الفكر اللغوي عند عبدالقاهر الجرجاني
أحمد محمود سعيد أبو دنيا
المقدمة
أحمد محمود سعيد أبو دنيا
المقدمة
بسم الله، والصلاة والسلام على نبيِّ الهدى وخاتم الأنبياء.
أمَّا بعدُ:
فالحمد لله الذي جعَل العربيَّة لنا لسانًا، ولما يَجُول في أذهاننا وخَواطِرنا بَيانًا، فأضحَتْ تُعطِي لكلِّ مُحِبٍّ لها من حياتها جَنَّة ونعيمًا، حتى كان الناطق بها يتحدَّث كلُّ عضوٍ فيه كيف هي استَولَتْ على قلبه وأركانه.
أمَّا بعدُ:
فقد ذهبتُ إلى قمَّة البلاغة لأقَع على مَكنُون اللغة، فاختَرتُ بحثًا يجمَع بين العِلمَيْن "علم اللغة وعلم البلاغة"، ولكن مقصد البحث الأولى دون الثانية، فكان عنوان البحث "الفكر اللغوي عند عبدالقاهر الجرجاني" من خلال كتابه "دلائل الإعجاز".
وكلُّنا يعلَم مَكانَةَ عبدالقاهر الجرجاني في الدرس البلاغي، ويَعلَم كم هو أحبَّ العلم ودافَع عنه، ووهَبَه نفسَه التي بين جنبَيْه، فقد اختَرتُ هذا البحث لما ثارَ عندي من أسئلةٍ، لا سيَّما أنَّ الرجل في كتابه يضع منهجًا للمعرفة بعامَّة، ولعلم البلاغة بخاصَّة، ولقد ثار الجدل كثيرًا حول نظريَّته "النظم" التي حَواها الكتاب، فبين رافضٍ لها مُرتاب، يَعتَبِر الجرجاني يُدافِع عن مذهبه الأشعري، وبين مُنبَهِر لما تَوَصَّل إليه القاضي الإمام، فإنَّ عبدالقاهر الجرجاني لم يَتوقَّف عند مستوى التنظير الذي سبَقَه به أصحابُه من قبله "عبدالجبار المعتزلي" في بَيان إعجاز القرآن، بل تَعَدَّاه إلى مستوى التطبيق، وهذا هو سِرُّ تفوُّقه على أقرانه وسابِقِيه.
ولَمَّا أنْ كان موضوع البحث في اللغة فإنِّي قد نظَرتُ إلى نظريَّة النظم، فحاوَلتُ أنْ أَعرِف فَحواها وما يَدور حولها من نِزاع، وهو ما سيُوضَّح من خِلال البحث، والأسئلة التي ثارَتْ هي:
1- ما هو قِوام نظريَّة النَّظم عند عبدالقاهر في "دلائل الإعجاز"؟
2- ما العلاقة بين علم اللغة وعلم البلاغة؟
3- هل يَقصِد عبدالقاهر الجرجاني بمعاني النحو العلامات الإعرابيَّة أو العلاقات التركيبيَّة؟ وهل العلاقات التركيبيَّة فقط، أو علاقتها بالحال أو المقام "الصحة الداخلية، والصحة الخارجية"؟
4- ما علاقة ارتِباط اللفظ بالمعنى بعلم اللغة؟
5- هل تَلاقَى عبدالقاهر الجرجانيُّ مع اللغويين المحدَثِين رغمَ الفارق الزمني والفجوة البعيدة؟
فأردت من هذا البحث أنْ أوضِّح تلك الأسئلة، فالدراسة وصفيَّة تاريخيَّة؛ وصفيَّة لأنَّني قد اخترتُ كتاب "الدلائل" أذكُر ما وُجِد فيه من قواعد لغويَّة، وكيف هي تَلاقَتْ مع علم اللغة، وتاريخيَّة للفارق الزمني بين عبدالقاهر الجرجاني، وما تعرَّضتْ له عند رائد علم اللغة الحديث "العالم السويسري دي سوسير"، وإنْ كان بالنَّذْرِ اليسير، فكان المنهج الذي سلكتُه في البحث كالآتي:
الفصل الأول:
وقد تناوَلتُ فيه مبحثين:
الأول: التعريف بالإمام عبدالقاهر، وأساتذته، وتلامذته، وجهوده البلاغيَّة، وبيان حبِّه للعلم وأهله.
الثاني: تعرَّضتُ فيه لسبب تأليف الكتاب "دلائل الإعجاز"، مع نظرة تاريخيَّة لهذا النِّزاع على نظريَّة النَّظم، ثم تعرَّضتُ لأيِّ مادَّة قد استَقَى الجرجاني مادَّة كتابه.
الفصل الثاني:
وقد تناولتُ فيه مبحثين، ويُعتَبَر هذا الجانب من البحث هو الجانب النظري لهذه النظريَّة:
الأول: تحدَّثتُ فيه عن علاقة علم اللغة بعلم الدلالة من خِلال تعريفاتهم لعلم البلاغة، ثم عرَضتُ لمفهوم نظريَّة النَّظْم عند عبدالقاهر، وعلاقتها بعلم اللغة، مُوضِّحًا كيف قامَتْ على علم الفكر اللغوي.
الثاني: يشتَمِل على الجانب التحليلي للنظريَّة، فذكرتُ بعضَ الأمثلة التي جاء بها عبدالقاهر في كتابه من القرآن والشِّعر، علمًا بأنَّه قد مزَج بين علم سيبويه والخليل، وبين علم الجاحظ، وهو مزجٌ بين اللغة والشِّعر.
ثم تناوَلتُ الحديث عن العلاقة بين اللغة والفكر، وكيف كانتْ نظرية النظْم تمثِّل ذلك أجلى تمثيل، ثم ذكرت تلاقي عبدالقاهر الجرجاني بفكره اللغوي ومنهجه مع عُلَماء علم اللغة الحديث رغم هذه الفجوة الزمنيَّة الواسعة.
والله الموفِّق لما فيه الخير والنجاة.
• • •
الفصل الأول
المبحث الأول: التعريف بالإمام عبدالقاهر الجرجاني:
هو أبو بكر عبدالقاهر بن عبدالرحمن بن محمد، فارسيُّ الأصل، جرجانيُّ الدار، متكلِّمٌ على مذهب الأشعري، فقيهٌ على مذهب الشافعي، وُلِد بجرجان ولم يبرحها حتى لطلب العلم، ولما طافَتْ شهرته الآفاق شُدَّت إليه الرِّحالُ وحُثَّت المَطِيُّ، وظلَّ متصدِّرًا جرجان يُفِيد الراحِلين إليه والوافدين عليها إلى أنْ تُوُفِّي بجرجان ودُفِن بها سنة 741 هـ[1].
أساتذة الجرجاني:
تتَلمَذ على يد شيخِه أبي الحسين محمد بن الحسن بن عبدالوارث الفارسي ابن أخت أبي عليٍّ الفارسي، وأنَّه قد قرأ على القاضي الجرجاني علي بن عبدالعزيز بن الحسن بن علي بن إسماعيل الجرجاني، وقد قرَأ عليه وحمَل عنه الأدب وعلومه، وكان يفتَخِر به في مجالسه[2].
جهوده:
آثار عبدالقاهر الجرجاني تُشِير بأنَّه قد أحاط علمًا بما صنَّفَه السابقون عليه في علوم الدين والفلسفة والكلام والأدب واللغة، وأدلَى بدلوه فيما عرَضوا له من قضايا ومشاكل، بالإضافة إلى ما حُفِظ وجُمِع له من شعره، فيتَّضِح من آثاره وإحاطته بما كتب أبو عمرو بن العلاء، والخليل، ويونس، والأخفش، وسيبويه، وابن قتيبة، وأبو هلال العسكري... وغيرهم.
وتتَلمَذ في الفقه على مذهب الشافعي، وفي الكلام على مذهب الأشعري، وغلبَتْ عليه شهرة اللغوي النحوي.
تلامذته:
تتَلمَذ على يديه جِلَّةٌ من العلماء؛ مثل: علي بن زيد الفصيحي، وهو من أشهر تلامذته، قيل عنه: إنَّه النحوي الحاذق بما أخَذ عن عبدالقاهر، وأبو النصر أحمد بن محمد الشجري، وهو من العلماء المبرَّزين في اللغة والنحو بعامَّة.
اشتَهَر عبدالقاهر بسَعَة الصدر، وطول النفس في مُناقَشة معاصِريه؛ ممَّا يُثبِت خلافَ ما يرى البعض، وكذلك في استِطراداته في مصنَّفاته التقليديَّة، وفي استِقصاءاته في نظريَّته التجديديَّة، يُضاف إلى ذلك ما يُفهَم ممَّا قاله صراحةً من ولائه للعلم، وبقائه على عهده، فهو الصديق الذي لا يدخل في الوُدِّ، والصاحب الذي لا يصحُّ عليه النكت والعذر.
وأنَّه على الرغم من ضِيقِه بعصره وأخلاق مُعاصِريه، إلا أنَّه انصَرَف إلى العلم حُبًّا فيه وإخلاصًا ووفاء، وكان تأثُّره بأستاذه ابن أخت أبي عليٍّ الفارسي شديدًا، وانتقل منه إعجابه بخاله وبمصنَّفاته؛ فوَعاها وترسَّم خُطاها على نحو ما كانت منه.
نبذة عن مؤلفاته:
1- المغني: وهو شرح مبسوط للإيضاح يقع في ثلاثين مجلدًا.
2- المقتصد: اقتصد الجرجاني شرح المغني في مصنفه المقتصد.
3- الإيجار: هو اختصار إيضاح أبي عليٍّ الفارسي، ووصَفَه صاحب "كشف الظنون" بقوله: "إنَّ أوَّله: الحمد لله الذي تظاهرت علينا آلاؤه".
4- والتكملة: علَّق عليه صاحب "الإنباه" بقوله: "إنَّ عبدالقاهر لو شاء لأطال".
5- الجمل: وصَفَه صاحب "كشف الظنون" وصفًا يُطابِق واقعه.
وللجرجاني كتب أخرى؛ مثل: (التلخيص، العوامل المائة في النحو، العمدة في التصريف، كتاب العروض، المختار، كتاب رسالة الشافية، أسرار البلاغة، دلائل الإعجاز الذي هو معنا)[3].
المبحث الثاني: سبب تأليف "دلائل الإعجاز":
إنَّ الناظر إلى كتاب عبدالقاهر الجرجاني يجدُ رجلاً يحمل سيفًا، لا يألو أنْ يشهره دائمًا في وجه خصمه، إلاَّ أنَّ الرجل طغى عليه حبُّ العلم، ولا سيَّما إذا كان في كتاب الله، فالقارئ لكتابه يَلمِس تلك المنافحة التي يحسُّها بيديه وجَنانه من قِبَل الجرجاني في دِفاعه عن نظريَّة النظم على طريقة المتكلِّمين، وردِّه وجهَ الإعجاز بسببها.
فإنَّ عبدالقاهر الجرجاني يُصرِّح تارَةً ويُلمِّح أخرى لأُناسٍ قد سبَقُوه في الكلام عن وجْه الإعجاز بفِكْرٍ وطريقةٍ لم يَرْضَ بها الجرجاني، ويقصد الجرجانيُّ الأشعريُّ عبدَالجبار المعتزليَّ، فيُمكِن القول: إنَّ الجرجاني انتهى إليه القول في قضيَّة الإعجاز، وسبق الجرجاني بالكلام عن قضيَّة النظم من قبل عبدالجبار، والباقلاني، والجاحظ، وغيرهم من علماء البلاغة المرمُوقِين[4].
ويردُّ عبدالقاهر في هذا الكتاب على المعتزلة؛ لأنهم ردُّوا الفصاحة للفظ فقط دون المعنى، وأنَّ المعاني عارية مطروحة في الطريق، فمَن ألبَسَها لفظًا رائقًا كان أولى وأحقَّ بها، ثم يستَنكِر على مَن فسَّر الفصاحة "بأنها خصوصية في نظْم الكلم، وضم بعضها إلى بعضٍ على طريقةٍ مخصوصة، أو على وجوهٍ تَظهَر بها الفائدة"[5].
أو ما أشبَه ذلك من القول المجمَل بأنَّه لو كان كافيًا في معرفتها، ومغنيًا في العلم بها، لكفى مثله في الصناعات كلها، وأنَّ بلاغة القرآن لم تكن في ألفاظه دون معانيه[6].
من أين استَقَى الجرجانيُّ مادَّته؟
الكتاب قد أُلِّف من أجل بيان وجه الإعجاز في القرآن، إذًا فمادَّته الأولى هي القرآن، ثم إنَّ عبدالقاهر اعتَمَد على عَلَمَيْن جليلَيْن؛ وهما: سيبويه والجاحظ، فهو لم ينتَفِع بهما في الجزئيَّات فحسب، وإنما دخَلاَ عنده في صلب مادَّته التي ابتَدَأها واستَخرَجها، فقد ذكَر الجرجاني أنَّ الخليل وسيبويه بلَغَا في فقه النحو مبلغًا لم يسبقهم إليه أحدٌ، ولم يلحقهما فيه أحد، وأنهما ذروة هذا العلم، ثم ذكَر أنَّ الجاحظ بلَغ في بابه- أي: علم الشعر ومعرفة جوهره وطابعه ومعدنه- مبلغ الشيخين في علم النحو، وتفرَّد الجاحظ في علم الشعر كتفرُّد الشيخين في علم معاني النحو[7].
• • • •
أمَّا بعدُ:
فالحمد لله الذي جعَل العربيَّة لنا لسانًا، ولما يَجُول في أذهاننا وخَواطِرنا بَيانًا، فأضحَتْ تُعطِي لكلِّ مُحِبٍّ لها من حياتها جَنَّة ونعيمًا، حتى كان الناطق بها يتحدَّث كلُّ عضوٍ فيه كيف هي استَولَتْ على قلبه وأركانه.
أمَّا بعدُ:
فقد ذهبتُ إلى قمَّة البلاغة لأقَع على مَكنُون اللغة، فاختَرتُ بحثًا يجمَع بين العِلمَيْن "علم اللغة وعلم البلاغة"، ولكن مقصد البحث الأولى دون الثانية، فكان عنوان البحث "الفكر اللغوي عند عبدالقاهر الجرجاني" من خلال كتابه "دلائل الإعجاز".
وكلُّنا يعلَم مَكانَةَ عبدالقاهر الجرجاني في الدرس البلاغي، ويَعلَم كم هو أحبَّ العلم ودافَع عنه، ووهَبَه نفسَه التي بين جنبَيْه، فقد اختَرتُ هذا البحث لما ثارَ عندي من أسئلةٍ، لا سيَّما أنَّ الرجل في كتابه يضع منهجًا للمعرفة بعامَّة، ولعلم البلاغة بخاصَّة، ولقد ثار الجدل كثيرًا حول نظريَّته "النظم" التي حَواها الكتاب، فبين رافضٍ لها مُرتاب، يَعتَبِر الجرجاني يُدافِع عن مذهبه الأشعري، وبين مُنبَهِر لما تَوَصَّل إليه القاضي الإمام، فإنَّ عبدالقاهر الجرجاني لم يَتوقَّف عند مستوى التنظير الذي سبَقَه به أصحابُه من قبله "عبدالجبار المعتزلي" في بَيان إعجاز القرآن، بل تَعَدَّاه إلى مستوى التطبيق، وهذا هو سِرُّ تفوُّقه على أقرانه وسابِقِيه.
ولَمَّا أنْ كان موضوع البحث في اللغة فإنِّي قد نظَرتُ إلى نظريَّة النظم، فحاوَلتُ أنْ أَعرِف فَحواها وما يَدور حولها من نِزاع، وهو ما سيُوضَّح من خِلال البحث، والأسئلة التي ثارَتْ هي:
1- ما هو قِوام نظريَّة النَّظم عند عبدالقاهر في "دلائل الإعجاز"؟
2- ما العلاقة بين علم اللغة وعلم البلاغة؟
3- هل يَقصِد عبدالقاهر الجرجاني بمعاني النحو العلامات الإعرابيَّة أو العلاقات التركيبيَّة؟ وهل العلاقات التركيبيَّة فقط، أو علاقتها بالحال أو المقام "الصحة الداخلية، والصحة الخارجية"؟
4- ما علاقة ارتِباط اللفظ بالمعنى بعلم اللغة؟
5- هل تَلاقَى عبدالقاهر الجرجانيُّ مع اللغويين المحدَثِين رغمَ الفارق الزمني والفجوة البعيدة؟
فأردت من هذا البحث أنْ أوضِّح تلك الأسئلة، فالدراسة وصفيَّة تاريخيَّة؛ وصفيَّة لأنَّني قد اخترتُ كتاب "الدلائل" أذكُر ما وُجِد فيه من قواعد لغويَّة، وكيف هي تَلاقَتْ مع علم اللغة، وتاريخيَّة للفارق الزمني بين عبدالقاهر الجرجاني، وما تعرَّضتْ له عند رائد علم اللغة الحديث "العالم السويسري دي سوسير"، وإنْ كان بالنَّذْرِ اليسير، فكان المنهج الذي سلكتُه في البحث كالآتي:
الفصل الأول:
وقد تناوَلتُ فيه مبحثين:
الأول: التعريف بالإمام عبدالقاهر، وأساتذته، وتلامذته، وجهوده البلاغيَّة، وبيان حبِّه للعلم وأهله.
الثاني: تعرَّضتُ فيه لسبب تأليف الكتاب "دلائل الإعجاز"، مع نظرة تاريخيَّة لهذا النِّزاع على نظريَّة النَّظم، ثم تعرَّضتُ لأيِّ مادَّة قد استَقَى الجرجاني مادَّة كتابه.
الفصل الثاني:
وقد تناولتُ فيه مبحثين، ويُعتَبَر هذا الجانب من البحث هو الجانب النظري لهذه النظريَّة:
الأول: تحدَّثتُ فيه عن علاقة علم اللغة بعلم الدلالة من خِلال تعريفاتهم لعلم البلاغة، ثم عرَضتُ لمفهوم نظريَّة النَّظْم عند عبدالقاهر، وعلاقتها بعلم اللغة، مُوضِّحًا كيف قامَتْ على علم الفكر اللغوي.
الثاني: يشتَمِل على الجانب التحليلي للنظريَّة، فذكرتُ بعضَ الأمثلة التي جاء بها عبدالقاهر في كتابه من القرآن والشِّعر، علمًا بأنَّه قد مزَج بين علم سيبويه والخليل، وبين علم الجاحظ، وهو مزجٌ بين اللغة والشِّعر.
ثم تناوَلتُ الحديث عن العلاقة بين اللغة والفكر، وكيف كانتْ نظرية النظْم تمثِّل ذلك أجلى تمثيل، ثم ذكرت تلاقي عبدالقاهر الجرجاني بفكره اللغوي ومنهجه مع عُلَماء علم اللغة الحديث رغم هذه الفجوة الزمنيَّة الواسعة.
والله الموفِّق لما فيه الخير والنجاة.
• • •
الفصل الأول
المبحث الأول: التعريف بالإمام عبدالقاهر الجرجاني:
هو أبو بكر عبدالقاهر بن عبدالرحمن بن محمد، فارسيُّ الأصل، جرجانيُّ الدار، متكلِّمٌ على مذهب الأشعري، فقيهٌ على مذهب الشافعي، وُلِد بجرجان ولم يبرحها حتى لطلب العلم، ولما طافَتْ شهرته الآفاق شُدَّت إليه الرِّحالُ وحُثَّت المَطِيُّ، وظلَّ متصدِّرًا جرجان يُفِيد الراحِلين إليه والوافدين عليها إلى أنْ تُوُفِّي بجرجان ودُفِن بها سنة 741 هـ[1].
أساتذة الجرجاني:
تتَلمَذ على يد شيخِه أبي الحسين محمد بن الحسن بن عبدالوارث الفارسي ابن أخت أبي عليٍّ الفارسي، وأنَّه قد قرأ على القاضي الجرجاني علي بن عبدالعزيز بن الحسن بن علي بن إسماعيل الجرجاني، وقد قرَأ عليه وحمَل عنه الأدب وعلومه، وكان يفتَخِر به في مجالسه[2].
جهوده:
آثار عبدالقاهر الجرجاني تُشِير بأنَّه قد أحاط علمًا بما صنَّفَه السابقون عليه في علوم الدين والفلسفة والكلام والأدب واللغة، وأدلَى بدلوه فيما عرَضوا له من قضايا ومشاكل، بالإضافة إلى ما حُفِظ وجُمِع له من شعره، فيتَّضِح من آثاره وإحاطته بما كتب أبو عمرو بن العلاء، والخليل، ويونس، والأخفش، وسيبويه، وابن قتيبة، وأبو هلال العسكري... وغيرهم.
وتتَلمَذ في الفقه على مذهب الشافعي، وفي الكلام على مذهب الأشعري، وغلبَتْ عليه شهرة اللغوي النحوي.
تلامذته:
تتَلمَذ على يديه جِلَّةٌ من العلماء؛ مثل: علي بن زيد الفصيحي، وهو من أشهر تلامذته، قيل عنه: إنَّه النحوي الحاذق بما أخَذ عن عبدالقاهر، وأبو النصر أحمد بن محمد الشجري، وهو من العلماء المبرَّزين في اللغة والنحو بعامَّة.
اشتَهَر عبدالقاهر بسَعَة الصدر، وطول النفس في مُناقَشة معاصِريه؛ ممَّا يُثبِت خلافَ ما يرى البعض، وكذلك في استِطراداته في مصنَّفاته التقليديَّة، وفي استِقصاءاته في نظريَّته التجديديَّة، يُضاف إلى ذلك ما يُفهَم ممَّا قاله صراحةً من ولائه للعلم، وبقائه على عهده، فهو الصديق الذي لا يدخل في الوُدِّ، والصاحب الذي لا يصحُّ عليه النكت والعذر.
وأنَّه على الرغم من ضِيقِه بعصره وأخلاق مُعاصِريه، إلا أنَّه انصَرَف إلى العلم حُبًّا فيه وإخلاصًا ووفاء، وكان تأثُّره بأستاذه ابن أخت أبي عليٍّ الفارسي شديدًا، وانتقل منه إعجابه بخاله وبمصنَّفاته؛ فوَعاها وترسَّم خُطاها على نحو ما كانت منه.
نبذة عن مؤلفاته:
1- المغني: وهو شرح مبسوط للإيضاح يقع في ثلاثين مجلدًا.
2- المقتصد: اقتصد الجرجاني شرح المغني في مصنفه المقتصد.
3- الإيجار: هو اختصار إيضاح أبي عليٍّ الفارسي، ووصَفَه صاحب "كشف الظنون" بقوله: "إنَّ أوَّله: الحمد لله الذي تظاهرت علينا آلاؤه".
4- والتكملة: علَّق عليه صاحب "الإنباه" بقوله: "إنَّ عبدالقاهر لو شاء لأطال".
5- الجمل: وصَفَه صاحب "كشف الظنون" وصفًا يُطابِق واقعه.
وللجرجاني كتب أخرى؛ مثل: (التلخيص، العوامل المائة في النحو، العمدة في التصريف، كتاب العروض، المختار، كتاب رسالة الشافية، أسرار البلاغة، دلائل الإعجاز الذي هو معنا)[3].
المبحث الثاني: سبب تأليف "دلائل الإعجاز":
إنَّ الناظر إلى كتاب عبدالقاهر الجرجاني يجدُ رجلاً يحمل سيفًا، لا يألو أنْ يشهره دائمًا في وجه خصمه، إلاَّ أنَّ الرجل طغى عليه حبُّ العلم، ولا سيَّما إذا كان في كتاب الله، فالقارئ لكتابه يَلمِس تلك المنافحة التي يحسُّها بيديه وجَنانه من قِبَل الجرجاني في دِفاعه عن نظريَّة النظم على طريقة المتكلِّمين، وردِّه وجهَ الإعجاز بسببها.
فإنَّ عبدالقاهر الجرجاني يُصرِّح تارَةً ويُلمِّح أخرى لأُناسٍ قد سبَقُوه في الكلام عن وجْه الإعجاز بفِكْرٍ وطريقةٍ لم يَرْضَ بها الجرجاني، ويقصد الجرجانيُّ الأشعريُّ عبدَالجبار المعتزليَّ، فيُمكِن القول: إنَّ الجرجاني انتهى إليه القول في قضيَّة الإعجاز، وسبق الجرجاني بالكلام عن قضيَّة النظم من قبل عبدالجبار، والباقلاني، والجاحظ، وغيرهم من علماء البلاغة المرمُوقِين[4].
ويردُّ عبدالقاهر في هذا الكتاب على المعتزلة؛ لأنهم ردُّوا الفصاحة للفظ فقط دون المعنى، وأنَّ المعاني عارية مطروحة في الطريق، فمَن ألبَسَها لفظًا رائقًا كان أولى وأحقَّ بها، ثم يستَنكِر على مَن فسَّر الفصاحة "بأنها خصوصية في نظْم الكلم، وضم بعضها إلى بعضٍ على طريقةٍ مخصوصة، أو على وجوهٍ تَظهَر بها الفائدة"[5].
أو ما أشبَه ذلك من القول المجمَل بأنَّه لو كان كافيًا في معرفتها، ومغنيًا في العلم بها، لكفى مثله في الصناعات كلها، وأنَّ بلاغة القرآن لم تكن في ألفاظه دون معانيه[6].
من أين استَقَى الجرجانيُّ مادَّته؟
الكتاب قد أُلِّف من أجل بيان وجه الإعجاز في القرآن، إذًا فمادَّته الأولى هي القرآن، ثم إنَّ عبدالقاهر اعتَمَد على عَلَمَيْن جليلَيْن؛ وهما: سيبويه والجاحظ، فهو لم ينتَفِع بهما في الجزئيَّات فحسب، وإنما دخَلاَ عنده في صلب مادَّته التي ابتَدَأها واستَخرَجها، فقد ذكَر الجرجاني أنَّ الخليل وسيبويه بلَغَا في فقه النحو مبلغًا لم يسبقهم إليه أحدٌ، ولم يلحقهما فيه أحد، وأنهما ذروة هذا العلم، ثم ذكَر أنَّ الجاحظ بلَغ في بابه- أي: علم الشعر ومعرفة جوهره وطابعه ومعدنه- مبلغ الشيخين في علم النحو، وتفرَّد الجاحظ في علم الشعر كتفرُّد الشيخين في علم معاني النحو[7].
• • • •

تعليق