هدم اللغة العربية
د. محمد محمد حسين
كانت الشعبةُ الثالثة من الدعوات الهدَّامة تتَّجه إلى اللغة العربية؛ تريد أن تفرق المجتمعين عليها بِمُختلِف الحيل والأساليب، تحت ستارٍ منَ الرغبة في الإصلاح، وفي مُسايَرَةِ الزمان، وقبل أن أدخل في تفاصيل المسألة، أحب أن أعرض تاريخها عرضًا سريعًا في لمحة خاطفة، لنتبين مصادر هذه الدعوة، فقد يُعِينُنا ذلك على تصوّر مبلغ ما فيها من الصدق والإخلاص والبراءة من الهوى، بدأت هذه الدعوى في أواخر سنة 1881م حين اقترح "المقتطف" كتابة العلوم باللغة التي يتكلمها الناس في حياتهم العامة، ودعا رجال الفكر إلى بحث اقتراحه ومناقشته، ولا أراني في حاجة إلى أن أتحدث عن "المقتطف" وعن ميوله السياسية، والجهات التي كان يخدمها، فقد تكلمت عنه وعن شقيقه "المقطم" في الجزء الأول من هذا الكتاب، ثم هاجت المسألة مرة أخرى في أوائل سنة 1902م حين ألَّف أحد قضاة محكمة الاستئناف الأهلية في مصر من الإنجليز – وهو القاضي ولمور – كتابًا عمَّا سمَّاه لغة القاهرة، وضع لها فيه قواعد، واقترح اتخاذها لغة للعلم والأدب، كما اقترح كتابتها بالحروف اللاتينية، وتنبَّه النَّاس لِلكتاب حين أشاد به "المقتطف" في "باب التقريظ والانتقاد"، فحملتْ عَلَيْهِ الصحف، مشيرة إلى موضع الخطر من هذه الدعوة التي لا تَقْصِدُ إلاَّ إلى محاربة الإسلام في لغته، وفي ذلك الوقت كتب حافظ قصيدته المشهورة، التي يقول فيها، مُتَحدّثًا بِلِسان اللغة العربية[1]:
رَجَعْتُ لِنَفْسِي فَاتَّهَمْتُ حَصَاتِي *** وَنَادَيْتُ قَوْمِي فَاحْتَسَبْتُ حَيَاتِي
رَمَوْنِي بِعُقْمٍ فِي الشَّبَابِ وَلَيْتَنِي *** عَقِمْتُ فَلَمْ أَجْزَعْ لِقَوْلِ عُدَاتِي
وَلَدْتُ وَلمَّا لَمْ أَجِدْ لِعَرَائِسِي *** رِجَالاً وَأَكْفَاءً وَأَدْتُ بَنَاتِي
وَسِعْتُ كِتَابَ اللَّهِ لَفْظًا وَغَايَةً *** وَمَا ضِقْتُ عَنْ آيٍ بِهِ وَعِظَاتِ
فَكَيْفَ أَضِيقُ اليَوْمَ عَنْ وَصْفِ آلَةٍ *** وَتَنْسِيقِ أَسْمَاءٍ لِمُخْتَرَعَاتِ؟
أَنَا البَحْرُ فِي أَحْشَائِهِ الدُّرُّ كَامِنٌ *** فَهَلْ سَاءَلُوا الغَوَّاصَ عَنْ صَدَفَاتِي؟
فَيَا وَيْحَكُمْ أَبْلَى وَتَبْلَى مَحَاسِنِي *** وَمِنْكُمْ وَإِنْ عَزَّ الدَّوَاءُ أُسَاتِي
فَلا تَكِلُونِي لِلزَّمَانِ فَإِنَّنِي *** أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَحِينَ وَفَاتِي
أَرَى لِرِجَالِ الغَرْبِ عِزًّا وَمَنْعَةً *** وَكَمْ عَزَّ أَقْوَامٌ بِعِزِّ لُغَاتِ
أَتَوْا أَهْلَهُمْ بِالمُعْجِزَاتِ تَفَنُّنًا *** فَيَا لَيْتَكُمْ تَأْتُونَ بِالكَلِمَاتِ
أَيُطرِبُكُمْ مِنْ جَانِبِ الغَرْبِ نَاعِبٌ *** يُنَادِي بِوَأْدِي فِي رَبِيعِ حَيَاتِي؟
وَلَوْ تَزْجُرُونَ الطَّيْرَ يَوْمًا عَرَفْتُمُ *** بِمَا تَحْتَهُ مِنْ عَثْرَةٍ وَشَتَاتِ
سَقَى اللَّهُ فِي بَطْنِ الجَزِيرَةِ أَعْظُمًا *** يَعِزُّ عَلَيْهَا أَنْ تَلِينَ قَناتِي
حَفِظْنَ وِدَادِي فِي البِلَى وَحَفِظْتُهُ *** لَهُنَّ بِقَلْبٍ دَائِمِ الحَسَرَاتِ
وَفَاخَرْتُ أَهْلَ الغَرْبِ وَالشَّرْقُ مُطْرِقٌ *** حَياءً بِتِلْكَ الأَعْظُمِ النَّخِرَاتِ
أَرَى كُلَّ يَوْمٍ بِالجَرَائِدِ مَزْلَقًا *** مِنَ القَبْرِ يُدْنِينِي بِغَيْرِ أَنَاةِ
وَأَسْمَعُ لِلكُتَّابِ فِي مِصْرَ ضَجَّةً *** فَأَعْلَمُ أنَّ الصَّائِحِينَ نُعَاتِي
وثارت المسألة من جديد، حين دعا إنجليزي آخر، كان مهندسًا للري في مصر – وهو السير وليم ولكوكس – سنة 1926 إلى هجر اللغة العربية، وخطا بهذا الاقتراح خطوة عملية، فترجم أجزاء من الإنجيل إلى ما سماه "اللغة المصرية"، ونوَّه سلامة موسى بالسير ولكوكس وأيَّده، فثارت لذلك ثائرة الناس من جديد، وعادوا لمهاجمة الفكرة، والتنديد بما يكمن وراءها من الدوافع السياسية، ولكنَّ الدعوة استطاعت أن تجتذب نفرًا من دعاة الجديد في هذه المرة، فاتَّخذوا القوميَّة والشعبيَّة ستارًا لدعوتهم، حين كان لمثل هذه الكلمات رواج، وكان لها بريق خداع يعشي الأبصار، وحين كان الناس مفتونين بكل ما يحمل هذا العنوان في أعقاب ثورة شعبية تمخضت عن "الفرعونية"[2]، وحين كانوا يتحدثون بما صنع الكماليون من استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية، وترجمة القرآن للغة التركية، وإلزام الناس بالتعبد به، وتحريم تدريس العربية في غير معاهد دينية محدودة، وضعت تحت الرقابة الشديدة، وقد مضوا من بعد في مطاردة الكلمات العربية الأصل ينفونها من اللغة التركية كلمة بعد كلمة.
ثم بدا أنَّ الدعوة آخذة في الانتشار، حين اتخذت اللهجة السوقية في المسرح الهزلي[3]، ثم انتقلت إلى المسرح الجدي حين تجرأت عليه وقتذاك فرقة تمثيلية تتخذ اسمًا فرعونيًّا، وهي "فرقة رمسيس" فوجدت مسرحياتها إقبالاً ولقيت رواجًا عند الناس، وظهرت الخيالة (السينما) من بعد فاتخذت هذه اللهجة، ولم يعد للعربية الفصحى وجود في هذا الميدان[4]، ثم ظهرت هذه اللهجة السوقية التي تسمى بالعامية في الأدب المكتوب، فاستعملها كثير من كتاب القصة في الحوار، ولا يزال دعاتها يمكنون لها في هذا الميدان، ويجدون في ذلك جاهدين.
ولم يكن ذلك هو كل ما كسبته الدعوة الجديدة الَّتي روجها الإنجليز وعملاؤهم كما رأينا، ولكن أعجب ما ظهر من ذلك في هذه الفترة وأغربه، مما لا يخطر على البال، هو أن الدعوة قد استطاعت أن تتسلل متلصصة إلى الحصن الذي قام لحماية اللغة العربية الفصيحة، والمسمى "بمجمع اللغة العربية" فظهرت في مجلته الناطقة باسمه سلسلة من المقالات عن "اللهجة العربية العامية"، كتبها عضو من أعضاء هذا المجمع اسمه عيسى إسكندر المعلوف[5]، وإنَّ مِمَّا يدعو إلى العجب حقًّا أن يختار المجمع لعضويته رجلاً معروفًا بعدائه الصريح للعربية، وهو عداء عريق ورثه عن أبيه الذي أعلنه وجهر به حين سجَّله في مقال له نشرته الهلال سنة 1902، دافع فيه عن اللهجات السوقية، وقال إنه يشتغل بضبط أحوالها، وتقييد شواردها لاستخدامها في كتابة العلوم[6]، وقد أكد هذا المقال أن اختلاف لغة الحديث عن لغة الكتابة هو من أهم أسباب تخلفنا الثقافي، وزعم أنَّ من الممكن اتخاذ أي لهجة عامية لغة للكتابة، كالمصرية أو الشامية، وأنها ستكون أسهل على سائر المتكلمين بالعربية – على اختلاف لهجاتهم – من العربية الفصيحة[7]، كما أنه زعم أن تعلق المسلمين باللغة الفصيحة لا مبرر له، لأن هناك مسلمين كثيرين لا يتحدثون بالعربية ولا يكتبون بها، ولأن اللغة التي يتكلمها المسلمون هي غير العربية الفصيحة على كل حال، وقال إن كل ما يطالب به هو وضع قواعد هذه اللغة التي يتكلمون بها فعلاً وواقعًا، وختم المقال بقوله:
"وما أحرى أهلَ بلادنا أن ينشطوا من عقالهم طالبين التحرر من رق لغة صعبة المراس، قد استنزفت أوقاتَهم، وقوى عقولهم الثمينة، وهي مع ذلك لا توليهم نفعًا، بل أصبحت ثقلاً يؤخرهم عن الجري في مضمار التمدن، وحاجزًا يصدهم عن النجاح... ولي أمل بأن أرى الجرائد العربية وقد غيرت لغتها، وبالأخص جريدة الهلال الغراء، التي هي في مقدمتها، وهذا أعده أعظم خطوة نحو النجاح، وهو غاية أملي ومنتهى رجائي".
هل تعرف عداء للعربية التي لم ينشأ هذا المجمع إلا لحمايتها أعرق من هذا العداء الصريح في الولد وأبيه على السواء؟ فلأي شيء اختير هذا العضو وأمثاله من المعروفين بالكيد للعربية وللعرب[8]؟!
وليس هذا هو كل ما يدعو للعجب من أمر هذا المجمع، فقد تقدَّم عضو من أبرز أعضائه، وهو عبدالعزيز فهمي – ثالث الثلاثة الذين بني عليهم الوفد المصري – في السنة 1943 باقتراح كتابة العربية بالحروف اللاتينية، وشغل المجمع ببحث اقتراحه عدة جلسات، امتدت خلال ثلاث سنوات، ونشر في الصحف، وأرسل إلى الهيئات العلمية المختلفة، وخصصت الحكومة جائزة مقدارها ألف جنيه لأحسن اقتراح في تيسير الكتابة العربية[9].
أليس يدعو ذلك إلى أن نتساءل: هل أنشئ هذا المجمع لينظم جهود حماة العربية، أو أنشئ ليكسب الهدم والهدامين صفة شرعية، وليضع على بيت حفار القبور لوحة نحاسية كتب عليها بخط عريض "طبيب"[10]، وعلى وكر القاتل السفاح اسم "جراح"؟!
أليس يرضى الاستعمار عن مثل اقتراح المعلوف، واقتراح عبدالعزيز فهمي؟ أليس يرضى عنه العضو الإنجليزي الموقر هـ. ا. ر. جب، الذي يقرر في كتابه "إلى أين يتَّجه الإسلام؟" عند كلامه عن الوحدة الإسلامية، أنَّ من أهم مظاهرها الحروف العربية التي تستعمل في سائر العالم الإسلامي، واللغة العربية التي هي لغته الثقافية الوحيدة، والاشتراك في كثير من الكلمات والاصطلاحيَّة العربية الأصل[11]، أليس يرضى عنه الاستعمار الفرنسي الذي حارب العربية الفصيحة في شمال إفريقيا أعنف الحرب، وضيق عليها أشد التضييق، ووضع مستشرقوه مختلف الكتب في دراسة اللهجات البربرية وقواعدها لإحلالها محل العربية الفصيحة؟[12] أليس يرضى عنه المستشرق الألماني كامفماير الذي يقرر في شماتة أن تركيا لم تعد بلدًا إسلاميًّا، فالدين لا يدرس في مدارسها، وليس مسموحًا بتدريس اللغتين العربية والفارسية في المدارس، ثم يقول (إن قراءة القرآن العربي وكتب الشريعة الإسلامية قد أصبحت الآن مستحيلة بعد استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية)؟!
وبعد فهذه الدَّعوة هي أخطر الشعب الثلاث التي عرضناها في هذا الفصل إن الدعوات التي تستهدف هدم الدين أو الأخلاق، قد تضل جيلاً من الشباب؛ ولكن الأمل في إنقاذ الجيل القادم يظل كبيرًا ما دام القرآن حيًّا مقروءًا، وما دام الناس يتذوَّقون حلاوة أسلوبه وجمال عبارته، أمَّا هذه الدعوة الخطيرة، فهي ترمي إلى قتل القرآن نفسه – وهيهات – والحكم عليه بأن يُصْبِح أثرًا ميتًا؛ كأساطير الأوَّلين التي أصبحت حشو لفائف البردي، أو بأن يصبح أسلوبه عتيقًا باليًا لتحويل أذواق الأجيال الناشئة عنه، وتنشئتهم على تذوق ألوان أخرى من الأساليب المستجلبة من الغرب، وبينما نجح اليهود في إحياء لغتهم العبرية الميتة، واتخاذها لغة للأدب والحياة، كان بعض المفتونين من العرب ينادون – ولا يزالون – بأن اللغة العربية الفصيحة لغة ميتة، وينشرون في ذلك المقالات الطوال، المكتوبة "بالعربية الفصيحة" التي يزعمون موتها، والَّتِي يقرؤها أقل الناس حظًّا من الثقافة في الصحف فلا يغيب عنه منها شيء؛ بل إنا لنرى الأميين في الصباح وفي المساء مجتمعين حول رجل منهم لا تتجاوز ثقافته الإلمام بالقراءة، يطالع لهم الصحف، وهي غير مضبوطة بعلامات الشكل، وهم من حوله يستمعون فيفهمون.
يزعمون أنَّ قواعدها صعبة معقدة، وفي اللغات الأوربية الحية ما هو أشد منها صعوبة وتعقيدًا كالألمانية، ويقولون إنَّ الشاذَّ فيها من غير القياسي كثير، والشذوذ في صيغ الأفعال وفي صيغ الجمع والتأنيث وفي المصادر يملأ اللغات الأوروبية كلها، والشواهد عليه لا تحصى، وقالوا إن الكتابة فيها غير ميسرة، مع أنَّ مطابقة الصوت المسموع للصورة المقروءة هي في العربية أوضح منها في الإنجليزية وفي الفرنسية، اللتين يتقنهما معظم المتذمرين، وصانعي الفتن من الهدامين، فالفرنسي يسقط من النطق أربعة حروف من أواخر الكلمات في كثير من الأحيان، والإنجليزي يفعل ذلك في مثل حرفي (H ) و(O ) في (Honour )، وحرفي (gh ) في (right )، وفي (through )، وهو بعد ذلك يكتب الصوت الواحد في ست صور أحيانًا، مثل الياء التي تصور الكسرة الطويلة في مثل (كبير)، إن هذا الصوت يكتب في الإنجليزية على ست صور متعددة، لا يُمَيِّز إحداها عن الأخرى منطق أو قواعد، وهي:
(y-e, e-e, ie ,ei ,ea, ee )؛ بينما هو لا يكتب في العربية إلا ياء، وحرف (ك) لا يكتب في العربية إلا كافًا، وهو يكتب في الإنجليزية على صور عدة هي (ch, q, ck, k , c )، وحرف (ف) لا يكتب في العربية إلا فاء، وهو يكتب في الإنجليزية (ph, f, gh )، وقس على ذلك ما لا سبيل إلى إحصائه من الأمثلة العديدة في مختلف الأصوات، ثم إن لكل صوت في العربية حرفًا واحدًا يصوره، وبعض الأصوات اللغوية لا يصورها إلا حرفان في الإنجليزية مثل حرف (ش) العربي، الذي يقابله في الإنجليزية (sh )، وحرف (ذ) الذي يقابله حرفا (th )، وميزة ثالثة للكتابة العربية، هي أن الحرف لا يقرأ إلا على صورة صوتية واحدة، وليس كذلك الحرف الإنجليزي، فحرف (c ) ينطق (س) حينًا، وينطق (ك) حينًا آخر، و(th ) ينطق (ذ) حينًا، وينطق (ث) حينًا آخر، و(g ) ينطق جيمًا قاهرية تميل نحو الكاف، وينطق جيمًا معطشة حينًا آخر.
أيقال بعد ذلك كله إنَّ العربيَّة معقَّدة نحوًا أو كتابة، والذين يشكون من صعوبتها، أو يتشاكَوْنَ، يُتقنون ما هو أكثر منها تعقيدًا ولا يُخْطِئون فيه؟ بل إنَّ مِنْهُم مَنْ يُتْقِنُ لُغَتَيْنِ أو ثلاث لغات أجنبيَّة مُعَقَّدة فِي بعض الأحيان، يقيمونها ويخجلون أن يُخْطِئوا فيها، حين لا يُقيمون لغتهم ولا يخجلون أن يخطئوا فيها، بل ربما فاخروا به وقالوا ساخرين (نحن لا نتكلم لغة سيبويه)، ولعل كثيرًا منهم لا يعلمون أن (سيبويه) كان فارسي الأصل.
ويقولون إنَّ اللغات الأوربية قد تطورت، فيجب أن تتطور لغتنا كما تطورت لغاتهم، وهناك فرق بين "التطور" و"التطوير" تتطور اللغة بأن تفرض عليها قوانين قاهرة هذا التطور، أما التطوير فهو سعي مفتعل إلى التطور، هو إرادة إحداث هذا التطور دون أن تكون له مبررات تستدعيه، والتطور لا يسعى إليه ولا يصطنع، ولكنه يفرض نفسه فلا نجد بدًا من الخضوع له، وأي نعمة وأي مزية في تطور اللغات الأوربية حتى نسعى إلى افتعال نظيره في لغتنا؟ إن هذا التطور كان نكبة على أصحابه، قطعهم أممًا بعد أن كانوا أمة واحدة، فما زالوا في خلاف وحروب منذ ذلك الوقت، ثم إنه لم يحكم على تراثهم القديم المشترك وحده بالموت، بل هو لا يزال يقضي بين الحين والحين على التراث القومي لكل شعب من هذه الشعوب بالموت، حتى ما يستطيع الإنجليزي اليوم من عامة الشعب أن يفهم لغة (شكسبير) الذي مات في القرن السابع عشر، بينما لا يستطيع الإنجليزي المثقف أن يقرأ ما قبل شكسبير، مثل تشوسر، ولا يقدر عليه إلا قلة من المتخصصين، ومثل ذلك الفرنسية والإيطالية وسائر اللغات الأوربية الحديثة، أمَّا نحن العرب على اختلاف أقدارنا من الثقافة، فنقرأ القرآن ونفهمه إلا قليلاً مما ترجع صعوبته إلى دِقَّة المعانِي في أغلب الأحيان، ونقرأ رسائل الجاحظ، وأغاني الأصفهاني، فلا نكاد نحس فارقًا بين أسلوبِها وبين أسلوب بعض المعاصرين، فلِماذا نَسْعَى إلى أن نُفْقِد أنفسنا هذه المزايا التي لم تَفرض علينا فقْدَها ضرورةٌ من الضرورات؟ لماذا نحسد أوروبا التي ابتليت بذلك على مصابها، ونصنع صنيع اليهود الذين قالوا لنبيهم حين مروا بقوم من الكفار عاكفين على أصنام لهم يعبدونها: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ} [الأعراف: 138]؟
وبعد، فلنعد إلى عرض هذه الدعوات الهدامة التي تستهدف قتل العربية الفصيحة في شيء من التفصيل.
نستطيع أن نحصر هذه الدعوات في شعب ثلاث: تتناول أولاها اللغة، فيطالب بعضها بإصلاح قواعدها، ويطالب بعضها الآخر بالتحول عنها إلى العامية، وتتناول ثانيتُها الكتابة، فيدعو بعضها إلى إصلاح قواعدها، ويدعو بعضها الآخر للتحول عنها إلى الحروف اللاتينية، وتتناول الشعبة الثالثة الأدب، فيدعو بعضها إلى العناية بالآداب الحديثة، وما يتَّصل منها بالقومية خاصة، ويدعو بعضها الآخر إلى العناية بِما يُسمّونه "الأدب الشعبي" ويَقْصِدُون به كُلَّ ما هو مُتداول بِغَيْرِ العربيَّة الفصيحة، مِمَّا يختلف في البلد الواحد باختلاف القرى وبتعدد البيئات، وسنتناول فيما يلي هذه الشعب الثلاث واحدة بعد الأخرى.
أمَّا ما يتناول اللغة من هذه الدعوات، فقد أثاره "المقتطف" أولاً – كما بينا – سنة 1881 م، ثم أثاره القاضي الإنجليزي ولمور سنة 1902، ثم أثاره المهندس الإنجليزي وليم ولكوكس سنة 1926، وأثاره بعض الكتاب، وبعض الصحف والمجلات في خلال ذلك ومن بعد ذلك، ولا يزال يثور حتَّى الآن بين حين وحين، فيهيج بعد سكون، ثم يعود إلى الكمون، كما تتحصن الجراثيم داخل أغلفتها وأكياسها التي تحيط نفسها بها حين تأنس من قوى الجسم الدفاعية صلابة وعنادًا، منتظرة سنوح الفرصة لهجوم جديد في نوبة تعب أو إجهاد أو اضطراب[13].
د. محمد محمد حسين
كانت الشعبةُ الثالثة من الدعوات الهدَّامة تتَّجه إلى اللغة العربية؛ تريد أن تفرق المجتمعين عليها بِمُختلِف الحيل والأساليب، تحت ستارٍ منَ الرغبة في الإصلاح، وفي مُسايَرَةِ الزمان، وقبل أن أدخل في تفاصيل المسألة، أحب أن أعرض تاريخها عرضًا سريعًا في لمحة خاطفة، لنتبين مصادر هذه الدعوة، فقد يُعِينُنا ذلك على تصوّر مبلغ ما فيها من الصدق والإخلاص والبراءة من الهوى، بدأت هذه الدعوى في أواخر سنة 1881م حين اقترح "المقتطف" كتابة العلوم باللغة التي يتكلمها الناس في حياتهم العامة، ودعا رجال الفكر إلى بحث اقتراحه ومناقشته، ولا أراني في حاجة إلى أن أتحدث عن "المقتطف" وعن ميوله السياسية، والجهات التي كان يخدمها، فقد تكلمت عنه وعن شقيقه "المقطم" في الجزء الأول من هذا الكتاب، ثم هاجت المسألة مرة أخرى في أوائل سنة 1902م حين ألَّف أحد قضاة محكمة الاستئناف الأهلية في مصر من الإنجليز – وهو القاضي ولمور – كتابًا عمَّا سمَّاه لغة القاهرة، وضع لها فيه قواعد، واقترح اتخاذها لغة للعلم والأدب، كما اقترح كتابتها بالحروف اللاتينية، وتنبَّه النَّاس لِلكتاب حين أشاد به "المقتطف" في "باب التقريظ والانتقاد"، فحملتْ عَلَيْهِ الصحف، مشيرة إلى موضع الخطر من هذه الدعوة التي لا تَقْصِدُ إلاَّ إلى محاربة الإسلام في لغته، وفي ذلك الوقت كتب حافظ قصيدته المشهورة، التي يقول فيها، مُتَحدّثًا بِلِسان اللغة العربية[1]:
رَجَعْتُ لِنَفْسِي فَاتَّهَمْتُ حَصَاتِي *** وَنَادَيْتُ قَوْمِي فَاحْتَسَبْتُ حَيَاتِي
رَمَوْنِي بِعُقْمٍ فِي الشَّبَابِ وَلَيْتَنِي *** عَقِمْتُ فَلَمْ أَجْزَعْ لِقَوْلِ عُدَاتِي
وَلَدْتُ وَلمَّا لَمْ أَجِدْ لِعَرَائِسِي *** رِجَالاً وَأَكْفَاءً وَأَدْتُ بَنَاتِي
وَسِعْتُ كِتَابَ اللَّهِ لَفْظًا وَغَايَةً *** وَمَا ضِقْتُ عَنْ آيٍ بِهِ وَعِظَاتِ
فَكَيْفَ أَضِيقُ اليَوْمَ عَنْ وَصْفِ آلَةٍ *** وَتَنْسِيقِ أَسْمَاءٍ لِمُخْتَرَعَاتِ؟
أَنَا البَحْرُ فِي أَحْشَائِهِ الدُّرُّ كَامِنٌ *** فَهَلْ سَاءَلُوا الغَوَّاصَ عَنْ صَدَفَاتِي؟
فَيَا وَيْحَكُمْ أَبْلَى وَتَبْلَى مَحَاسِنِي *** وَمِنْكُمْ وَإِنْ عَزَّ الدَّوَاءُ أُسَاتِي
فَلا تَكِلُونِي لِلزَّمَانِ فَإِنَّنِي *** أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَحِينَ وَفَاتِي
أَرَى لِرِجَالِ الغَرْبِ عِزًّا وَمَنْعَةً *** وَكَمْ عَزَّ أَقْوَامٌ بِعِزِّ لُغَاتِ
أَتَوْا أَهْلَهُمْ بِالمُعْجِزَاتِ تَفَنُّنًا *** فَيَا لَيْتَكُمْ تَأْتُونَ بِالكَلِمَاتِ
أَيُطرِبُكُمْ مِنْ جَانِبِ الغَرْبِ نَاعِبٌ *** يُنَادِي بِوَأْدِي فِي رَبِيعِ حَيَاتِي؟
وَلَوْ تَزْجُرُونَ الطَّيْرَ يَوْمًا عَرَفْتُمُ *** بِمَا تَحْتَهُ مِنْ عَثْرَةٍ وَشَتَاتِ
سَقَى اللَّهُ فِي بَطْنِ الجَزِيرَةِ أَعْظُمًا *** يَعِزُّ عَلَيْهَا أَنْ تَلِينَ قَناتِي
حَفِظْنَ وِدَادِي فِي البِلَى وَحَفِظْتُهُ *** لَهُنَّ بِقَلْبٍ دَائِمِ الحَسَرَاتِ
وَفَاخَرْتُ أَهْلَ الغَرْبِ وَالشَّرْقُ مُطْرِقٌ *** حَياءً بِتِلْكَ الأَعْظُمِ النَّخِرَاتِ
أَرَى كُلَّ يَوْمٍ بِالجَرَائِدِ مَزْلَقًا *** مِنَ القَبْرِ يُدْنِينِي بِغَيْرِ أَنَاةِ
وَأَسْمَعُ لِلكُتَّابِ فِي مِصْرَ ضَجَّةً *** فَأَعْلَمُ أنَّ الصَّائِحِينَ نُعَاتِي
وثارت المسألة من جديد، حين دعا إنجليزي آخر، كان مهندسًا للري في مصر – وهو السير وليم ولكوكس – سنة 1926 إلى هجر اللغة العربية، وخطا بهذا الاقتراح خطوة عملية، فترجم أجزاء من الإنجيل إلى ما سماه "اللغة المصرية"، ونوَّه سلامة موسى بالسير ولكوكس وأيَّده، فثارت لذلك ثائرة الناس من جديد، وعادوا لمهاجمة الفكرة، والتنديد بما يكمن وراءها من الدوافع السياسية، ولكنَّ الدعوة استطاعت أن تجتذب نفرًا من دعاة الجديد في هذه المرة، فاتَّخذوا القوميَّة والشعبيَّة ستارًا لدعوتهم، حين كان لمثل هذه الكلمات رواج، وكان لها بريق خداع يعشي الأبصار، وحين كان الناس مفتونين بكل ما يحمل هذا العنوان في أعقاب ثورة شعبية تمخضت عن "الفرعونية"[2]، وحين كانوا يتحدثون بما صنع الكماليون من استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية، وترجمة القرآن للغة التركية، وإلزام الناس بالتعبد به، وتحريم تدريس العربية في غير معاهد دينية محدودة، وضعت تحت الرقابة الشديدة، وقد مضوا من بعد في مطاردة الكلمات العربية الأصل ينفونها من اللغة التركية كلمة بعد كلمة.
ثم بدا أنَّ الدعوة آخذة في الانتشار، حين اتخذت اللهجة السوقية في المسرح الهزلي[3]، ثم انتقلت إلى المسرح الجدي حين تجرأت عليه وقتذاك فرقة تمثيلية تتخذ اسمًا فرعونيًّا، وهي "فرقة رمسيس" فوجدت مسرحياتها إقبالاً ولقيت رواجًا عند الناس، وظهرت الخيالة (السينما) من بعد فاتخذت هذه اللهجة، ولم يعد للعربية الفصحى وجود في هذا الميدان[4]، ثم ظهرت هذه اللهجة السوقية التي تسمى بالعامية في الأدب المكتوب، فاستعملها كثير من كتاب القصة في الحوار، ولا يزال دعاتها يمكنون لها في هذا الميدان، ويجدون في ذلك جاهدين.
ولم يكن ذلك هو كل ما كسبته الدعوة الجديدة الَّتي روجها الإنجليز وعملاؤهم كما رأينا، ولكن أعجب ما ظهر من ذلك في هذه الفترة وأغربه، مما لا يخطر على البال، هو أن الدعوة قد استطاعت أن تتسلل متلصصة إلى الحصن الذي قام لحماية اللغة العربية الفصيحة، والمسمى "بمجمع اللغة العربية" فظهرت في مجلته الناطقة باسمه سلسلة من المقالات عن "اللهجة العربية العامية"، كتبها عضو من أعضاء هذا المجمع اسمه عيسى إسكندر المعلوف[5]، وإنَّ مِمَّا يدعو إلى العجب حقًّا أن يختار المجمع لعضويته رجلاً معروفًا بعدائه الصريح للعربية، وهو عداء عريق ورثه عن أبيه الذي أعلنه وجهر به حين سجَّله في مقال له نشرته الهلال سنة 1902، دافع فيه عن اللهجات السوقية، وقال إنه يشتغل بضبط أحوالها، وتقييد شواردها لاستخدامها في كتابة العلوم[6]، وقد أكد هذا المقال أن اختلاف لغة الحديث عن لغة الكتابة هو من أهم أسباب تخلفنا الثقافي، وزعم أنَّ من الممكن اتخاذ أي لهجة عامية لغة للكتابة، كالمصرية أو الشامية، وأنها ستكون أسهل على سائر المتكلمين بالعربية – على اختلاف لهجاتهم – من العربية الفصيحة[7]، كما أنه زعم أن تعلق المسلمين باللغة الفصيحة لا مبرر له، لأن هناك مسلمين كثيرين لا يتحدثون بالعربية ولا يكتبون بها، ولأن اللغة التي يتكلمها المسلمون هي غير العربية الفصيحة على كل حال، وقال إن كل ما يطالب به هو وضع قواعد هذه اللغة التي يتكلمون بها فعلاً وواقعًا، وختم المقال بقوله:
"وما أحرى أهلَ بلادنا أن ينشطوا من عقالهم طالبين التحرر من رق لغة صعبة المراس، قد استنزفت أوقاتَهم، وقوى عقولهم الثمينة، وهي مع ذلك لا توليهم نفعًا، بل أصبحت ثقلاً يؤخرهم عن الجري في مضمار التمدن، وحاجزًا يصدهم عن النجاح... ولي أمل بأن أرى الجرائد العربية وقد غيرت لغتها، وبالأخص جريدة الهلال الغراء، التي هي في مقدمتها، وهذا أعده أعظم خطوة نحو النجاح، وهو غاية أملي ومنتهى رجائي".
هل تعرف عداء للعربية التي لم ينشأ هذا المجمع إلا لحمايتها أعرق من هذا العداء الصريح في الولد وأبيه على السواء؟ فلأي شيء اختير هذا العضو وأمثاله من المعروفين بالكيد للعربية وللعرب[8]؟!
وليس هذا هو كل ما يدعو للعجب من أمر هذا المجمع، فقد تقدَّم عضو من أبرز أعضائه، وهو عبدالعزيز فهمي – ثالث الثلاثة الذين بني عليهم الوفد المصري – في السنة 1943 باقتراح كتابة العربية بالحروف اللاتينية، وشغل المجمع ببحث اقتراحه عدة جلسات، امتدت خلال ثلاث سنوات، ونشر في الصحف، وأرسل إلى الهيئات العلمية المختلفة، وخصصت الحكومة جائزة مقدارها ألف جنيه لأحسن اقتراح في تيسير الكتابة العربية[9].
أليس يدعو ذلك إلى أن نتساءل: هل أنشئ هذا المجمع لينظم جهود حماة العربية، أو أنشئ ليكسب الهدم والهدامين صفة شرعية، وليضع على بيت حفار القبور لوحة نحاسية كتب عليها بخط عريض "طبيب"[10]، وعلى وكر القاتل السفاح اسم "جراح"؟!
أليس يرضى الاستعمار عن مثل اقتراح المعلوف، واقتراح عبدالعزيز فهمي؟ أليس يرضى عنه العضو الإنجليزي الموقر هـ. ا. ر. جب، الذي يقرر في كتابه "إلى أين يتَّجه الإسلام؟" عند كلامه عن الوحدة الإسلامية، أنَّ من أهم مظاهرها الحروف العربية التي تستعمل في سائر العالم الإسلامي، واللغة العربية التي هي لغته الثقافية الوحيدة، والاشتراك في كثير من الكلمات والاصطلاحيَّة العربية الأصل[11]، أليس يرضى عنه الاستعمار الفرنسي الذي حارب العربية الفصيحة في شمال إفريقيا أعنف الحرب، وضيق عليها أشد التضييق، ووضع مستشرقوه مختلف الكتب في دراسة اللهجات البربرية وقواعدها لإحلالها محل العربية الفصيحة؟[12] أليس يرضى عنه المستشرق الألماني كامفماير الذي يقرر في شماتة أن تركيا لم تعد بلدًا إسلاميًّا، فالدين لا يدرس في مدارسها، وليس مسموحًا بتدريس اللغتين العربية والفارسية في المدارس، ثم يقول (إن قراءة القرآن العربي وكتب الشريعة الإسلامية قد أصبحت الآن مستحيلة بعد استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية)؟!
وبعد فهذه الدَّعوة هي أخطر الشعب الثلاث التي عرضناها في هذا الفصل إن الدعوات التي تستهدف هدم الدين أو الأخلاق، قد تضل جيلاً من الشباب؛ ولكن الأمل في إنقاذ الجيل القادم يظل كبيرًا ما دام القرآن حيًّا مقروءًا، وما دام الناس يتذوَّقون حلاوة أسلوبه وجمال عبارته، أمَّا هذه الدعوة الخطيرة، فهي ترمي إلى قتل القرآن نفسه – وهيهات – والحكم عليه بأن يُصْبِح أثرًا ميتًا؛ كأساطير الأوَّلين التي أصبحت حشو لفائف البردي، أو بأن يصبح أسلوبه عتيقًا باليًا لتحويل أذواق الأجيال الناشئة عنه، وتنشئتهم على تذوق ألوان أخرى من الأساليب المستجلبة من الغرب، وبينما نجح اليهود في إحياء لغتهم العبرية الميتة، واتخاذها لغة للأدب والحياة، كان بعض المفتونين من العرب ينادون – ولا يزالون – بأن اللغة العربية الفصيحة لغة ميتة، وينشرون في ذلك المقالات الطوال، المكتوبة "بالعربية الفصيحة" التي يزعمون موتها، والَّتِي يقرؤها أقل الناس حظًّا من الثقافة في الصحف فلا يغيب عنه منها شيء؛ بل إنا لنرى الأميين في الصباح وفي المساء مجتمعين حول رجل منهم لا تتجاوز ثقافته الإلمام بالقراءة، يطالع لهم الصحف، وهي غير مضبوطة بعلامات الشكل، وهم من حوله يستمعون فيفهمون.
يزعمون أنَّ قواعدها صعبة معقدة، وفي اللغات الأوربية الحية ما هو أشد منها صعوبة وتعقيدًا كالألمانية، ويقولون إنَّ الشاذَّ فيها من غير القياسي كثير، والشذوذ في صيغ الأفعال وفي صيغ الجمع والتأنيث وفي المصادر يملأ اللغات الأوروبية كلها، والشواهد عليه لا تحصى، وقالوا إن الكتابة فيها غير ميسرة، مع أنَّ مطابقة الصوت المسموع للصورة المقروءة هي في العربية أوضح منها في الإنجليزية وفي الفرنسية، اللتين يتقنهما معظم المتذمرين، وصانعي الفتن من الهدامين، فالفرنسي يسقط من النطق أربعة حروف من أواخر الكلمات في كثير من الأحيان، والإنجليزي يفعل ذلك في مثل حرفي (H ) و(O ) في (Honour )، وحرفي (gh ) في (right )، وفي (through )، وهو بعد ذلك يكتب الصوت الواحد في ست صور أحيانًا، مثل الياء التي تصور الكسرة الطويلة في مثل (كبير)، إن هذا الصوت يكتب في الإنجليزية على ست صور متعددة، لا يُمَيِّز إحداها عن الأخرى منطق أو قواعد، وهي:
(y-e, e-e, ie ,ei ,ea, ee )؛ بينما هو لا يكتب في العربية إلا ياء، وحرف (ك) لا يكتب في العربية إلا كافًا، وهو يكتب في الإنجليزية على صور عدة هي (ch, q, ck, k , c )، وحرف (ف) لا يكتب في العربية إلا فاء، وهو يكتب في الإنجليزية (ph, f, gh )، وقس على ذلك ما لا سبيل إلى إحصائه من الأمثلة العديدة في مختلف الأصوات، ثم إن لكل صوت في العربية حرفًا واحدًا يصوره، وبعض الأصوات اللغوية لا يصورها إلا حرفان في الإنجليزية مثل حرف (ش) العربي، الذي يقابله في الإنجليزية (sh )، وحرف (ذ) الذي يقابله حرفا (th )، وميزة ثالثة للكتابة العربية، هي أن الحرف لا يقرأ إلا على صورة صوتية واحدة، وليس كذلك الحرف الإنجليزي، فحرف (c ) ينطق (س) حينًا، وينطق (ك) حينًا آخر، و(th ) ينطق (ذ) حينًا، وينطق (ث) حينًا آخر، و(g ) ينطق جيمًا قاهرية تميل نحو الكاف، وينطق جيمًا معطشة حينًا آخر.
أيقال بعد ذلك كله إنَّ العربيَّة معقَّدة نحوًا أو كتابة، والذين يشكون من صعوبتها، أو يتشاكَوْنَ، يُتقنون ما هو أكثر منها تعقيدًا ولا يُخْطِئون فيه؟ بل إنَّ مِنْهُم مَنْ يُتْقِنُ لُغَتَيْنِ أو ثلاث لغات أجنبيَّة مُعَقَّدة فِي بعض الأحيان، يقيمونها ويخجلون أن يُخْطِئوا فيها، حين لا يُقيمون لغتهم ولا يخجلون أن يخطئوا فيها، بل ربما فاخروا به وقالوا ساخرين (نحن لا نتكلم لغة سيبويه)، ولعل كثيرًا منهم لا يعلمون أن (سيبويه) كان فارسي الأصل.
ويقولون إنَّ اللغات الأوربية قد تطورت، فيجب أن تتطور لغتنا كما تطورت لغاتهم، وهناك فرق بين "التطور" و"التطوير" تتطور اللغة بأن تفرض عليها قوانين قاهرة هذا التطور، أما التطوير فهو سعي مفتعل إلى التطور، هو إرادة إحداث هذا التطور دون أن تكون له مبررات تستدعيه، والتطور لا يسعى إليه ولا يصطنع، ولكنه يفرض نفسه فلا نجد بدًا من الخضوع له، وأي نعمة وأي مزية في تطور اللغات الأوربية حتى نسعى إلى افتعال نظيره في لغتنا؟ إن هذا التطور كان نكبة على أصحابه، قطعهم أممًا بعد أن كانوا أمة واحدة، فما زالوا في خلاف وحروب منذ ذلك الوقت، ثم إنه لم يحكم على تراثهم القديم المشترك وحده بالموت، بل هو لا يزال يقضي بين الحين والحين على التراث القومي لكل شعب من هذه الشعوب بالموت، حتى ما يستطيع الإنجليزي اليوم من عامة الشعب أن يفهم لغة (شكسبير) الذي مات في القرن السابع عشر، بينما لا يستطيع الإنجليزي المثقف أن يقرأ ما قبل شكسبير، مثل تشوسر، ولا يقدر عليه إلا قلة من المتخصصين، ومثل ذلك الفرنسية والإيطالية وسائر اللغات الأوربية الحديثة، أمَّا نحن العرب على اختلاف أقدارنا من الثقافة، فنقرأ القرآن ونفهمه إلا قليلاً مما ترجع صعوبته إلى دِقَّة المعانِي في أغلب الأحيان، ونقرأ رسائل الجاحظ، وأغاني الأصفهاني، فلا نكاد نحس فارقًا بين أسلوبِها وبين أسلوب بعض المعاصرين، فلِماذا نَسْعَى إلى أن نُفْقِد أنفسنا هذه المزايا التي لم تَفرض علينا فقْدَها ضرورةٌ من الضرورات؟ لماذا نحسد أوروبا التي ابتليت بذلك على مصابها، ونصنع صنيع اليهود الذين قالوا لنبيهم حين مروا بقوم من الكفار عاكفين على أصنام لهم يعبدونها: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ} [الأعراف: 138]؟
وبعد، فلنعد إلى عرض هذه الدعوات الهدامة التي تستهدف قتل العربية الفصيحة في شيء من التفصيل.
نستطيع أن نحصر هذه الدعوات في شعب ثلاث: تتناول أولاها اللغة، فيطالب بعضها بإصلاح قواعدها، ويطالب بعضها الآخر بالتحول عنها إلى العامية، وتتناول ثانيتُها الكتابة، فيدعو بعضها إلى إصلاح قواعدها، ويدعو بعضها الآخر للتحول عنها إلى الحروف اللاتينية، وتتناول الشعبة الثالثة الأدب، فيدعو بعضها إلى العناية بالآداب الحديثة، وما يتَّصل منها بالقومية خاصة، ويدعو بعضها الآخر إلى العناية بِما يُسمّونه "الأدب الشعبي" ويَقْصِدُون به كُلَّ ما هو مُتداول بِغَيْرِ العربيَّة الفصيحة، مِمَّا يختلف في البلد الواحد باختلاف القرى وبتعدد البيئات، وسنتناول فيما يلي هذه الشعب الثلاث واحدة بعد الأخرى.
أمَّا ما يتناول اللغة من هذه الدعوات، فقد أثاره "المقتطف" أولاً – كما بينا – سنة 1881 م، ثم أثاره القاضي الإنجليزي ولمور سنة 1902، ثم أثاره المهندس الإنجليزي وليم ولكوكس سنة 1926، وأثاره بعض الكتاب، وبعض الصحف والمجلات في خلال ذلك ومن بعد ذلك، ولا يزال يثور حتَّى الآن بين حين وحين، فيهيج بعد سكون، ثم يعود إلى الكمون، كما تتحصن الجراثيم داخل أغلفتها وأكياسها التي تحيط نفسها بها حين تأنس من قوى الجسم الدفاعية صلابة وعنادًا، منتظرة سنوح الفرصة لهجوم جديد في نوبة تعب أو إجهاد أو اضطراب[13].

تعليق