التراث العربي، لماذا نحققه، وكيف؟
للدكتور أحمد سعيدان
للدكتور أحمد سعيدان
لاحظنا في العدد السابق من مجلتنا الفتية أن أكثر من ثلث صفحاته هي تعليقاتٌ على مقالات سابقة، أو ردودٌ وتعقيبات. وهذه، في تقديري، ظاهرة صحية، تنبئ بأن الأفكار التي تطرحها مجلتنا أخذت تتجاذب وتتجاوب، وذلك أول الطريق إلى الإبداع، و لاسيما إذا رافقه التحلي بالموضوعية والروح العلمية؛ وعلامة ذلك نزاهة الناقد، فلا يتهجم ولا يتقحم، وسجاحة الكاتب، فلا يحتدُّ ولا يتبرم.
جميل أن نكتب ونحن نعرف أن ثمة من يزن كلماتنا بميزان العلم والعقل، يقوِّم المسار، ويقيل العثار. وجميل أن تمتد بين الكاتب والناقد حبال وُدٍّ وتفاهم، فإن أصاب أي منهما، لقي من الآخر لساناً يشكره، وإن أخطأ لقي يداً حانية تردُّه إلى صواب. وجلَّ من لا يخطئ. وما أقبح المكابرة في الخطأ، والمداورة في تبريره.
وقد لاحظنا أن التعليقات والردود تتصل بتحقيق التراث العربي أو دراسته. وهذه أيضاً ظاهرة صحية تنبئ بتزايد الاهتمام بتراثنا، لولا أنها نشأت عن نزول بعض الكتاب إلى غير ميادينهم، كأن يتصدى لغوي إلى التعليق على كتاب علمي، بالمقاييس اللغوية، أو يعقب معجمي على دراسة فلسفية، بذهنية معجمية. فليتنا نحترم التخصص، ونترك الخبر للخباز، وفوق كل ذي علم عليم. إن التراث العربي المخطوط ضخم متنوع، ولتحقيقه أساليب تختلف باختلاف أنواعه، وباختلاف الأهداف التي من أجلها نحققه. وفي هذا السطور محاولة لعرض المقومات الرئيسية لتحقيق التراث العلمي، على وجه التخصيص.
وغنيّ عن البيان أن مجمل التراث الذي نتكلم عنه بضعة ملايين من المخطوطات، مبعثرة في الشرق والغرب، بعضها في مكتبات معروفة مفهرسة، وبعضها في مكتبات خاصة تتكشف بين حين وحين. وأكثر هذه المخطوطات في الشؤون الدينية واللغوية والأدبية والتاريخية. ومنها بضعة آلاف في العلوم، ونعني بها هنا الطب والصيدلة، والفلك والرياضيات، والفيزياء والكيمياء، والجغرافيا والإِنشاءات، والفلاحة، والتعدين، ...، ويلحق بهذه كتب في التنجيم، والسيما، والطلسمات، والسحر. ولكل من هذه المخطوطات نصيب من الأهمية، ونصيب من الاهتمام. حتى تلك التي تبدو ترهات وأباطيل كالسيما والطلسمات، نهتم بها لما قد تتكشف عنه من حقائق جانبية.
إن كثيراً من تراثنا الفكري قد قضى عليه التعصب. وما سلم منه أكلت بعضه الأرضة، وأضاع بعضه مرُّ الزمان. ومنه ما سطا عليه وانتحله رواد النهضة الأوربية. ولذا فكل ما بقي لنا هو هام في نظرنا ومهم. بل إن اهتمامنا به يتجاوز المخطوطات العربية إلى أخرى لاتينية وفارسية وتركية، كتبت في أواخر العهود الإِسلامية، منقولة أو منتحلة من الفكر العربي الإِسلامي، أو بتأثير أو إيحاء منه. لقد نشأ هذا الفكر، ونما، وبلغ أوجه، في عنفوان يقظة التاريخ، وتحت سمعه وبصره؛ ولكن بالرغم عن ذلك ضاع منه ما يجعل المحقق يشعر أحياناً أنه كمن يقوم بترميم صرح كبير، اعتماداً على حطام مبعثر هنا وهناك. إن لكل ما بقي من تراثنا العلمي قيمة في عملية ترميم الفكر العلمي الإسلامي. ولكن من بضعة الآلاف التي بقيت لنا من هذا الفكر، لم يحقق تحقيقاً علمياً سوى القليل. والتحقيق العلمي لأي مخطوط – علميًّا كان أو أدبيًّا، يقتضي وضعه بنص موثَّق خالٍ من الأخطاء في موضوعه، مدعَّم بما يلزم من شروح.
وهنا نجد، قبل الشروع بعرض تفاصيل التحقيق العلمي، أن لا بد من الإجابة على سؤال يطرحه، على استحياء، أكثر المبتدئين بالاهتمام بهذا التحقيق. والسؤال هو:
لم تكون هناك أخطاء في كتاب عظيم كتبه عالم عظيم؟ والجواب عن ذلك ببساطة أن الكتاب مخطوط، أي أنه بخط ناسخ، ينقل عن ناسخ سابق؛ أو أنه بخط تلميذ أملى عليه أستاذه العالم العظيم. والنُّساخ يتفاوتون من حيث الأمانة في النقل، والدقة في رسم الحروف والتنقيط، وخطوطهم تتفاوت وضوحاً؛ والناسخ قد يسهو أو تكلُّ يده، فتسقط منه عبارات، وتضطرب عبارات، وقد يلحظ خطأ في نص كتبه فيحاول تصحيحه بشرح من عنده. ويبدو أن أكثر النُّساخ الذي ينسخون المخطوطات العلمية المتخصصة لا يفهمون ما يكتبون، ولذا فهم يصورون ما تراءى لهم؛ فإن كان ما يكتبونه مسألة فيها رموز حرفية، أو أشكال هندسية، فقد تستوي في نظرهم هذه الرموز فتختلط، وقد يرسمون الشكل على نحو بعيد عن الأصل، أو قد ينسونه، أو يضعونه في موضع بعيد عن النص الذي يرافقه. ثم إن الناسخ قد ينسب كتاباً إلى غير مؤلفه، عن عمد أو جهل، وقد يسمي كتاباً بغير الاسم الذي اختاره المؤلف.
صفوة القول إن الناسخ قد يرتكب من الأخطاء ما ذكر وما لم يذكر، والأخطاء تتزايد كلما نقل ناسخ عن ناسخ. ثم إن الرطوبة أو الأرضة تصيب المخطوط فتتلف منه أجزاء؛ وتداول الأيدي للمخطوطات قد يفضي إلى اختلاطها. وعلى المحقق أن يخرج من هذا كله بنصّ محرر من كل الأخطاء، موثق بقدر الإمكان، مشفوع بما يلزم من شرح تفضي إليه الأناة في الاستقصاء والتمحيص. واعتماده الأول على مقارنة النسخ المختلفة للكتاب الواحد، ورائده الأول أن كل خطأ يتبدى له إنما هو من الناسخ، والمؤلف منه براء، إلا إذا ثبت له غير ذلك. وفي هذا تستوي كل الكتب التي تحقق، ولكن ثمة اختلافات جوهرية في التفاصيل: ففي تحقيق كتاب ديني أو لغوي أو تاريخي، فإن الهدف تقديم نصوص يفيد منها القارئ العربي، فيزداد علماً بالدين أو اللغة أو التاريخ. وهنا يعتبر المحقق أن المؤلف مصيب مبدع؛ فإن لقي اختلافاً في النص بين نسختين اختار ما يراه أفضلهما؛ وإن بقي ثمة شبهة حول لفظ، فزع إلى القاموس، بحثاً عن لفظ أدق أو أصح، متهماً الناسخ بالتصيحف أو التحريف. وتحقيق هذا النوع من الكتب توافر عليه، في مصر والعراق وسوريا بخاصة، أشخاص معرفون، تمرسوا به وأتقنوه، وكتبوا لنا كثيراً عن طرائقه.
ولا ينطبق هذا بحذافيره على تحقيق الكتاب العلمي، أعني الطبي أو الرياضي أو الفلكي أو ما شابه ذلك. وذلك أن الكتب الدينية واللغوية والتاريخية وأمثالها ما تزال قيمتها ذاتية: ندرسها لنزداد بها معرفة بأمور الدين واللغة والتاريخ، ... في حين أن الكتب العلمية قيمتها تاريخية، لا نزداد بها معرفة بالطب أو الرياضيات أو الفلك؛ ولكن نتعرف بها على هذه العلوم كيف كانت في مرحلة سابقة تجاوزناها.
إن علوم اليوم غير علوم الأمس: بالأمس كان الطب يعتمد على اللمس، وهو اليوم يعتمد على المكروسكوب الإلكتروني، والكشف بالأشعة، وعلى التكنولوجيا المتقدمة التي لا تعجز عن زراعة القلوب والأعضاء. وبالأمس كان علم الفلك يعتمد على الاسطرلاب والمزولة، واليوم لدينا المرصد والمراكب الفضائية، وبالأمس كان تصور الفلكي للكون مبنياً على نظام بطليموس الذي صوّر الشمس والكواكب والقمر تدور حول الأرض، واليوم ينبني تصوّرنا للمجموعة الشمسية على اعتبار أنّ الأرض كوكب يدور مع الكواكب الأخرى حول الشمس. وهذا هو النظام الذي وضعه كوبرنيكوس، بعد أن مهّد له ابن الشاطر الدمشقي. وبالأمس تقدمت العلوم الرياضية على يد رياضيي الإسلام وفلاسفته، حتى قرعت أبواب حساب التكامل، واليوم صار حساب التكامل، وتطبيقاته، يدرس في مرحلة متقدمة من الدراسة الثانوية.
جميل أن نكتب ونحن نعرف أن ثمة من يزن كلماتنا بميزان العلم والعقل، يقوِّم المسار، ويقيل العثار. وجميل أن تمتد بين الكاتب والناقد حبال وُدٍّ وتفاهم، فإن أصاب أي منهما، لقي من الآخر لساناً يشكره، وإن أخطأ لقي يداً حانية تردُّه إلى صواب. وجلَّ من لا يخطئ. وما أقبح المكابرة في الخطأ، والمداورة في تبريره.
وقد لاحظنا أن التعليقات والردود تتصل بتحقيق التراث العربي أو دراسته. وهذه أيضاً ظاهرة صحية تنبئ بتزايد الاهتمام بتراثنا، لولا أنها نشأت عن نزول بعض الكتاب إلى غير ميادينهم، كأن يتصدى لغوي إلى التعليق على كتاب علمي، بالمقاييس اللغوية، أو يعقب معجمي على دراسة فلسفية، بذهنية معجمية. فليتنا نحترم التخصص، ونترك الخبر للخباز، وفوق كل ذي علم عليم. إن التراث العربي المخطوط ضخم متنوع، ولتحقيقه أساليب تختلف باختلاف أنواعه، وباختلاف الأهداف التي من أجلها نحققه. وفي هذا السطور محاولة لعرض المقومات الرئيسية لتحقيق التراث العلمي، على وجه التخصيص.
وغنيّ عن البيان أن مجمل التراث الذي نتكلم عنه بضعة ملايين من المخطوطات، مبعثرة في الشرق والغرب، بعضها في مكتبات معروفة مفهرسة، وبعضها في مكتبات خاصة تتكشف بين حين وحين. وأكثر هذه المخطوطات في الشؤون الدينية واللغوية والأدبية والتاريخية. ومنها بضعة آلاف في العلوم، ونعني بها هنا الطب والصيدلة، والفلك والرياضيات، والفيزياء والكيمياء، والجغرافيا والإِنشاءات، والفلاحة، والتعدين، ...، ويلحق بهذه كتب في التنجيم، والسيما، والطلسمات، والسحر. ولكل من هذه المخطوطات نصيب من الأهمية، ونصيب من الاهتمام. حتى تلك التي تبدو ترهات وأباطيل كالسيما والطلسمات، نهتم بها لما قد تتكشف عنه من حقائق جانبية.
إن كثيراً من تراثنا الفكري قد قضى عليه التعصب. وما سلم منه أكلت بعضه الأرضة، وأضاع بعضه مرُّ الزمان. ومنه ما سطا عليه وانتحله رواد النهضة الأوربية. ولذا فكل ما بقي لنا هو هام في نظرنا ومهم. بل إن اهتمامنا به يتجاوز المخطوطات العربية إلى أخرى لاتينية وفارسية وتركية، كتبت في أواخر العهود الإِسلامية، منقولة أو منتحلة من الفكر العربي الإِسلامي، أو بتأثير أو إيحاء منه. لقد نشأ هذا الفكر، ونما، وبلغ أوجه، في عنفوان يقظة التاريخ، وتحت سمعه وبصره؛ ولكن بالرغم عن ذلك ضاع منه ما يجعل المحقق يشعر أحياناً أنه كمن يقوم بترميم صرح كبير، اعتماداً على حطام مبعثر هنا وهناك. إن لكل ما بقي من تراثنا العلمي قيمة في عملية ترميم الفكر العلمي الإسلامي. ولكن من بضعة الآلاف التي بقيت لنا من هذا الفكر، لم يحقق تحقيقاً علمياً سوى القليل. والتحقيق العلمي لأي مخطوط – علميًّا كان أو أدبيًّا، يقتضي وضعه بنص موثَّق خالٍ من الأخطاء في موضوعه، مدعَّم بما يلزم من شروح.
وهنا نجد، قبل الشروع بعرض تفاصيل التحقيق العلمي، أن لا بد من الإجابة على سؤال يطرحه، على استحياء، أكثر المبتدئين بالاهتمام بهذا التحقيق. والسؤال هو:
لم تكون هناك أخطاء في كتاب عظيم كتبه عالم عظيم؟ والجواب عن ذلك ببساطة أن الكتاب مخطوط، أي أنه بخط ناسخ، ينقل عن ناسخ سابق؛ أو أنه بخط تلميذ أملى عليه أستاذه العالم العظيم. والنُّساخ يتفاوتون من حيث الأمانة في النقل، والدقة في رسم الحروف والتنقيط، وخطوطهم تتفاوت وضوحاً؛ والناسخ قد يسهو أو تكلُّ يده، فتسقط منه عبارات، وتضطرب عبارات، وقد يلحظ خطأ في نص كتبه فيحاول تصحيحه بشرح من عنده. ويبدو أن أكثر النُّساخ الذي ينسخون المخطوطات العلمية المتخصصة لا يفهمون ما يكتبون، ولذا فهم يصورون ما تراءى لهم؛ فإن كان ما يكتبونه مسألة فيها رموز حرفية، أو أشكال هندسية، فقد تستوي في نظرهم هذه الرموز فتختلط، وقد يرسمون الشكل على نحو بعيد عن الأصل، أو قد ينسونه، أو يضعونه في موضع بعيد عن النص الذي يرافقه. ثم إن الناسخ قد ينسب كتاباً إلى غير مؤلفه، عن عمد أو جهل، وقد يسمي كتاباً بغير الاسم الذي اختاره المؤلف.
صفوة القول إن الناسخ قد يرتكب من الأخطاء ما ذكر وما لم يذكر، والأخطاء تتزايد كلما نقل ناسخ عن ناسخ. ثم إن الرطوبة أو الأرضة تصيب المخطوط فتتلف منه أجزاء؛ وتداول الأيدي للمخطوطات قد يفضي إلى اختلاطها. وعلى المحقق أن يخرج من هذا كله بنصّ محرر من كل الأخطاء، موثق بقدر الإمكان، مشفوع بما يلزم من شرح تفضي إليه الأناة في الاستقصاء والتمحيص. واعتماده الأول على مقارنة النسخ المختلفة للكتاب الواحد، ورائده الأول أن كل خطأ يتبدى له إنما هو من الناسخ، والمؤلف منه براء، إلا إذا ثبت له غير ذلك. وفي هذا تستوي كل الكتب التي تحقق، ولكن ثمة اختلافات جوهرية في التفاصيل: ففي تحقيق كتاب ديني أو لغوي أو تاريخي، فإن الهدف تقديم نصوص يفيد منها القارئ العربي، فيزداد علماً بالدين أو اللغة أو التاريخ. وهنا يعتبر المحقق أن المؤلف مصيب مبدع؛ فإن لقي اختلافاً في النص بين نسختين اختار ما يراه أفضلهما؛ وإن بقي ثمة شبهة حول لفظ، فزع إلى القاموس، بحثاً عن لفظ أدق أو أصح، متهماً الناسخ بالتصيحف أو التحريف. وتحقيق هذا النوع من الكتب توافر عليه، في مصر والعراق وسوريا بخاصة، أشخاص معرفون، تمرسوا به وأتقنوه، وكتبوا لنا كثيراً عن طرائقه.
ولا ينطبق هذا بحذافيره على تحقيق الكتاب العلمي، أعني الطبي أو الرياضي أو الفلكي أو ما شابه ذلك. وذلك أن الكتب الدينية واللغوية والتاريخية وأمثالها ما تزال قيمتها ذاتية: ندرسها لنزداد بها معرفة بأمور الدين واللغة والتاريخ، ... في حين أن الكتب العلمية قيمتها تاريخية، لا نزداد بها معرفة بالطب أو الرياضيات أو الفلك؛ ولكن نتعرف بها على هذه العلوم كيف كانت في مرحلة سابقة تجاوزناها.
إن علوم اليوم غير علوم الأمس: بالأمس كان الطب يعتمد على اللمس، وهو اليوم يعتمد على المكروسكوب الإلكتروني، والكشف بالأشعة، وعلى التكنولوجيا المتقدمة التي لا تعجز عن زراعة القلوب والأعضاء. وبالأمس كان علم الفلك يعتمد على الاسطرلاب والمزولة، واليوم لدينا المرصد والمراكب الفضائية، وبالأمس كان تصور الفلكي للكون مبنياً على نظام بطليموس الذي صوّر الشمس والكواكب والقمر تدور حول الأرض، واليوم ينبني تصوّرنا للمجموعة الشمسية على اعتبار أنّ الأرض كوكب يدور مع الكواكب الأخرى حول الشمس. وهذا هو النظام الذي وضعه كوبرنيكوس، بعد أن مهّد له ابن الشاطر الدمشقي. وبالأمس تقدمت العلوم الرياضية على يد رياضيي الإسلام وفلاسفته، حتى قرعت أبواب حساب التكامل، واليوم صار حساب التكامل، وتطبيقاته، يدرس في مرحلة متقدمة من الدراسة الثانوية.

تعليق