مفهوم الرمز فى الشعر الصوفى :
إن أهم ما يميز الصوفية اصطناعهم لأسلوب الرمز فى التعبير عن مذهبهم ويكشف لنا القشيرى عن الدوافع التى دفعت الصوفية إلى اللجوء إلى الرمز فيقول : " اعلم أنَّ من المعلوم أنَّ كلَّ طائفةٍ من العلماء لهم ألفاظ يستعملونها انفردوا بها عمَّن سواهم ، وتواطئوا عليها لأغراض لهم فيها من تقريب الفهم على المخاطبين بها ، أو تسهيل على أهل تلك الصنعة فى الوقوف على معانيهم باطلاقها ، وهذه الطائفة ( يقصد الصوفية ) يستعملون ألفاظًا فيما بينهم قصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم ، والإجماع والسّتر على من باينهم فى طريقتهم ، لتكون معانى ألفاظهم مستبهمة على الأجانب ، غيرةً منهم على أسرارهم أن تشيع فى غير أهلها ، إذ ليست حقائقهم بنوع تكلف ، أو مجلوبة بضرب تصرّف، بل هى معانٍ أودعها الله تعالى قلوب قوم ، واستخلص لحقائقها أسرار قومٍ" ( )
نخلص من كلام القشيرى أنَّ الصوفية اصطلحوا لأنفسهم لغة خاصة يفهمونها هم ولا يفهمها غيرهم ، فإنها مبهمة على من ليس بصوفى ، لأن هذة اللغة تعبِّر عن أسرار وحقائق ذوقية ، وهبها الله للصوفية ، وهم يخافون أن تشيع فى أقوامٍ ليس هم بأهلها .
ويذكر القشيرى أنهم كانوا يسترون معانيهم عن الأجانب ، ولعله يقصد بكلمة الأجانب أولئك الفقهاء الذين أبدوا خصومتهم ومعارضتهم للصوفية ، وصار صراع بينهما استمر فترة كبيرة من الزمن ، اتَّهم الفقهاء كثيرًا من الصوفية بالإلحاد والكفر وأخرجوهم عن الملة ، وقدموا بعضهم إلى المحاكمات مثل محاكمات " ذى النون المصرى " حيث سعى الفقهاء به إلى المتوكل ، فاستحضره من مصر ، ولكنَّه أدرك مكانته وردَّه مكرمًا.
ويبيّن لنا الطوسى معنى الرمز عند الصوفية فيقول : " الرمز معنى باطن مخزون تحت كلام ظاهر ، لا يظفر به إلا أهله "( )
لذا فقد تعمّد الصوفية خلق معجم خاص بهم يقوم على تلك الرموز الصوفية ، بقصد ألا يلم بتلك اللغة الصوفية إلا المريدون الذين يقبلون بقلب راغب للمرور بمكابد التجربة الصوفية التى يسلكها الصوفى للوصول إلى ربه ، مما يدخله تلقائيًا فى مدارات تلك اللغة الصوفية ومحاولة التعرف على دلالاتها ، باعتبارها لغة إشاريَّة ، تخضع لقوانين الذاتية ، ولتحولات عالمها الخاص ، فاللفظة لا تخضع للمعنى المحسوس باعتبار التصوف خبرة ذاتية مما جعله شيئًا قريبًا من الفن ، نشعر فيه بتلك اللذَّة الروحية التى لايمكن أن نعبر عنها بتلك اللغة العادية .
إن ما يميز الرمزية الصوفية أنها حاولت أن تنقل تجربة نفسية فائقة المكابدة مرَّ بها الصوفى إلى غيره فى لغة الأشياء المحسوسة ، ثمّ أن الصوفى لجأ إلى الرمز لقصور اللغة الوضعية التى تختص بالتعبير عن الأشياء المحسوسة والمعانى المعقولة ، والمعانى الصوفية لا تدخل ضمن نطاق المحسوس ، ويقرر الغزالى هذا الأمر فيقول : " لا يحاولُ معبّرٌّ أن يعبِّرَ عن الحقيقة الصوفية إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لايمكنه الإحتراز عنه "( )
ويتضح لنا أن كلّ كلمةٍ اُستخدمتْ رمزًا عندهم لم تكن تعبِّر عن المعنى أو الغرض المألوف لها وإنَّما للتعبير عن معانٍ تفوق الحسَّ ، والتعبير عن غير
المحسوس بمحسوس يفتح المجال أمام القارئ أو المستمع للرمز الصوفى باب التأويل بأكثر من وجهٍ ،ولهذا يصادفنا أكثر من تأويل للرمز الواحد، مما يجعل الرمز الصوفى بقدر ما يظهره من معنى يُخفى من معناه شيئًا آخر ، وهكذا يكون الرمز ظهورًا وخفاء فى آن واحد .
اضطرَّ الصوفية إلى الرمز والتعمية فى كلامهم بسبب تلك الحملة القوية التى شنَّها الفقهاء على المتصوفة ، واتخذوا من الرمز قناعًا يسترون به الأمور التى رغبوا فى كتمانها عن العامة من الناس وعن الفقهاء ، ويُرجع البعض استخدامهم للرمز لأنهم لم يجدوا طريقًا آخر متاحًا يترجمون به عن رياضتهم الروحية وتجربتهم الشاقة المريرة .
يقول ابن عربى يوصى قارئيه بعدم حمل كلامه على ظاهره ، وذلك فى ديوانه ترجمان الأشواق( )
كـــل مــا أذكــره مــن طــللٍ
أو ربـــوع أو معـــــان ، كــــل ما
وكــذا إن قـــلت ها أو قلت يا
وألا إن جـــــاء فيـــــه أو أمــا
وكذا إن قلت هى أو قلت هو
أو همُ أو هنَّ جمعا أو هــمـا
كــل ما أذكـره ممـــا جـــــرى
ذكـــــره أو مثــــله أن تفـــهمـا
منـــــه أســــرار وأنـــوار جلــــت
أو علت جاء بــها رب الســـما
لفــــؤادى أو فـــؤاد مــــــن له
مثل ما لى من شروط العلـــما
صفــــــة قـدسيــة علــوية
أعلمــــت أن لصـدقـى قدمـا
فاصرف الخاطر عن ظاهرها
واطلـــب الباطـــن حتـــى تعلـــما
فاصرف الخاطر عن ظاهرها
واطلـــب الباطـــن حتـــى تعلـــما
يقول عباس محمود العقاد : " أن الصوفية لجأوا إلى الرمز كوسيلة لتموية حقيقة معتقدهم أو هربًا من تعذيب مضطهديهم أو للإفصاح عن شعور غريب أو مغنى
غامض تجيش به نفوسهم فى حالة الغيبوبة أو نشوة الذهول ،فهم لا يتعمدون إيضاح معانيهم بل يعمدون إلى التشبيهات الغامضة والإشارات المبهمة والمصطلحات ذات الدلالة الصوفية الخاصة للتعبير عن النفس ، أما مدلول الرمز فى اللغة والتعبير الفنى فله تحديد آخر مختلف "
وقد ورد الرمز عند الصوفية على نوعين : الأوَل منهما ما كان عن وعى واتفاق ، وأخذ سمة الاصطلاح على نحو مايعرف بــــ " اصطلاحات الصوفية "، وشأنه هنا شأن الاصطلاحات العلمية الأخرى التى توجد عند المناطقة،والنحاة والمتكلمين ،وأهل الهندسة والطب،وغيرهم ،
والنوع الآخر من الرمز يرجع إلى تلك الحالة الوجدانية التى يعانيها الصوفي من خلال تجربته الصوفية ، وتمثل له نوعًا من التوتر ، والانفعال لايستطيع الفكاك منه إلا من خلال اللغة وحروفها ، وجرسها ، التى يصطدم بأسوارها التى تجعله عاجزًا عن التعبير عن حالته الصوفية ، وهى حالة لايمكن الإفصاح عنها ، أي لايمكن التعبير باللغة الإنسانية العادية ، وتعرف فقط من ثنايا التجربة ذاتها .
إن أهم ما يميز الصوفية اصطناعهم لأسلوب الرمز فى التعبير عن مذهبهم ويكشف لنا القشيرى عن الدوافع التى دفعت الصوفية إلى اللجوء إلى الرمز فيقول : " اعلم أنَّ من المعلوم أنَّ كلَّ طائفةٍ من العلماء لهم ألفاظ يستعملونها انفردوا بها عمَّن سواهم ، وتواطئوا عليها لأغراض لهم فيها من تقريب الفهم على المخاطبين بها ، أو تسهيل على أهل تلك الصنعة فى الوقوف على معانيهم باطلاقها ، وهذه الطائفة ( يقصد الصوفية ) يستعملون ألفاظًا فيما بينهم قصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم ، والإجماع والسّتر على من باينهم فى طريقتهم ، لتكون معانى ألفاظهم مستبهمة على الأجانب ، غيرةً منهم على أسرارهم أن تشيع فى غير أهلها ، إذ ليست حقائقهم بنوع تكلف ، أو مجلوبة بضرب تصرّف، بل هى معانٍ أودعها الله تعالى قلوب قوم ، واستخلص لحقائقها أسرار قومٍ" ( )
نخلص من كلام القشيرى أنَّ الصوفية اصطلحوا لأنفسهم لغة خاصة يفهمونها هم ولا يفهمها غيرهم ، فإنها مبهمة على من ليس بصوفى ، لأن هذة اللغة تعبِّر عن أسرار وحقائق ذوقية ، وهبها الله للصوفية ، وهم يخافون أن تشيع فى أقوامٍ ليس هم بأهلها .
ويذكر القشيرى أنهم كانوا يسترون معانيهم عن الأجانب ، ولعله يقصد بكلمة الأجانب أولئك الفقهاء الذين أبدوا خصومتهم ومعارضتهم للصوفية ، وصار صراع بينهما استمر فترة كبيرة من الزمن ، اتَّهم الفقهاء كثيرًا من الصوفية بالإلحاد والكفر وأخرجوهم عن الملة ، وقدموا بعضهم إلى المحاكمات مثل محاكمات " ذى النون المصرى " حيث سعى الفقهاء به إلى المتوكل ، فاستحضره من مصر ، ولكنَّه أدرك مكانته وردَّه مكرمًا.
ويبيّن لنا الطوسى معنى الرمز عند الصوفية فيقول : " الرمز معنى باطن مخزون تحت كلام ظاهر ، لا يظفر به إلا أهله "( )
لذا فقد تعمّد الصوفية خلق معجم خاص بهم يقوم على تلك الرموز الصوفية ، بقصد ألا يلم بتلك اللغة الصوفية إلا المريدون الذين يقبلون بقلب راغب للمرور بمكابد التجربة الصوفية التى يسلكها الصوفى للوصول إلى ربه ، مما يدخله تلقائيًا فى مدارات تلك اللغة الصوفية ومحاولة التعرف على دلالاتها ، باعتبارها لغة إشاريَّة ، تخضع لقوانين الذاتية ، ولتحولات عالمها الخاص ، فاللفظة لا تخضع للمعنى المحسوس باعتبار التصوف خبرة ذاتية مما جعله شيئًا قريبًا من الفن ، نشعر فيه بتلك اللذَّة الروحية التى لايمكن أن نعبر عنها بتلك اللغة العادية .
إن ما يميز الرمزية الصوفية أنها حاولت أن تنقل تجربة نفسية فائقة المكابدة مرَّ بها الصوفى إلى غيره فى لغة الأشياء المحسوسة ، ثمّ أن الصوفى لجأ إلى الرمز لقصور اللغة الوضعية التى تختص بالتعبير عن الأشياء المحسوسة والمعانى المعقولة ، والمعانى الصوفية لا تدخل ضمن نطاق المحسوس ، ويقرر الغزالى هذا الأمر فيقول : " لا يحاولُ معبّرٌّ أن يعبِّرَ عن الحقيقة الصوفية إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لايمكنه الإحتراز عنه "( )
ويتضح لنا أن كلّ كلمةٍ اُستخدمتْ رمزًا عندهم لم تكن تعبِّر عن المعنى أو الغرض المألوف لها وإنَّما للتعبير عن معانٍ تفوق الحسَّ ، والتعبير عن غير
المحسوس بمحسوس يفتح المجال أمام القارئ أو المستمع للرمز الصوفى باب التأويل بأكثر من وجهٍ ،ولهذا يصادفنا أكثر من تأويل للرمز الواحد، مما يجعل الرمز الصوفى بقدر ما يظهره من معنى يُخفى من معناه شيئًا آخر ، وهكذا يكون الرمز ظهورًا وخفاء فى آن واحد .
اضطرَّ الصوفية إلى الرمز والتعمية فى كلامهم بسبب تلك الحملة القوية التى شنَّها الفقهاء على المتصوفة ، واتخذوا من الرمز قناعًا يسترون به الأمور التى رغبوا فى كتمانها عن العامة من الناس وعن الفقهاء ، ويُرجع البعض استخدامهم للرمز لأنهم لم يجدوا طريقًا آخر متاحًا يترجمون به عن رياضتهم الروحية وتجربتهم الشاقة المريرة .
يقول ابن عربى يوصى قارئيه بعدم حمل كلامه على ظاهره ، وذلك فى ديوانه ترجمان الأشواق( )
كـــل مــا أذكــره مــن طــللٍ
أو ربـــوع أو معـــــان ، كــــل ما
وكــذا إن قـــلت ها أو قلت يا
وألا إن جـــــاء فيـــــه أو أمــا
وكذا إن قلت هى أو قلت هو
أو همُ أو هنَّ جمعا أو هــمـا
كــل ما أذكـره ممـــا جـــــرى
ذكـــــره أو مثــــله أن تفـــهمـا
منـــــه أســــرار وأنـــوار جلــــت
أو علت جاء بــها رب الســـما
لفــــؤادى أو فـــؤاد مــــــن له
مثل ما لى من شروط العلـــما
صفــــــة قـدسيــة علــوية
أعلمــــت أن لصـدقـى قدمـا
فاصرف الخاطر عن ظاهرها
واطلـــب الباطـــن حتـــى تعلـــما
فاصرف الخاطر عن ظاهرها
واطلـــب الباطـــن حتـــى تعلـــما
يقول عباس محمود العقاد : " أن الصوفية لجأوا إلى الرمز كوسيلة لتموية حقيقة معتقدهم أو هربًا من تعذيب مضطهديهم أو للإفصاح عن شعور غريب أو مغنى
غامض تجيش به نفوسهم فى حالة الغيبوبة أو نشوة الذهول ،فهم لا يتعمدون إيضاح معانيهم بل يعمدون إلى التشبيهات الغامضة والإشارات المبهمة والمصطلحات ذات الدلالة الصوفية الخاصة للتعبير عن النفس ، أما مدلول الرمز فى اللغة والتعبير الفنى فله تحديد آخر مختلف "
وقد ورد الرمز عند الصوفية على نوعين : الأوَل منهما ما كان عن وعى واتفاق ، وأخذ سمة الاصطلاح على نحو مايعرف بــــ " اصطلاحات الصوفية "، وشأنه هنا شأن الاصطلاحات العلمية الأخرى التى توجد عند المناطقة،والنحاة والمتكلمين ،وأهل الهندسة والطب،وغيرهم ،
والنوع الآخر من الرمز يرجع إلى تلك الحالة الوجدانية التى يعانيها الصوفي من خلال تجربته الصوفية ، وتمثل له نوعًا من التوتر ، والانفعال لايستطيع الفكاك منه إلا من خلال اللغة وحروفها ، وجرسها ، التى يصطدم بأسوارها التى تجعله عاجزًا عن التعبير عن حالته الصوفية ، وهى حالة لايمكن الإفصاح عنها ، أي لايمكن التعبير باللغة الإنسانية العادية ، وتعرف فقط من ثنايا التجربة ذاتها .

تعليق