الوحدة الموضوعية في سورة إبراهيم.. إستراتيجية البلاغ
د. محمد علي عطا
الوحدة الموضوعية هي اجتهاد بشري يسعى نحو معرفة الموضوع العام الذي تتحدث عنه السورة من سور القرآن، وكلما كان الموضوع الذي وصل إليه الاجتهاد البشري ناظما لكل آيات السورة والموضوعات الجزئية فيها بسلاسة وبدون تأويل، وبُعْد علاقة، بحيث لا يشذ منها آية، كان اجتهادا موفَّقا، ولكنه أبدا لا يكون الاجتهاد الأخير.
وقد اخترت سورة إبراهيم لمحاولة تلمس الوحدة الموضوعية قَدَرًا؛ حيث طلب مني بعض الصالحين أن ألقي خاطرة عنها، فقرأتها كلها من الظلال، فتبين لي وجهٌ غير ما ذهب إليه سيد قطب رحمه الله، فقد تحدث سيد قطب في الظلال عن سورة إبراهيم بمنهجه الجميل الممتع المبتكر، وذهب إلى أنها تتحدث عن حقيقتين اثنتين، هما:
1-وحدة الرسالة والرسل، ووحدة دعوتهم، ووقوفهم أمة واحدة ضد الجاهلية المكذبة.
وتبع هذه الحقيقة عدة موضوعات جزئية، هي: التشابه بين رسالة سيدنا محمد ورسالة سيدنا موسى والأنبياء جميعهم، والتأكيد على بشرية محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء، فهم لا يستطيعون أن يأتوا بآية إلا بالاستعانة بالله، والتأكيد على أن هدف الدعوات هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهذا يتم بإذن الله لا بجهد الرسل، وتحقيق وعد الله للرسل والمؤمنين بهم إيمانا حقًّا في الدنيا بالنصر والاستخلاف، وفي الآخرة بالجنة، وللكافرين بالنار، ويؤكد هذا بعدة أمور: المشهد الجماعي للرسل كافة مع قومهم كافة. وتصوير يوم القيامة كأنه حقيقة واقعة. وصورة الشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة. وصورة أعمال الظالمين وهي تتطاير كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف.
2-نعمة الله على البشر وأنها تزيد بالشكر وتمحق بالكفر، ويقابلها أكثر الناس بالجحود.
وتبع هذه الحقيقة عدة موضوعات فرعية، هي: نعم الله ليست لطائفة دون طائفة. نعم الله لا تتضح إلا لكل صبار شكور. أهمية هذه النعم أنها تزيد المؤمن إيمانا ولعلها تكون تذكرة للكافر. وبعض النعم التي ذكرتها الآية: أجزاء الكون من سماء وقمر وشمس…والنور الحسي والمعنوي عامة، والرسل الذين جاءوا ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، دعوة الله الناس لغفران ذنوبهم، واصطفاء أنبياء من البشر.
وعن علاقة سيدنا إبراهيم التي سميت السورة باسمه بهذه الموضوعات رأى أنه مثال حي للموضوعين الرئيسين في السورة، فهو جزء من قافلة الأنبياء ومثال للصبر والشكر في نفسه، وفي أمر قومه بهما.
ولكن بالتعمق في معاني السورة المباركة، وبالتأمل فيها من أولها لآخرها وجدت أنها تتحدث عن موضوع واحد لا موضوعين، هو موضوع استراتيجية البلاغ، من حيث: إعداد المبلِّغ ومنهج البلاغ، وهدف المبلِّغ، وتحديد المستهدفين بالبلاغ واستراتيجية إبلاغهم.
وقد ذكر الله تعالى هدف السورة كلها في آخر آية، فهي: بلاغ للناس، وإنذار لهم، وللعلم بوحدانية الله، وتذكرة لأولي الألباب. وكل هذه المحاور هي مكونات البلاغ، فالبلاغ إنذار وتعليم وتذكرة. واستراتيجية هذا البلاغ بدأت تتسلسل في هذه السورة المباركة بدءا من أول آية، وسأحاول أن أتلمس ملامح هذه الاستراتيجية في السورة جَهْدِي بما يمنُّ الله به.
أولا: إعداد المُبَلِّغ: في السورة إعداد للمبلِّغ وهو الرسول صلى الله عليه وسلم من نواحٍ عدة، هي:
– التذكير بقوته التي يستمدها من قوة الله تعالى: (اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ). وأنه لا يريد الهداية للبشر من أجل منفعة منهم فإنه الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ-وقد كرَّر الله تعالى هذه الصفة عدة مرات في السورة- ولا من أجل إعانة أو تقوية فهو الواحد القهَّار ذو الانتقام.
-التأكيد على معية الله له؛ حتى لا يشعر أنه وحده في ميدان المعركة، فذكر الله تعالى أن رسله عندما هُدِّدوا من قومهم بالأذى ظهرت معية الله فورا، فأوحى إليهم وطمأنهم وبشرهم في آنٍ بالاستخلاف لهؤلاء المنتفشين بالباطل؛ (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ).
-التذكير بأنه ليس وحده في الطريق بل هو فرع في شجرة مباركة جذورها ممتدة في الأرض منذ آدم وستظل تتمدد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وجذعها وفروعها مستطيلة بين الدنيا والآخرة، وقد أنبتت ثمراتها فمنها ما يجنى في الدنيا ومنها ما يجنى في الآخرة، وأينعت واخضلت أوراقها، وأخذ أصحابها السابقون جزاءهم، وتحقق لهم موعود ربهم.
– تسفيه الباطل الذي يبدو للناظرين أنه قوي، وقد أكدت السورة هذا الأمر بعدة صور مختلفة، هدفها فسء انتفاشتهم بشكل كاريكاتيري، يسقطهم من النظر، ويبين ما خلف هذه الانتفاشة الكاذبة، وقد كرر الله تعالى هذه السخرية والتسفيه عدة مرات في السورة وشبهها بعدة تشبيهات؛ ففي الآيات من16-18 بين شكلهم البائس وهم بين يدي الله يجازيهم بما فعلوا، فيسقون من ماء صديد لا يستسيغونه ويتجرعونه غصبا عنهم، ففَمُهم الذي كان يجادل ويحاور ويهدد ويتوعد ويخرج منه الكلام فخما قويا متجبرا أصبح لا حول له ولا قوة، أصبح المتجبر الذي كان يدافع عن الباطل من أجل حياته ومصالحه يتمنى الموت ورغم أن الموت يحيط به وقريب منه فإنه لا يأتيه؛ ليظل في العذاب.
ثم يسفه الله تعالى من الأعمال الخيرة التي يقوم بها هؤلاء الجبارون، ويبحثون عنها ليقدموها أمام الله حجة لهم وشفيعا، ولكنها عند الله هباء تذروه الرياح فلا يبقى له أثر، ولا يستطيع صاحبه رده ليقدمه شفيعا له أمام الله.
ومن ذلك أيضا التأكيد على هشاشة الكفر وأنه كشجرة خبيثة، لا ورق يبهج ولا ثمر ينفع، ولا جذر يحفظ، لا تثبت أمام نفخة حتى وإن بدت مُعْجِبة قوية تأخذ بنظر الناظرين غير العارفين.
وفي الآية 43 يصور حالهم البائس وهم مسرعون في السير ونظرهم ثابت نحو الداعي يوم القيامة لا يطرف لهم جفن، رافعو رؤوسهم من الهول، وأفئدتهم التي كانت قوية في محاربة أولياء الله بلا هوادة جريئة في التجني عليهم أصبح مكانها فارغا، قد انخلعت من الخوف، فهم بلا قلوب.
ويصور توسلاتهم في الآية 44، حيث أخيرا عرفوا أن الله حق فأصبحوا ينادونه (ربنا) بدون حرف نداء، بعد أن أنكروا وجوده في حياتهم، فيطلبون بكل ذل أن يأخذوا فرصة ثانية صغيرة ويعِدُون أنهم لو أخذوا هذه الفرصة فسيتغير تعاملهم مع دعوته ومع الرسل، ويأتيهم الرفض مقرونا بالتوبيخ، ألم تقسموا بالأيمان الغليظة أن نهايتكم ستكون في القبور وليس هناك وراء القبر بعث ولا حساب؟
ويتكرر هذا التسفيه في الآية 49، 50، حيث صور الله تعالى صَغَارَهم وهم مقيدون بالسلاسل، وليس كل فرد مقيدا وحده بل مقرون مع غيره، كما كانوا في الدنيا يقفون بجانب بعضهم ضد الحق يؤازر بعضهم بعضا، وقمصانهم من مادة سريعة الاشتعال وتحفظ الحرارة على الجسد فلا يبرد أبدا وتتحرش النار بوجوههم التي كانت بها وجاهتهم في الدنيا.
الضمانات: ضمن الله تعالى للمبلِّغ عدة أمور:
-النصر والاستخلاف، كما جاء في الآية13، 14، ولم يذكر الله تعالى هذا الضمان مباشرة بل لمح له في حوار داخل حوار؛ في حوار موسى مع قومه الذي ذكر فيه حوار الرسل مع أقوامهم، إذ هدَّدهم أقوامهم بالإخراج فتدخل الله تعالى وأوحى إليهم أن المتجبرين ليس لديهم وقت كاف لفعل ذلك؛ لأن الله سيهلكهم ويستخلفكم مكانهم.
– التثبيت، ففي الآية 27 أكد الله تعالى لرسوله أنه يثبِّت رسله، فلا تخش زعزعة.
– عدم غفلة الله عن الظالمين، ففي الآية 42، أكد الله تعالى لنبيه أنه لا يغفل عن الظالمين وأعمالهم حتى وإن امتد بهم الزمن، ولكنه يؤخِّرهم ليوم أشد من الأيام التي تكبروا فيها، وهذا التأخير ليس بُطْئًا كما يُظَنُّ ولكنه عين السرعة في العقاب.
– غَلَبَة مكر الله لمكر الظالمين: ففي الآية 46 التأكيد على عدم التَّضَعْضُع أمام مكر الظالمين رغم شدته وعِظَمِهِ لدرجة تزيل الجبال، والطَّمْأَنة بأن مكر الله أقوى من هذا المكر وإن عَظُمَ.
-التأكيد على أن الله لا يخلف وعده للرسل، فاطمئِن بأن وعود الله لك قبل خوض المعركة لن تُخلف أثناء المعركة، فتكون في وسطها ثم تفاجأ بأن الوعد قد اختلف، وأصبحت في وضع سيئ، ولا تظنَّنَّ هذا الظن بسبب تأخر نصر أو استطالة باطل،كما في الآية 47.
معينات المبلِّغ:
–التوكل على الله. وقد فعل ذلك الرسل السابقون كما جاء في حوار موسى مع قومه في الآية 12.
-الصبر على الأذى كما جاء في الآية السابقة أيضا.
ثانيا: منهج البلاغ: هو القرآن الكريم، وهذا يتضح من أول آية(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ).
ثالثا: هدف المبلغ: إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وإلى صراط الله، هذا هو هدف سيدنا محمد الذي أمره الله به في أول آية، وهدف سيدنا موسى كما ذكر في الآية 5.
القيد: لا يتم هذا الخروج بجهد المبلغ بل بإذن الله، فإنه وحده له المشيئة المطلقة في هداية من يريد وإضلال من يريد، وليس بجهد الرسل، وقد ذكر الله تعالى ذلك في الآية الأولى(بِإِذْنِ رَبِّهِم)، وأكده في الآية 4.
رابعا: تحديد المستهدفين بالبلاغ واستراتيجية إبلاغهم:
الناس عامة: كما ذكر في أول آية(لِتُخْرِجَ النَّاسَ)، وأيضا في الآية 44(وَأَنذِرِ النَّاسَ). وهم الأقرب والأرجى للخروج من الظلمات إلى النور؛ لأنهم لا يكذبون ولا يعاندون ولكن لأنهم واقعون تحت تأثير المجرمين الظالمين، فإذا انكشف لهم الغطاء، وحجبت عن عقولهم المؤثرات آمنوا وخرجوا من الظلمات إلى النور.
الكافرون:وقد بيَّن في الآية الثالثة صفاتهم، فهم: يستحبون الحياة الدنيا عن الآخرة، ولا يستكفون بكفرهم بل يتعدون ذلك فهم يصدون الناس أيضا عن سبيل الله، ويبغونها عوجا؛ لأن في ذلك صلاح مصالحم الدنيوية التي لا يرون غيرها، وقد ذكر الله تعالى جزاءهم قبل أن يذكر وسيلة البلاغ لهم، ثم بعد ذلك ذكر عدة استراتيجيات لتوصيل البلاغ لهم، هي:
1-مخاطبتهم بلسانهم: واللسان هو اللغة والتاريخ والثقافة وواقع حياتهم.
2- التذكير بأيام الله: كما أمر الله سيدنا موسى عليه السلام بأن يفعل مع بني إسرائيل؛ ففي التذكير بأيام الله عظة لمن كان صابرا وشاكرا، وطبق موسى هذا الأمر فذكرهم بنعمة الله عليهم بنجاتهم من فرعون وقتله لأبنائهم وإبقاء النساء ليكونوا قوما ضعفاء بدون بأس أو قوة أو مَنَعَة، وذكَّرهم بأيام الله مع الأقوام السابقة مثل قوم نوح وعاد وثمود ومَن بعدهم، الذين كذبهم قومهم وأعلنوا شكهم في رسالتهم.
3- تأكيد عزة الله واستغنائه عن البشر: وقد كرر الله تعالى هذا الأمر مرتين في الآية8 على لسان موسى عليه السلام، وفي الآيتين (19، 20) بخطاب مباشر من الله تعالى لنبيه محمد.
4- التأكيد على بشرية الرسل، وأن اختيارهم من أناس معينين منة وفضل من الله، وأنهم مؤيدون من قبل الله تعالى، وأنهم لا يستطيعون الإتيان بآية إلا بمعونة الله تعالى كما جاء على لسان الرسل لأقوامهم في الآية11.
5-دعوتهم للاستمرار في التمتع في الضلال مع تذكيرهم بالمصير، كما جاء في خطاب مباشر للرسول صلى الله عليه وسلم في الآية 30؛ (قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ).
6- الدعاء: وهي استراتيجية إبراهيم عليه السلام، وقد ذكرت في الآيات (35-41)؛ حيث دعا بالأمن للبلد الحرام، وبتجنيبه وأبنائه عبادة الأصنام، وبالغفران لمن عصاه، وبأن يجعل أفئدة من الناس تهوي للبلد الحرام ليؤنسوا زوجته وابنه، وبالرزق، كما شكر الله على وهب الذرية على الكبر، ودعا بأن يجعله الله يقيم الصلاة هو وذريته، وبالغفران له ولوالديه وللمؤمنين. فيجب على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستعين بالدعاء كما استعان إبراهيم عليه السلام، تماما كما استعان باستراتيجية موسى في التبليغ القائمة على التذكير بأيام الله.
6- تذكيرهم بأن الشيطان الذي يغويهم سيتبرأ منهم يوم القيامة، بعد أن كان يعين الجبابرة الظالمين الكافرين ويوسوس لهم ويمنيهم ويعدهم، كما في الآية22.
الذين آمنوا: ولهم استراتيجية تبليغ خاصة ذكرت في الآية31، وهي: إقامة الصلاة، والإنفاق سرا وعلانية، وتذكر نعم الله تعالى من سماوات وأرض ومطر وثمر، وفلك تسير في البحار وأنهار، وشمس وقمر دائبين لا يفتران عن الحركة، وليل ونهار، وإعطائهم كل ما سألوه، وغيرها من نعم كثيرة لا يمكن حصرها، تستوجب الشكر، ولهم في سيدنا إبراهيم أسوة في الحمد والشكر لله على نعمه، فقصة إبراهيم ذكرت هنا لغرضين والله أعلم؛ استراتيجية دعوة يقتضي بها المبلِّغ، وقدوة للمؤمنين، ولعل هذا هو سبب تسمية السورة باسمه.
الضعفاء: وقد ذكرهم الله تعالى في الآية 21، واستراتيجية الحديث معهم ليست المجادلة ولكن التذكير بأن الضالين الظالمين الذين يزينون لهم الباطل ليتبعوهم عليه لن يغنوا عنهم شيئا يوم القيامة وسيتبرؤون منهم بل يصل الأمر لحد السخرية منهم، وتذكيرهم بحالهم البائس في موقف الحساب وهم يحدوهم أمل في أن ينقذهم سادتهم الذين أفسدوا عليهم دنياهم وآخرتهم، فيطلبون منهم أن يتحملوا عنهم شيئا من العذاب، ولكن يأتيهم الرد مخيبا: ( لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ)، سخرية منهم وعدم تقدير لتبعيتهم لهم، بل بالعكس يصعِّبون عليهم الموقف أكثر ويغلقون أمامهم أي أمل، ويقولون: لن يفيد الجزع ولا الصبر، فلن ينقذنا من يد الله أحد، فالضعفاء تبعوا الجبابرة المضلين في الدنيا ولم يستفيدوا منها كما استفاد هؤلاء الجبابرة، وفي الآخرة لاقوا المصير نفسه بحذافيره، وكأنهم كانوا هم الجبابرة.
ومما سبق نلاحظ اتساق آيات السورة وموضوعاتها الجزئية جميعها بسلاسة في سلك موضوع واحد وهو إستراتيجية البلاغ، دون تأويل بعيد أو وصل لما لا يوصل، مما يثبت وجود الوحدة الموضوعية في سورة إبراهيم، وإمكانية تلمسها في بقية القرآن الكريم، والله أعلى وأعلم.
د. محمد علي عطا
الوحدة الموضوعية هي اجتهاد بشري يسعى نحو معرفة الموضوع العام الذي تتحدث عنه السورة من سور القرآن، وكلما كان الموضوع الذي وصل إليه الاجتهاد البشري ناظما لكل آيات السورة والموضوعات الجزئية فيها بسلاسة وبدون تأويل، وبُعْد علاقة، بحيث لا يشذ منها آية، كان اجتهادا موفَّقا، ولكنه أبدا لا يكون الاجتهاد الأخير.
وقد اخترت سورة إبراهيم لمحاولة تلمس الوحدة الموضوعية قَدَرًا؛ حيث طلب مني بعض الصالحين أن ألقي خاطرة عنها، فقرأتها كلها من الظلال، فتبين لي وجهٌ غير ما ذهب إليه سيد قطب رحمه الله، فقد تحدث سيد قطب في الظلال عن سورة إبراهيم بمنهجه الجميل الممتع المبتكر، وذهب إلى أنها تتحدث عن حقيقتين اثنتين، هما:
1-وحدة الرسالة والرسل، ووحدة دعوتهم، ووقوفهم أمة واحدة ضد الجاهلية المكذبة.
وتبع هذه الحقيقة عدة موضوعات جزئية، هي: التشابه بين رسالة سيدنا محمد ورسالة سيدنا موسى والأنبياء جميعهم، والتأكيد على بشرية محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء، فهم لا يستطيعون أن يأتوا بآية إلا بالاستعانة بالله، والتأكيد على أن هدف الدعوات هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهذا يتم بإذن الله لا بجهد الرسل، وتحقيق وعد الله للرسل والمؤمنين بهم إيمانا حقًّا في الدنيا بالنصر والاستخلاف، وفي الآخرة بالجنة، وللكافرين بالنار، ويؤكد هذا بعدة أمور: المشهد الجماعي للرسل كافة مع قومهم كافة. وتصوير يوم القيامة كأنه حقيقة واقعة. وصورة الشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة. وصورة أعمال الظالمين وهي تتطاير كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف.
2-نعمة الله على البشر وأنها تزيد بالشكر وتمحق بالكفر، ويقابلها أكثر الناس بالجحود.
وتبع هذه الحقيقة عدة موضوعات فرعية، هي: نعم الله ليست لطائفة دون طائفة. نعم الله لا تتضح إلا لكل صبار شكور. أهمية هذه النعم أنها تزيد المؤمن إيمانا ولعلها تكون تذكرة للكافر. وبعض النعم التي ذكرتها الآية: أجزاء الكون من سماء وقمر وشمس…والنور الحسي والمعنوي عامة، والرسل الذين جاءوا ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، دعوة الله الناس لغفران ذنوبهم، واصطفاء أنبياء من البشر.
وعن علاقة سيدنا إبراهيم التي سميت السورة باسمه بهذه الموضوعات رأى أنه مثال حي للموضوعين الرئيسين في السورة، فهو جزء من قافلة الأنبياء ومثال للصبر والشكر في نفسه، وفي أمر قومه بهما.
ولكن بالتعمق في معاني السورة المباركة، وبالتأمل فيها من أولها لآخرها وجدت أنها تتحدث عن موضوع واحد لا موضوعين، هو موضوع استراتيجية البلاغ، من حيث: إعداد المبلِّغ ومنهج البلاغ، وهدف المبلِّغ، وتحديد المستهدفين بالبلاغ واستراتيجية إبلاغهم.
وقد ذكر الله تعالى هدف السورة كلها في آخر آية، فهي: بلاغ للناس، وإنذار لهم، وللعلم بوحدانية الله، وتذكرة لأولي الألباب. وكل هذه المحاور هي مكونات البلاغ، فالبلاغ إنذار وتعليم وتذكرة. واستراتيجية هذا البلاغ بدأت تتسلسل في هذه السورة المباركة بدءا من أول آية، وسأحاول أن أتلمس ملامح هذه الاستراتيجية في السورة جَهْدِي بما يمنُّ الله به.
أولا: إعداد المُبَلِّغ: في السورة إعداد للمبلِّغ وهو الرسول صلى الله عليه وسلم من نواحٍ عدة، هي:
– التذكير بقوته التي يستمدها من قوة الله تعالى: (اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ). وأنه لا يريد الهداية للبشر من أجل منفعة منهم فإنه الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ-وقد كرَّر الله تعالى هذه الصفة عدة مرات في السورة- ولا من أجل إعانة أو تقوية فهو الواحد القهَّار ذو الانتقام.
-التأكيد على معية الله له؛ حتى لا يشعر أنه وحده في ميدان المعركة، فذكر الله تعالى أن رسله عندما هُدِّدوا من قومهم بالأذى ظهرت معية الله فورا، فأوحى إليهم وطمأنهم وبشرهم في آنٍ بالاستخلاف لهؤلاء المنتفشين بالباطل؛ (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ).
-التذكير بأنه ليس وحده في الطريق بل هو فرع في شجرة مباركة جذورها ممتدة في الأرض منذ آدم وستظل تتمدد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وجذعها وفروعها مستطيلة بين الدنيا والآخرة، وقد أنبتت ثمراتها فمنها ما يجنى في الدنيا ومنها ما يجنى في الآخرة، وأينعت واخضلت أوراقها، وأخذ أصحابها السابقون جزاءهم، وتحقق لهم موعود ربهم.
– تسفيه الباطل الذي يبدو للناظرين أنه قوي، وقد أكدت السورة هذا الأمر بعدة صور مختلفة، هدفها فسء انتفاشتهم بشكل كاريكاتيري، يسقطهم من النظر، ويبين ما خلف هذه الانتفاشة الكاذبة، وقد كرر الله تعالى هذه السخرية والتسفيه عدة مرات في السورة وشبهها بعدة تشبيهات؛ ففي الآيات من16-18 بين شكلهم البائس وهم بين يدي الله يجازيهم بما فعلوا، فيسقون من ماء صديد لا يستسيغونه ويتجرعونه غصبا عنهم، ففَمُهم الذي كان يجادل ويحاور ويهدد ويتوعد ويخرج منه الكلام فخما قويا متجبرا أصبح لا حول له ولا قوة، أصبح المتجبر الذي كان يدافع عن الباطل من أجل حياته ومصالحه يتمنى الموت ورغم أن الموت يحيط به وقريب منه فإنه لا يأتيه؛ ليظل في العذاب.
ثم يسفه الله تعالى من الأعمال الخيرة التي يقوم بها هؤلاء الجبارون، ويبحثون عنها ليقدموها أمام الله حجة لهم وشفيعا، ولكنها عند الله هباء تذروه الرياح فلا يبقى له أثر، ولا يستطيع صاحبه رده ليقدمه شفيعا له أمام الله.
ومن ذلك أيضا التأكيد على هشاشة الكفر وأنه كشجرة خبيثة، لا ورق يبهج ولا ثمر ينفع، ولا جذر يحفظ، لا تثبت أمام نفخة حتى وإن بدت مُعْجِبة قوية تأخذ بنظر الناظرين غير العارفين.
وفي الآية 43 يصور حالهم البائس وهم مسرعون في السير ونظرهم ثابت نحو الداعي يوم القيامة لا يطرف لهم جفن، رافعو رؤوسهم من الهول، وأفئدتهم التي كانت قوية في محاربة أولياء الله بلا هوادة جريئة في التجني عليهم أصبح مكانها فارغا، قد انخلعت من الخوف، فهم بلا قلوب.
ويصور توسلاتهم في الآية 44، حيث أخيرا عرفوا أن الله حق فأصبحوا ينادونه (ربنا) بدون حرف نداء، بعد أن أنكروا وجوده في حياتهم، فيطلبون بكل ذل أن يأخذوا فرصة ثانية صغيرة ويعِدُون أنهم لو أخذوا هذه الفرصة فسيتغير تعاملهم مع دعوته ومع الرسل، ويأتيهم الرفض مقرونا بالتوبيخ، ألم تقسموا بالأيمان الغليظة أن نهايتكم ستكون في القبور وليس هناك وراء القبر بعث ولا حساب؟
ويتكرر هذا التسفيه في الآية 49، 50، حيث صور الله تعالى صَغَارَهم وهم مقيدون بالسلاسل، وليس كل فرد مقيدا وحده بل مقرون مع غيره، كما كانوا في الدنيا يقفون بجانب بعضهم ضد الحق يؤازر بعضهم بعضا، وقمصانهم من مادة سريعة الاشتعال وتحفظ الحرارة على الجسد فلا يبرد أبدا وتتحرش النار بوجوههم التي كانت بها وجاهتهم في الدنيا.
الضمانات: ضمن الله تعالى للمبلِّغ عدة أمور:
-النصر والاستخلاف، كما جاء في الآية13، 14، ولم يذكر الله تعالى هذا الضمان مباشرة بل لمح له في حوار داخل حوار؛ في حوار موسى مع قومه الذي ذكر فيه حوار الرسل مع أقوامهم، إذ هدَّدهم أقوامهم بالإخراج فتدخل الله تعالى وأوحى إليهم أن المتجبرين ليس لديهم وقت كاف لفعل ذلك؛ لأن الله سيهلكهم ويستخلفكم مكانهم.
– التثبيت، ففي الآية 27 أكد الله تعالى لرسوله أنه يثبِّت رسله، فلا تخش زعزعة.
– عدم غفلة الله عن الظالمين، ففي الآية 42، أكد الله تعالى لنبيه أنه لا يغفل عن الظالمين وأعمالهم حتى وإن امتد بهم الزمن، ولكنه يؤخِّرهم ليوم أشد من الأيام التي تكبروا فيها، وهذا التأخير ليس بُطْئًا كما يُظَنُّ ولكنه عين السرعة في العقاب.
– غَلَبَة مكر الله لمكر الظالمين: ففي الآية 46 التأكيد على عدم التَّضَعْضُع أمام مكر الظالمين رغم شدته وعِظَمِهِ لدرجة تزيل الجبال، والطَّمْأَنة بأن مكر الله أقوى من هذا المكر وإن عَظُمَ.
-التأكيد على أن الله لا يخلف وعده للرسل، فاطمئِن بأن وعود الله لك قبل خوض المعركة لن تُخلف أثناء المعركة، فتكون في وسطها ثم تفاجأ بأن الوعد قد اختلف، وأصبحت في وضع سيئ، ولا تظنَّنَّ هذا الظن بسبب تأخر نصر أو استطالة باطل،كما في الآية 47.
معينات المبلِّغ:
–التوكل على الله. وقد فعل ذلك الرسل السابقون كما جاء في حوار موسى مع قومه في الآية 12.
-الصبر على الأذى كما جاء في الآية السابقة أيضا.
ثانيا: منهج البلاغ: هو القرآن الكريم، وهذا يتضح من أول آية(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ).
ثالثا: هدف المبلغ: إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وإلى صراط الله، هذا هو هدف سيدنا محمد الذي أمره الله به في أول آية، وهدف سيدنا موسى كما ذكر في الآية 5.
القيد: لا يتم هذا الخروج بجهد المبلغ بل بإذن الله، فإنه وحده له المشيئة المطلقة في هداية من يريد وإضلال من يريد، وليس بجهد الرسل، وقد ذكر الله تعالى ذلك في الآية الأولى(بِإِذْنِ رَبِّهِم)، وأكده في الآية 4.
رابعا: تحديد المستهدفين بالبلاغ واستراتيجية إبلاغهم:
الناس عامة: كما ذكر في أول آية(لِتُخْرِجَ النَّاسَ)، وأيضا في الآية 44(وَأَنذِرِ النَّاسَ). وهم الأقرب والأرجى للخروج من الظلمات إلى النور؛ لأنهم لا يكذبون ولا يعاندون ولكن لأنهم واقعون تحت تأثير المجرمين الظالمين، فإذا انكشف لهم الغطاء، وحجبت عن عقولهم المؤثرات آمنوا وخرجوا من الظلمات إلى النور.
الكافرون:وقد بيَّن في الآية الثالثة صفاتهم، فهم: يستحبون الحياة الدنيا عن الآخرة، ولا يستكفون بكفرهم بل يتعدون ذلك فهم يصدون الناس أيضا عن سبيل الله، ويبغونها عوجا؛ لأن في ذلك صلاح مصالحم الدنيوية التي لا يرون غيرها، وقد ذكر الله تعالى جزاءهم قبل أن يذكر وسيلة البلاغ لهم، ثم بعد ذلك ذكر عدة استراتيجيات لتوصيل البلاغ لهم، هي:
1-مخاطبتهم بلسانهم: واللسان هو اللغة والتاريخ والثقافة وواقع حياتهم.
2- التذكير بأيام الله: كما أمر الله سيدنا موسى عليه السلام بأن يفعل مع بني إسرائيل؛ ففي التذكير بأيام الله عظة لمن كان صابرا وشاكرا، وطبق موسى هذا الأمر فذكرهم بنعمة الله عليهم بنجاتهم من فرعون وقتله لأبنائهم وإبقاء النساء ليكونوا قوما ضعفاء بدون بأس أو قوة أو مَنَعَة، وذكَّرهم بأيام الله مع الأقوام السابقة مثل قوم نوح وعاد وثمود ومَن بعدهم، الذين كذبهم قومهم وأعلنوا شكهم في رسالتهم.
3- تأكيد عزة الله واستغنائه عن البشر: وقد كرر الله تعالى هذا الأمر مرتين في الآية8 على لسان موسى عليه السلام، وفي الآيتين (19، 20) بخطاب مباشر من الله تعالى لنبيه محمد.
4- التأكيد على بشرية الرسل، وأن اختيارهم من أناس معينين منة وفضل من الله، وأنهم مؤيدون من قبل الله تعالى، وأنهم لا يستطيعون الإتيان بآية إلا بمعونة الله تعالى كما جاء على لسان الرسل لأقوامهم في الآية11.
5-دعوتهم للاستمرار في التمتع في الضلال مع تذكيرهم بالمصير، كما جاء في خطاب مباشر للرسول صلى الله عليه وسلم في الآية 30؛ (قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ).
6- الدعاء: وهي استراتيجية إبراهيم عليه السلام، وقد ذكرت في الآيات (35-41)؛ حيث دعا بالأمن للبلد الحرام، وبتجنيبه وأبنائه عبادة الأصنام، وبالغفران لمن عصاه، وبأن يجعل أفئدة من الناس تهوي للبلد الحرام ليؤنسوا زوجته وابنه، وبالرزق، كما شكر الله على وهب الذرية على الكبر، ودعا بأن يجعله الله يقيم الصلاة هو وذريته، وبالغفران له ولوالديه وللمؤمنين. فيجب على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستعين بالدعاء كما استعان إبراهيم عليه السلام، تماما كما استعان باستراتيجية موسى في التبليغ القائمة على التذكير بأيام الله.
6- تذكيرهم بأن الشيطان الذي يغويهم سيتبرأ منهم يوم القيامة، بعد أن كان يعين الجبابرة الظالمين الكافرين ويوسوس لهم ويمنيهم ويعدهم، كما في الآية22.
الذين آمنوا: ولهم استراتيجية تبليغ خاصة ذكرت في الآية31، وهي: إقامة الصلاة، والإنفاق سرا وعلانية، وتذكر نعم الله تعالى من سماوات وأرض ومطر وثمر، وفلك تسير في البحار وأنهار، وشمس وقمر دائبين لا يفتران عن الحركة، وليل ونهار، وإعطائهم كل ما سألوه، وغيرها من نعم كثيرة لا يمكن حصرها، تستوجب الشكر، ولهم في سيدنا إبراهيم أسوة في الحمد والشكر لله على نعمه، فقصة إبراهيم ذكرت هنا لغرضين والله أعلم؛ استراتيجية دعوة يقتضي بها المبلِّغ، وقدوة للمؤمنين، ولعل هذا هو سبب تسمية السورة باسمه.
الضعفاء: وقد ذكرهم الله تعالى في الآية 21، واستراتيجية الحديث معهم ليست المجادلة ولكن التذكير بأن الضالين الظالمين الذين يزينون لهم الباطل ليتبعوهم عليه لن يغنوا عنهم شيئا يوم القيامة وسيتبرؤون منهم بل يصل الأمر لحد السخرية منهم، وتذكيرهم بحالهم البائس في موقف الحساب وهم يحدوهم أمل في أن ينقذهم سادتهم الذين أفسدوا عليهم دنياهم وآخرتهم، فيطلبون منهم أن يتحملوا عنهم شيئا من العذاب، ولكن يأتيهم الرد مخيبا: ( لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ)، سخرية منهم وعدم تقدير لتبعيتهم لهم، بل بالعكس يصعِّبون عليهم الموقف أكثر ويغلقون أمامهم أي أمل، ويقولون: لن يفيد الجزع ولا الصبر، فلن ينقذنا من يد الله أحد، فالضعفاء تبعوا الجبابرة المضلين في الدنيا ولم يستفيدوا منها كما استفاد هؤلاء الجبابرة، وفي الآخرة لاقوا المصير نفسه بحذافيره، وكأنهم كانوا هم الجبابرة.
ومما سبق نلاحظ اتساق آيات السورة وموضوعاتها الجزئية جميعها بسلاسة في سلك موضوع واحد وهو إستراتيجية البلاغ، دون تأويل بعيد أو وصل لما لا يوصل، مما يثبت وجود الوحدة الموضوعية في سورة إبراهيم، وإمكانية تلمسها في بقية القرآن الكريم، والله أعلى وأعلم.
