دراسة في المصادر النحوية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • تيسير الحسني
    عضو جديد
    • Oct 2014
    • 20

    #1

    دراسة في المصادر النحوية

    دراسة في المصادر النحوية
    لك الحمد يا رب الحمد و صلى الحق عليك يا سيد الخلق و سلم تسليما واسعا ممتداً و على الآل و الأصحاب و بعد :
    فقد مرت المصادر النحوية بمرحلتين الأولى : مرحلة ما قبل كتاب سيبويه ، و هي مرحلة لم يصل لنا منها شيء سوى بعض الإشارات الواردة في كتب المتقدمين مثل عبد الله بن أبي إسحاق الذي نقل عنه أنه ألف كتاب الهمز، و عيسى بن عمر و كتابيه الجامع و الاكمال و غيرها . و المرحلة الثانية : مرحلة سيبويه و ما بعده مما وصلنا من مؤلفات في النحو . و نحن لا نقف على المرحلة الأولى و ما قيل فيها من كلام طويل تناقلته الكتب؛ و ذلك لسبب واحد ألا و هو عدم وصول أيٍّ من هذه المصادر إلينا ، و ما يهمنا ما وقعت عليه اليد من كتب علماء النحو .
    مع هذا فقد مر النحو بمرحلتين في التأليف هي :
    • مرحلة الاندماج مع علوم العربية : و تتمثل هذه المرحلة بكتاب سيبويه في القرن الثاني الهجري، إذ يعد الكتاب كتابا جامعاً لمختلف علوم العربية فالنحو أوله و ثانيه الصرف و ثالثه البلاغة و علم الأصوات و غيرها ، لذلك فهو مرجع رئيس لعلوم العربية ، و لم يكن هناك مؤلفات في هذه العلوم مستقلة بذاتها .
    • مرحلة استقلال علوم العربية عن النحو: و تبدأ هذه المرحلة في القرن الثالث للهجرة ، إذ بدأت المؤلفات تستقل عن النحو ، من ذلك ظهور كتاب التصريف للمازني ( 247 هـ ) في علم الصرف ، و ظهور كتاب البديع في البلاغة لابن المعتز ( 296 هـ ) ، لكن مع ظهور هذه المؤلفات المنفردة نجد كتاب المقتضب للمبرد ( 285 هـ ) يسير على خطى سيبويه في كون كتابه مختلط التأليف مع النحو، و نجد ذلك واضحا في كلامه عن الكثير من المواضيع الصرفية والصوتية . و كل الكتب النحوية التي جاءت بعد ذلك سارت على منهج أن يكون التأليف نحويًّا ثم يلحقون به الصرف .
    تنوع التأليف النحوي
    اختلفت صور التأليف في النحو العربي ، فلم تأخذ صورة واحدة بحسب ما احتاجه الناس من تبيين و توضيح للنحو و مسائله ، فقد سار التأليف النحوي على أربعة اتجاهات :
    • كتب الأحكام النحوية : و هي الكتب التي تناولت النحو العربي بصورة عامة من حيث المنهج المعياري الوصفي ، و لم تتخصص بنوع من المسائل النحوية ، ككتاب سيبويه و المقتضب للمبرد ( 285 هـ ) و كتاب الأصول في النحو لابن السراج ( ت316هـ) و غيرها .
    • كتب الخلاف النحوي : و هي كتب بحثت المسائل الخلافية النحوية بين مدرستي البصرة و الكوفة ، و تأريخ أول كتاب في هذا المجال يعود للقرن الثالث الهجري إذ يعد كتاب (المهذب لأبي علي أحمد بن جعفر الدِّينَوَرِي ت 289 هـ) أول مؤلف في هذا المجال . لكن أبرز كتاب وصل إلينا هو كتاب ( الانصاف في مسائل الخلاف لأبي البركات الانباري 577هـ) و كتاب ( التبيين عن مذاهب النحويين البصريين و الكوفيين للعكبري 616هـ) و كتاب ( إئتلاف النصرة في اختلاف نحاة الكوفة و البصرة لعبد اللطيف بن أبي بكر الشرجي الزبيدي ت 802 هـ)
    • كتب معاني الحروف : و هي كتب عنيت بتبيين معاني الحروف النحوية و لعل أول هذه الكتب كتاب( اللامات لأبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي ت 337هـ) و كتاب(منازل الحروف للرماني ت 384هـ) و كتاب ( الجنى الداني في حروف المعاني ت 749 هـ)
    • كتب الجمل : و هي من كتب النحو التي عنيت بالجمل النحوية ، ومن أبرز الكتب التي ألفت فيها : الجمل في النحو لابن شقير 317 هـ ، و بنفس العنوان لابن خالويه ت 370هـ ، و الزجاجي 339 هـ _ و هو أشهرها _ ، و كتاب هشام النحوي ت 577هـ ، و الكتاب الكبير ( مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام 761 هـ) .

    التبويب في الكتب النحوية
    لم تسر الكتب النحوية على ترتيب واحد للأبواب النحوية ، فقد كانت طريقة التبويب عند سيبويه هي تقديم وصف للمادة النحوية التي يريد أن يتحدث عنها ، فنجده يقول : ((هذا باب الفاعل
    الذي يتَعدّاه فعلُه إلى مفعولين وليس لك أن تقتصر على أحد المفعولين دون الآخر)) ، و هذه منهجية ثابتة في كتاب سيبويه ، و قد عاب بعضهم عليه هذه الطريقة كونها غير واضحة في تبيين باب المادة النحوية ، و رد عليه بأن هذه الطريقة كانت متبعة في ذلك الزمان ، و أن التأليف في هذا العلم كان في بداية انطلاقته . المهم استمر النحويون في استعمال هذه الطريقة فنجدها في المقتضب و في الأصول لابن السراج و التبصرة و التذكرة للصّميري ( ت في القرن الرابع الهجري ) ، أما في القرن السادس فقد بدأ التغيير في التبويب واضحا و نجده في كتاب المفصل للزمخشري ( ت 538 هـ ) ، فقد قسم كتابه على ثلاثة أقسام : الأسماء و الأفعال و الحروف . وما اشترك فيها من هذه الأقسام . و بقي هذا التقسيم حتى القرن السابع الهجري
    إذ استعمل ابن الحاجب (ت 646 هـ) في الكافية تبويبا جديدا حيث قسم المادة النحوية إلى المرفوعات و المنصوبات و المجرورات و المبني و المجموع و الأفعال و الحروف . لكن هذا التقسيم لم يسد كما ساد تبويب ابن مالك ( ت 672 هـ ) في التسهيل و شرحه إذ قسم المادة النحوية على النحو المعروف لدى الناس اليوم في شرح ابن عقيل . ولم يخالف أحد هذا الترتيب ممن جاء بعد ابن مالك سوى أبي حيان الاندلسي ( ت 745هـ) فقد ابتدأ كتابه ارتشاف الضرب بالصرف ثم النحو ، هذا بالنسبة لكتب الاحكام النحوية .
    أما لكتب الخلاف النحوي فقد كان التبويب فيها واضحا بحسب المسألة التي وقع الخلاف فيها بين النحويين .
    و كتب معاني الحروف فقد كان ترتيب أبوابها يختلف من كتاب لآخر ، فنجد كتاب اللامات قد رتب أولا على المواضيع النحوية ثم المواضيع الصرفية ، أما الجنى الداني فقد رتبه صاحبه على خمسة أبواب الأحادي ثم الثنائي ثم الثلاثي ثم الرباعي ثم الخماسي ، و قسم المواد في كل باب بحسب الترتيب الألفبائي ، أما الرماني فقد قسمه بصورة خاصة و لم يتبع أحد في الترتيب .
    أما كتب الجمل فقد اختلفت في ترتيب أبوابها فقد أصابها الاضطراب في ذلك ، فنجد اضطراب الترتيب عند ابن شقير من ذلك قوله (في وجوه النصب) : (( النصب بخبر كفى مع الياء _النصب بخبر مابال و اخواتها النصب من نداء الاسم المفرد النصب بالتراءي )). وأما كتاب الجمل للزجاجي افتقار الكتاب إلى خطّة في تبويب الموضوعات ؛ إذ لا تسير الأبواب في تسلسل منطقي ، بل نجد اختلاط الموضوعات النحويّة ، والصرفيّة ، والصوتية بعضها ببعض. فمثلاً يتحدث في الباب الأول عن الإعراب وعلامات الإعراب , ثمّ ينتقل إلى الحديث في الباب الرابع عن التثنية والجمع , وهو باب صرفي , ثم يعود إلى الحديث عن التوابع ,ثمّ ينتقل إلى الأفعال المتعدية وغير المتعديّة .. وهكذا دواليك .و أمّا المغني فقد أراد صاحبه أن يجدد في التأليف رابطا المعنى بالشكل ، و جاء بترتيب مغاير لكتب النحو عامة .
    المصطلحات النحوية
    من المواضيع التي شغلت الباحثين في النحو العربي قضية المصطلح النحوي ، و ذلك لانقسام النحو إلى المدرستين البصرية و الكوفية و الإحاطة بهذا المجال يحتاج إلى تطويل و تفصيل لا يسع المقام لذكره ، لكن نقول أن المصطلح لم يكتمل عند سيبويه و ظل يتطور و يتغير عند النحويين من بعده و يمكن أن نلقي الضوء على بعض المصطلحات بين المدرستين البصرية و الكوفية :
    المصطلح الكوفي المصطلح البصري
    الفعل الدائم اسم الفاعل
    المكنى والكناية الضمير
    النعت الصفة
    عطف النسق الشركة
    الترجمة, التكرير البدل
    التفسير التمييز
    حروف الجحد حروف النفي
    لا التبرئة لا النافية للجنس
    الصلة والحشو الزيادة
    ما يجري وما لا يجري المصروف والممنوع من لصرف
    الصفة حروف الجر
    (المحل) عند الفراء, وجلّ الكوفيين (غاية) الظرف، المفعول فيه
    لام القسم لام الابتداء
    الفعل الواقع الفعل المتعدي
    الفعل الذي لم يسم فاعله الفعل المبني للمجهول
    التشديد التوكيد
    القطع الحال
    الأسماء المضافة الأسماء الستة
    التفسير المفعول لأجله
    أشباه المفاعيل المفعول معه, المفعول له، المفعول فيه، المفعول المطلق
    العماد الفصل والفاصلة
    الضمير المجهول ضمير الشأن والقصة والحديث
    الفعل نوعان (ماض ومضارع) والأمر مقتطع من المضارع فهو فعل مضارع دخلت عليه لام الأمر فانجزم, ثم حذفت حذفًا مستمرًا . الفعل ثلاثة أنواع: الفعل الماضي, والفعل المضارع, وفعل الأمر.

    الاستشهاد النحوي
    إذا عدنا إلى كتاب سيبويه الذي يعتبر دستور النحو العربي، والذي جمع فيه أفكار أستاذه الخليل بن أحمد الفراهيدي واجتهاداته هو، فإننا نجده قد ضمنه من الشواهد القرآنية والشعرية والنثرية و الأحاديث النبوية. وبلغ عدد الشواهد فيه 744 آية، وبلغ عدد الأبيات الشعرية 1500 بيت.
    إن أهمية الشاهد النحوي تعتبر جوهرية وأساسية في كل ما له علاقة بالدرس اللغوي والنحوي، وذلك إن على مستوى التفسير أو التعليل أو التحليل وإن على مستوى التأصيل للقاعد اللغوية والنحوية. والشواهد النحوية هي الأساس الذي يقوم عليه النحو العربي وأصوله، ويستوي فيها الشاذ القليل والكثير، وذلك تبعا لأوجه الخلاف في مسائل النحو وقضاياه بين المدارس المختلفة.
    الشواهد النحوية أنواعها ومصادرها
    أولا: القرآن الكريم
    ثانيا: الحديث النبوي الشريف
    ثالثا: الشاهد من الشعر
    رابعا: الحكم و الامثال
    التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى شعبان; الساعة 05-18-2016, 11:13 AM. سبب آخر: تصحيح وترقيم
  • عبدالله بنعلي
    عضو نشيط
    • Apr 2014
    • 6053

    #2
    فلسفة التبويب عند النحاة العرب , كتاب الجُمَل للزجاجيّ أنموذجاً
    الكاتب حسان الزبيدي السبت, 08 يناير 2011 10:27 يحاول هذا التقرير أن يقف على جانب من جوانب التفكير النحويّ عند النحاة العرب , وهو ملامح التبويب في مؤلفات النحاة

    فلسفة التبويب عند النحاة العرب , كتاب الجُمَل للزجاجيّ أنموذجاً

    الكاتب حسان الزبيدي
    السبت, 08 يناير 2011 10:27

    يحاول هذا التقرير أن يقف على جانب من جوانب التفكير النحويّ عند النحاة العرب , وهو ملامح التبويب في مؤلفات النحاة . وقد اخترتُ كتاب الجمُـَل للزجاجيّ (ت 340 ه) أنموذجاً ؛فهو يمثل مرحلة متوسطة بين النحاة , فقد عاش في القرن الرابع الهجريّ.

    ولكي يخرج التقرير بتصوّر واضح حول منهج التبويب في كتاب الجُمَل – وهو بدوره يمثل مرحلة من مراحل التأليف – عمدتُ إلى مقارنته بكتاب المُفَصّل للزمخشريّ (ت 538 ه) .

    هذا,وقد ضمّ الكتاب سبعة وأربعين ومائة باب ,تناول أبواب النحو, والصرف , والأصوات , والتأريخ , والضرورة الشعريّة . فهو إذاً كتاب جامع لمعظم علوم اللغة, إلى جانب ذلك يمثل منهجاً جديداً في التأليف , ينئ عن التعليلات المنطقية , والأمثلة الجافة , والعبارات المعقدة .

    وقد ظهر لي – وأنا أنظر في أبواب الكتاب – افتقار الكتاب إلى خطّة في تبويب الموضوعات ؛ إذ لا تسير الأبواب في تسلسل منطقي . بل نجد اختلاط الموضوعات النحويّة , والصرفيّة , والأصواتيّة بعضها ببعض . فمثلاً يتحدث في الباب الأول عن الإعراب وعلامات الإعراب , ثمّ ينتقل إلى الحديث في الباب الرابع عن التثنية والجمع , وهو باب صرفي , ثم يعود إلى الحديث عن التوابع ,ثمّ ينتقل إلى الأفعال المتعدية وغير المتعديّة .. وهكذا دواليك .

    ويُلمَح هذا التشتت ليس بين الموضوعات العامّة فحسب . وإنّما في الموضوع الواحد. فعلى سبيل المثال نجده في باب النحو يعرض الموضوعات مرتبة على النحو الآتي :

    الأفعال , الفاعل والمفعول به , التوابع , الابتداء , اشتغال الفعل عن المفعول بضميره , الحروف التي ترفع الأسماء وتنصب الأخبار , الحروف التي تنصب الاسم وترفع الخبر, حروف الخفض ,"حتّى " في الأسماء , القسم وحروفه ... وهلم جرا .

    وممّا يُؤخذ على أبواب الكتاب , أنّها لم تراعِ التدرج في طرح الموضوعات , بحيث يبدأ بالكليات, ثمّ ينتهي منها إلى الجزئيّات . فمثلاً باب المعرفة والنكرة جاء ترتيبه الثاني والخمسين, وباب المعرب والمبني كان في الباب السادس والثمانين . ولك أن تتصور كم من الأبواب يتفرع من هذين البابين الرئيسين . و كم كان مفيداً تعليميّاً لو أنّه أخذ بهذه المنهجيّة في تقسيم الأبواب .

    إنّ من يقف على أبواب الكتاب , يدرك بما لا يبعث على الشكّ أنّ منهج التبويب عند المؤلف لم يكن ناضجاً على النحو الذي نراه مثلا عند الزمخشري . فعلى نحو نراه في باب النداء يعرض الموضوعات بصورة مرتبة فيبدأ بـباب النداء , ثمّ باب الاسمين اللذين لفظهما واحد والآخر مضاف منهما , ثم باب إضافة المنادى إلى ياء المتكلم , ثم باب ما لا يجوز فيه إلا إثبات الياء , ثم باب ما لا يقع إلا في النداء خاصة ولا يستعمل في غيره , ثم باب الاستغاثة , ثم باب الترخيم , ثم باب ما رخمت الشعراء في غير الشعر اضطراراً , ثم باب الندبة . وقل مثل ذلك في باب التصغير , وباب الهجاء , وباب المذكر والمؤنث ...إلخ .

    فإذا كان هذا سبيله في مثل هذه الأبواب , فإننا نقف على صورة مغايرة في أبواب أُخر , فنجد على سبيل المثال باب الابتداء ,ثم باب اشتغال الفعل عن المفعول بضميره , وهو باب أقرب إلى درْس الفعل وعمله , ثم يتحدث عن الحروف التي ترفع الأسماء وتنصب الأخبار , ثم باب الحروف التي تنصب الاسم وترفع الخبر , ثم باب الفرق بين (إنّ) و (أنّ) , ثم باب حروف الخفض , ثم باب (حتّى) في الأسماء ,ثم باب القسم وحروفه , ثم باب ما لم يُسمّ فاعله , هنا ندرك الفجوة في الأبواب بين الفاعل والمفعول , وقد جاءا في الباب الخامس , ونائب الفاعل الذي جاء في الباب الحادي والعشرين , ثم باب من مسائل ما لم يُسمّ فاعله , ثم باب اسم الفاعل , ثم باب الأمثلة التي تعمل عمل اسم الفاعل , ثم باب الصفة المشبهة باسم الفاعل فيما تعمل فيه , ثم باب التعجب , ثم باب (ما) , وهي ما العاملة عمل ليس , وهنا أيضاً نجد فجوة أخرى بين الحروف التي ترفع الاسم وتنصب الأخبار وبين (ما) العاملة عمل ليس .وعلى هذا النحو يمكن نقول في باب مذ ومنذ , فهذا الباب لا يرتبط بما قبله وهو باب (كم) , ولا بما بعده , وهو باب الجمع بين ( أنّ وكان ) ,وباب ضمير الفصل .

    وعلى حين نجد دقّة في توصيف عنوان الباب , وانسجامه مع المضمون - وهو الصورة العامة في معظم الأبواب- نجد بعض الغموض في بعض العنوانات , من حيث عدم اختيار اللفظ المناسب للباب . فمثلاً باب الحروف التي تنصب الاسم وترفع الخبر , فالعنوان لا يُلبس على القارئ بصورة عامة , ولكنّ إطلاق مسمّى الحروف على الأفعال الناسخة ,في باب الحروف التي ترفع الاسم وتنصب الأخبار , أشعر أنّه فيه لَبْس , فالقارئ المبتدئ سيتساءل وقتئذٍ , هل هي حروف أم أفعال؟ ومثل ذلك يمكن القول في باب الحروف التي يَرتفع ما بعدها بالابتداء والخبر , وهذا عنوان لا لبس فيه . لكنّ اللبس يتأتى من تعقيبه عليه بقوله : وتُسمّى حروف الرفع . وهذا يُشعر القارئ بتناقض , هل العمل للابتداء والخبر أم للحروف ؟ فأول العنوان يُظهر أنّ هذه الحروف غير عامله , بيد أنّ تسمية الحروفِ حروفَ الرفع يُشعر بأنّها عاملة , مثلها مثل حروف النصب , وحروف الخفض . فهذه الحروف تعمل فيما بعدها ؛ ولذلك سُميت حروف النصب؛ لأنها تنصب . وسُميت حروف الخفض ؛ لأنها تجرّ ما بعدها .

    ومن الأمور التي تستوقف الباحث تقديم ما حقّه التأخير: كالتوابع , والتعجب , والقسم وحروفه, وحروف الخفض . وتأخير ما حقّه التقديم : كالمعرفة والنكرة , والمعرب والمبني , والصلات , والابتداء , وأفعال المقاربة . والذي يظهر لي أنّ فكرة تقسيم موضوعات النحو في مجال التأليف إلى : مرفوعات , ومنصوبات , ومجرورات, لم تنضج بَعْد عند النحاة , وإن كانت حاضرة في أذهانهم ومناقشاتهم .

    تُرى هل كان للمؤلِّف منهجيّة محددة في تبويب الكتاب ؟ يقول الدكتور علي الحمد معلقا على أبواب الكتاب :" فبعد أن بدأ ببعض التقسيمات الصرفية تناول مجموعة من الأبواب النحوية , يظهر في ترتيبها احتفاله بالعامل " [1], ونظرية العامل هذه هي أحد أهم الأسس التي ابتنى عليها النحاة تفكيرهم النحويّ , حتى الكتاب كتاب سيبويه كان محتفلاً بنظرية العامل بشكل واضح .

    وعليه فإنه يمكن القول : إنّ التبويب في المؤلفات المتقدّمة كانت تراعي في منهجيتها نظرية العامل , وربّما كانت هي الأساس التي أُلفت عليه الكتب , مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ كلّ عَالِـم وطريقته في عرض الأبواب . لكنّ هذا لا يعني أنّ عدم انتظام أبواب النحو كان مبعثه نظرية العامل , إذ نظرية العامل كانت أيضاً أساساً في تأليف كتب النحو المتأخرة , مثل : المفصّل , واللمع , وغيرهما من كتب النحو الكثيرة .

    ومَن ينظر في كتاب المُفَصّل للزمخشريّ سيكتشف مدى التطوّر الذي شهدته منهجية التبويب عند النحاة . فنحن أمام كتاب مبوّب تبويباً منسقاً يبدأ بكليات النحو ثم بالجزئيات . فهو - كما يصفه صاحبه- " كتاب في الإعراب , محيط بكافة الأبواب , مرتب ترتيباً يبلغ بهم الأمد البعيد بأقرب السعي , ويملأ سجالهم بأهون السقي "[2]. ثم إنّ الهدف من وراء تأليفه كان تعليميّاً , فهو يقول :" ولقد ندبني ما بالمسلمين من الأرب إلى معرفة كلام العرب , وما بي من الشفقة والحدب على أشياعي من حفدة الأدب "[3].

    أما عن تقسيم الكتاب فنجد في خطبة الكتاب أنّه قسم الكتاب أربعة أقسام : الأسماء , والأفعال, والحروف , والمشترك من أحوالها . ثم ينضمّ إلى كلّ قسم منها جملة من الموضوعات الرئيسة . فالأسماء تتفرع إلى مرفوعات , ومنصوبات , ومجرورات . وكلّ غصن منها يتشعب إلى جملة من أغصان عديدة . أما الأفعال فسبيلها كسبيل الأسماء تتوزع تبعاً للزمان , والتعدية واللزوم , والمعلوم والمجهول , والمجرد والمزيد. فإذا تمّ له ذلك واستوى , توجه تلقاء الحروف . فسنّ فيها سنّة ما قبله . فقسّمها بحسب وظائفها , كحروف العطف , والنفي , والندبة .

    وأما القسم المشترك من أحوالها , فقد تناول فيه الأصوات , هو أمر يجمع بين الأقسام الثلاثة السالفة , كالإمالة , والإدغام , والوقف , وغير ذلك .

    والحقّ أنّ الكتابين لم يختلفا في الموضوعات أو الهدف . لكنّ المنهجية في تبويب الكتابين كانت متباينة بصورة تبدو ملامح التطوير فيها بارزة . وهذا يعكس المجهود الفكري الذي استغرقه النحاة في إنضاج النحو العربي , وإتاحته مائدة سائغة يطيب أُكُلُها , وأَكْلها للنشء المتعلّمين .

    ------------------------
    [1]- الزجاجي : الجمل , مقدمة المحقق , ص(20)

    -[2] الزمخشري : المفصل ص5

    -[3] المصدر نفسه ص5
    المصدر: ملتقى شذرات

    تعليق

    يعمل...