نشأة النحو العربي في ضوء كتاب سيبويه
للمستشرق الفرنسي الأستاذ جيرارتروبو
أستاذ فقه اللغة العربية في السوربون- باريس
أستاذ فقه اللغة العربية في السوربون- باريس
لا شكَّ أن النظام النحويّ في كل لغة له أهمية كبرى، لأن النظام النحويّ يعبر عن بُنْية اللغة ويصوغ فكر الناطقين بها؛ ويُمْكِنُنا القول إن النظام النحويّ العربيّ يحتلّ محلّاً بارزاً بين النُظُم النحوية الكبرى الموجودة في العالم، من أجل موقعه المتوسِّط بين النظام اليوناني، في الغرب، والنظام الهندي، في الشرق؛ فكان من الطبيعيّ أن يلفت المستشرقون أنظارهم إليه، ليدرسوا نشأته وتطوُّره.
إن المستشرق الألماني Merx، الذي نشر في منتهى القرن التاسع عشر كتاباً عنوانه "تاريخ صناعة النحو عند السريان"، هو الذي زعم لأول مرة أن المنطق اليوناني أثَّر في النحو العربي، لأن الثاني قد اقتبس من الأول بضعة من المفاهيم والمصطلحات.
ثم نرى معظم المستشرقين قد اتخذوا هذا الرأي بدون تحفُّظ؛ فقال المستشرق الفرنسي Fleisch في كتاب أَلّفه في علم اللغة: "إنه من الواجب أن نشير إلى تأثيرٍ يونانيٍّ في النحو العربي، فقد اقتبس الفكرُ العربي مفاهيم أصلية من العلم اليوناني، لا من النحو اليوناني، ولكنْ من منطق أرسطو".
غير أنَّ المستشرق الإنكليزي Carter رفَضَ هذا الرأي في مقالة نشرها منذ عدة سنوات، وسمَّاها: "في أصول النحو العربي". فَبَيَّن في هذه المقالة أنّ سيبويه يستعمل في الكتاب مجموعتين من المصطلحات: مجموعة قليلة العدد تتضمّن مصطلحاتٍ لعلُّها يونانية الأصل، ومجموعة كثيرة العدد تتضمن المصطلحات العربية الأصل، منقولة من الفقه إلى النحو.
ومع ذلك فإن المستشرق الهندي Versteegh نشر في مستهلّ هذه السنة، كتاباً عنوانه "العناصر اليونانية في الفكر اللساني العربي"، يدافع فيه عن نظريّة التأثير اليوناني في النحو العربي، فيعتبر أن النُحاة العرب القدامى قد اقتبسوا بضعة من المفاهيم والمصطلحات، لا من المنطق اليوناني، كما زعم Merx، بل من النحو اليوناني، وذلك بواسطة اتّصالهم المباشر باستعمال النحو اليوناني الحيّ، كما يقول، في مراكز الثقافة اليونانية الموجودة في الشرق الأدنى بعد الفتح العربي.
فأود في هذه المحاضرة أن أفحص تلك الآراء المتناقضة في نشأة النحو العربي؛ وهذا في ضوء كتاب سيبويه، الذي سمّاه الناس "قرآن النحو" حسبما روى عنه النحوي الحلبي أبو الطيّب اللغوي.
* * *
إن المستشرقين، لِيُبيّنوا التأثير اليوناني في النحو العربي، يحتجّون على العموم بأن النُحاة العرب القدامى قد اقتبسوا من المنطق اليوناني تقسيم الكلام الثلاثي، ومصطلحاتٍ أربعة هي: الإِعراب والصرف والتصريف والحركة. فينبغي لنا أولاً أن نتساءل: هل كان من الممكن، من الناحية اللسانية، أن يكون هؤلاء النحاة قد اقتبسوا هذا التقسيم.
إنّ تقسيم الكلام أمر مهمّ جداً في كل نظام نحوي، لأنه يشترط هذا النظام؛ وبالنسبة إلى بُنية كل لغة، مَيّز النحاة عدداً مختلفاً من الأقسام. فإن النحاة اليونان قد مَيّزوا في لغتهم ثمانية أقسام، وهي، حسبما قال أرسطو في كتابه في الشعر: الحرف: stoikeion، المجموع: syllabe، الرباط: syndesmos، الفاصلة: arthron، الاسم: onoma، الكلمة: rhema، الوقعة: ptosis، القول: logos.
أما النحاة العرب فإنهم، كما تعلمون، لم يميّزوا في لغتهم إلا ثلاثة أقسام؛ وهي، حسبما قال سيبيويه في الكتاب: الاسم والفعل والحرف.
ولكنْ، على الرغم من الفرق الكبير الذي يظهر بين عدد الأقسام في النظامين، يَدَّعي بعض المستشرقين أن النحاة العرب قد اقتبسوا هذا التقسيم عن المنطق اليوناني. فَلِنَسْتَطيع أن نَرْدَّ على هذا الادّعاء الفاسد، سنبحث عن كل واحد من هذه الأقسام في النظام اليوناني، وعن القسم المقابل له في النظام العربي.
ليس لقِسْم الحرف اليوناني قِسْم يقابله في النظام العربي، لأنَّ سيبويه لم يجعل حروف الهجاء قسماً مستقلاً في تقسيمه، كما فعل أرسطو. وكذلك ليس لقسم المجموع اليوناني قِسْم يقابله في النظام العربي، لأن مفهوم المجموع المركّب من حرف غير مصوَّت وحرف مصوَّت، مفهوم صوتيّ يختلف عن مفهوم الحرف الساكن والحرف المتحرك الذي نجده عند سيبويه.
أما قسم الرباط اليوناني فإنه لا يقابِلُ إلا جزءاً من قسم الحرف العربي؛ ونجد فرقاً بينهما، لأنّ الرباط عند أرسطو لفظ خالٍ من المعنى، بيد أن الحرف عند سيبويه لفظ له معنى.
يشتمل قسم الفاصلة اليونانيّ على آلة التعريف والاسم الموصول، وهما عند أرسطو لفظان خاليان من المعنى؛ فليس لهذا القسم قسم يقابله في النظام العربي، لأنّ سيبويه يَعْتَبَر أن الاسم الموصول اسمٌ غير تامّ، يحتاج إلى صلة، فيدخله في قسم الاسم، كما أنه يَعْتَبر أن آلة التعريف لفظ له معنى، فيدخله في قسم الحرف.
أما قسم الاسم اليوناني فإنه يقابِل قسم الاسم العربي، غير أننا نجد فَرقاً بين القسمين، لأن الاسم عند أرسطو لفظ له معنى يدل على شيء، بيد أن الاسم عند سيبويه لفظ يقع على الشيء، فهو ذلك الشيء بعينه.
وكذلك يقابل قسمُ الكلمة اليونانية قسمَ الفعل العربي؛ فالكلمة عند أرسطو لفظٌ له معنى يدلّ على زمان، والفعل عند سيبويه مثال أخذ من لفظ حدث الاسم، فيه دليل على ما مضى وما لم يمض؛ غير أننا نجد فرقاً بين القسمين، لأن الصيغة غير المبيَّنة aparemphatos مضمَّنة في قسم الكلمة اليوناني، بيد أن المصدر مضمَّنٌ في قسم الاسم العربي، كما أن الصيغة المشتركة metochikon مضمَّنة في قسمي الاسم والكلمة معاً في النظام اليوناني؛ بيد أن اسم الفاعل مضمَّن في قسم الاسم فقط في النظام العربي.
وأخيراً، فليس لقسم الوقعة اليوناني قسم يقابله في النظام العربي، لأن مفهوم الوقعة التي تحدث في آخر الاسم أو في آخر الفعل، مفهوم غير موجود عند سيبويه؛ وكذلك قسم القول، الذي هو عند أرسطو مركَّب من ألفاظ لها معنى، ليس له قسم يقابله في النظام العربي، لأنّ سيبويه لم يجعل من القول قسماً مستقلاً في تقسيمه.
فمن الناحية اللسانية، يظهر لنا أنه من المستحيل أن يكون التقسيم العربيُّ منقولاً من التقسيم اليوناني، لأن عدد الأقسام ومضمونها يختلف في النظامين اختلافاً تامًّا.
إن المستشرق الألماني Merx، الذي نشر في منتهى القرن التاسع عشر كتاباً عنوانه "تاريخ صناعة النحو عند السريان"، هو الذي زعم لأول مرة أن المنطق اليوناني أثَّر في النحو العربي، لأن الثاني قد اقتبس من الأول بضعة من المفاهيم والمصطلحات.
ثم نرى معظم المستشرقين قد اتخذوا هذا الرأي بدون تحفُّظ؛ فقال المستشرق الفرنسي Fleisch في كتاب أَلّفه في علم اللغة: "إنه من الواجب أن نشير إلى تأثيرٍ يونانيٍّ في النحو العربي، فقد اقتبس الفكرُ العربي مفاهيم أصلية من العلم اليوناني، لا من النحو اليوناني، ولكنْ من منطق أرسطو".
غير أنَّ المستشرق الإنكليزي Carter رفَضَ هذا الرأي في مقالة نشرها منذ عدة سنوات، وسمَّاها: "في أصول النحو العربي". فَبَيَّن في هذه المقالة أنّ سيبويه يستعمل في الكتاب مجموعتين من المصطلحات: مجموعة قليلة العدد تتضمّن مصطلحاتٍ لعلُّها يونانية الأصل، ومجموعة كثيرة العدد تتضمن المصطلحات العربية الأصل، منقولة من الفقه إلى النحو.
ومع ذلك فإن المستشرق الهندي Versteegh نشر في مستهلّ هذه السنة، كتاباً عنوانه "العناصر اليونانية في الفكر اللساني العربي"، يدافع فيه عن نظريّة التأثير اليوناني في النحو العربي، فيعتبر أن النُحاة العرب القدامى قد اقتبسوا بضعة من المفاهيم والمصطلحات، لا من المنطق اليوناني، كما زعم Merx، بل من النحو اليوناني، وذلك بواسطة اتّصالهم المباشر باستعمال النحو اليوناني الحيّ، كما يقول، في مراكز الثقافة اليونانية الموجودة في الشرق الأدنى بعد الفتح العربي.
فأود في هذه المحاضرة أن أفحص تلك الآراء المتناقضة في نشأة النحو العربي؛ وهذا في ضوء كتاب سيبويه، الذي سمّاه الناس "قرآن النحو" حسبما روى عنه النحوي الحلبي أبو الطيّب اللغوي.
* * *
إن المستشرقين، لِيُبيّنوا التأثير اليوناني في النحو العربي، يحتجّون على العموم بأن النُحاة العرب القدامى قد اقتبسوا من المنطق اليوناني تقسيم الكلام الثلاثي، ومصطلحاتٍ أربعة هي: الإِعراب والصرف والتصريف والحركة. فينبغي لنا أولاً أن نتساءل: هل كان من الممكن، من الناحية اللسانية، أن يكون هؤلاء النحاة قد اقتبسوا هذا التقسيم.
إنّ تقسيم الكلام أمر مهمّ جداً في كل نظام نحوي، لأنه يشترط هذا النظام؛ وبالنسبة إلى بُنية كل لغة، مَيّز النحاة عدداً مختلفاً من الأقسام. فإن النحاة اليونان قد مَيّزوا في لغتهم ثمانية أقسام، وهي، حسبما قال أرسطو في كتابه في الشعر: الحرف: stoikeion، المجموع: syllabe، الرباط: syndesmos، الفاصلة: arthron، الاسم: onoma، الكلمة: rhema، الوقعة: ptosis، القول: logos.
أما النحاة العرب فإنهم، كما تعلمون، لم يميّزوا في لغتهم إلا ثلاثة أقسام؛ وهي، حسبما قال سيبيويه في الكتاب: الاسم والفعل والحرف.
ولكنْ، على الرغم من الفرق الكبير الذي يظهر بين عدد الأقسام في النظامين، يَدَّعي بعض المستشرقين أن النحاة العرب قد اقتبسوا هذا التقسيم عن المنطق اليوناني. فَلِنَسْتَطيع أن نَرْدَّ على هذا الادّعاء الفاسد، سنبحث عن كل واحد من هذه الأقسام في النظام اليوناني، وعن القسم المقابل له في النظام العربي.
ليس لقِسْم الحرف اليوناني قِسْم يقابله في النظام العربي، لأنَّ سيبويه لم يجعل حروف الهجاء قسماً مستقلاً في تقسيمه، كما فعل أرسطو. وكذلك ليس لقسم المجموع اليوناني قِسْم يقابله في النظام العربي، لأن مفهوم المجموع المركّب من حرف غير مصوَّت وحرف مصوَّت، مفهوم صوتيّ يختلف عن مفهوم الحرف الساكن والحرف المتحرك الذي نجده عند سيبويه.
أما قسم الرباط اليوناني فإنه لا يقابِلُ إلا جزءاً من قسم الحرف العربي؛ ونجد فرقاً بينهما، لأنّ الرباط عند أرسطو لفظ خالٍ من المعنى، بيد أن الحرف عند سيبويه لفظ له معنى.
يشتمل قسم الفاصلة اليونانيّ على آلة التعريف والاسم الموصول، وهما عند أرسطو لفظان خاليان من المعنى؛ فليس لهذا القسم قسم يقابله في النظام العربي، لأنّ سيبويه يَعْتَبَر أن الاسم الموصول اسمٌ غير تامّ، يحتاج إلى صلة، فيدخله في قسم الاسم، كما أنه يَعْتَبر أن آلة التعريف لفظ له معنى، فيدخله في قسم الحرف.
أما قسم الاسم اليوناني فإنه يقابِل قسم الاسم العربي، غير أننا نجد فَرقاً بين القسمين، لأن الاسم عند أرسطو لفظ له معنى يدل على شيء، بيد أن الاسم عند سيبويه لفظ يقع على الشيء، فهو ذلك الشيء بعينه.
وكذلك يقابل قسمُ الكلمة اليونانية قسمَ الفعل العربي؛ فالكلمة عند أرسطو لفظٌ له معنى يدلّ على زمان، والفعل عند سيبويه مثال أخذ من لفظ حدث الاسم، فيه دليل على ما مضى وما لم يمض؛ غير أننا نجد فرقاً بين القسمين، لأن الصيغة غير المبيَّنة aparemphatos مضمَّنة في قسم الكلمة اليوناني، بيد أن المصدر مضمَّنٌ في قسم الاسم العربي، كما أن الصيغة المشتركة metochikon مضمَّنة في قسمي الاسم والكلمة معاً في النظام اليوناني؛ بيد أن اسم الفاعل مضمَّن في قسم الاسم فقط في النظام العربي.
وأخيراً، فليس لقسم الوقعة اليوناني قسم يقابله في النظام العربي، لأن مفهوم الوقعة التي تحدث في آخر الاسم أو في آخر الفعل، مفهوم غير موجود عند سيبويه؛ وكذلك قسم القول، الذي هو عند أرسطو مركَّب من ألفاظ لها معنى، ليس له قسم يقابله في النظام العربي، لأنّ سيبويه لم يجعل من القول قسماً مستقلاً في تقسيمه.
فمن الناحية اللسانية، يظهر لنا أنه من المستحيل أن يكون التقسيم العربيُّ منقولاً من التقسيم اليوناني، لأن عدد الأقسام ومضمونها يختلف في النظامين اختلافاً تامًّا.

تعليق