اللآلئ الحسان في نُبَذٍ مما حكاه الأدباء عن مراسم رمضان
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وبعد:
فهذه طائفة مما حكاه أدباء العربية في شهر رمضان جمعتها لتكون عدة الراغب والخاطب، وعمدة المستكفي والطالب فأقول والله المستعان ومنه الفضل والإحسان:
فهذه طائفة مما حكاه أدباء العربية في شهر رمضان جمعتها لتكون عدة الراغب والخاطب، وعمدة المستكفي والطالب فأقول والله المستعان ومنه الفضل والإحسان:
لشهر رمضان أبَّهةٌ عظيمة في نفوس المسلمين في أقطار الأرض مشرقها ومغربها على مرِّ الدهور وتعاقب العصور، ويبرز ذلك فيما كان يقيمه الخلفاء من مراسم ومظاهر الاحتفال والاحتفاء بالشهر الفضيل.
ولشهر رمضان ارتباط عند العرب بشدَّة الحر وحمارَّة القيظ ولفحة الرَّمْضَاء، جاء في الأزمنة والأمكنة: ((ورمضان ورمضانات ورماضين وسمّي رمضان لشدّة وقع الشّمس وتناهي الحرّ فيه ويقال: هذا شهر رمضان وهذا رمضان وقال شعرا:
جارية في رمضان الماضي ... تقطع الحديث بالإيماض
أي إذا ابتسمت: قطع النّاس حديثهم ناظرين إليها وإلى ثغرها ومستملحين كلامها ومثل هذا قول الآخر:
ديار التي كادت ونحن على منًى ... تحلّ بنا لولا نجاء الرّكائب
والمعنى: كادت تصرفنا عن مقصدنا اشتغالا، لولا استعجال النّاس، قال الفرّاء:
وكان أبو جعفر الفارسي يروي عن المشيخة أنّهم كرهوا جمع رمضان يذهبون إلى أنّه اسم من أسماء الله تعالى، والله أعلم بهذا)).
وأما مراسم احتفاء الناس برمضان فنبدأ ذلك بما سنَّهُ الفاروق الخليفة عمر رضي الله عنه، إذ كان أول من سنّ قيام شهر رمضان جماعة، ففي الأوائل لأبي هلال العسكري: (( أمر عمر أبا خيثمة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل أن يصلوا بالناس فى شهر رمضان، وسمع الناس يقولون: فلان أقرأ من فلان، وفلان أحسن صوتا بالقرآن من فلان، فنهاهم عن ذلك وقال: أتفعلون ذلك وأنتم أنتم، فكيف بمن جاء بعدكم؟ وكانوا قبل ذلك يصلون فى المسجد فرادى، ثم قدموا أبيا فصلّى بهم فرآهم عمر فقال: بدعة وأى بدعة ثم أقر أبيا على ذلك، وأضاف إليه أبا خيثمة ومعاذ)).
وكانوا يشغفون ويطربون بسماع القرآن في هذا الشهر أكثر من غيره من الشهور، ففي تاريخ بغداد: ((عن أبي علي الطوماري، قَالَ: كنت أحمل القنديل في شهر رمضان بين يدي أبي بكر بن مجاهد إلى المسجد لصلاة التراويح، فخرج ليلة من ليالي العشر الأواخر من داره، واجتاز على مسجده فلم يدخله وأنا معه، وسار حتى انتهى إلى آخر سوق العطش، فوقف بباب مسجد محمد بن جرير، ومحمد يقرأ سورة الرحمن، فاستمع قراءته طويلا ثم انصرف، فقلت له: يا أستاذ تركت الناس ينتظرونك وجئت تسمع قراءة هذا؟ فقال: يا أبا علي دع هذا عنك، ما ظننت أن الله تعالى خلق بشرا يحسن يقرأ هذه القراءة)).
وكانوا يحتفون ويتفاخرون بالأسمطة وولائم الطعام المعدة للصيام أيما احتفاء، فقد جاء في صبح الأعشى: (( فإن الخليفة كان يرتّب بقاعة الذهب بالقصر سماطا في كل ليلة من استقبال الرابع منه، وإلى آخر السادس والعشرين منه، ويستدعي الأمراء لحضوره في كل ليلة بالنّوبة، يحضر منهم في كل ليلة قوم كي لا يحرمهم الإفطار في بيوتهم طول الشهر، ولا يكلّف قاضي القضاة الحضور سوى ليالي الجمع توقيرا له، ولا يحضر الخليفة هذا السّماط، ويحضر الوزير فيجلس على رأس السماط، فإن غاب قام ولده أو أخوه مقامه، فإن لم يحضر أحد منهم، كان صاحب الباب عوضه. وكان هذا السّماط من أعظم الأسمطة وأحسنها، ويمدّ من صدر القاعة إلى مقدار ثلثيها بأصناف المأكولات والأطعمة الفاخرة، ويخرجون من هنالك بعد العشاء الآخرة بساعة أو ساعتين، ويفرّق فضل السماط كلّ ليلة، ويتهاداه أرباب الرسوم حتّى يصل إلى أكثر الناس، وإذا حضر الوزير بعث الخليفة إليه من طعامه الذي يأكل منه تشريفا له، وربما خصه بشيء من سحوره)).
وكان الناس أسخى ما يكونون في رمضان إطعامًا للفقراء وكسوة ونحوهما ففي مغاني الأخيار : ((عن داود الطائى: كان حماد بن أبي سليمان سخيًا على الطعام جوادًا بالدنانير والدراهم. وعن الصلت بن بسطام: كان حماد بن أبي سليمان يفطر كل ليلة فى شهر رمضان خمسين إنسانًا، فإذا كان ليلة الفطر كساهم ثوبًا)).
ومن نوادر ما حكي من أخبار الحمقى والنَّوكى: ((عن إبراهيم بن القعقاع: انتبه قوم ليلة في رمضان وقت السحور فقالوا لأحدهم: انظر هل تسمع أذاناً؟ فأبطأ عنهم ساعة ثم رجع فقال: اشربوا، فإني لم أسمع أذاناً إلا من مكان بعيد)).
ومن طرائف المحكي من أخبار البخلاء ما ذكره الجاحظ أنه: ((دعا موسى بن جناح جماعة من جيرانه، ليفطروا عنده في شهر رمضان، وكنت فيهم. فلما صلّينا المغرب، ونجز ابن جناح، أقبل علينا ثم قال: لا تعجلوا فإن العجلة من الشيطان. وكيف لا تعجلون وقد قال الله جلّ ذكره: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا)).
يتبع إن شاء الله
د.مصطفى شعبان
ولشهر رمضان ارتباط عند العرب بشدَّة الحر وحمارَّة القيظ ولفحة الرَّمْضَاء، جاء في الأزمنة والأمكنة: ((ورمضان ورمضانات ورماضين وسمّي رمضان لشدّة وقع الشّمس وتناهي الحرّ فيه ويقال: هذا شهر رمضان وهذا رمضان وقال شعرا:
جارية في رمضان الماضي ... تقطع الحديث بالإيماض
أي إذا ابتسمت: قطع النّاس حديثهم ناظرين إليها وإلى ثغرها ومستملحين كلامها ومثل هذا قول الآخر:
ديار التي كادت ونحن على منًى ... تحلّ بنا لولا نجاء الرّكائب
والمعنى: كادت تصرفنا عن مقصدنا اشتغالا، لولا استعجال النّاس، قال الفرّاء:
وكان أبو جعفر الفارسي يروي عن المشيخة أنّهم كرهوا جمع رمضان يذهبون إلى أنّه اسم من أسماء الله تعالى، والله أعلم بهذا)).
وأما مراسم احتفاء الناس برمضان فنبدأ ذلك بما سنَّهُ الفاروق الخليفة عمر رضي الله عنه، إذ كان أول من سنّ قيام شهر رمضان جماعة، ففي الأوائل لأبي هلال العسكري: (( أمر عمر أبا خيثمة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل أن يصلوا بالناس فى شهر رمضان، وسمع الناس يقولون: فلان أقرأ من فلان، وفلان أحسن صوتا بالقرآن من فلان، فنهاهم عن ذلك وقال: أتفعلون ذلك وأنتم أنتم، فكيف بمن جاء بعدكم؟ وكانوا قبل ذلك يصلون فى المسجد فرادى، ثم قدموا أبيا فصلّى بهم فرآهم عمر فقال: بدعة وأى بدعة ثم أقر أبيا على ذلك، وأضاف إليه أبا خيثمة ومعاذ)).
وكانوا يشغفون ويطربون بسماع القرآن في هذا الشهر أكثر من غيره من الشهور، ففي تاريخ بغداد: ((عن أبي علي الطوماري، قَالَ: كنت أحمل القنديل في شهر رمضان بين يدي أبي بكر بن مجاهد إلى المسجد لصلاة التراويح، فخرج ليلة من ليالي العشر الأواخر من داره، واجتاز على مسجده فلم يدخله وأنا معه، وسار حتى انتهى إلى آخر سوق العطش، فوقف بباب مسجد محمد بن جرير، ومحمد يقرأ سورة الرحمن، فاستمع قراءته طويلا ثم انصرف، فقلت له: يا أستاذ تركت الناس ينتظرونك وجئت تسمع قراءة هذا؟ فقال: يا أبا علي دع هذا عنك، ما ظننت أن الله تعالى خلق بشرا يحسن يقرأ هذه القراءة)).
وكانوا يحتفون ويتفاخرون بالأسمطة وولائم الطعام المعدة للصيام أيما احتفاء، فقد جاء في صبح الأعشى: (( فإن الخليفة كان يرتّب بقاعة الذهب بالقصر سماطا في كل ليلة من استقبال الرابع منه، وإلى آخر السادس والعشرين منه، ويستدعي الأمراء لحضوره في كل ليلة بالنّوبة، يحضر منهم في كل ليلة قوم كي لا يحرمهم الإفطار في بيوتهم طول الشهر، ولا يكلّف قاضي القضاة الحضور سوى ليالي الجمع توقيرا له، ولا يحضر الخليفة هذا السّماط، ويحضر الوزير فيجلس على رأس السماط، فإن غاب قام ولده أو أخوه مقامه، فإن لم يحضر أحد منهم، كان صاحب الباب عوضه. وكان هذا السّماط من أعظم الأسمطة وأحسنها، ويمدّ من صدر القاعة إلى مقدار ثلثيها بأصناف المأكولات والأطعمة الفاخرة، ويخرجون من هنالك بعد العشاء الآخرة بساعة أو ساعتين، ويفرّق فضل السماط كلّ ليلة، ويتهاداه أرباب الرسوم حتّى يصل إلى أكثر الناس، وإذا حضر الوزير بعث الخليفة إليه من طعامه الذي يأكل منه تشريفا له، وربما خصه بشيء من سحوره)).
وكان الناس أسخى ما يكونون في رمضان إطعامًا للفقراء وكسوة ونحوهما ففي مغاني الأخيار : ((عن داود الطائى: كان حماد بن أبي سليمان سخيًا على الطعام جوادًا بالدنانير والدراهم. وعن الصلت بن بسطام: كان حماد بن أبي سليمان يفطر كل ليلة فى شهر رمضان خمسين إنسانًا، فإذا كان ليلة الفطر كساهم ثوبًا)).
ومن نوادر ما حكي من أخبار الحمقى والنَّوكى: ((عن إبراهيم بن القعقاع: انتبه قوم ليلة في رمضان وقت السحور فقالوا لأحدهم: انظر هل تسمع أذاناً؟ فأبطأ عنهم ساعة ثم رجع فقال: اشربوا، فإني لم أسمع أذاناً إلا من مكان بعيد)).
ومن طرائف المحكي من أخبار البخلاء ما ذكره الجاحظ أنه: ((دعا موسى بن جناح جماعة من جيرانه، ليفطروا عنده في شهر رمضان، وكنت فيهم. فلما صلّينا المغرب، ونجز ابن جناح، أقبل علينا ثم قال: لا تعجلوا فإن العجلة من الشيطان. وكيف لا تعجلون وقد قال الله جلّ ذكره: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا)).
يتبع إن شاء الله
د.مصطفى شعبان

تعليق