التقاء الساكنين بين الحقيقة والوهم (* )
د. جعفر نايف عبابنة
الجامعة الأردنية
د. جعفر نايف عبابنة
الجامعة الأردنية
(1)
تمهيد
قضية التقاء الساكنين قضية صوتية مهمّة، عني بها الباحثون العرب قديماً وحديثاً، واختلفت فيها الآراء ومناهج التحليل.
ويعد التقاء الساكنين من أهم علل الحذف لدى العلماء العرب القدماء في باب الإعلال خاصة. غير أنه قد علقت به بعض الأوهام، وفُسِّرت به خطأً كثير من التغيرات والسلوكات الصرفية.
ويتم التقاء الساكنين عند القدماء في أربع صور. الصورة الأولى منها هي التقاء ساكنين كلاهما حرف صحيح (أي صامت بعرف المحدثين). والثانية هي التقاء ساكنين أولهما حرف مد وثانيهما حرف صحيح. والثالثة التقاء ساكنين كلاهما حرف مدّ. والرابعة التقاء ساكنين أولهما حرف صحيح وثانيهما حرف مدّ. أما النوعان الأول والثاني فهما المبوب لهما في كتب الصرف ويُتناولان في باب التقاء الساكنين خصوصاً. وأما النوعان الآخران فليس مبوباً لهما في كتب الصرف، وتتناثر الإشارات إليهما في ثنايا الحديث عن بعض السلوكات الصرفية، أو في المعالجات الصوتية لبعض الصيغ والتغيرات الصرفية. ولا بد للباحث من التنقيب عن تلك الإشارات في كتب الصرف والأصوات لتكوين فكرة شاملة عنهما.
ويتصل التقاء الساكنين اتصالاً وثيقاً بكثير من القضايا الصوتية، من مثل طبيعة المدّ واللين، وعلاقة الحركات بحروف المدّ واللين، وقضية المتحرك والساكن، والبناء المقطعي للغة العربية.
فمن المفاهيم الشائعة لدى القدماء أن حرف المدّ هو حرف العلة الساكن المسبوق بحركة من جنسه، مثل الألف في قامَ وسارَ وكِتاب، والواو في نُور وسُوق وعَجُوز، والياء في ديِن وسَعيد وعَرِين. وحرف اللين هو الواو أو الياء الساكنتان المسبوقتان بفتحة، مثل الواو في حَوْض وذَوق، والياء في بَيْت وزَيْت. وحرف العلة عندهم هو الواو والياء المتحركتان كالواو في وَرَق والياء في يُسْر، وهما مضارعتان للحروف الصحيحة لاحتمالهما الحركة.
على أن مفهوم العلة بإطلاقه يشمل عندهم الألف، والواو والياء من الأنواع السابقة كلها. وهي الحروف التي اتَّسعت مخارجها، وتميز نطقها باليسر والسهولة، وخرجت من تجويف الفم بلا إعاقة أو اعتراض لهواء الصوت(1). وهذا ما يميزها عن سائر الحروف الصحيحة في الألفباء العربية. ولعله أساس التقسيم إلى صحاح وعلل. وتتميز حروف العلة من الناحية الصرفية عندهم بكثرة تبدّلها وتحوّلها وعدم استقرارها، على العكس مما نراه في الحروف الصحيحة التي تتميز بقدر كبير من الثبات.
وقد جمع القدماء بين حروف المدّ واللين في مجموعة صوتية واحدة، على الرغم من التفريق النظري بينهما، وملاحظة أن حروف اللين تتصرف كالحروف الصحيحة في مواضع متعددة. فإذا التقى ساكنان أولهما حرف لين كالواو في اخْشَوْا والياء في اخْشَيْ، يُتَخَلَّصُ من التقاء الساكنين بإدخال حركة بعد حرف اللين (اخْشَوُا الله، اخْشَيِ الله) تماماً كما يحدث بين الساكنين الصحيحين، وإذا التقي ساكنان أولهما حرف مدّ، حُذِفَ حرف المدّ كحذف الواو والياء المدّتين في الفعلين المجزومين لم يَقُمْ ولم يَسِرْ .
ولذلك لم يكن القدماء يميزون –أو يحفلون بالتمييز- بين واو المد في يركضون وواو اللين في يَسْعَوْنَ، أو بين ياء المدّ في تشربِين وياء اللين في تَخْشَيْنَ. وكانوا يجمعونهما في اللفظ هكذا: حروف المدّ واللين. وربما أشاروا إلى اللين بالمد، أو إلى المدّ باللين.
بل حاول بعض العلماء تصنيف الألف على أنها حرف مدّ ولين معاً، لأنها ساكنة مسبوقة بحركة من جنسها، وساكنة مسبوقة بفتحة. وهذا قول غير صحيح بتاتاً، ومبني على استدلال منطقي لا على الحقائق الصوتية نفسها، فالألف من حيث طبيعتها الصوتية لا تكون إلاّ حرف مدّ، أي حركة طويلة خالصة، كما سنبينه بعد قليل.
وثمة خلاف بين القدماء والمحدثين في النظرة إلى حروف المد واللين. فالمحدثون ينكرون أن تكون حروف المد مسبوقة بحركات من جنسها، لأن حروف المد هي أنفسها حركات، وليس هناك تركيب في الحركات، فالحركة لا تدخل على الحركة من جنسها أومن غير جنسها، طويلة كانت أو قصيرة، ولا بد من وجود فاصل بين حركة وأخرى، كما تقضي بذلك قوانين التركيب المقطعي في العربية التي تمنع أن تتوالى حركتان في المقطع الواحد، وتفرض أن يفصل بين الحركة وأختها صامت أو شبهه.
وينكر المحدثون كذلك أن تكون حروف المد ساكنة، إذ إنها حركات والحركة لا تكون سكوناً، لأنها منافية للسكون بطبعها . وهم يفسرون قول القدماء بسكونها بأنهم رأوها غير قابلة للحركة، لأنها متحركة بحركة ذاتها فأشبهت الساكن الذي لا يحرك، أو رأوها من الناحية الكمية مساوية لحركة وحرف صحيح ساكن في العروض؛ فالسبب الخفيف (لا) المؤلف من ساكن هو اللام، وحركة هي فتحة تصوروها تسبق حرف المد، ومد هو ألف- يساوي من حيث الإيقاع الكمي السبب الخفيف (لَنْ) المؤلف من ساكن هواللام وحركة هي الفتحة وساكن هو النون، ولو وضع أحدهما مكان الآخر لما حدث خلل في الوزن. وربما نسبها القدماء إلى السكون لأنهم رأوا أنها من حيث الرسم الكتابيّ غير متلوة بحركات قصيرة .
ويفصل المحدثون الواو والياء اللينتين عن سائر حروف المد، ويلحقونهما من حيث النوع بالواو والياء المتحركتين، مستندين بذلك إلى فروق أساسية بين حروف المد من ناحية، والواو والياء اللينتين أو المتحركتين من ناحية أخرى. فحروف المد لا يصاحب نطقها أي احتكاك أو اعتراض لمجرى الهواء، ولا تفتتح المقاطع ولا تغلقها، ويسمى المقطع المنتهي بها مفتوحاً، ولا تكون من حروف المادة الأصلية. أما الواو والياء اللينتان أو المتحركتان فيرافق نطقهما احتكاك ما أي نوع ضعيف من الحفيف، وتفتتحان المقاطع وتغلقانها، فالواو المتحركة في (وَقَف) تفتتح مقطعاً والواو الساكنة في (مَوْقِف) تغلق مقطعاً.
والواو والياء اللينتان أو المتحركتان لا يمكن لهما أن تكونا قمة المقطع العربي أو نواته أي العنصر الحركي فيه؛ فمعلوم أنه لا بد لكل مقطع من عنصر صائت يشكل قمته أو نواته، وهو الجزء الذي يحمل أقصى التوتر فيه ويقع عليه النبر، فلا يقوم بهذه الوظيفة في العربية إلاّ حركة قصيرة أو حركة طويلة (أي حرف مدّ). ولا تقوم الواو أو الياء اللينتان أو المتحركتان بهذه الوظيفة على الرغم من شبههما بالحركات لاتساع مخرجهما.
وما حروف المدّ عند المحدثين إلاّ حركات طويلة خالصة؛ فالألف هي فتحة طويلة، وواو المدّ هي ضمّة طويلة، وياء المدّ هي كسرة طويلة؛ وبذلك يُخْرِجون من الحروف الصحاح الألف والواو والياء المدتين ويلحقونهما بالحركات أو الصوائت. وهم يُدْخِلون في الصحاح أو الصوامت الواو والياء اللينتين أو المتحركتين، مع اعترافهم بأن الواو والياء اللينتين أو المتحركتين تشبهان الحركات أو الصوائت من حيث اتساع مخرجهما، وإن كان –على أية حال- أقل من اتساعه مع الحركات الخالصة، أي حروف المدّ ومقابلاتها القصيرة وهي الفتحة والضمّة والكسرة، ويسمح بنوع ضعيف من الحفيف.
ولذلك تقع الواو والياء اللينتان أو المتحركتان موقعاً فريداً في النظام الصوتي العربي، فيصحّ أن نطلق عليهما –لاتساع مخرجهما- أشباه الحركات أو الصوائت أو العلل، وأن نطلق عليهما كذلك أشباه الصحاح أو الصوامت ، لشبههما بالصوامت من حيث طبيعتهما النطقية التي تتطلب نوعاً من الاحتكاك، ومن حيث الوظيفة التي تؤديانها في المقطع والجذر والسلوكات الصرفية بعامة، ولقبولهما الحركة والسكون كالصوامت تماماً. وسنحاول في هذا البحث أن نبرز طبيعتهما الصامتة، لأنها أحد المداخل لتوهين آراء بعض القدماء فيما يخصّ التقاء الساكنين.
ومن أوجه الفرق كذلك بين القدماء والمحدثين فيما يخص طبيعة المدّ واللين وعلاقة الحركات بهما، ما يراه القدماء من أن الحركات المجانسة التي تسبق حروف المدّ يمكن أن تنقل إلى الحرف الذي يسبقها، وأنها يمكن أن تحذف وتختزن ثم تسترد لتأخذ مكانها في موضع آخر، بعد إجراء تغييرات لفظية معينة. وعند المحدثين أن هذا غير صحيح وأن لا وجود أصلاً لحركات مجانسة تسبق حروف المد، وأن هذا محض خيال.
ومن الأفكار الأساسية عند القدماء فكرتهم عن المتحرك والساكن التي بنوا عليها تقسيماتهم العروضية وربّما الصرفية. فالمتحرك عندهم هو الحرف الصحيح أو الصامت الذي تتلوه حركة. والساكن يأتي على ضربين: ساكن يمكن تحريكه، وساكن لا يمكن تحريكه. والأول منهما يشمل جميع الحروف ما عدا الألف، والثاني هو الألف في نحو كتاب وحساب وباع وقام.
ويفهم من كلام القدماء بهذا الخصوص أن الساكن الذي يمكن تحريكه هو الحرف الصحيح، فهو قابل للحركة وللسكون، وأن الساكن الذي لا يمكن تحريكه هو حرف المدّ الألف، فهو الأصل في السكون لأنه لا يأتي إلا ساكناً. ويُحْمَلُ عليه الواو والياء المدّتان لأنهما تشبهانه في لزوم السكون وعدم التحريك. أما الواو والياء المتحركتان فهما قابلتان للحركة كالحروف الصحيحة.
وعند المحدثين أن الحروف الصحيحة أو ما يسمى بالصوامت هي وحدها التي تقبل الحركة والسكون، ويلحق بها الواو والياء اللينتان والمتحركتان. أما حروف المدّ فلا تقبل الحركة ولا السكون، ومن الخطأ وصفها بالسكون، لأنها –كما أسلفنا- حركات منافية بطبعها للسكون.
ورأوا في قول القدماء بسكون حروف المد بذور فكرة منطقية مؤدّاها أن حروف المد ما دامت لا يمكن أن تصفها بالحركة فلا بد أن تكون ساكنة، وبذور فكرة عروضية مفادها أن حرف المد والمتحرك الذي قبله يمكن تمثيله بالرمز (-5) .
وبربط كثير من المحدثين ظاهرة التخلص من التقاء الساكنين بالتركيب المقطعي في اللغة العربية الفصيحة، ويرون أن إدخال الحركة بعد الساكن الأول عند التقاء صحيحين ساكنين، وتقصير حرف المد (ويسميه القدماء حذفاً) عند التقاء ساكنين أولهما حرف مد وثانيهما حرف صحيح، إنما يجري للتخلص من تركيبين مقطعيين يستثقلهما الذوق اللغوي العربي، وهما المقطع المزدوج الإغلاق (ص ح ص ص) المؤلف من صامت فحركة قصيرة فصامتين، والمقطع المغلق ( ص ح ح ص) المؤلف من صامت فحرف مدّ (حركة طويلة) فصامت.
واضح إذاً أن المحدثين لا يقبلون كثيراً من حجج القدماء والأسس التي انطلقوا منها في بعض معالجاتهم الصرفية، مثل مساواتهم في النظرة بين حروف المدّ واللين، ومثل القول بأن حروف المدّ ساكنة، وأنها مسبوقة بحركات من جنسها، وأن الحركات التي تصوروها تسبق حروف المدّ يمكن أن يتصرف فيها بالحذف والنقل، أو حذفها واختزانها لتظهر في مواقع جديدة بعد تطبيق قواعد معينة. كا أن المحدثين يربطون ما بين التقاء الساكنين والنسيج المقطعي للغة العربية.
ومن هذه المآخذ على كلام القدماء وغيرها، وبناء على معطيات علم الأصوات الحديث، نمضي في تناول موضوع التقاء الساكنين، مثبتين ما يصح أن ينسب حقيقة إلى هذا الباب، وكاشفين عمّا ليس منه، كل ذلك مدعوماً بالحجج والبراهين والتفسيرات الملائمة.
(2)
التقاء ساكنين كلاهما حرف صحيح
ويشمل قولنا "حرف صحيح" الواو والياء اللينتين لما أسلفناه من شبههما بالحروف الصحيحة في كثير من السلوكات الصرفية.
ويأتي هذا النوع من التقاء الساكنين على عدة أنماط:
1- التقاء ساكنين داخل الكلمة الواحدة في غير حالة الوقف. ويكون ذلك في تصغير المضعّف كما في (دُوَيْبَّة) تصغير دابّة و(أُصَيْمّ) تصغير أَصَمّ. والساكنان هنا هما ياء التصغير والباء الأولى في (دُوَيْبَّة)، وياء التصغير والميم الأولى في (أُصَيْمّ)، ويقعان ضمن مقطع من نوع (ص ح ص ص)، (وَيْبْ) و(صَيْمْ) على الترتيب. والتقاء الساكنين من هذا النوع يعترف به كل العلماء القدماء، لأن الساكن الأول هو حرف لين وفيه طول فأشبه الحركة، ولذلك جاز مجيء الساكن بعده كما جاز مجيئه بعد حرف المدّ في نحو (ضالّين) لأن حرف المدّ مشبه للحركة. زد على ذلك أن حرف اللين هو ياء التصغير التي يجب أن تكون ساكنة تمييزاً لها عن غيرها.
ولكن ابن منظور يقول إن بعض العرب يشمّها الكسرة. وهو قول غامض إلاّ إذا فهم منه تحريك الياء بنوع من الكسرة المختلسة جداً التي قد لا تغيِّر في التركيب المقطعي للكلمة.
ويجري التقاء الساكنين في الكلمة الواحدة في غير الوقف، إذا عدَّدت أسماء حروف الهجاء والأعلام كقولك في الأولى: عَيْنْ غَيْنْ، وفي الثانية: بَكْرْ بِشْرْ زَيْدْ عَمْرْو.
ويجري ذلك كذلك في مضارع المضعّف المجزوم والأمر منه في بعض اللهجات، مثل: لم يَشُدّْ وشُدّْ. ويتخلص من هذا الوضع بتحريك الساكن الثاني بإحدى الحركات الثلاث: الكسرة أو الفتحة أو الضمّة. وتحريك الساكن الثاني في مثل هذا الوضع هو ظاهرة لهجية خاصة بتميم . أما القبائل الأخرى فتفك الإدغام في مثل هذه الحالة فلا يحدث التقاء ساكنين أصلاً.
ويجري مثله –أي تحريك الساكن الثاني- في مواضع متفرقة غير ما سبق كما في انْطَلْقَ و(الأصل: انْطَلْقْ)، وقولهم: لم يَلْدَهُ أبواه (والأصل: لم يَلْدْهُ)، لحرص أصحاب هذه اللهجة على إسكان العين، فيتجنبون تحريك الساكن الأول –وهو العين- لأن تحريكه يُفَوِّت هذا الغرض .
ويجعل بعض القدماء من باب التخلص من التقاء الساكنين في الكلمة الواحدة في غير الوقف، تحريكَ الساكن الثاني في كَيْفَ وأَيْنَ وسَوْفَ ومُنْذُ وأَمْسِ وحَيْثُ، ظانين أن أصل هذه الكلمات تسكين أواخرها.والواقع أن هذا ليس من باب التقاء الساكنين، إذ منعته اللغة في أصل الوضع، بأن جعلت هذه الكلمات على صورتها المعروفة لنا. ومعنى ذلك أننا لا نصل فيها إلى التقاء الساكنين ثم نتخلص منه بتحريك الثاني، بل جاءت هكذا محركة الأواخر في أصل الوضع.
2- التقاء ساكنين في الكلمة الواحدة في حالة الوقف، مثل: حِبْر وشَعْب وقُفْل وقَلْب وزَيْدْ وثَوْبْ وشَدّْ ومَدّْ. ويكثر هذا في الكلمات الثلاثية الساكنة العين كما سبق، أو غيرها المنتهية بحرف مُشّدَّد مثل مُسْتَحَبّْ ومُسْتَردّْ. وهذا يعدّ عند بعضهم إذا لم يكن الساكن الأول حرف لين كما في زَيْدْ وثَوْبْ، التقاء ساكنين ظاهرياً ومن خداع السمع، لأن الساكن الأول عندهم –إذا لم يكن ليناً- مُحَرَّكٌ بحركة مختلسة جداً، حتى يمكن أن يأتي الساكن الثاني بعده. وهذا غير ضروري عندما يكون حرف اللين هو الساكن الأول، لأن فيه بعض المدّ أو الطول فأغنى ذلك عن تحريكه بحركة مختلسة.
والوقع أن هذا التقاء ساكنين حقيقي، وممكن حدوثه، وإن كان مستثقلاً لأنه ينشأ عنه المقطع ( ص ح ص ص) وهو مقطع ثقيل مزدوج الإغلاق. وتتخذ العربية عدة وسائل اختيارية للتخلص منه. من ذلك إدخال حركة ما بعد الساكن الأول (بَحْرْ çبَحَُِر)، أو إدخال حركة مجانسة لحركة الفاء (قُفْلْ ç قُفُلْ، عِدْلْ ç عِدِلْ)، أو نقل حركة الإعراب –إذا كان الموقوف عليه مرفوعاً أو مجروراً- وتحريك الساكن الأول بها (جاء بَكْرٌ ç جاء بَكُرْ، مررت بِبَكْرٍ ç مررت بِبَكِرْ).
وهذا يؤدي إلى تفكيك المقطع ( ص ح ص ص) والتخلص منه بتغيير البنية المقطعية في الكلمة ( ص ح ص ص ç ص ح+ ص ح ص). وقد يُلْجأ إلى تخفيف الإدغام وخاصة في الشعر (هِرّْ ç هِرْ= ص ح ص ص ç ص ح ص). وقد يرومون الحركة في الحرف الموقوف عليه، أو يقلقونه، وفي هذه الحالة يصبح التركيب المقطعي (ص ح ص + ص ح)، وتكون الحركة الأخيرة (في المقطع ص ح) قصيرة جداً لا تكاد تدركها الأذن. وكل هذا كما أسلفنا اختياري لا إجباري، ويُلْجَأُ إليه لأن العرب تكره التقاء الساكنين حتى في المواضع التي يسمح فيها بذلك .
تمهيد
قضية التقاء الساكنين قضية صوتية مهمّة، عني بها الباحثون العرب قديماً وحديثاً، واختلفت فيها الآراء ومناهج التحليل.
ويعد التقاء الساكنين من أهم علل الحذف لدى العلماء العرب القدماء في باب الإعلال خاصة. غير أنه قد علقت به بعض الأوهام، وفُسِّرت به خطأً كثير من التغيرات والسلوكات الصرفية.
ويتم التقاء الساكنين عند القدماء في أربع صور. الصورة الأولى منها هي التقاء ساكنين كلاهما حرف صحيح (أي صامت بعرف المحدثين). والثانية هي التقاء ساكنين أولهما حرف مد وثانيهما حرف صحيح. والثالثة التقاء ساكنين كلاهما حرف مدّ. والرابعة التقاء ساكنين أولهما حرف صحيح وثانيهما حرف مدّ. أما النوعان الأول والثاني فهما المبوب لهما في كتب الصرف ويُتناولان في باب التقاء الساكنين خصوصاً. وأما النوعان الآخران فليس مبوباً لهما في كتب الصرف، وتتناثر الإشارات إليهما في ثنايا الحديث عن بعض السلوكات الصرفية، أو في المعالجات الصوتية لبعض الصيغ والتغيرات الصرفية. ولا بد للباحث من التنقيب عن تلك الإشارات في كتب الصرف والأصوات لتكوين فكرة شاملة عنهما.
ويتصل التقاء الساكنين اتصالاً وثيقاً بكثير من القضايا الصوتية، من مثل طبيعة المدّ واللين، وعلاقة الحركات بحروف المدّ واللين، وقضية المتحرك والساكن، والبناء المقطعي للغة العربية.
فمن المفاهيم الشائعة لدى القدماء أن حرف المدّ هو حرف العلة الساكن المسبوق بحركة من جنسه، مثل الألف في قامَ وسارَ وكِتاب، والواو في نُور وسُوق وعَجُوز، والياء في ديِن وسَعيد وعَرِين. وحرف اللين هو الواو أو الياء الساكنتان المسبوقتان بفتحة، مثل الواو في حَوْض وذَوق، والياء في بَيْت وزَيْت. وحرف العلة عندهم هو الواو والياء المتحركتان كالواو في وَرَق والياء في يُسْر، وهما مضارعتان للحروف الصحيحة لاحتمالهما الحركة.
على أن مفهوم العلة بإطلاقه يشمل عندهم الألف، والواو والياء من الأنواع السابقة كلها. وهي الحروف التي اتَّسعت مخارجها، وتميز نطقها باليسر والسهولة، وخرجت من تجويف الفم بلا إعاقة أو اعتراض لهواء الصوت(1). وهذا ما يميزها عن سائر الحروف الصحيحة في الألفباء العربية. ولعله أساس التقسيم إلى صحاح وعلل. وتتميز حروف العلة من الناحية الصرفية عندهم بكثرة تبدّلها وتحوّلها وعدم استقرارها، على العكس مما نراه في الحروف الصحيحة التي تتميز بقدر كبير من الثبات.
وقد جمع القدماء بين حروف المدّ واللين في مجموعة صوتية واحدة، على الرغم من التفريق النظري بينهما، وملاحظة أن حروف اللين تتصرف كالحروف الصحيحة في مواضع متعددة. فإذا التقى ساكنان أولهما حرف لين كالواو في اخْشَوْا والياء في اخْشَيْ، يُتَخَلَّصُ من التقاء الساكنين بإدخال حركة بعد حرف اللين (اخْشَوُا الله، اخْشَيِ الله) تماماً كما يحدث بين الساكنين الصحيحين، وإذا التقي ساكنان أولهما حرف مدّ، حُذِفَ حرف المدّ كحذف الواو والياء المدّتين في الفعلين المجزومين لم يَقُمْ ولم يَسِرْ .
ولذلك لم يكن القدماء يميزون –أو يحفلون بالتمييز- بين واو المد في يركضون وواو اللين في يَسْعَوْنَ، أو بين ياء المدّ في تشربِين وياء اللين في تَخْشَيْنَ. وكانوا يجمعونهما في اللفظ هكذا: حروف المدّ واللين. وربما أشاروا إلى اللين بالمد، أو إلى المدّ باللين.
بل حاول بعض العلماء تصنيف الألف على أنها حرف مدّ ولين معاً، لأنها ساكنة مسبوقة بحركة من جنسها، وساكنة مسبوقة بفتحة. وهذا قول غير صحيح بتاتاً، ومبني على استدلال منطقي لا على الحقائق الصوتية نفسها، فالألف من حيث طبيعتها الصوتية لا تكون إلاّ حرف مدّ، أي حركة طويلة خالصة، كما سنبينه بعد قليل.
وثمة خلاف بين القدماء والمحدثين في النظرة إلى حروف المد واللين. فالمحدثون ينكرون أن تكون حروف المد مسبوقة بحركات من جنسها، لأن حروف المد هي أنفسها حركات، وليس هناك تركيب في الحركات، فالحركة لا تدخل على الحركة من جنسها أومن غير جنسها، طويلة كانت أو قصيرة، ولا بد من وجود فاصل بين حركة وأخرى، كما تقضي بذلك قوانين التركيب المقطعي في العربية التي تمنع أن تتوالى حركتان في المقطع الواحد، وتفرض أن يفصل بين الحركة وأختها صامت أو شبهه.
وينكر المحدثون كذلك أن تكون حروف المد ساكنة، إذ إنها حركات والحركة لا تكون سكوناً، لأنها منافية للسكون بطبعها . وهم يفسرون قول القدماء بسكونها بأنهم رأوها غير قابلة للحركة، لأنها متحركة بحركة ذاتها فأشبهت الساكن الذي لا يحرك، أو رأوها من الناحية الكمية مساوية لحركة وحرف صحيح ساكن في العروض؛ فالسبب الخفيف (لا) المؤلف من ساكن هو اللام، وحركة هي فتحة تصوروها تسبق حرف المد، ومد هو ألف- يساوي من حيث الإيقاع الكمي السبب الخفيف (لَنْ) المؤلف من ساكن هواللام وحركة هي الفتحة وساكن هو النون، ولو وضع أحدهما مكان الآخر لما حدث خلل في الوزن. وربما نسبها القدماء إلى السكون لأنهم رأوا أنها من حيث الرسم الكتابيّ غير متلوة بحركات قصيرة .
ويفصل المحدثون الواو والياء اللينتين عن سائر حروف المد، ويلحقونهما من حيث النوع بالواو والياء المتحركتين، مستندين بذلك إلى فروق أساسية بين حروف المد من ناحية، والواو والياء اللينتين أو المتحركتين من ناحية أخرى. فحروف المد لا يصاحب نطقها أي احتكاك أو اعتراض لمجرى الهواء، ولا تفتتح المقاطع ولا تغلقها، ويسمى المقطع المنتهي بها مفتوحاً، ولا تكون من حروف المادة الأصلية. أما الواو والياء اللينتان أو المتحركتان فيرافق نطقهما احتكاك ما أي نوع ضعيف من الحفيف، وتفتتحان المقاطع وتغلقانها، فالواو المتحركة في (وَقَف) تفتتح مقطعاً والواو الساكنة في (مَوْقِف) تغلق مقطعاً.
والواو والياء اللينتان أو المتحركتان لا يمكن لهما أن تكونا قمة المقطع العربي أو نواته أي العنصر الحركي فيه؛ فمعلوم أنه لا بد لكل مقطع من عنصر صائت يشكل قمته أو نواته، وهو الجزء الذي يحمل أقصى التوتر فيه ويقع عليه النبر، فلا يقوم بهذه الوظيفة في العربية إلاّ حركة قصيرة أو حركة طويلة (أي حرف مدّ). ولا تقوم الواو أو الياء اللينتان أو المتحركتان بهذه الوظيفة على الرغم من شبههما بالحركات لاتساع مخرجهما.
وما حروف المدّ عند المحدثين إلاّ حركات طويلة خالصة؛ فالألف هي فتحة طويلة، وواو المدّ هي ضمّة طويلة، وياء المدّ هي كسرة طويلة؛ وبذلك يُخْرِجون من الحروف الصحاح الألف والواو والياء المدتين ويلحقونهما بالحركات أو الصوائت. وهم يُدْخِلون في الصحاح أو الصوامت الواو والياء اللينتين أو المتحركتين، مع اعترافهم بأن الواو والياء اللينتين أو المتحركتين تشبهان الحركات أو الصوائت من حيث اتساع مخرجهما، وإن كان –على أية حال- أقل من اتساعه مع الحركات الخالصة، أي حروف المدّ ومقابلاتها القصيرة وهي الفتحة والضمّة والكسرة، ويسمح بنوع ضعيف من الحفيف.
ولذلك تقع الواو والياء اللينتان أو المتحركتان موقعاً فريداً في النظام الصوتي العربي، فيصحّ أن نطلق عليهما –لاتساع مخرجهما- أشباه الحركات أو الصوائت أو العلل، وأن نطلق عليهما كذلك أشباه الصحاح أو الصوامت ، لشبههما بالصوامت من حيث طبيعتهما النطقية التي تتطلب نوعاً من الاحتكاك، ومن حيث الوظيفة التي تؤديانها في المقطع والجذر والسلوكات الصرفية بعامة، ولقبولهما الحركة والسكون كالصوامت تماماً. وسنحاول في هذا البحث أن نبرز طبيعتهما الصامتة، لأنها أحد المداخل لتوهين آراء بعض القدماء فيما يخصّ التقاء الساكنين.
ومن أوجه الفرق كذلك بين القدماء والمحدثين فيما يخص طبيعة المدّ واللين وعلاقة الحركات بهما، ما يراه القدماء من أن الحركات المجانسة التي تسبق حروف المدّ يمكن أن تنقل إلى الحرف الذي يسبقها، وأنها يمكن أن تحذف وتختزن ثم تسترد لتأخذ مكانها في موضع آخر، بعد إجراء تغييرات لفظية معينة. وعند المحدثين أن هذا غير صحيح وأن لا وجود أصلاً لحركات مجانسة تسبق حروف المد، وأن هذا محض خيال.
ومن الأفكار الأساسية عند القدماء فكرتهم عن المتحرك والساكن التي بنوا عليها تقسيماتهم العروضية وربّما الصرفية. فالمتحرك عندهم هو الحرف الصحيح أو الصامت الذي تتلوه حركة. والساكن يأتي على ضربين: ساكن يمكن تحريكه، وساكن لا يمكن تحريكه. والأول منهما يشمل جميع الحروف ما عدا الألف، والثاني هو الألف في نحو كتاب وحساب وباع وقام.
ويفهم من كلام القدماء بهذا الخصوص أن الساكن الذي يمكن تحريكه هو الحرف الصحيح، فهو قابل للحركة وللسكون، وأن الساكن الذي لا يمكن تحريكه هو حرف المدّ الألف، فهو الأصل في السكون لأنه لا يأتي إلا ساكناً. ويُحْمَلُ عليه الواو والياء المدّتان لأنهما تشبهانه في لزوم السكون وعدم التحريك. أما الواو والياء المتحركتان فهما قابلتان للحركة كالحروف الصحيحة.
وعند المحدثين أن الحروف الصحيحة أو ما يسمى بالصوامت هي وحدها التي تقبل الحركة والسكون، ويلحق بها الواو والياء اللينتان والمتحركتان. أما حروف المدّ فلا تقبل الحركة ولا السكون، ومن الخطأ وصفها بالسكون، لأنها –كما أسلفنا- حركات منافية بطبعها للسكون.
ورأوا في قول القدماء بسكون حروف المد بذور فكرة منطقية مؤدّاها أن حروف المد ما دامت لا يمكن أن تصفها بالحركة فلا بد أن تكون ساكنة، وبذور فكرة عروضية مفادها أن حرف المد والمتحرك الذي قبله يمكن تمثيله بالرمز (-5) .
وبربط كثير من المحدثين ظاهرة التخلص من التقاء الساكنين بالتركيب المقطعي في اللغة العربية الفصيحة، ويرون أن إدخال الحركة بعد الساكن الأول عند التقاء صحيحين ساكنين، وتقصير حرف المد (ويسميه القدماء حذفاً) عند التقاء ساكنين أولهما حرف مد وثانيهما حرف صحيح، إنما يجري للتخلص من تركيبين مقطعيين يستثقلهما الذوق اللغوي العربي، وهما المقطع المزدوج الإغلاق (ص ح ص ص) المؤلف من صامت فحركة قصيرة فصامتين، والمقطع المغلق ( ص ح ح ص) المؤلف من صامت فحرف مدّ (حركة طويلة) فصامت.
واضح إذاً أن المحدثين لا يقبلون كثيراً من حجج القدماء والأسس التي انطلقوا منها في بعض معالجاتهم الصرفية، مثل مساواتهم في النظرة بين حروف المدّ واللين، ومثل القول بأن حروف المدّ ساكنة، وأنها مسبوقة بحركات من جنسها، وأن الحركات التي تصوروها تسبق حروف المدّ يمكن أن يتصرف فيها بالحذف والنقل، أو حذفها واختزانها لتظهر في مواقع جديدة بعد تطبيق قواعد معينة. كا أن المحدثين يربطون ما بين التقاء الساكنين والنسيج المقطعي للغة العربية.
ومن هذه المآخذ على كلام القدماء وغيرها، وبناء على معطيات علم الأصوات الحديث، نمضي في تناول موضوع التقاء الساكنين، مثبتين ما يصح أن ينسب حقيقة إلى هذا الباب، وكاشفين عمّا ليس منه، كل ذلك مدعوماً بالحجج والبراهين والتفسيرات الملائمة.
(2)
التقاء ساكنين كلاهما حرف صحيح
ويشمل قولنا "حرف صحيح" الواو والياء اللينتين لما أسلفناه من شبههما بالحروف الصحيحة في كثير من السلوكات الصرفية.
ويأتي هذا النوع من التقاء الساكنين على عدة أنماط:
1- التقاء ساكنين داخل الكلمة الواحدة في غير حالة الوقف. ويكون ذلك في تصغير المضعّف كما في (دُوَيْبَّة) تصغير دابّة و(أُصَيْمّ) تصغير أَصَمّ. والساكنان هنا هما ياء التصغير والباء الأولى في (دُوَيْبَّة)، وياء التصغير والميم الأولى في (أُصَيْمّ)، ويقعان ضمن مقطع من نوع (ص ح ص ص)، (وَيْبْ) و(صَيْمْ) على الترتيب. والتقاء الساكنين من هذا النوع يعترف به كل العلماء القدماء، لأن الساكن الأول هو حرف لين وفيه طول فأشبه الحركة، ولذلك جاز مجيء الساكن بعده كما جاز مجيئه بعد حرف المدّ في نحو (ضالّين) لأن حرف المدّ مشبه للحركة. زد على ذلك أن حرف اللين هو ياء التصغير التي يجب أن تكون ساكنة تمييزاً لها عن غيرها.
ولكن ابن منظور يقول إن بعض العرب يشمّها الكسرة. وهو قول غامض إلاّ إذا فهم منه تحريك الياء بنوع من الكسرة المختلسة جداً التي قد لا تغيِّر في التركيب المقطعي للكلمة.
ويجري التقاء الساكنين في الكلمة الواحدة في غير الوقف، إذا عدَّدت أسماء حروف الهجاء والأعلام كقولك في الأولى: عَيْنْ غَيْنْ، وفي الثانية: بَكْرْ بِشْرْ زَيْدْ عَمْرْو.
ويجري ذلك كذلك في مضارع المضعّف المجزوم والأمر منه في بعض اللهجات، مثل: لم يَشُدّْ وشُدّْ. ويتخلص من هذا الوضع بتحريك الساكن الثاني بإحدى الحركات الثلاث: الكسرة أو الفتحة أو الضمّة. وتحريك الساكن الثاني في مثل هذا الوضع هو ظاهرة لهجية خاصة بتميم . أما القبائل الأخرى فتفك الإدغام في مثل هذه الحالة فلا يحدث التقاء ساكنين أصلاً.
ويجري مثله –أي تحريك الساكن الثاني- في مواضع متفرقة غير ما سبق كما في انْطَلْقَ و(الأصل: انْطَلْقْ)، وقولهم: لم يَلْدَهُ أبواه (والأصل: لم يَلْدْهُ)، لحرص أصحاب هذه اللهجة على إسكان العين، فيتجنبون تحريك الساكن الأول –وهو العين- لأن تحريكه يُفَوِّت هذا الغرض .
ويجعل بعض القدماء من باب التخلص من التقاء الساكنين في الكلمة الواحدة في غير الوقف، تحريكَ الساكن الثاني في كَيْفَ وأَيْنَ وسَوْفَ ومُنْذُ وأَمْسِ وحَيْثُ، ظانين أن أصل هذه الكلمات تسكين أواخرها.والواقع أن هذا ليس من باب التقاء الساكنين، إذ منعته اللغة في أصل الوضع، بأن جعلت هذه الكلمات على صورتها المعروفة لنا. ومعنى ذلك أننا لا نصل فيها إلى التقاء الساكنين ثم نتخلص منه بتحريك الثاني، بل جاءت هكذا محركة الأواخر في أصل الوضع.
2- التقاء ساكنين في الكلمة الواحدة في حالة الوقف، مثل: حِبْر وشَعْب وقُفْل وقَلْب وزَيْدْ وثَوْبْ وشَدّْ ومَدّْ. ويكثر هذا في الكلمات الثلاثية الساكنة العين كما سبق، أو غيرها المنتهية بحرف مُشّدَّد مثل مُسْتَحَبّْ ومُسْتَردّْ. وهذا يعدّ عند بعضهم إذا لم يكن الساكن الأول حرف لين كما في زَيْدْ وثَوْبْ، التقاء ساكنين ظاهرياً ومن خداع السمع، لأن الساكن الأول عندهم –إذا لم يكن ليناً- مُحَرَّكٌ بحركة مختلسة جداً، حتى يمكن أن يأتي الساكن الثاني بعده. وهذا غير ضروري عندما يكون حرف اللين هو الساكن الأول، لأن فيه بعض المدّ أو الطول فأغنى ذلك عن تحريكه بحركة مختلسة.
والوقع أن هذا التقاء ساكنين حقيقي، وممكن حدوثه، وإن كان مستثقلاً لأنه ينشأ عنه المقطع ( ص ح ص ص) وهو مقطع ثقيل مزدوج الإغلاق. وتتخذ العربية عدة وسائل اختيارية للتخلص منه. من ذلك إدخال حركة ما بعد الساكن الأول (بَحْرْ çبَحَُِر)، أو إدخال حركة مجانسة لحركة الفاء (قُفْلْ ç قُفُلْ، عِدْلْ ç عِدِلْ)، أو نقل حركة الإعراب –إذا كان الموقوف عليه مرفوعاً أو مجروراً- وتحريك الساكن الأول بها (جاء بَكْرٌ ç جاء بَكُرْ، مررت بِبَكْرٍ ç مررت بِبَكِرْ).
وهذا يؤدي إلى تفكيك المقطع ( ص ح ص ص) والتخلص منه بتغيير البنية المقطعية في الكلمة ( ص ح ص ص ç ص ح+ ص ح ص). وقد يُلْجأ إلى تخفيف الإدغام وخاصة في الشعر (هِرّْ ç هِرْ= ص ح ص ص ç ص ح ص). وقد يرومون الحركة في الحرف الموقوف عليه، أو يقلقونه، وفي هذه الحالة يصبح التركيب المقطعي (ص ح ص + ص ح)، وتكون الحركة الأخيرة (في المقطع ص ح) قصيرة جداً لا تكاد تدركها الأذن. وكل هذا كما أسلفنا اختياري لا إجباري، ويُلْجَأُ إليه لأن العرب تكره التقاء الساكنين حتى في المواضع التي يسمح فيها بذلك .


تعليق