(قطُّ) ودلالة استعمالاتها في الأساليب الفصيحة
د. مصطفى شعبان
و(قَطُّ) من ظروف الزمان غير المتصرفة مطلقًا ، بمعنى أنها تلازم النصب على الظرفية، وهي تختص عند جمهرة النحاة باستغراق النفي في الزمان الماضي ، فهي تفيد تأبيد النفي للماضي ، تقول : ما فعلته قطُّ.
قال ابن مالك : ((إذا قُصد عموم وقت الفعل الماضي المنفي جيء بعد نفي الفعل بقَطُّ أو قَطٍ أو قَطْ)) (1).
وقد جاء في عبارة الشيخ البيضاوي (قط) لنفي المستقبل ، إذ يقول في تفسير معنى قوله تعالى : ((لا يَسْبِقُونَهُ بالقَوْلِ وهُمْ بِأمْرِهِ يَعْمَلونَ))[الأنبياء:27] : ((لا يعملون قطُّ ما لم يأمرهم به)) (2).
وقد خطَّأ شهاب الدين الخفاجي في حاشيته على البيضاوي عبارة البيضاويِّ ونقل كلامَ صاحب القاموس في استعمالها العربي، وأنها : ((تختص بالنفي ماضيًا ، والعامة تقول : لا أفعله قطُّ)) (3)، ثم قال الشهاب: ((وهو لحن ، يعني : استعماله في المستقبل كما في عبارة المصنـف - رحمه الله – خطأ مشهور)) (4).
وقد سبق الفيروزآباديَّ إلى تلحين استعمال ((قط)) في المستقبل ابنُ يعيش، وابنُ هشام .
قال ابن يعيش: ((اعلم أن ((قط)) بمعنى الزمان الماضي ، يقال: ما فعلته قطُّ، ولا يقال: لا أفعله قطُّ))(5).
وقال ابن هشام: ((وتختص بالنفي ، يقال: ((ما فعلته قط)) والعامة يقولون: لا أفعله قطُّ، وهو لحن، واشتقاقه من ((قطَطْتهُ))، أي : قطعته ، فمعنى ما فعلته قطُّ: فيما انقطع من عمري – أي مضى من عمري - ، لأن الماضي منقطع عن الحال والاستقبال))(6).
فـ(قطُّ) على كلام النحاة موضوعة في أصل وضعها على استغراق نفي الماضي(7). فاختصاص استعمال (قط) في نفي المضيِّ مؤيد بأصل الوضع الاشتقاقي، والوارد السماعي .
أما أصل الوضع الاشتقاقي – كما سلف – فلأنه مشتق من المصدر (القطِّ) وهو القطع ثم نقلت إلى الظرفية ، ولذلك قال الرضي : ((وقط لا يستعمل إلا بمعنى أبدًا ؛ لأنه مشتق من القط وهو القطع ، كما تقول : لا أفعله البتة)) (8).
كما أن الواردَ من لغاتٍ في ((قط)) خمس لغات وكلها لنفي الماضي .
قال الجامي في ((شرح الكافية)) (9): ((ومنها ((قَطُّ)) مفتوح القاف ومضموم الطاء المشددة وهذا أشهر لغاته ، وقد يخفف الطاء المضمومة ، وقد يضم القاف اتباعًا لضمة الطاء المشددة أو المخففة، وجاء (قَطْ) ساكنة الطاء مثل (قط) الذي هو اسم فعل – فهذه خمس لغات كلها ((للماضي المنفي)) أي لأجل الفعل الماضي المنفي، وقوع شيء فيه ليستغرق النفي جميع الأزمنة الماضية، نحو : ((ما رأيته قط)).
وقيل في أسباب بناء (قط) إنه بني لتضمنه معنى (في ومن) الاستغراقية على سبيل اللزوم(10)، وقيل: لتضمنه معنى لام الاستغراق لزومًا لاستغراقه جميع الماضي (11)، وقيل: علة بنائها تضمنها معنى حرفي ابتداء الغاية وانتهائها أي (من وإلى)، والمعنى : ما فعلته منذ خلقني الله تعالى إلى الآن(12).
وفي ذلك تأييد لأصل وضعها الموضوع للماضي .
ويزيد هذا التأييد قوة أن قط – عند ابن مالك – يقع مع فعل غير منفي لفظًا ولا معنى ،أو منفي لفظًا لا معنى ، وفي كلا الأمرين لا يخلو (قط) من أن يكون بمعنى استغراق المضي ، وابن مالك يستشهد على جواز الأمرين بالحديث الشريف :
فمثـال الواقـع مع فعـل غير منفـي لفظًا ولا معـنى : قول بعض الصحابـة - رضي الله عنهم - : ((قصرنا بالصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ما كنا قَطُّ وآمنه)) (13).
ومثله في خلوه من النفي لفظًا ومعنى ما أورده صاحب القاموس( ) نقلًا من ((صحيح البخاري)): ((أطول صلاة صليتها قطُّ)).
ونقلًا عن ((سنن أبي داود)) (14): ((توضأ ثلاثًا قَطُّ)).
وقال الفيروزآبادي: ((وأثبته ابن مالك في الشواهد لغة ، قال: وهي مما خفي على كثير من النحاة)) (15).
ومثال الواقع بعد غير المنفي لفظًا لا معنى: ما ورد في الحديث: أن أُبيًّا قال: كأين تقرأ سورة الأحزاب ؟ فقال عبد الله: ثلاثًا وسبعين ، فقال: ((قطَّ))، أي: ما كانت كذا قط)) (16).
وفي المثل : ((يا عَمَّاهْ، هَلْ كُنْتَ أَعْوَرَ قطُّ!)).
فالشواهد التي استشهد بها ابن مالك على جواز استعمال (قط) بعد الإثبات، أي: دون نفي لفظًا ومعنى، أو لفظًا لا معنى؛ لابد أن تؤول على استغراق (قط) للماضي ، فهي في كلا الاستعمالين :
أي على ما ذهب الجمهور أنها لا تستعمل إلا بعد نفي، فلا تستعمل في الإيجاب .
وعلى ما ذهب ابن مالك – من أنها قد تستعمل مع المثبت لفظًا ومعنى، أو مع المثبت لفظًا والمنفي معنىً ، فإنها تفيد استغراق الماضي .
إذًا فمجيؤها لنفي المستقبل استعمال يرفضه الوضع والسماع فضلًا عن أنه مخالف لما ذهب إليه جمهور النحاة ، فما قرره الخفاجيُّ هو الصواب .
د. مصطفى شعبان
و(قَطُّ) من ظروف الزمان غير المتصرفة مطلقًا ، بمعنى أنها تلازم النصب على الظرفية، وهي تختص عند جمهرة النحاة باستغراق النفي في الزمان الماضي ، فهي تفيد تأبيد النفي للماضي ، تقول : ما فعلته قطُّ.
قال ابن مالك : ((إذا قُصد عموم وقت الفعل الماضي المنفي جيء بعد نفي الفعل بقَطُّ أو قَطٍ أو قَطْ)) (1).
وقد جاء في عبارة الشيخ البيضاوي (قط) لنفي المستقبل ، إذ يقول في تفسير معنى قوله تعالى : ((لا يَسْبِقُونَهُ بالقَوْلِ وهُمْ بِأمْرِهِ يَعْمَلونَ))[الأنبياء:27] : ((لا يعملون قطُّ ما لم يأمرهم به)) (2).
وقد خطَّأ شهاب الدين الخفاجي في حاشيته على البيضاوي عبارة البيضاويِّ ونقل كلامَ صاحب القاموس في استعمالها العربي، وأنها : ((تختص بالنفي ماضيًا ، والعامة تقول : لا أفعله قطُّ)) (3)، ثم قال الشهاب: ((وهو لحن ، يعني : استعماله في المستقبل كما في عبارة المصنـف - رحمه الله – خطأ مشهور)) (4).
وقد سبق الفيروزآباديَّ إلى تلحين استعمال ((قط)) في المستقبل ابنُ يعيش، وابنُ هشام .
قال ابن يعيش: ((اعلم أن ((قط)) بمعنى الزمان الماضي ، يقال: ما فعلته قطُّ، ولا يقال: لا أفعله قطُّ))(5).
وقال ابن هشام: ((وتختص بالنفي ، يقال: ((ما فعلته قط)) والعامة يقولون: لا أفعله قطُّ، وهو لحن، واشتقاقه من ((قطَطْتهُ))، أي : قطعته ، فمعنى ما فعلته قطُّ: فيما انقطع من عمري – أي مضى من عمري - ، لأن الماضي منقطع عن الحال والاستقبال))(6).
فـ(قطُّ) على كلام النحاة موضوعة في أصل وضعها على استغراق نفي الماضي(7). فاختصاص استعمال (قط) في نفي المضيِّ مؤيد بأصل الوضع الاشتقاقي، والوارد السماعي .
أما أصل الوضع الاشتقاقي – كما سلف – فلأنه مشتق من المصدر (القطِّ) وهو القطع ثم نقلت إلى الظرفية ، ولذلك قال الرضي : ((وقط لا يستعمل إلا بمعنى أبدًا ؛ لأنه مشتق من القط وهو القطع ، كما تقول : لا أفعله البتة)) (8).
كما أن الواردَ من لغاتٍ في ((قط)) خمس لغات وكلها لنفي الماضي .
قال الجامي في ((شرح الكافية)) (9): ((ومنها ((قَطُّ)) مفتوح القاف ومضموم الطاء المشددة وهذا أشهر لغاته ، وقد يخفف الطاء المضمومة ، وقد يضم القاف اتباعًا لضمة الطاء المشددة أو المخففة، وجاء (قَطْ) ساكنة الطاء مثل (قط) الذي هو اسم فعل – فهذه خمس لغات كلها ((للماضي المنفي)) أي لأجل الفعل الماضي المنفي، وقوع شيء فيه ليستغرق النفي جميع الأزمنة الماضية، نحو : ((ما رأيته قط)).
وقيل في أسباب بناء (قط) إنه بني لتضمنه معنى (في ومن) الاستغراقية على سبيل اللزوم(10)، وقيل: لتضمنه معنى لام الاستغراق لزومًا لاستغراقه جميع الماضي (11)، وقيل: علة بنائها تضمنها معنى حرفي ابتداء الغاية وانتهائها أي (من وإلى)، والمعنى : ما فعلته منذ خلقني الله تعالى إلى الآن(12).
وفي ذلك تأييد لأصل وضعها الموضوع للماضي .
ويزيد هذا التأييد قوة أن قط – عند ابن مالك – يقع مع فعل غير منفي لفظًا ولا معنى ،أو منفي لفظًا لا معنى ، وفي كلا الأمرين لا يخلو (قط) من أن يكون بمعنى استغراق المضي ، وابن مالك يستشهد على جواز الأمرين بالحديث الشريف :
فمثـال الواقـع مع فعـل غير منفـي لفظًا ولا معـنى : قول بعض الصحابـة - رضي الله عنهم - : ((قصرنا بالصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ما كنا قَطُّ وآمنه)) (13).
ومثله في خلوه من النفي لفظًا ومعنى ما أورده صاحب القاموس( ) نقلًا من ((صحيح البخاري)): ((أطول صلاة صليتها قطُّ)).
ونقلًا عن ((سنن أبي داود)) (14): ((توضأ ثلاثًا قَطُّ)).
وقال الفيروزآبادي: ((وأثبته ابن مالك في الشواهد لغة ، قال: وهي مما خفي على كثير من النحاة)) (15).
ومثال الواقع بعد غير المنفي لفظًا لا معنى: ما ورد في الحديث: أن أُبيًّا قال: كأين تقرأ سورة الأحزاب ؟ فقال عبد الله: ثلاثًا وسبعين ، فقال: ((قطَّ))، أي: ما كانت كذا قط)) (16).
وفي المثل : ((يا عَمَّاهْ، هَلْ كُنْتَ أَعْوَرَ قطُّ!)).
فالشواهد التي استشهد بها ابن مالك على جواز استعمال (قط) بعد الإثبات، أي: دون نفي لفظًا ومعنى، أو لفظًا لا معنى؛ لابد أن تؤول على استغراق (قط) للماضي ، فهي في كلا الاستعمالين :
أي على ما ذهب الجمهور أنها لا تستعمل إلا بعد نفي، فلا تستعمل في الإيجاب .
وعلى ما ذهب ابن مالك – من أنها قد تستعمل مع المثبت لفظًا ومعنى، أو مع المثبت لفظًا والمنفي معنىً ، فإنها تفيد استغراق الماضي .
إذًا فمجيؤها لنفي المستقبل استعمال يرفضه الوضع والسماع فضلًا عن أنه مخالف لما ذهب إليه جمهور النحاة ، فما قرره الخفاجيُّ هو الصواب .
(1 ) ((شرح التسهيل)) (2/221).
( 2) ((أنوار التنزيل)) (4/49) .
(3 ) ((القاموس المحيط)) للفيروزآبادي (ص: 629) .
(4 ) ((حاشية الشهاب على البيضاوي)) (6/250) .
( 5) ((شرح مفصل الزمخشري)) (4/108) .
( 6) ((مغني اللبيب)) (1/405) .
( 7) ((حاشية الدسوقي على مغني اللبيب)) (1/405) .
( 8) ((شرح كافية ابن الحاجب)) (2/124) ، وانظر: ((الهمع)) (2/217) .
( 9) ((شرح كافية ابن الحاجب)) لنور الدين الجامي (2/146) .
(10 ) ((شرح التسهيل)) لابن مالك (2/222) .
( 11) ((شرح الكافية)) للرضي (2/125) .
( 12) ((شرح التصريح)) (1/342) .
(13 ) ((شرح التسهيل)) (2/221) ، والحديث أخرجه الإمام البخاري في ((صحيحه)) [كتاب الحج (25) – باب الصلاة بمنى (84) – حديث رقم (1656)] والحديث ذكره ابن مالك في ((شواهد التوضيح)) (ص:190)، وقد يجاب على ابن مالك بأن كلمة ((قط)) متعلقة بمحذوف تقديره: ونحن ما كنا أكثر منا في ذلك الوقت ولا أكثر أمنًا وهو ما جاوب به الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (2/686) وجاء في كلامه : ((وكلمة (قط) – يعني في هذا الحديث – متعلقة بمحذوف تقديره : ونحن ما كنا أكثر منا في ذلك ولا أكثر أمنا ، وهذا يستدرك به على ابن مالك حيث قال : استعمال (قط) غير مسبوقة بالنفي مما يخفى على كثير من النحويين (قد جاء في هذا الحديث بدون النفي) .
(14 ) القاموس المحيط)) (ص: 629) .
(15 ) كتاب الطهارة – باب صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم - حديث رقم (110) ((سنن أبي داود السجستاني)) (المتوفى سنة: 275هـ)– تحقيق رضوان جامع رضوان – طبعة مكتبة أولاد الشيخ 1423هـ - 2002م / (ص:27).
( 16) ((القاموس المحيط)) (ص: 629) .
(17 ) ((شرح التسهيل)) لابن مالك (2/221) ، وانظر : ((ارتشاف الضرب)) لأبي حيان (3/1425-1426).
( 2) ((أنوار التنزيل)) (4/49) .
(3 ) ((القاموس المحيط)) للفيروزآبادي (ص: 629) .
(4 ) ((حاشية الشهاب على البيضاوي)) (6/250) .
( 5) ((شرح مفصل الزمخشري)) (4/108) .
( 6) ((مغني اللبيب)) (1/405) .
( 7) ((حاشية الدسوقي على مغني اللبيب)) (1/405) .
( 8) ((شرح كافية ابن الحاجب)) (2/124) ، وانظر: ((الهمع)) (2/217) .
( 9) ((شرح كافية ابن الحاجب)) لنور الدين الجامي (2/146) .
(10 ) ((شرح التسهيل)) لابن مالك (2/222) .
( 11) ((شرح الكافية)) للرضي (2/125) .
( 12) ((شرح التصريح)) (1/342) .
(13 ) ((شرح التسهيل)) (2/221) ، والحديث أخرجه الإمام البخاري في ((صحيحه)) [كتاب الحج (25) – باب الصلاة بمنى (84) – حديث رقم (1656)] والحديث ذكره ابن مالك في ((شواهد التوضيح)) (ص:190)، وقد يجاب على ابن مالك بأن كلمة ((قط)) متعلقة بمحذوف تقديره: ونحن ما كنا أكثر منا في ذلك الوقت ولا أكثر أمنًا وهو ما جاوب به الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (2/686) وجاء في كلامه : ((وكلمة (قط) – يعني في هذا الحديث – متعلقة بمحذوف تقديره : ونحن ما كنا أكثر منا في ذلك ولا أكثر أمنا ، وهذا يستدرك به على ابن مالك حيث قال : استعمال (قط) غير مسبوقة بالنفي مما يخفى على كثير من النحويين (قد جاء في هذا الحديث بدون النفي) .
(14 ) القاموس المحيط)) (ص: 629) .
(15 ) كتاب الطهارة – باب صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم - حديث رقم (110) ((سنن أبي داود السجستاني)) (المتوفى سنة: 275هـ)– تحقيق رضوان جامع رضوان – طبعة مكتبة أولاد الشيخ 1423هـ - 2002م / (ص:27).
( 16) ((القاموس المحيط)) (ص: 629) .
(17 ) ((شرح التسهيل)) لابن مالك (2/221) ، وانظر : ((ارتشاف الضرب)) لأبي حيان (3/1425-1426).

تعليق