فيه إلى النتائج التي انتهى إليها.
· ينبغي عليك أنْ تفعل كذا:
يقول المؤلّف في ما غُيِّر فيه حرف الجرّ، من الاستعمالات الخاطئة قولهم:"ينبغي عليك الحضور، وينبغي عليك أن تستعدّ للاختبار..، وهذا الفعل تُستعمل معه (اللام)، ولا تستعمل معه على، قال تعالى:"لا الشمس ينبغي لها أن تُدرك القمر"(يس40) و "وما علّمناه الشعر وما ينبغي له"(يس69) و"وهبْ لي ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي"(ص35).
وعلى ذلك تقول:"ينبغي لك الحضور" و"ينبغي له أن يستعدّ، ويجوز أن يستخدم بدون اللام، فيقال، ينبغي أنْ يحضر" "وينبغي أنْ يتابع أولياء أمور التلاميذ أبناءهم"، وفي النفي تقول:"ينبغي ألاّ تتأخّر عن الطائرة" ، وقد خَطّأ زهدي الجارالله التركيب المذكور من قبل.
إنّ أول ما يمكن أن يسجّل في الكلام على هذا التعبير قلة استخدامه نسبيًّا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى الاجتزاء فيه بالمضارع من الماضي"انبغى"، الذي يستخدم نادراً، وبعد تتبّع الفعل "ينبغي" في عشرات المجلدات، عند القدماء والمتأخرين وَجَدتُهُ يُستخدم على خمسة أوجه، أولها وأكثرها وأشيعها أن يلي "ينبغي" المصدرُ المؤوّل؛ "أنْ" والفعل المضارع، وقد يُفصل بينها وبين المصدر المؤول بشبه جملة، مكوّنة من جار هو(اللام) ومجرور، نحو: "ينبغي له أن يفعل كذا"، وهو كثير أيضاً، وأقل منه أنْ يكون الجارّ هو(على)، على سبيل الجملة المعترضة، نحو " ينبغي "على هذا"، أو"على ما ذكره"، " أو"على قياسه" أن يكون كذا"، وأندر شيء أن يَلي "ينبغي" حرف الجرّ "الباء" داخلةً على ضمير المخاطب، ولم أقع عليه إلاّ مرة واحدة في تاريخ دمشق، في حديث ابن المقرئ، وهو مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلّم، إذ جاء فيه:"يا مقداد هذه بَرَكَة كان ينبغي بك أن تُعلمني حتى تُوقظَ صاحبينا"، وثانيها ذِكْر "ينبغي" دون أن يليها شيء، نحو " الحمد لله الذي خلق كلّ شيء كما ينبغي"، وهو قليل، وثالثها أن يليها الفاعل صريحاً، وقد يليه اسمٌ مقترنٌ باللام نحو " سُبْحَانَ الَّذِي لا يَنْبَغِي التَّسْبِيحُ إِلاّ لَهُ"، و:لا ينبغي هذا للمتقين"، وقد يفصل بينها وبينه شبهُ جملة، نحو،"ولا ينبغي عندي التنازعُ"، وهو قليل أيضاً، ورابعها الذي خطّأه المؤلّف، وقد وقعت عليه في نصوص نادرة عند المتأخرين، كالقرطبي(671هـ) "هكذا ينبغي على أئمة الحاجّ فمن دونهم"، والمالقي(ت741هـ) في "مقتل الشهيد عثمان" "فكان ينبغي عليهم أن يقاتلوا عنه وينصروه" والزرعي (ت751هـ)" في "مدارج السالكين" "هذا لو قام بما ينبغي عليه أن يقوم به لسيده من حقوقه".
إنّ معالجة هذا التركيب بعيداً من المعنى، هو جهادٌ في غير ميدان، فـ "ينبغي " في كلّ أنماط تركيبها - المذكور آنفاً - عند القدماء والمتأخرين، باستثناء النمط الرابع الذي خطّأه المؤلّف، يختلف عن معنى "ينبغي عليه"؛ من قِبَلِ أنّ الأوّل محمله إمّا على معنى يَصلُح له، أو "يَحسُن به،" أو"يستحبّ له"، ولا يخرج في الأنماط المذكورة عن أحد هذه المعاني، أمّا تركيب "ينبغي عليه" فيحمل معنى الوجوب والقَسْر، والقدماء لم يعرفوا هذا المعنى لـ"ينبغي"، إلاّ ما وجدناه عند بعض المتأخرين في النصوص المذكورة. وعلى هذا فإن من يستخدم تركيب "ينبغي عليه"، يُضمّن "ينبغي" معنى جديداً هو "يجب"، فهل يجوز هذا التضمين أم لا؟ تلك هي القضية.
لقد أجازَ مجمعُ اللغة في قرار لا يَعدم الجُرأة التضمينَ ، وأصدر في ذلك قراراً، ولم يتنكّب جادّة الصواب، وهذا التعبير تتوافر فيه الشروط الثلاثة التي أقرّها المجمع لجواز التضمين، وهي المناسبة بين الفعلين، ووجود القرينة، وملاءمته للذوق العربي. أمّا سبب تضمين بعض المتأخرين، وجلّ المحدثين "ينبغي" هذا المعنى القسْري بشكل واسع، فلا يَبعد أن يكون قد وصل إليهم من الاستخدامات الكثيرة لـ"ينبغي" مقرونةً بحرف الجرّ "على" على سبيل الجملة المعترضة، المشار إليه، في النمط الأوّل، ثم نُظِر إلى هذا الحرف على أنه لصيقة لهذا الفعل، فساوى عندهم "يجب على"، وقد يكون وراء ذلك الفهم الخطأ لمعنى"ينبغي"؛ ذلك أنّ جلّ السياقات التي ترد فيها، يمكن حملها فيها على معنى الوجوب، خلاصة الأمر وُلد هذا التعبير الجديد؛ عند المتأخرين على استحياء، وعند المحدثين بشكل واسع، والأصوب أن يُقبل، وقد أصبح مستخدماً، ولا يضير ذلك التعبير الفصيح القديم، الذي لم يعد متداولاً، إلاّ في نطاق محدود.
يتابع العمل عن كثب:
وهذا التعبير أيضاً أدرجه المؤلف في باب تغيير حرف الجرّ، وذكر أنهم يقولون: المسؤول يتابع العمل عن كثب أو راقبه عن كثب، وقد أشرفت على تنفيذه عن كثب، فيستعملون "عن" موضع" من " ويستعرض مادة كثب في المعجمات، ويخلص إلى أنها تدل على تجمّع، وعلى قرب، والكُثبة القطعة المرتفعة المجتمعة،.. ويُقال رماه من كثب، وطلبه من كثب عن قرب، ولذا فالصواب أن تقول "يتابع العمل من كثب"، ويراقبه من كثب، وفي حديث بدر "فارموهم بالنبل من كَثَب"، جاء في اللسان: ويقال: هو يَرْمِي من كَثَبٍ، ومِنْ كَثَمٍ أَي من قُرْبٍ وَتَمَكُّنٍ؛ قال الشاعر:
فَهـــــذانِ يَذودانِ
وذا مِنْ كَثَبٍ يرمــــي
وقال الآخر:
رَمَتْ من كَثب قلبي
ولـــــم تَــرْمِ بكُثــــّاب
ويُردف قائلاً: ولا محلّ لقول المنجد "رماه من كثب أو عن كثب".

تعليق