ظاهرة التذكير والتأنيث في العامية
الجزائرية وعلاقتها بالفصحى
الدكتور عبد الكريم عوفي
أستاذ محاضر بمعهد اللغة العربية وآدابها
جامعة باتنة (الجزائر )
الجزائرية وعلاقتها بالفصحى
الدكتور عبد الكريم عوفي
أستاذ محاضر بمعهد اللغة العربية وآدابها
جامعة باتنة (الجزائر )
ظاهرة (التأنيث والتذكير) من الظواهر اللغوية التي تشترك فيها اللغات البشرية جمعاء، ولكن معاملة الجنس تختلف من لغة إلى أخرى
فاللغات السامية الأولى تفرق بين المذكر والمؤنث بوضع كلمة للمذكر وأخرى للمؤنث، وفي اللغات الهندية الأوروبية يستعمل لفظ للمذكر ولفظ آخر للمؤنث، ففي الإنجليزية يستعمل لفظ (Son ) ويعنى (ابن ) مقابل لفظ (daughter ) ويعني (ابنة )، وفي الألمانية يستعملون لفظا للمذكر، ولفظا للمؤنث، ولفظا للمحايد.
إن " لغة الألجونكين algonquin تميز بين جنس حي وجنس غير حي، ولا يهمها بعد ذلك ما يدخل تحت كل واحد من الجنسين من أشياء.
وقد ذكر فندريس أيضا أن " في لغة الماساي masai من شعوب شرق إفريقية يوجد جنس لما هو كبير وقوي، وجنس آخر لما هو صغير وضعيف "
وبعض اللغات تقسم الأسماء الموجودة فيها من حيث الجنس إلى ثلاثة أقسام: مذكر ومؤنث وقسم ثالث هو ما يعرف في اللغات الهندية الأوروبية باسم (المحايد) أو (المبهم) neuter وهو في الأصل ما ليس مذكراً ولا مؤنثاً.
وقد عرف فندريس المبهم neuter بقوله : " والمبهم في الهندية الأوربية جنس على حدته، فهو يقابل الجنسين الشخصيين معاً، ولكنه أقل انتشار منهما ".
وذكر الدكتور إبراهيم أنيس أن أفرع اللغات اللاتينية القديمة، كالفرنسية والإسبانية والإيطالية فقدت الظاهرة الشائعة في اللاتينية القديمة (الأسماء المحايدة )، وأصبحت في اللغات الحديثة إما مؤنثة أو مذكرة.
ويرى الدكتور رمضان عبد التواب أن الساميات – ومنها العربية – قد وزعت القسم المحايد على القسمين الآخرين، وصارت الأسماء فيها إما مذكرة وإما مؤنثة. لكن المستشرق برجشتراسر يفترض أن اللغات السامية كانت تقسم الأسماء في الزمن القديم تقسيمات متفرعة أكثر من الحاضر، ولا يعرف ما إذا كان تمييز المذكر والمؤنث، في ذلك التقسيم الأصلي أم مازجه حديثا.
وتختلف اللغات فيما بينهما من حيث التذكير والتأنيث داخل الفصيلة اللغوية الواحدة، فما كان مؤنثاً في لغة قد يكون مذكراً في لغة أخرى، والعكس أيضاً.
فكلمة (شمس ) مثلا اسم مذكر في الفرنسية، ومؤنث في العربيـة.
و(الكف ) في العربية تذكر وتؤنث، وفي العبرية والسريانية مؤنثة، وهي مذكر في الآرامية.
وقد أولى علماؤنا الأوائل هذه الظاهرة عناية كبيرة، فألفوا فيها كتبا ورسائل جمعوا فيها الألفاظ التي يقع فيها التذكير والتأنيث، وبينوا المذكر والمؤنث منها، سواء كان اللفظ حاملاً لعلامة من علامات التأنيث المنصوص عليها، أو كان اللفظ المؤنث سماعيا.
والمقصود بالمذكر والمؤنث عند علمائنا العرب هو ما نقرأه في قول ابن الحاجب : "المؤنث ما فيه علامة تأنيث لفظا أو تقديرا، والمذكر بخلافه، وعلامة التأنيث التاء و الألف مقصورة وممدودة ". وكذلك ما نقرأه في قول ابن عقيل :" أصل الاسم أن يكون مذكرا، والتأنيث فرع عن التذكير، ولكون التذكير هو الأصل استغنى الاسم المذكر عن علامة تدل على التذكير، ولكون التأنيث فرعاً عن التذكير افتقر إلى علامة تدل عليه وهي التاء، والألف المقصورة أو الممدودة، والتاء أكثر في الاستعمال من الألف، ولذلك قدرت في بعض الأسماء، كعين وكتف "
وإذا أردنا التعرف على الظاهرة في اللغات السامية فإننا نجد الدراسات المقارنة- شقيقات العربية- تفيد أن العربية تشترك مع الساميات في استعمال علامات التأنيث (التاء والألف المقصورة أو الممدودة ) للدلالة على اللفظ المؤنث.
ويرى برجشتراسر أن التاء مع الفتحة قبلها، أي (At) سامية الأصل، وأن الألف المقصورة توجد في العبرية والآرامية، والألف الممدودة لا يقابلها في اللغات السامية إلا القليل .
وبعد هذا العرض الموجز لملامح ظاهرة التذكير والتأنيث في اللغات عامة والعربية خاصة، أقدم وصفاً تحليليًّا للظاهرة في العامية الجزائرية مع إبراز أوجه التقائها مع العربية الفصحى وافتراقها عنها.
سلك العامة مسلكا مغايرا للعربية الفصحى في تأنيث الأسماء وتذكيرها، إذ تكــاد (التاء) تكون العلامة الرئيسة للتأنيث في العامية الجزائرية فقد تبين من المادة المسموعة من أفواه الناس في أماكن مختلفة، وفي جهات عدة من الجزائر أن :
1- الألفاظ التي وردت في العربية الفصحى مؤنثة أو يستوي فيها التذكير والتأنيث، أو خالية من إحدى علامات التأنيث، تؤنث بالتاء، وذلك في مثل:
أ- الألفاظ الدالة على أحوال المؤنث، أو يشترك فيها الجنسان (المذكر والمؤنث)، والتي على وزن (فاعل)، و (فعول)، نحو: طالقة، وعانسة، وطاهرة، وحاملة، وصابرة، وصارفة، ودافعة، وعاقره، وقد حولوا (فاعل وفعول ) في نطقهم إلى (فاعلة)، ونطقهم هذه الصفحات بالتاء هو الأكثر وبلا تاء هو القليل، وهذه الصفات جاءت في العربية الفصحى بلا تاء، لأنها أصلية في التأنيث.
ب- الألفاظ التي يستوي فيها المذكر والمؤنث، والتي تجيء على وزن (فعول) نطقها العامة على الأصل كما في الفصحى بلا تاء وهو قليل، أو يلحقون بها التاء وهو الأكثر، كقولهم : عْرُوسة،عْجوزة، فحولــوا (فعول ) إلى (فعولة ).
ولفظ (عجوز) يستعمله العامة للشيخ والمرأة على حد سواء، بالتاء وبلا تاء، فهم يقولون للمرأة؛ صغيرة كانت أم كبيرة : (عْجوزة، وعْجوز )، وبعض الناس من الكبار في المجتمع الجزائري يتحاشون ذكر اسم المرأة عامة، لاعتقادات معينة فيكنون عن ذكرها باسم (لَعْجُوزْ)، وإذا ورد فى سياق الحديث الكلام عن المرأة قالوا: (داري، أو أهلي، أو عبادي، أو عيالي، أو عجوزي، أو مولات الدار) مع إلحاق كلمة من هذه الكلمات المستعملة عبارة (أكرمكم الله)، وهذا الاستعمال جار على ألسنة العامة ممن يسكنون الأرياف والقرى، ولا سيما مناطق الجنوب، لأن لفظ المرأة من الألفاظ المحظورة، التي تعرف في علم اللغة باسم (ألفاظ اللامساس taboo )
وهذا الاستعمال للفظ (عجوز) بلا تاء مروي عن العرب الفصحاء، فقد أورد صاحب اللسان أن " العجوز والعجوزة من النساء: الشيخة الهرمة ".
ج- يؤنثون لفظ (زوج) فيقولون: (زوجة) إذا كانوا يريدون زوجة الرجل، واللفظ مطّرد الاستعمال، ولا يستعملون(زوج) للمؤنث إطلاقاً وقديما" ذكر الفراء أن زوجاً المراد به المؤنث فيه لغتان : (زوج) لغة أهل الحجاز، و(زوجة) لغة تميم وكثير من قيس وأهل نجد ".
وقد ورد الاستعمالان في القرآن الكريم، إذ قال تعالى : (وَقُلنا يا آدمُ اسْكُنْ أنتَ وزوجُكَ الجنَة ). وقال أيضا : (يَا أيُها النبيُّ قُل لأزواجِكَ إنْ كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياةَ الدُنيا وزينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتّعُكُنَّ وأُسَرّحُكُنَّ سَرَاحاً جَميلاً ) .
ويظهر أن العامة في الجزائر قد سلكت مسلك التميميين، لأن لغتهم أكثر شيوعاً في الاستعمال ولعل ذلك يرجع إلى تأثير القبائل العربية – ومنها التميمية، التي نزلت عقب الفتح الإسلامي في مناطق مختلفة من الجزائر، وقد يكون الاستعمال ناتج عن القياس الخاطئ.
فاللغات السامية الأولى تفرق بين المذكر والمؤنث بوضع كلمة للمذكر وأخرى للمؤنث، وفي اللغات الهندية الأوروبية يستعمل لفظ للمذكر ولفظ آخر للمؤنث، ففي الإنجليزية يستعمل لفظ (Son ) ويعنى (ابن ) مقابل لفظ (daughter ) ويعني (ابنة )، وفي الألمانية يستعملون لفظا للمذكر، ولفظا للمؤنث، ولفظا للمحايد.
إن " لغة الألجونكين algonquin تميز بين جنس حي وجنس غير حي، ولا يهمها بعد ذلك ما يدخل تحت كل واحد من الجنسين من أشياء.
وقد ذكر فندريس أيضا أن " في لغة الماساي masai من شعوب شرق إفريقية يوجد جنس لما هو كبير وقوي، وجنس آخر لما هو صغير وضعيف "
وبعض اللغات تقسم الأسماء الموجودة فيها من حيث الجنس إلى ثلاثة أقسام: مذكر ومؤنث وقسم ثالث هو ما يعرف في اللغات الهندية الأوروبية باسم (المحايد) أو (المبهم) neuter وهو في الأصل ما ليس مذكراً ولا مؤنثاً.
وقد عرف فندريس المبهم neuter بقوله : " والمبهم في الهندية الأوربية جنس على حدته، فهو يقابل الجنسين الشخصيين معاً، ولكنه أقل انتشار منهما ".
وذكر الدكتور إبراهيم أنيس أن أفرع اللغات اللاتينية القديمة، كالفرنسية والإسبانية والإيطالية فقدت الظاهرة الشائعة في اللاتينية القديمة (الأسماء المحايدة )، وأصبحت في اللغات الحديثة إما مؤنثة أو مذكرة.
ويرى الدكتور رمضان عبد التواب أن الساميات – ومنها العربية – قد وزعت القسم المحايد على القسمين الآخرين، وصارت الأسماء فيها إما مذكرة وإما مؤنثة. لكن المستشرق برجشتراسر يفترض أن اللغات السامية كانت تقسم الأسماء في الزمن القديم تقسيمات متفرعة أكثر من الحاضر، ولا يعرف ما إذا كان تمييز المذكر والمؤنث، في ذلك التقسيم الأصلي أم مازجه حديثا.
وتختلف اللغات فيما بينهما من حيث التذكير والتأنيث داخل الفصيلة اللغوية الواحدة، فما كان مؤنثاً في لغة قد يكون مذكراً في لغة أخرى، والعكس أيضاً.
فكلمة (شمس ) مثلا اسم مذكر في الفرنسية، ومؤنث في العربيـة.
و(الكف ) في العربية تذكر وتؤنث، وفي العبرية والسريانية مؤنثة، وهي مذكر في الآرامية.
وقد أولى علماؤنا الأوائل هذه الظاهرة عناية كبيرة، فألفوا فيها كتبا ورسائل جمعوا فيها الألفاظ التي يقع فيها التذكير والتأنيث، وبينوا المذكر والمؤنث منها، سواء كان اللفظ حاملاً لعلامة من علامات التأنيث المنصوص عليها، أو كان اللفظ المؤنث سماعيا.
والمقصود بالمذكر والمؤنث عند علمائنا العرب هو ما نقرأه في قول ابن الحاجب : "المؤنث ما فيه علامة تأنيث لفظا أو تقديرا، والمذكر بخلافه، وعلامة التأنيث التاء و الألف مقصورة وممدودة ". وكذلك ما نقرأه في قول ابن عقيل :" أصل الاسم أن يكون مذكرا، والتأنيث فرع عن التذكير، ولكون التذكير هو الأصل استغنى الاسم المذكر عن علامة تدل على التذكير، ولكون التأنيث فرعاً عن التذكير افتقر إلى علامة تدل عليه وهي التاء، والألف المقصورة أو الممدودة، والتاء أكثر في الاستعمال من الألف، ولذلك قدرت في بعض الأسماء، كعين وكتف "
وإذا أردنا التعرف على الظاهرة في اللغات السامية فإننا نجد الدراسات المقارنة- شقيقات العربية- تفيد أن العربية تشترك مع الساميات في استعمال علامات التأنيث (التاء والألف المقصورة أو الممدودة ) للدلالة على اللفظ المؤنث.
ويرى برجشتراسر أن التاء مع الفتحة قبلها، أي (At) سامية الأصل، وأن الألف المقصورة توجد في العبرية والآرامية، والألف الممدودة لا يقابلها في اللغات السامية إلا القليل .
وبعد هذا العرض الموجز لملامح ظاهرة التذكير والتأنيث في اللغات عامة والعربية خاصة، أقدم وصفاً تحليليًّا للظاهرة في العامية الجزائرية مع إبراز أوجه التقائها مع العربية الفصحى وافتراقها عنها.
سلك العامة مسلكا مغايرا للعربية الفصحى في تأنيث الأسماء وتذكيرها، إذ تكــاد (التاء) تكون العلامة الرئيسة للتأنيث في العامية الجزائرية فقد تبين من المادة المسموعة من أفواه الناس في أماكن مختلفة، وفي جهات عدة من الجزائر أن :
1- الألفاظ التي وردت في العربية الفصحى مؤنثة أو يستوي فيها التذكير والتأنيث، أو خالية من إحدى علامات التأنيث، تؤنث بالتاء، وذلك في مثل:
أ- الألفاظ الدالة على أحوال المؤنث، أو يشترك فيها الجنسان (المذكر والمؤنث)، والتي على وزن (فاعل)، و (فعول)، نحو: طالقة، وعانسة، وطاهرة، وحاملة، وصابرة، وصارفة، ودافعة، وعاقره، وقد حولوا (فاعل وفعول ) في نطقهم إلى (فاعلة)، ونطقهم هذه الصفحات بالتاء هو الأكثر وبلا تاء هو القليل، وهذه الصفات جاءت في العربية الفصحى بلا تاء، لأنها أصلية في التأنيث.
ب- الألفاظ التي يستوي فيها المذكر والمؤنث، والتي تجيء على وزن (فعول) نطقها العامة على الأصل كما في الفصحى بلا تاء وهو قليل، أو يلحقون بها التاء وهو الأكثر، كقولهم : عْرُوسة،عْجوزة، فحولــوا (فعول ) إلى (فعولة ).
ولفظ (عجوز) يستعمله العامة للشيخ والمرأة على حد سواء، بالتاء وبلا تاء، فهم يقولون للمرأة؛ صغيرة كانت أم كبيرة : (عْجوزة، وعْجوز )، وبعض الناس من الكبار في المجتمع الجزائري يتحاشون ذكر اسم المرأة عامة، لاعتقادات معينة فيكنون عن ذكرها باسم (لَعْجُوزْ)، وإذا ورد فى سياق الحديث الكلام عن المرأة قالوا: (داري، أو أهلي، أو عبادي، أو عيالي، أو عجوزي، أو مولات الدار) مع إلحاق كلمة من هذه الكلمات المستعملة عبارة (أكرمكم الله)، وهذا الاستعمال جار على ألسنة العامة ممن يسكنون الأرياف والقرى، ولا سيما مناطق الجنوب، لأن لفظ المرأة من الألفاظ المحظورة، التي تعرف في علم اللغة باسم (ألفاظ اللامساس taboo )
وهذا الاستعمال للفظ (عجوز) بلا تاء مروي عن العرب الفصحاء، فقد أورد صاحب اللسان أن " العجوز والعجوزة من النساء: الشيخة الهرمة ".
ج- يؤنثون لفظ (زوج) فيقولون: (زوجة) إذا كانوا يريدون زوجة الرجل، واللفظ مطّرد الاستعمال، ولا يستعملون(زوج) للمؤنث إطلاقاً وقديما" ذكر الفراء أن زوجاً المراد به المؤنث فيه لغتان : (زوج) لغة أهل الحجاز، و(زوجة) لغة تميم وكثير من قيس وأهل نجد ".
وقد ورد الاستعمالان في القرآن الكريم، إذ قال تعالى : (وَقُلنا يا آدمُ اسْكُنْ أنتَ وزوجُكَ الجنَة ). وقال أيضا : (يَا أيُها النبيُّ قُل لأزواجِكَ إنْ كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياةَ الدُنيا وزينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتّعُكُنَّ وأُسَرّحُكُنَّ سَرَاحاً جَميلاً ) .
ويظهر أن العامة في الجزائر قد سلكت مسلك التميميين، لأن لغتهم أكثر شيوعاً في الاستعمال ولعل ذلك يرجع إلى تأثير القبائل العربية – ومنها التميمية، التي نزلت عقب الفتح الإسلامي في مناطق مختلفة من الجزائر، وقد يكون الاستعمال ناتج عن القياس الخاطئ.

تعليق