في دلالةِ الفُروقِ : حلقة 1

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أ.د عبد الرحمن بو درع
    نائب رئيس المجمع
    • Mar 2012
    • 806

    #1

    في دلالةِ الفُروقِ : حلقة 1

    في دلالةِ الفُروقِ :

    هذا مَبحثٌ يَدورُ حَولَ الإبانةِ عَن الفُروقِ الدّقيقةِ بينَ مَعاني الألفاظِ التي تَنتمي إلى حَقلٍ دلاليٍّ واحدٍ .
    و الغَرضُ مِنه وَضعُ يدِ القارِئِ عَلى اخْتِلافِ المَعاني الذي يوجِبُه اخْتِلافُ الألفاظِ و إن تَقاربتِ الدّلالاتُ،
    و تَقوِيَةُ حاسّةِ التّمييزِ بينَ دلالاتِ الألفاظِ، وبَيانُ أنّ كلَّ لَفْظيْنِ يجْرِيانِ على مَعنًى من المَعاني فإنّ
    كلَّ واحدٍ منهما يقتضي خِلافَ ما يقتضيهِ الآخَرُ، وإلاّ لَكانَ حشْوًا لا حاجةَ إليهِ وتَكْثيرًا للّغةِ بِما لا فائِدَةَ فيه

    ويَغْلبُ على كثيرٍ من المُتكلّمينَ أو الكُتّابِ أن يَستعمِلوا اللّفظَ في غيرِ موضعِه من المعْنى، ويُعْرَفُ هذا
    الضّربُ من الأخْطاءِ بِالأخْطاءِ في الانْتِقاءِ (1) لأنّها تشملُ كلماتٍ متقارِبةً في المعنى، وذلِكَ باسْتِعْمالِ كلِمَةٍ
    مُقابِلَ أُخْرى مُقارِبةٍ لها في المعنى. ولو تأمّلوا لوَجَدوا أنّ هذا المعنى الذي يرومونَه لا يدلُّ إلاّ على لفظٍ
    آخرَ مُجاوِرٍ. ومعْرِفةُ الفُروقِ بينَ المَعاني المُتَقارِبَةِ أمرٌ لازِمٌ تفرِضُه الحاجةُ إلى الدّقّةِ في الدّلالةِ وإصابةِ كَبِدِ
    المعنى باللّفظِ العربيِّ الفصيحِ، وتُعيدُ المَلَكَةَ اللُّغَوِيَّةَ إلى نصابِها بعدَ الاضْطِرابِ الذي اعْتَراها في ميدانِ
    الدّلالةِ على الأشياءِ المحيطةِ بِها ، فيعودُ المُتكلِّمُ إلى مُراعاةِ الفُروقِ بينَ الأسماءِ لاخْتِلافِ المُسَمَّياتِ.



    ــــــــــــــــــ

    (1) انظر الحديثَ عن الخطإ في انتقاءِ الكلمات، و علاقة ذلك بالمعجم الذّهني عند المتكلّمين، كتاب :
    المُقارنة والتّخطيط في البحث اللّساني العربي، د. عبد القادر الفاسي الفهري، دار توبقال للنّشر،
    الدّار البيضاء، ط.1 / 1998، ص: 164
    التعديل الأخير تم بواسطة أ.د عبد الرحمن بو درع; الساعة 03-25-2013, 09:06 PM.
  • أ.د عبد الرحمن بو درع
    نائب رئيس المجمع
    • Mar 2012
    • 806

    #2
    في دلالةِ الفُروقِ :

    و لدلالةِ الفُروقِ المَعنويّةِ في العَربيّةِ ، تراثٌ لغويٌّ و معجميٌّ تَرَكَهُ عُلماءُ اللّغةِ ، عندما تبيّنَ لهم جنوحُ المتكلّمِ
    إلى الخلْطِ بينَ الألفاظِ المتقارِبةِ ، و تجوُّزُه في ذلك . و ممّا يُذكرُ هنا كتابُ "الفُروق" لأبي زيدٍ الكلابيّ، وكِتابُ
    "ما خالَفَ فيه الإنسانُ البهيمةَ في أسماءِ الوحوشِ و صِفاتِها" لقُطرب بْنِ المُسْتَنير (ت.206) و كتُبٌ في "الفروقِ"
    لأبي عُبيدةَ معمر بْنِ المُثنّى (ت.209) ، و أبي زيدٍ الأنصاريّ (ت.215)، و أبي سَعيدٍ الأصْمَعيّ (ت.216) و ابْنِ
    السّكّيت أبي يوسُفَ يَعْقوب (ت.244)، وكتاب "الفرْقِ" لأبي حاتمٍ السّجستانيّ (ت.255)، وكتابُ "الفرقِ" لثابت
    ابْنِ ثابِتٍ ، و كِتابٌ في "الفرقِ" لأبي إسْحاقَ الزّجّاج (ت.311) ، و كتبٌ أُخْرى في الفروقِ ، و قد عقد أبو العبّاسِ
    ثعْلَب في كِتابِه "الفصيح" (1) بابًا في "فنِّ الفرْقِ"، وألّفَ أبو هلالٍ العسكريّ كتابَ "الفُروق في اللّغة" (2)، و ابْنُ فارِس
    (ت.395) كِتابَ "الفَرْق" (3) و لابْنِ سِيدَه الأنْدلسيِّ (ت.458) كِتابُ "المُخصَّص" ، و هو كِتابٌ نفيسٌ عظيمُ الفائِدَةِ ،
    ألّفَه صاحبُه في المواضيعِ المختلِفَةِ، كموضوعِ خَلْقِ الإِنْسانِ ، الذي تَدْخُلُ تحْتَه جُزْئيّاتٌ و أعراضٌ، لتتميّزَ أسْماءُ
    كلِّ مسمّىً عن غيرِه و تفترِقَ ، و لابْنِ مالِكٍ الطّائيّ الجيانيّ (ت.672) كِتاب "الألفاظ المُخْتَلِفة في المَعاني
    المُؤْتلِفة" (4) .

    فهذِه الكتبُ كلُّها نفيسةٌ في بابِها ؛ فإنّ النّاسَ إذا أعوزَتْهُم التّرجمةُ والتّعريفُ لاذوا بأن ينْعَتوا الشّيءَ المُسْتَعْصِيَ،
    بالنَّوادِرِ ، أو يُدْخِلوه في غيرِ بابِه. و ألفاظُ اللّغةِ كثيرةٌ لا تَكادُ تُحْصى ، و إنّما السّبيلُ إليْها بعقدِ أبوابٍ في المَواضيعِ،
    وبَيانِ الفروقِ والخَصائصِ التي تفترِقُ عندَها الكلّيّاتُ . و قدْ أعانت هذِه الثّرْوَةُ اللّفظيّةُ الكَبيرَةُ ، على تسجيلِ الدّلالاتِ
    الأولى و طرائقِ الأوائلِ في التّمييزِ بينَ الأسْماءِ على قدْرِ تَمْييزِهِم بينَ المُسَمَّياتِ ، و إحْساسِهِم بأنّ الشّيءَ الواحدَ،
    و إنْ وُجِدَ لغايةٍ مُحدَّدَةٍ أو مهمّةٍ معيّنَةٍ ، في الكائناتِ ، فإنّ شكلَه المُتباينَ عندَ كلِّ نوعٍ من هذِه الكائناتِ ، كانَ كافيًا
    لدفعِ المتكلِّمِ الأوّلِ إلى مُخالفةِ التّسْمِياتِ و إيجادِ الفُروقِ ، كالأصابِعِ للإنسانِ، و البراثِنِ للوحشِ غيرِ الكَواسرِ والطّيرِ
    غيرِ الجوارِحِ ، و الفراسِنِ للبعيرِ ...


    ـــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) حقّقَه الأستاذ عبد المنعِم خفاجي ، القاهرة : 1949 .
    (2) الفروق في اللّغة: لأبي هلال الحسنِ بنِ عبدِ الله العسكريّ (المتوفّى بعدَ الأربعمائة) ، و قدّمَ للكتابِ الأستاذ
    عادل نويهض ، منشورات دار الآفاقِ الجديدة ، بيروت ، ط.4 / 1980 .
    (3) كتاب الفرْق: لأبي الحُسَيْن أحْمَدَ بنِ فارس اللّغويّ (ت.395) ، تح. د.رمضان عبد التّوّاب ، نشر مكتبة الخانجي
    بالقاهرة ، دار الرّفاعي بالرّياض ، ط.1 / 1402-1982 .
    (4) تح. دة. نَجاة حَسَن عَبْد الله نولي، نشر: مَعْهَد البُحوث العِلْمِيّة و إحياء التُّراث الإسْلاميّ، مركز إحياء التُّراث
    الإسلامي، جامِعَة أمّ القُرى، مَكَّة المُكَرَّمَة، مَطابِع مؤسّسة مكّة للطِّباعَةِ و الإعْلام، ط.1 / 1411هـ-1991م .
    التعديل الأخير تم بواسطة أ.د عبد الرحمن بو درع; الساعة 03-25-2013, 09:07 PM.

    تعليق

    يعمل...