التراث العربي، لماذا نحققه، وكيف؟

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    التراث العربي، لماذا نحققه، وكيف؟

    التراث العربي، لماذا نحققه، وكيف؟
    للدكتور أحمد سعيدان

    لاحظنا في العدد السابق من مجلتنا الفتية أن أكثر من ثلث صفحاته هي تعليقاتٌ على مقالات سابقة، أو ردودٌ وتعقيبات. وهذه، في تقديري، ظاهرة صحية، تنبئ بأن الأفكار التي تطرحها مجلتنا أخذت تتجاذب وتتجاوب، وذلك أول الطريق إلى الإبداع، و لاسيما إذا رافقه التحلي بالموضوعية والروح العلمية؛ وعلامة ذلك نزاهة الناقد، فلا يتهجم ولا يتقحم، وسجاحة الكاتب، فلا يحتدُّ ولا يتبرم.
    جميل أن نكتب ونحن نعرف أن ثمة من يزن كلماتنا بميزان العلم والعقل، يقوِّم المسار، ويقيل العثار. وجميل أن تمتد بين الكاتب والناقد حبال وُدٍّ وتفاهم، فإن أصاب أي منهما، لقي من الآخر لساناً يشكره، وإن أخطأ لقي يداً حانية تردُّه إلى صواب. وجلَّ من لا يخطئ. وما أقبح المكابرة في الخطأ، والمداورة في تبريره.
    وقد لاحظنا أن التعليقات والردود تتصل بتحقيق التراث العربي أو دراسته. وهذه أيضاً ظاهرة صحية تنبئ بتزايد الاهتمام بتراثنا، لولا أنها نشأت عن نزول بعض الكتاب إلى غير ميادينهم، كأن يتصدى لغوي إلى التعليق على كتاب علمي، بالمقاييس اللغوية، أو يعقب معجمي على دراسة فلسفية، بذهنية معجمية. فليتنا نحترم التخصص، ونترك الخبر للخباز، وفوق كل ذي علم عليم. إن التراث العربي المخطوط ضخم متنوع، ولتحقيقه أساليب تختلف باختلاف أنواعه، وباختلاف الأهداف التي من أجلها نحققه. وفي هذا السطور محاولة لعرض المقومات الرئيسية لتحقيق التراث العلمي، على وجه التخصيص.
    وغنيّ عن البيان أن مجمل التراث الذي نتكلم عنه بضعة ملايين من المخطوطات، مبعثرة في الشرق والغرب، بعضها في مكتبات معروفة مفهرسة، وبعضها في مكتبات خاصة تتكشف بين حين وحين. وأكثر هذه المخطوطات في الشؤون الدينية واللغوية والأدبية والتاريخية. ومنها بضعة آلاف في العلوم، ونعني بها هنا الطب والصيدلة، والفلك والرياضيات، والفيزياء والكيمياء، والجغرافيا والإِنشاءات، والفلاحة، والتعدين، ...، ويلحق بهذه كتب في التنجيم، والسيما، والطلسمات، والسحر. ولكل من هذه المخطوطات نصيب من الأهمية، ونصيب من الاهتمام. حتى تلك التي تبدو ترهات وأباطيل كالسيما والطلسمات، نهتم بها لما قد تتكشف عنه من حقائق جانبية.
    إن كثيراً من تراثنا الفكري قد قضى عليه التعصب. وما سلم منه أكلت بعضه الأرضة، وأضاع بعضه مرُّ الزمان. ومنه ما سطا عليه وانتحله رواد النهضة الأوربية. ولذا فكل ما بقي لنا هو هام في نظرنا ومهم. بل إن اهتمامنا به يتجاوز المخطوطات العربية إلى أخرى لاتينية وفارسية وتركية، كتبت في أواخر العهود الإِسلامية، منقولة أو منتحلة من الفكر العربي الإِسلامي، أو بتأثير أو إيحاء منه. لقد نشأ هذا الفكر، ونما، وبلغ أوجه، في عنفوان يقظة التاريخ، وتحت سمعه وبصره؛ ولكن بالرغم عن ذلك ضاع منه ما يجعل المحقق يشعر أحياناً أنه كمن يقوم بترميم صرح كبير، اعتماداً على حطام مبعثر هنا وهناك. إن لكل ما بقي من تراثنا العلمي قيمة في عملية ترميم الفكر العلمي الإسلامي. ولكن من بضعة الآلاف التي بقيت لنا من هذا الفكر، لم يحقق تحقيقاً علمياً سوى القليل. والتحقيق العلمي لأي مخطوط – علميًّا كان أو أدبيًّا، يقتضي وضعه بنص موثَّق خالٍ من الأخطاء في موضوعه، مدعَّم بما يلزم من شروح.
    وهنا نجد، قبل الشروع بعرض تفاصيل التحقيق العلمي، أن لا بد من الإجابة على سؤال يطرحه، على استحياء، أكثر المبتدئين بالاهتمام بهذا التحقيق. والسؤال هو:
    لم تكون هناك أخطاء في كتاب عظيم كتبه عالم عظيم؟ والجواب عن ذلك ببساطة أن الكتاب مخطوط، أي أنه بخط ناسخ، ينقل عن ناسخ سابق؛ أو أنه بخط تلميذ أملى عليه أستاذه العالم العظيم. والنُّساخ يتفاوتون من حيث الأمانة في النقل، والدقة في رسم الحروف والتنقيط، وخطوطهم تتفاوت وضوحاً؛ والناسخ قد يسهو أو تكلُّ يده، فتسقط منه عبارات، وتضطرب عبارات، وقد يلحظ خطأ في نص كتبه فيحاول تصحيحه بشرح من عنده. ويبدو أن أكثر النُّساخ الذي ينسخون المخطوطات العلمية المتخصصة لا يفهمون ما يكتبون، ولذا فهم يصورون ما تراءى لهم؛ فإن كان ما يكتبونه مسألة فيها رموز حرفية، أو أشكال هندسية، فقد تستوي في نظرهم هذه الرموز فتختلط، وقد يرسمون الشكل على نحو بعيد عن الأصل، أو قد ينسونه، أو يضعونه في موضع بعيد عن النص الذي يرافقه. ثم إن الناسخ قد ينسب كتاباً إلى غير مؤلفه، عن عمد أو جهل، وقد يسمي كتاباً بغير الاسم الذي اختاره المؤلف.
    صفوة القول إن الناسخ قد يرتكب من الأخطاء ما ذكر وما لم يذكر، والأخطاء تتزايد كلما نقل ناسخ عن ناسخ. ثم إن الرطوبة أو الأرضة تصيب المخطوط فتتلف منه أجزاء؛ وتداول الأيدي للمخطوطات قد يفضي إلى اختلاطها. وعلى المحقق أن يخرج من هذا كله بنصّ محرر من كل الأخطاء، موثق بقدر الإمكان، مشفوع بما يلزم من شرح تفضي إليه الأناة في الاستقصاء والتمحيص. واعتماده الأول على مقارنة النسخ المختلفة للكتاب الواحد، ورائده الأول أن كل خطأ يتبدى له إنما هو من الناسخ، والمؤلف منه براء، إلا إذا ثبت له غير ذلك. وفي هذا تستوي كل الكتب التي تحقق، ولكن ثمة اختلافات جوهرية في التفاصيل: ففي تحقيق كتاب ديني أو لغوي أو تاريخي، فإن الهدف تقديم نصوص يفيد منها القارئ العربي، فيزداد علماً بالدين أو اللغة أو التاريخ. وهنا يعتبر المحقق أن المؤلف مصيب مبدع؛ فإن لقي اختلافاً في النص بين نسختين اختار ما يراه أفضلهما؛ وإن بقي ثمة شبهة حول لفظ، فزع إلى القاموس، بحثاً عن لفظ أدق أو أصح، متهماً الناسخ بالتصيحف أو التحريف. وتحقيق هذا النوع من الكتب توافر عليه، في مصر والعراق وسوريا بخاصة، أشخاص معرفون، تمرسوا به وأتقنوه، وكتبوا لنا كثيراً عن طرائقه.
    ولا ينطبق هذا بحذافيره على تحقيق الكتاب العلمي، أعني الطبي أو الرياضي أو الفلكي أو ما شابه ذلك. وذلك أن الكتب الدينية واللغوية والتاريخية وأمثالها ما تزال قيمتها ذاتية: ندرسها لنزداد بها معرفة بأمور الدين واللغة والتاريخ، ... في حين أن الكتب العلمية قيمتها تاريخية، لا نزداد بها معرفة بالطب أو الرياضيات أو الفلك؛ ولكن نتعرف بها على هذه العلوم كيف كانت في مرحلة سابقة تجاوزناها.
    إن علوم اليوم غير علوم الأمس: بالأمس كان الطب يعتمد على اللمس، وهو اليوم يعتمد على المكروسكوب الإلكتروني، والكشف بالأشعة، وعلى التكنولوجيا المتقدمة التي لا تعجز عن زراعة القلوب والأعضاء. وبالأمس كان علم الفلك يعتمد على الاسطرلاب والمزولة، واليوم لدينا المرصد والمراكب الفضائية، وبالأمس كان تصور الفلكي للكون مبنياً على نظام بطليموس الذي صوّر الشمس والكواكب والقمر تدور حول الأرض، واليوم ينبني تصوّرنا للمجموعة الشمسية على اعتبار أنّ الأرض كوكب يدور مع الكواكب الأخرى حول الشمس. وهذا هو النظام الذي وضعه كوبرنيكوس، بعد أن مهّد له ابن الشاطر الدمشقي. وبالأمس تقدمت العلوم الرياضية على يد رياضيي الإسلام وفلاسفته، حتى قرعت أبواب حساب التكامل، واليوم صار حساب التكامل، وتطبيقاته، يدرس في مرحلة متقدمة من الدراسة الثانوية.
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #2
    علوم الأمس غير علوم اليوم. فنحن لا ندرسها متعلمين، وإنما مقيّمين، وهذا لا يعني أن نتهاون في أمانة النقل، بل يعني أن نكون أشد حرصاً عليها، كيما نعطي كل ذي حق حقه، فلا ينال المؤلف من الفضل أكثر مما يستحق، ولا يصيب الناسخ من اللوم أكثر مما يستحق. من هذا المنطلق نحقق النص العلمي ونحن نعرف أنه وضع في الأصل لأصحاب المهن، من حسّاب أو موقتين أو صيادلة أو أطباء؛ فحتى لو فرضنا أن المؤلف على درجة عالية من المعرفة اللغوية، يبقى أنه مضطر إلى استعمال ألفاظ درجت على ألسنة الناس؛ ومن هذه الألفاظ ما لا تذكره القواميس، ومنها ألفاظ محلية تستعمل في قطر دون قطر، ومنها ما قد يعني في بلد ما لا يعنيه في بلد آخر. فإذا جابه المحقق لفظ من هذا القبيل، ولم يجد له سنداً قاموسياً، فلا يستطيع أن يفترض وجود تصحيف أو تحريف، دون مبرر قوي. وقديماً قال البيروني: إن الكلام الفصيح لا مكان له في الكتب العلمية. حتى الألفاظ القاموسية قد تستعمل في كتب العلم بمعانٍ اصطلاحية لا نجد لها ذكراً في القواميس.
    أضف إلى ذلك أن الكتب العلمية لا تلتزم دائماً بالقواعد اللغوية الصارمة، وبخاصة مع الأعداد. وفي بدء عملي في التحقيق، كنت، كغيري، أراعي أمانة النقل، فأترك الخطأ النحوي بحاله، إلّا إذا كان ينطوي على تغيير في المعنى، وكنت أيضاً أترك الهمزة مخففة، والكلام متصلاً، ثم بتزايد الممارسة، وبمقارنة النسخ الكثيرة للنص الواحد، وصلت إلى القناعة بأن أكثر الأخطاء الصرفية والنحوية هي من صنع النساخ؛ فأيقنت بأن المحافظة على هذه الأخطاء إنما هي محافظة على أغلاط النساخ، لا المؤلفين؛ فصرت أكثر جرأة على تصحيح الأخطاء، مع أقل تغيير في الألفاظ. إلا أننا نلحظ أشياء في عبارات الرياضيين قد تصدم اللغوي، مثل: "هذا الاثنين" عند الحديث عن كسر مخرجه 2، أو "ذلك السبعة". وقد ينسب المؤلف إلى الاثنين، فيقول اثنيني. إن ما في ذهنه أن 2 عدد، مثله كمثل 7، 20، ومليون. ومن هذا المنطلق يعامله، معتبراً أن له، كما لأسماء الأعلام، اسماً ثابتاً. في مثل هذا الموقف لا أرى أن يقدم المحقق على أي تغيير لغوي. ألا ترى أننا نقول بلا حرج: البحرين قُطر عربي شقيق. هنا لم تعد "البحرين" تعني "بحرين"، وإنما هي تعني قطراً واحداً معنياً بذاته، مثلما أن "أبو بكر" تعني شخصاً واحداً معروفاً بهذا الاسم، ولا تشير من قريب ولا من بعيد، إلى تعريفه بدلالة ابن بكر. اللغة وعاء الفكر، فإن اتسع الفكر فلا بد للوعاء أن يتسع.
    خلاصة القول إن المقاييس لا تنطبق دائماً على المخطوطات العلمية، لا من حيث القواعد الصرفية والنحوية، ولا من حيث المعاني. فقواعد اللغة تضعها في قوالب محددة ضيقة، والفكر في تطوره يجنح إلى توسيع هذه القوالب.
    ثم إن تحقيق المخطوطات العلمية يختلف عن تحقيق النصوص غير العلمية، من ناحية أخرى مرجعها أن علوم الأمس غير علوم اليوم. فقارئ الكتاب العلمي القديم لا يأنس إلى لغته، رغم أنه عربي يتقن اللغة العربية. ولذا فإن على المحقق أن يجلو للقارئ خلاصة ما في الكتاب، وموقعه بالنسبة إلى ما سبقه من كتب وما لحقه. أما كيف يتمّ ذلك فعلى الوجه التالي:
    1- قام ويقوم زملاء في روسيا، من المهتمين بتاريخ العلوم الإسلامية، بنشر بعض الكتب العربية محققة تحقيقاً علمياً. فصوروا النص تصويراً، بخط الناسخ، وأسبقوه بشرح وافٍ، بالروسية، بينوا فيه للقارئ الذي لا يعرف العربية صفوة المحتوى، ومكانته في سلم التطور العلمي. وبالمثل قام أميركي بنشر مخطوطين في الحساب، إلا أنه جعل الشرح بالإنكليزية، وجعل مع النص المصور المخطوط ترجمة إنكليزية، تكاد تكون منفرة، من شدة تقيده بالحرفية حيناً، ومن جهله بالعربية حيناً آخر. كل هؤلاء كتبوا لغير القارئ العربي.
    2- في باريس وبلاد غربية أخرى زملاء عرب كرام يقومون بتحقيق كتب علمية، فينشرون النص محققاً، ويسبقونه بدراسة، بالفرنسية أو الإنكليزية، يشرحون بها محتواه، ويبنون مكانته في سلم التطور، وكأنهم هم أيضاً يكتبون لغير القارئ العربي.
    وفي كلا الحالين نجد المحقق، في سبيل تبرير اختياره للمخطوط الذي يحققه، يجنح إلى إعطائه أهمية أكثر مما يستحق. شأنهم في ذلك شأن المستشرقين القدامى: قام هؤلاء بجهد مشكور في دراسة الكتب العربية العلمية المتوافرة في مكتبات باريس وليدن وبرلين، فدرسوها فرادى، وصوروا كلاً منها كما لو كانت أول وآخر ما أنتجه الفكر العربي الإسلامي.
    3- في تقديري أن التحقيق الأكثر فائدة للقارئ العربي بخاصة، هو الذي يعطي النص مطبوعاً، محرراً من الأخطاء، ويسبقه بمقدمة تبين مكانة الكاتب بين أقرانه، ومكانة الكتاب بين أمثاله، مع سرد لمزايا الكتاب وكل جديد فيه؛ ثم يتبعه بشرح للعبارات والنصوص الغامضة، وكشف بالمصطلحات الواردة في النص، وينهي ذلك كله بإيجاز بلغة أجنبية، يبين محتوى الكتاب ومميزاته، للمهتمين من المستشرقين، فإن هم أرادوا مزيداً من الاطلاع، فليقوموا بترجمة الكتاب، كله أو بعضه. والمقدمة والشرح يقتضيان دراسة مستحصفة متأنية. حققت مرة مخطوطاً رياضياً، فحررت النص من الأخطاء وطبعته، وأهديته إلى زميل رياضي لامع، وطلبت منه أن يكتب مراجعة للكتاب. ولكن، بعد قراءة متأنية، اعتذر زميلي لعدم كتابة المراجعة، لأنه وجد أن أسلوب النص القديم يحتاج حتى يفهم إلى تركيز كبير، واطلاع سابق على المعاني الدقيقة للمصطلحات التي تبدو أول الأمر مألوفة، لمثل هذا نلح على كتابة مقدمة و شروح لكل كتاب علمي يحقق. ولهذا نقول: كما أن الكتاب اللغوي لا يكتمل تحقيقه إلا على يدي لغوي، فكذلك الكتاب الفلكي لا ينبغي أن يحققه إلا عالم بالفلك، والكتاب الطبي لا ينبغي أن يحققه إلا عارف بمعنى ما يحقق، وتاريخه؛ ومثل هذا يقال عن كل كتاب علمي آخر.
    ○ ● ○

    تعليق

    • مصطفى شعبان
      عضو نشيط
      • Feb 2016
      • 12782

      #3
      ويبدو أن في الناس من ضاقوا ذرعاً بتحقيق الكتب العلمية، ولا سيما أن كثيراً من الناس حولنا إما جاهل بتراثنا العلمي جهلَهُ بالعلم نفسه، وإما مدَّعٍ يتظاهر بالمعرفة، فينقل ما يقرأ أو يسمع، نقلاً ببغاوياً، عن مستشرقين تجاوزهم العلم في تطوره المستمر. وقد يجنح إلى المباهاة، فيصور الأمر، وكأن العرب المسلمين وصلوا إلى القمر على ظهر جمل. وفي مرحلة الإحباط الحاضرة، التي نقف فيها موقف العاجز عن حماية نفسه، حتى من نفسه، تبدو هذه الادعاءات هزأة، كغضبة مضرية، هتكت حجاب الشمس، بسيف من خشب، وهذا ما يجعل العمل في تحقيق تراثنا مدعاة لتساؤلات.
      من هذه التساؤلات قول القائل: أليس البحث في التراث انصرافاً عن الحاضر إلى الماضي؟ أليس أولى منه النظر في الحاضر والمستقبل، ودراسة علوم اليوم من أجل المساهمة في علوم الغد؟
      والجواب بلى: إن الحاضر والمستقبل أولى بالاهتمام؛ ودراسة علوم اليوم، والمساهمة في صنع علوم الغد، مطامح لا يجوز، ولا يمكن أن تعوقها دراسة الماضي. بل إن دراسة الماضي إنما هي من أجل الحاضر والمستقبل. إننا ندرس الماضي كما يدرس الطبيب ماضي المريض الصحي، من أجل تشخيص الداء وتعيين الدواء. الحاضر والمستقبل أولى وأهم.
      ولكن الأولى والأهم ليس هو الأوحد، والبحث في التراث، كالتنقيب عن الآثار، له أهميته، وله رجالات ذوو مواهب لا تتوافر لدى كل إنسان. وإذا كان يليق أن نقول للفنان: أدر ظهرك إلى فنِّك، أو أن نقول للشاعر: اخنق مشاعرك، فإنه يمكن أن نقول لمحب التاريخ أن يكرهه، أو للباحث في التراث أن يكفّ عن بحثه.
      على أن للبحث في التراث العلمي العربي بخاصة أهمية فريدة، ومهمة فريدة، قلَّ أن تتوافر في غيره من البحوث. أما أهميته ففي أنه، من بين ضروب تراثنا الثقافي المتعددة، يبين ما أعطاه الفكر العربي الإسلامي للإنسانية جمعاء: إن تراثنا الديني لنا وحدنا، ولنا أيضاً وحدنا تراثنا اللغوي والأدبي؛ وأما التراث العلمي فللناس كافة، للناس ولنا في كل العصور والأجيال. إنه مساهمتنا في بناء صرح الفكر الإنساني. وفي عهد جهلت فيه الإنسانية، أو تجاهلت، مقدار دَينها للفكر العربي الإسلامي، يأتي البحث في تراثنا العلمي ليكشف عن هذا الدين، بدراسة متعمقة، وأدلة دامغة.
      وأما المهمة الفريدة للبحث في هذا التراث، فهي أنه يمكننا من إقامة بنيان المعرفة العلمية، لدى أجيالنا القادمة، على خلفية من إنجازاتنا. وهذا يتمشى مع الدعوة إلى كتابة تاريخنا من وجهة نظرنا. والتاريخ لم يعد سرداً للوقائع الحربية وأحداث القصور، وإنما هو تتبع لمسيرة الفكر والحضارة. وسبيل هذا التتبع إنما هي تحقيق التراث الفكري والحضاري. وهذا التراث هو الذي يبقى موضع اعتزاز وفخار، ومبعث إلهام، على مرّ العصور، مهما اختلفت المقاييس والأذواق، وإن عرض مسيرة العلم كما لو كان قاصراً على الإنجازات الغربية لا يخلق حافزاً للأجيال الصاعدة، ولا يقيم في أذهانهم مُثُلاً وقيماً، بقدر ما يصنع في نفوسهم أن يعرفوا أن لأجدادهم إنجازات واكتشافات واختراعات. بل إن قصر البحث على الإنجازات الغريبة عن بيئتهم قد يعقدهم ويشعرهم بالنقص، وهو بالتأكيد يعوقُ استقلالهم الفكري ويحول دون الأصالة والإِبداع.
      وليس ما أقوله دعوة إلى ادعاء أجوف، أو إلى التجني على التاريخ، أو مجافاة الموضوعية؛ ولكنه دعوة إلى العمل على تخريج أجيال تعتز بأصولها وبيئتها، وتثق بقدراتها وإمكاناتها.
      وحديث الموضوعية يسوقنا إلى تحفظ لا بد من ذكره، وأتمنى لو تُراجع أساليبنا التربوية على ضوئه:
      لا جدال في أن الموضوعية في كل بحث شرط ضروري للوصول إلى نتائج صائبة. ومن ثم فالالتزام بالموضوعية أمر يقدسه كل باحث. وهي في الإسلام أمانة: الأمانة التي عرضت على السماء والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان. إنها الطريق المضمون للوصول إلى الحق والحقيقة.
      ولكن البحث والاستكشاف شيء، والتربية وتنشئة الأجيال شيء آخر، والباحثون عندما يكتبون لأبنائهم يراعون قبل كل شيء تنمية اعتزاز الأبناء بأمتهم، وتقوية انتمائهم إلى بيئتهم، وحبهم لمثلها وقيمها، وإيمانهم بقضاياها ورسالاتها، بل أن بعض المربين يصورون تاريخ الدنيا لأبنائهم، وكأنه بدأ بهم، وينتهي عندهم. الصينيون يكادون يقولون أن كل إنجاز علمي أو حضاري إنما تم على أيديهم. وقد بلغ الأمر بالهنود أن امتنعوا عن إيصال كتبهم إلى الأجانب خشية أن ترد عليهم تعليقات تزعزع ثقة الشاب الهندي برجالات بلده. أما اليابانيون فيكادون يحرمون على الياباني التحدث بلغة لغته. أما عن الغربيين، فلنذكر، نحن المخضرمين، أننا كنا نتعلم الإنكليزية في كتاب عن بريطانيا وجاراتها يصف الإنكليز بأنهم ملائكة. ولا تزال في بعض البلاد الافريقية كتب مدرسية تصف الإنكليز بأنهم قديسون فتحوا أفريقيا ليخلصوا أهلها من الرق.
      أخلص من ذلك إلى القول بأن موضوعية البحث ينبغي إلا تناقض تنشئة المواطنين تنشئة فيها الاعتزاز بماضيهم، والانتماء إلى أصولهم، والثقة بقدراتهم- دون تهويل يصل إلى حد الادعاء الأجوف، أو الكذب الذي يضر ولا ينفع.
      * * *
      ومن التساؤلات التي تطرح حول تراثنا، في كل ندوة ومؤتمر، قول القائلين: أعربي هو أم إسلامي؟ قلنا إنه عربي، فانبري لنا من يقول: لا! فمن صانعيه هنود وفرد وأتراك وبربر. حتى الروس عدوا الإمام البخاري روسياً، وتباهوا بأنهم صنعوا لنا حضارتنا، وحفظوا لنا ديننا، فلما سألناهم: ماذا فعلوا لأنفسهم آنئذ؟ ولماذا لم يصنعوا لأنفسهم حضارة ترفعهم إلى مستوى إنساني، سكتوا على مضض.
      وقلنا إنها عروبة اللغة، لا العرق: فالهنود والفرس وغيرهم، ممن شاركوا في صنع التراث العربي، كتبوا بالعربية، قالوا: وهل تتميز الحضارات بتميز اللغات! وهل نسمى التكنولوجية القائمة حضارة إنكليزية أو أميركية أو روسية! لم تكن اللغة في يوم من الأيام هوية للفكر ولا للعلم. هي إقليمية، وهما عالميان.
      وقلنا: فتراثنا إذن إسلامي. فقالوا: وما ذنب غير المسلمين ممن خدموا الفكر الإِسلامي في أول عهده، بنقل الفكر العالمي إليه، وخدموه في آخر عهده، بنقله إلى الغرب.
      تلك كلها تساؤلات طرحت، وما تزال تطرح، ويرددها بين ظهرانينا زملاء يخشون على تراثنا من التجزئة. وفي تقديري أن الأمر كله زوبعة في فنجان، أو مشكلة مفتعلة.
      إننا نبحث في تراثنا، في فكرنا وحضارتنا. وذلك ليس لنا وحدنا، بل هو ملك الإنسانية قاطبة، فلا يضيرنا أن يبحث فيه غيرنا، ما دام البحث موضوعياً غير مغرض، فإن جافى الموضوعية، فعندها ليثبت الحادبون على التراث حدبهم، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. ورجالات الفكر العربي الإسلامي لا يضيرنا، بل يسعدنا، أن يمجدهم الأتراك والروس والإيرانيون والهنود، بل كل أهل الأرض. لقد ولد الفارابي في أرض تركية، ولكنه نشأ نشأة عربية إسلامية، وكتب بالعربية. فهو مسلم عربي اللسان، يخصنا بقدر ما يخص الأتراك. ولقد ولد الخوارزمي في أرض هي اليوم ضمن حدود الاتحاد السوفييتي، ولكنه نشأ نشأة إسلامية، وتثقف ثقافة عربية، وبالعربية كتب من قبل أن تكون العربية لغة علم؛ عاش ومات مسلماً عربياً، ولم يعرف لغير ديار الإِسلام أي انتماء. فإن تقسمت اليوم ديار الإِسلام، وتباينت انتماءاتها، فقد كانت في العصور الإسلامية الزاهية، على اختلافها جغرافياً، متجددة الثقافة والانتماء، إسلامية العقيدة، عربية اللسان.
      إننا نعتز بكل تراثنا، ونراه عربياً إسلامياً، من رجالاته من هم من غير العرب ومن غير المسلمين؛ فمن شاء أن يعتز به، أو بهم، لغير العربية أو الإسلام، فليفعل؛ وبالمثل، نعتزُّ نحن، العرب المسلمين، بكل من أنجبته الحضارة الإِسلامية، أو تركت بصمات ظاهرة على إنتاجه، كائنة ما كانت لغته وعقيدته.
      لو كان التراث قطعة لحم يأكلها الآكلون، أو أرضاً ينتهبونها، لخشينا عليه من النفاد أو الضياع. إنه تراثنا، وسيبقي تراثنا، ولو ادّعته شعوب الأرض، لا يضيرنا أن يبحث فيه غير العرب، ولا يضيرنا أن يعتز به غير المسلمين. ثم سواء أوصفناه، أم لم نصفه، بالإِسلامي أو العربي، فذلك لم يمنع، ولن يمنع هؤلاء وهؤلاء من ادّعاء ما يدعون. أولى أن تتضافر جهودنا وجهودهم لتحقق التراث وتقييمه. ومن قديم ادّعى ابن العبري أن العرب المسلمين أحرقوا مكتبة الإسكندرية. ثم في مطلع هذا القرن دحض مؤرخ إنكليزي هذا الزعم إذ بيّن أن المكتبة أحرقها الغوغاء يوم قتلوا القيّمة عليها شر قتلة – هيباشيا الرياضية اللامعة. فقام من قال له: ولماذا تدفع التهمة عن العرب المسلمين! ليدفعوها هم إن شاءوا أو استطاعوا.

      تعليق

      يعمل...