
حذر عدد من التربويين والمثقفين من ضعف البناء اللغوي للطلاب وأثره على الضعف العلمي؛ ما يهدد مستقبلنا الثقافي بعد عقود زمنية، وذلك يعود إلى ضعف التأسيس من المراحل الأولى في حياة الطالب وعدم تفاعل البيت مع اللغة العربية والاستعاضة عنها بالأجهزة الذكية، مستشهدين بالتقارير الصادرة عن المركز الوطني للقياس والتقويم عن نتائج الطلاب في اختبار القدرات العامة، التي تعد دليلاً صريحاً على ذلك.
ومما لا شك فيه فإنّ الواقع مؤلم للغة في حياتنا وحياة أجيالنا، بشكل لا يبشر بخير! ويدعونا ذلك إلى وقفة صادقة، وشعور عميق بالصرخة، يعقبها وقفة من أرباب اللغة والمتأدبين بها إلى علاج ضعفها، والعمل على إعادة العافية إلى أجيالنا، من أجل بناء جيل صادق يتبنى اللغة، ويعيشها واقعا في حياته، لينهل من العلوم ويسهم في بناء المجتمع والأمة.
ضبط البناء
في البداية اعتبر سلمان الشايع -مشرف تربوي لغة عربية- أنّ البناء اللغوي للطفل أساس رصين وحجر لزاوية اللسان العربي الفصيح، على مبدأ الطلاقة والبلاغة والفصاحة والخلو من كل عيب لغوي؛ لذلك وجب علينا نحن –أبناء المملكة والقائمين على أمانة حماية اللغة العربية– أن نتوجه لتلك القضية الخطيرة بالبحث والطرح لنرصد طبيعة الإشكالية، وتشخيص مظاهر الضعف اللغوي البنائي لدى الطفل السعودي، وُسبل إيجاد الحلول العلمية والعملية؛ لنسهم في ضبط البناء وإصلاح المنطق منذ نعومة أظفار أطفالنا، في مراحل تعليمهم الأولية الخطيرة في عصرنا الحاضر بكل تحدياته ومعوقاته.
وفند الآثار السّلبيّة النّاجمة عن ضعف التنشئة اللغوية وتعاطي الشباب مع الوسط الثقافي، ونتائجه السّيّئة على مستقبل أجيالنا ومصير أمّتنا منها، قائلاً: "إنّ هذا الضّعف اللّغويّ المتفشِّي في الوسائل المقروءة والمسموعة، له تأثير بالغ في القارئين والسّامعين، وَينْقُل إلى هؤلاء الْمُتلَقِّين ضّعْفَه وعُيوبَه ونقصَه، وخاصةً الصّغارَ الّذين هم في مراحل تكوينهم اللّغويّ والفكريّ، ويستوعبون بسرعةٍ ما يُلْقَى إليهم من غثّ وسمين، الضّعف اللّغويّ مرتبط بالضّعف الفكريّ والثّقافيّ، فليست اللّغة مجرّدَ وسيلة للتّخاطب فقط، ولكنّها أيضاً فكرٌ، وعقيدةٌ، وثقافةٌ، وعواطفُ، ومشاعرُ، وتراث، وتاريخ، ولا يمكن فصل جانب من جوانبها عن الآخر".
وأضاف: "ما نراه من ضعف الثّقافة العامّة لدى الشّبّان العرب في الوقت الحاضر، وضآلة زادهم من المعارف والعلوم، وجَهْلِهم بتُراثهم وتاريخهم، إنّما هو نتيجة طبيعيّة لضعفهم في لغتهم، وفقدهم للمفتاح الجيّد للثّقافة والمعرفة والعلم، وهو اللّغة المتمثّلة في كتاب أو مجلّة أو صحيفة أو إذاعة مسموعة أو مرئيّة وغير ذلك، الأمر الآخر أنّ هذا الضّعف يؤدّي بالتّدريج إلى ذَوَبان الشّخصيّة، وفَقْد الْهُوِيّة، وانقطاع الصّلة بالرّابطة الّتي تُوَحِّد الأمّة، وبالتالي يترك الضّعفُ اللّغويّ العامّ فراغاً فكريًّا وثقافيًّا لدى الأمّة، وضعف الصّلة بتراثها وتاريخها وأمجادها السّالفة، فتكون بذلك ساحةً مُهَيَّأةً للغزو الثّقافّي الأجنبيّ".
وأشار إلى أنّ اللغة هي الحصن الرئيس والملجأ الآمن للثقافة، وبدونها لا يمكن لأمة مهما كانت قوتها أن تصنع ثقافة معبرة عن تراثها وحضارتها وتميزها، وقد كانت اللغة العربية في ذات زمان هي الوعاء الذي استوعب كل ثقافات الدنيا، بل إنها كانت مصدر الثقافات، فهي لغة الشعر الذي عجزت عن نظمه كثير من لغات الأرض، وهي لغة الأدب الذي تنعم في أفيائه البشرية اليوم، وهي لغة العلم الذي أسهم في صناعه التقدم التقني الذي أفرزه فكر البشرية المعاصر.
اللغة هي الملجأ الآمن للثقافة وبدونها لا يمكن لأي أمة صنع حضارة
الحفاظ على الهوية
وأوضح عبدالرحيم المالكي -مشرف لغة عربية- أنّه ليست اللغة مجرد وعاء لفظي يحل فيه الفكر، كما كان يعتقد ذلك التصور الفلسفي الأفلاطوني القديم، وإنما الفكر نشاط ذهني غير مستقل عن اللغة، فالفكر هو الوجود الداخلي للغة، واللغة هي الوجود الخارجي للفكر، فهما وحدتان مترابطتان يدعم ويجري أحدهما من الآخر، فاللغة شعار الأمم، ووعاء الثقافة، ومرآة حضارتها؛ لذا عنيت أمم الأرض قاطبة بلغاتها في القديم والحديث؛ لأنّها عامل وحدة الشعوب، وسبب من أسباب الحفاظ على هويتها، فالحفاظ على اللغة يعني ضمان بقاء واستمرارية المجتمع الذي يستخدمها، وإضعافها هو إضعاف لشخصية الناطقين بها، وعليه يكون الاعتزاز ليس اعتزازا بذات اللغة وإنما هو اعتزاز بأهلها وبمن ينطق بها.
وقال إنّ ضعف التحصيل العلمي لأبنائنا ارتبط ارتباطا وثيقا بعلاقتهم باللغة، وتمكنهم من ممارستها وسبر أغوارها، وما الإحصاءات والتقارير الصادرة عن المركز الوطني للقياس والتقويم عن نتائج الطلاب في اختبار القدرات العامة إلا دليل على ذلك، فقد كان ملخصها أن العلاقة مطردة بين الجانب اللغوي والجانب اللفظي، وأن طلاب مدارس تحفيظ القرآن الكريم الذين كانوا يتعاطون اللغة ويمارسونها أكثر من غيرهم قد حققوا المراكز المتقدمة على مستوى المدارس والإدارات، كيف لا واللغة أداة التفكير، مبيّناً أنّ دراسات غربية حديثة أكّدت أن الفرد لا يمكن أن يمارس مهارات التفكير العليا إلاّ من خلال لغته الأصلية.
وأضاف: إنّ الضعف الثقافي الذي نعيشه اليوم ماهو إلاّ إفرازات ونتائج متحتمة نظير الإخفاق في تعاطي اللغة بمكوناتها، والعزوف عن خوض بحرها الخضم، وموجها المتلاطم، مشيراً إلى أنّ التعليم بنظامه ومناهجه سبب رئيس وأن البيت السعودي عامل أكثر تأثيرا من المدرسة في ضعف الثقافة العامة، حيث إنّ البيت السعودي بمجمله بيت أمي حتى ولو كان أهله متعلمين! إذ إنّ عادات القراءة، والتعود عليها وجعلها جزءا من الحياة كالحاجة للطعام والشراب أمر مفقود، بل إن بعضهم يملكون مكتبات ضخمة في بيوتهم إلاّ أنها لا تعدو أن تكون جزءا من ديكورات المنزل، ومظهراً تفاخريًّا، ليس إلاّ.
وتساءل المالكي: كيف لنظام تعليمي يتخرج منه الطالب فاقداً لمهارات اللغة الأساسية أن ينتظر تفوقاً وإبداعا منه في المرحلة الجامعية؟ وكيف لمعلم لا يتبنى اللغة في حياته ويفتقد مهارات مواد يدرسها أن يخرِّج جيلا ناجحاً في لغته ومهاراته؟ وكيف لمجتمع يرى أنّ الحديث بلغته الفصيحة تخلف ورجعية أن ينتظر جيلاً مبدعا يقود السفينة؟
نظرة قاصرة
أما الكاتبة أميرة علي فأكّدت أنّ ضعف اللغة لدى الطفل يكون بداية من البيت، حيث إنّ أغلب الأسر العربية أصبحت غير قارئة، وأصبح الكتاب مقتصراً على كونه مادة دراسية يثقل على النفس تقبلها؛ لأنّها تأتي من باب الفرض لا الحب، وبالتالي ينشأ لدينا طفل مثقف تقنيًّا وضعيف لغويًّا؛ لأنّ أساس العلم "القراءة والكتابة"، لافتةً إلى أنّ أغلب الدراسات التي أجريت لدينا أثبتت أنّ من أهم أسباب الضعف العلمي لدى طلابنا هو ضعفهم في اللغة العربية، فمن الطبيعي إذا ضعف الأساس سيضعف البناء وينهار؛ لأنّ قواعده غير صلبة ومهترئة، وأصبح تركيز الآباء والأمهات على اكتساب أبنائهم للغة الانجليزية وإجادتها أكبر وأعظم، ظنًّا منهم أنها هي الثقافة المطلوبة في هذا العصر كنظرة قاصرة اجتماعيا ووظيفيا، أما اللغة العربية فيجدون أنها لا تحسب لهم ثقافيًّا، فيكون هنا الاكتفاء للنطق بها دون الحرص على تعلم قواعدها.
وعن تصدر المشهد الثقافي من هذا الجيل؛ نبهت أنّ الثقافة التقنية أصبحت الهاجس الأول لهذا الجيل، وبالتالي فقدت الأوراق والأقلام مكانتهما المشهودة في ديوان العرب، مستدركةً: "لكن لعلنا نتفاءل بأن هذا الجيل سيحمل لواء العربية -لغة القرآن- التي شرفنا وخصنا بها الله -عزّ وجل- من بين سائر الأمم، ولعلنا نعتبرها كبوة جواد سننهض منها يوما لا محالة -بإذن الله-".
تحديد الاتجاهات
من جهته أيد أحمد الخضر -رئيس شعبة اللغة العربية بمكتب التعليم بالخبر- المشاركين في التحقيق الذين اعتبروا أنّ اللغة هي الأداة التي تحمل الأفكار وتنقل المفاهيم، وهي أكثر الأدوات استخداما للتواصل بين أفراد المجتمع باختلاف أعمارهم وتوجهاتهم، موضحاً أنّ تنشئة الطفل على لغة قوية من شأنها أن تسهم في زيادة تفكيره وذكائه ونمو قدراته وتساعده في التعبير عن مشاعره وتحديد اتجاهاته وحاجاته.
وأضاف: "التكامل بين اللغة العربية والمواد الأخرى يسهم في تنمية قدرات الطلاب أثناء عملية التعلم، فاللغة العربية هي أداة الفهم التي يقرأ بها المحتوى العلمي، فضعف الطالب في مواد اللغة العربية يقود إلى الضعف في فهم المواد الأخرى، ولعل الثقافة كأسلوب حياة يجب أن ترسم خطوطها قواعد الدين، وأخلاقيات المجتمع، وخصوصيته المنطلقة منه، فكلما كان المثقف واسع الاطلاع على تراثه اللغوي، كانت قدرته في الإقناع وإبداء الرأي والتأثير على الآخرين أقوى".
التعبد بالقراءة
كما قالت فاطمة أمين ياتي -قائدة ثانوية التعلم النموذجية-: "لغتنا العربية هي هويتنا، وضعف اللغة العربية في أبنائنا يدل على ضعف الهوية والانتماء والاعتزاز بالهوية العربية الإسلامية، ودورنا كمربين وأولياء أمور وقادة ومسؤولين تعزيز هذه الهوية، وبث البرامج الهادفة التي تغير توجه أبنائنا، ونبدأ بالقراءة بحيث يكون في كل بيت ومدرسة ومكان عام ومقهى وأماكن ترفيه مكتبة جاذبة، تحوى كتبا تناسب الأعمار، ووضع مسابقات محلية وعالمية إلى أن تصبح القراءة عادة، وقبل ذلك نشعرهم أنّ القراءة عبادة كما أمر الله بها، من خلال القراءة سنصل إلى اللغة العربية الصحيحة، ونجعلها رؤية نسعى إلى تحقيقها ولو بعد أمد بعيد".
لغة مندثرة
فيما رأى سلطان الزهراني -ولي أمر طالب- أنّ اللغة العربية في الوقت الحالي بدأت في الانحلال اللفظي، بمعنى أنّ اللغة العربية الفصحى في مجتمعنا العام أصبحت مندثرة، ليس لها وجود والأساس يعود إلى فقر المناهج التعليمية، والى عدم توفر الأساسيات التي من خلالها ينطلق الطالب نحو مجتمع يحب أن يسمع منطوق اللغة العربية.
الرابط ....
ومما لا شك فيه فإنّ الواقع مؤلم للغة في حياتنا وحياة أجيالنا، بشكل لا يبشر بخير! ويدعونا ذلك إلى وقفة صادقة، وشعور عميق بالصرخة، يعقبها وقفة من أرباب اللغة والمتأدبين بها إلى علاج ضعفها، والعمل على إعادة العافية إلى أجيالنا، من أجل بناء جيل صادق يتبنى اللغة، ويعيشها واقعا في حياته، لينهل من العلوم ويسهم في بناء المجتمع والأمة.
ضبط البناء
في البداية اعتبر سلمان الشايع -مشرف تربوي لغة عربية- أنّ البناء اللغوي للطفل أساس رصين وحجر لزاوية اللسان العربي الفصيح، على مبدأ الطلاقة والبلاغة والفصاحة والخلو من كل عيب لغوي؛ لذلك وجب علينا نحن –أبناء المملكة والقائمين على أمانة حماية اللغة العربية– أن نتوجه لتلك القضية الخطيرة بالبحث والطرح لنرصد طبيعة الإشكالية، وتشخيص مظاهر الضعف اللغوي البنائي لدى الطفل السعودي، وُسبل إيجاد الحلول العلمية والعملية؛ لنسهم في ضبط البناء وإصلاح المنطق منذ نعومة أظفار أطفالنا، في مراحل تعليمهم الأولية الخطيرة في عصرنا الحاضر بكل تحدياته ومعوقاته.
وفند الآثار السّلبيّة النّاجمة عن ضعف التنشئة اللغوية وتعاطي الشباب مع الوسط الثقافي، ونتائجه السّيّئة على مستقبل أجيالنا ومصير أمّتنا منها، قائلاً: "إنّ هذا الضّعف اللّغويّ المتفشِّي في الوسائل المقروءة والمسموعة، له تأثير بالغ في القارئين والسّامعين، وَينْقُل إلى هؤلاء الْمُتلَقِّين ضّعْفَه وعُيوبَه ونقصَه، وخاصةً الصّغارَ الّذين هم في مراحل تكوينهم اللّغويّ والفكريّ، ويستوعبون بسرعةٍ ما يُلْقَى إليهم من غثّ وسمين، الضّعف اللّغويّ مرتبط بالضّعف الفكريّ والثّقافيّ، فليست اللّغة مجرّدَ وسيلة للتّخاطب فقط، ولكنّها أيضاً فكرٌ، وعقيدةٌ، وثقافةٌ، وعواطفُ، ومشاعرُ، وتراث، وتاريخ، ولا يمكن فصل جانب من جوانبها عن الآخر".
وأضاف: "ما نراه من ضعف الثّقافة العامّة لدى الشّبّان العرب في الوقت الحاضر، وضآلة زادهم من المعارف والعلوم، وجَهْلِهم بتُراثهم وتاريخهم، إنّما هو نتيجة طبيعيّة لضعفهم في لغتهم، وفقدهم للمفتاح الجيّد للثّقافة والمعرفة والعلم، وهو اللّغة المتمثّلة في كتاب أو مجلّة أو صحيفة أو إذاعة مسموعة أو مرئيّة وغير ذلك، الأمر الآخر أنّ هذا الضّعف يؤدّي بالتّدريج إلى ذَوَبان الشّخصيّة، وفَقْد الْهُوِيّة، وانقطاع الصّلة بالرّابطة الّتي تُوَحِّد الأمّة، وبالتالي يترك الضّعفُ اللّغويّ العامّ فراغاً فكريًّا وثقافيًّا لدى الأمّة، وضعف الصّلة بتراثها وتاريخها وأمجادها السّالفة، فتكون بذلك ساحةً مُهَيَّأةً للغزو الثّقافّي الأجنبيّ".
وأشار إلى أنّ اللغة هي الحصن الرئيس والملجأ الآمن للثقافة، وبدونها لا يمكن لأمة مهما كانت قوتها أن تصنع ثقافة معبرة عن تراثها وحضارتها وتميزها، وقد كانت اللغة العربية في ذات زمان هي الوعاء الذي استوعب كل ثقافات الدنيا، بل إنها كانت مصدر الثقافات، فهي لغة الشعر الذي عجزت عن نظمه كثير من لغات الأرض، وهي لغة الأدب الذي تنعم في أفيائه البشرية اليوم، وهي لغة العلم الذي أسهم في صناعه التقدم التقني الذي أفرزه فكر البشرية المعاصر.
اللغة هي الملجأ الآمن للثقافة وبدونها لا يمكن لأي أمة صنع حضارة
الحفاظ على الهوية
وأوضح عبدالرحيم المالكي -مشرف لغة عربية- أنّه ليست اللغة مجرد وعاء لفظي يحل فيه الفكر، كما كان يعتقد ذلك التصور الفلسفي الأفلاطوني القديم، وإنما الفكر نشاط ذهني غير مستقل عن اللغة، فالفكر هو الوجود الداخلي للغة، واللغة هي الوجود الخارجي للفكر، فهما وحدتان مترابطتان يدعم ويجري أحدهما من الآخر، فاللغة شعار الأمم، ووعاء الثقافة، ومرآة حضارتها؛ لذا عنيت أمم الأرض قاطبة بلغاتها في القديم والحديث؛ لأنّها عامل وحدة الشعوب، وسبب من أسباب الحفاظ على هويتها، فالحفاظ على اللغة يعني ضمان بقاء واستمرارية المجتمع الذي يستخدمها، وإضعافها هو إضعاف لشخصية الناطقين بها، وعليه يكون الاعتزاز ليس اعتزازا بذات اللغة وإنما هو اعتزاز بأهلها وبمن ينطق بها.
وقال إنّ ضعف التحصيل العلمي لأبنائنا ارتبط ارتباطا وثيقا بعلاقتهم باللغة، وتمكنهم من ممارستها وسبر أغوارها، وما الإحصاءات والتقارير الصادرة عن المركز الوطني للقياس والتقويم عن نتائج الطلاب في اختبار القدرات العامة إلا دليل على ذلك، فقد كان ملخصها أن العلاقة مطردة بين الجانب اللغوي والجانب اللفظي، وأن طلاب مدارس تحفيظ القرآن الكريم الذين كانوا يتعاطون اللغة ويمارسونها أكثر من غيرهم قد حققوا المراكز المتقدمة على مستوى المدارس والإدارات، كيف لا واللغة أداة التفكير، مبيّناً أنّ دراسات غربية حديثة أكّدت أن الفرد لا يمكن أن يمارس مهارات التفكير العليا إلاّ من خلال لغته الأصلية.
وأضاف: إنّ الضعف الثقافي الذي نعيشه اليوم ماهو إلاّ إفرازات ونتائج متحتمة نظير الإخفاق في تعاطي اللغة بمكوناتها، والعزوف عن خوض بحرها الخضم، وموجها المتلاطم، مشيراً إلى أنّ التعليم بنظامه ومناهجه سبب رئيس وأن البيت السعودي عامل أكثر تأثيرا من المدرسة في ضعف الثقافة العامة، حيث إنّ البيت السعودي بمجمله بيت أمي حتى ولو كان أهله متعلمين! إذ إنّ عادات القراءة، والتعود عليها وجعلها جزءا من الحياة كالحاجة للطعام والشراب أمر مفقود، بل إن بعضهم يملكون مكتبات ضخمة في بيوتهم إلاّ أنها لا تعدو أن تكون جزءا من ديكورات المنزل، ومظهراً تفاخريًّا، ليس إلاّ.
وتساءل المالكي: كيف لنظام تعليمي يتخرج منه الطالب فاقداً لمهارات اللغة الأساسية أن ينتظر تفوقاً وإبداعا منه في المرحلة الجامعية؟ وكيف لمعلم لا يتبنى اللغة في حياته ويفتقد مهارات مواد يدرسها أن يخرِّج جيلا ناجحاً في لغته ومهاراته؟ وكيف لمجتمع يرى أنّ الحديث بلغته الفصيحة تخلف ورجعية أن ينتظر جيلاً مبدعا يقود السفينة؟
نظرة قاصرة
أما الكاتبة أميرة علي فأكّدت أنّ ضعف اللغة لدى الطفل يكون بداية من البيت، حيث إنّ أغلب الأسر العربية أصبحت غير قارئة، وأصبح الكتاب مقتصراً على كونه مادة دراسية يثقل على النفس تقبلها؛ لأنّها تأتي من باب الفرض لا الحب، وبالتالي ينشأ لدينا طفل مثقف تقنيًّا وضعيف لغويًّا؛ لأنّ أساس العلم "القراءة والكتابة"، لافتةً إلى أنّ أغلب الدراسات التي أجريت لدينا أثبتت أنّ من أهم أسباب الضعف العلمي لدى طلابنا هو ضعفهم في اللغة العربية، فمن الطبيعي إذا ضعف الأساس سيضعف البناء وينهار؛ لأنّ قواعده غير صلبة ومهترئة، وأصبح تركيز الآباء والأمهات على اكتساب أبنائهم للغة الانجليزية وإجادتها أكبر وأعظم، ظنًّا منهم أنها هي الثقافة المطلوبة في هذا العصر كنظرة قاصرة اجتماعيا ووظيفيا، أما اللغة العربية فيجدون أنها لا تحسب لهم ثقافيًّا، فيكون هنا الاكتفاء للنطق بها دون الحرص على تعلم قواعدها.
وعن تصدر المشهد الثقافي من هذا الجيل؛ نبهت أنّ الثقافة التقنية أصبحت الهاجس الأول لهذا الجيل، وبالتالي فقدت الأوراق والأقلام مكانتهما المشهودة في ديوان العرب، مستدركةً: "لكن لعلنا نتفاءل بأن هذا الجيل سيحمل لواء العربية -لغة القرآن- التي شرفنا وخصنا بها الله -عزّ وجل- من بين سائر الأمم، ولعلنا نعتبرها كبوة جواد سننهض منها يوما لا محالة -بإذن الله-".
تحديد الاتجاهات
من جهته أيد أحمد الخضر -رئيس شعبة اللغة العربية بمكتب التعليم بالخبر- المشاركين في التحقيق الذين اعتبروا أنّ اللغة هي الأداة التي تحمل الأفكار وتنقل المفاهيم، وهي أكثر الأدوات استخداما للتواصل بين أفراد المجتمع باختلاف أعمارهم وتوجهاتهم، موضحاً أنّ تنشئة الطفل على لغة قوية من شأنها أن تسهم في زيادة تفكيره وذكائه ونمو قدراته وتساعده في التعبير عن مشاعره وتحديد اتجاهاته وحاجاته.
وأضاف: "التكامل بين اللغة العربية والمواد الأخرى يسهم في تنمية قدرات الطلاب أثناء عملية التعلم، فاللغة العربية هي أداة الفهم التي يقرأ بها المحتوى العلمي، فضعف الطالب في مواد اللغة العربية يقود إلى الضعف في فهم المواد الأخرى، ولعل الثقافة كأسلوب حياة يجب أن ترسم خطوطها قواعد الدين، وأخلاقيات المجتمع، وخصوصيته المنطلقة منه، فكلما كان المثقف واسع الاطلاع على تراثه اللغوي، كانت قدرته في الإقناع وإبداء الرأي والتأثير على الآخرين أقوى".
التعبد بالقراءة
كما قالت فاطمة أمين ياتي -قائدة ثانوية التعلم النموذجية-: "لغتنا العربية هي هويتنا، وضعف اللغة العربية في أبنائنا يدل على ضعف الهوية والانتماء والاعتزاز بالهوية العربية الإسلامية، ودورنا كمربين وأولياء أمور وقادة ومسؤولين تعزيز هذه الهوية، وبث البرامج الهادفة التي تغير توجه أبنائنا، ونبدأ بالقراءة بحيث يكون في كل بيت ومدرسة ومكان عام ومقهى وأماكن ترفيه مكتبة جاذبة، تحوى كتبا تناسب الأعمار، ووضع مسابقات محلية وعالمية إلى أن تصبح القراءة عادة، وقبل ذلك نشعرهم أنّ القراءة عبادة كما أمر الله بها، من خلال القراءة سنصل إلى اللغة العربية الصحيحة، ونجعلها رؤية نسعى إلى تحقيقها ولو بعد أمد بعيد".
لغة مندثرة
فيما رأى سلطان الزهراني -ولي أمر طالب- أنّ اللغة العربية في الوقت الحالي بدأت في الانحلال اللفظي، بمعنى أنّ اللغة العربية الفصحى في مجتمعنا العام أصبحت مندثرة، ليس لها وجود والأساس يعود إلى فقر المناهج التعليمية، والى عدم توفر الأساسيات التي من خلالها ينطلق الطالب نحو مجتمع يحب أن يسمع منطوق اللغة العربية.
الرابط ....
