احتجّ البصريون بحجّتين، فذهبوا إلى أنّ (كيَّنُونَة) وردت في بيت شعر؛ قال ابن جني "على أنَّ أبا العبّاس قد أنْشّد:
قد فارقَتْ قَرِينَهـــــــــــــا القــــــــــرينَهْ
وشَحَطَتْ عن دارِها الظَّعينَه
يا لَيْتَ أنَّا ضمَّنا سفيــــــــــــــــنه
حتى يعود الوصلُ كَيَّنُـــــــــــونَه
فهذه دلالةٌ على أنَّها (فَيْعَلُولَة)"(3).وشَحَطَتْ عن دارِها الظَّعينَه
يا لَيْتَ أنَّا ضمَّنا سفيــــــــــــــــنه
حتى يعود الوصلُ كَيَّنُـــــــــــونَه
ولكنّه ضرورة كما ذكر الأنباري(4)، وليس يكفي مثال واحد ورد في بيت واحد ليؤيد تلك الفرضيّة، وقال ابن جني عن تفسير الكوفيين "وهذا عند أصحابنا مذهب واهٍ جدًّا؛ لأنه لا ضرورة تدعو إلى فتح الفاء لتصح العين"(5)، واحتج البصريون أيضًا بأنه لو كان الأصل فُعْلُولَة لقيل كُونُونَة، قال ابن جني "والياء في بَينونة، لو كانت عينًا، وكان المراد بالكلمة بناء (فُعْلُولة) لقالوا: (بُوْنُونَة)، فقلبوا الياء واوًا لانضمام ما قبلها وتباعدها عن الطرف. وهذا كله يدفع أن تكون: فُعلُولة"(6). وهذا لا يلزم الكوفيين لقولهم بالعدول عن هذا الأصل.
والذي ننتهي إليه موافقة الكوفيين في أن وزن (كينونة) وغيرها من مصادر الأفعال الجوف هو (فَعْلُولة) لا (فَيْلُولَة)(7)، لسلامة هذا القول من افتراض زيادة في البنية وحذف لأصل مهم هو عين الفعل من غير حاجة إلى ذلك، وأما علة إبدال الواو ياءًا فهو المخالفة لكراهة المتماثلات اللفظية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سيبويه، الكتاب، 4: 365.
(2) الأزهري، تهذيب اللغة، باب الكاف والظاء، 10: 205.
(3) ابن جني، المنصف، 2: 15،
(4) أبوالبركات الأنباري، الإنصاف في مسائل الخلاف، 2: 657.
(5) ابن جني، المنصف، 2: 12.
(6) ابن جني، المنصف، 2: 15.
(7) تكرر ذكر الوزن (فَيْعُولَة) وزنًا لكينونة وأخواتها في بعض المعاجم وكتب اللغة والتفاسير وهو وهم من النساخ.
