الصَّعْقَة الغَضَبِيَّة في الرَّدِّ عَلى مُنْكِري العَرَبِيَّة.. للإمام الطوفي – رحمه الله تعالى -
فرح الشويخ
تمهيد
شرَّف الله اللغةَ العربيةَ بأن جعلها وعاء كتابه المجيد" القرآن"، وقال: «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»[يوسف:2] ؛ وذلك لأن لغة العرب أفصحُ اللغات وأبينُها وأوسعُها وأكثرُها تأدية للمعاني التي تقوم في النفوس، كما أنها لغة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامعَ الكلم واختُصر له الكلامُ اختصارا؛ إذ كان أفصحَ العرب لسانا، وأوضحَها بيانا، وأسمحَها كفا وبنانا، وأجمحَها إلى المكرُمات عنانا(1)، فشرفت لشرف القرآن وعظمت لعظمته.
وإذا كانت لكل أمة ميزة امتازت بها فميزة العرب في لغتهم وشهرتهم بالسموّ في البلاغة والفصاحة معا، ومن أجل ذلك نزل القرآن الكريم « قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ» [الزمر:28] بأفصح الكلام وأبلغ البيان ليتحداهم في أغلى ما يملكون تماشيا مع السنة الإلهية التي تقضي بأن تكون معجزة كل رسول مما امتاز به قومه، لا سيما في القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى معجزا تحدى به الفُصحاءَ فأعجزهم، ودعا لمناضلته البلغاء فأخرسهم(2).
ولما كانت اللغة العربية آلة ضرورية لفهم الخطاب الشرعي وتوجيهه والعمل به، فإنه لا سبيل إلى فهمه دون فهم هذه اللغة والتمكن من معرفة مكنونها وسبر أغوارها، خاصة معرفة علم العربية، والنظر في اصطلاحاتها الأدبية التي نزل على وفقها الكتاب، ووردت بها السنن والآداب وهي إلى علم الشريعة أبلغ الأسباب(3)، يقول ابن تيمية – رحمه الله تعالى -:" فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"(4).
وقد سخر الله لهذه اللغة علماء أفذاذا قاموا ببيان عظمة العربية وأهميتها والدفاع عنها وتجلية محاسنها وجوانب الإشراق والسمو فيها وبيان صلتها بالعلوم الشرعية وحاجة هذه العلوم إليها وأثرها الكبير في هذه العلوم(5). فبدأ التصنيف في هذا المجال قديما منذ الكسائي والإمام محمد بن الحسن الشيباني في كتابه المعروف بــ « الجامع الكبير» حيث أدار هذان الأخيران مسائل الفقه على مسائل العربية، يضاف إليها جهود الإمام الغزالي خاصة في كتابه «الوجيز» والنووي في كتابه «روضة الطالبين» وغيرهم من العلماء، بل لقد بدأ التفكير في الأمر قبل ذلك بكثير مع جيل الصحابة والتابعين حيث ظهرت فكرة استنباط الأحكام الشرعية من اللغة العربية ظهورا ملموسا، غير أنه من الثابت تاريخيا أن هذا الضرب من التأليف لم يُخَصَّ بمصنف ينهض بمهمة جمع هذه المسائل في كتاب شامل، من هنا تأتي أهمية كتاب «الصَّعْقة الغَضَبِيَّة في الرَّدِّ عَلى مُنْكِري العَرَبِيَّة» لصاحبه الإمام الطوفي، وهو الكتاب الذي حاز مزية السبق في هذا المجال.
التعريف بالمؤلِّف:
اسمه ونسبه مولده:
هو: نجم الدّين أبو الرّبيع سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم بن سعيد الطّوفي الصَّرْصَرِي ثم البغدادي، الحنبلي الأصولي المتفنن(6) اختلفت المصادر في السنة التي ولد فيها الطوفي فمن قائل: ولد سنة بضع وسبعين وستمائة(7) ومن قائل ولد سنة 657 هـ(8) وقد رجح محقق الكتاب محمد بن خالد الفاضل القول الأول كما رجح أن تكون ولادته في سنة 675هـ تقريبا، بقرية طوفى من أعمال صَرْصَرَ(9).
شيوخه:
ولد الطوفي كما قلنا سابقا في قرية (طوفى)، وحفظ بها «مختصر الخرقي» في الفقه، و«اللّمع» في النحو لابن جنّي، وتردد إلى صَرْصَرَ، وقرأ الفقه بها(10)، وقرأ فيها على الشيخ زين الدين علي بن محمد الصَّرْصَرِيِّ الحنبليِّ النحويِّ، ثم انتقل إلى بغداد وتلمذ بها على مجموعة من شيوخ العلم، فحفظ «المحرّر» في الفقه الحنبلي لابن تيمية وبحثه على الشيخ تقي الدّين الزَّرِيراني [729هـ]، وقرأ العربية والتصريف على أبي عبد الله محمد بن الحسين الموصليِّ [735هـ]، والأصول على النّصير الفارقيِّ [706هـ](11) وغيرهم. وقرأ الفرائض وشيئا من المنطق، وجالس فضلاء بغداد في أنواع الفنون، وعلّق عنهم. وسمع الحديث من ابن الطبّال [708هـ] وغيره (12).
انتقل الطوفي بعد ذلك إلى دمشق ودخلها سنة أربع وسبعمائة وأقام بها سنة واحدة، ومن العلماء الذين قرأ عليهم في دمشق شيخ الإسلام ابن تيمية[728هـ] والقاضي تقي الدين سليمان بن حمزة[715هـ]، والشيخ مجد الدين الحراني الدمشقي الحنبلي [729هـ] وغيرهم كثير.
أما شيوخه في القاهرة، وهي محطته التالية التي دخلها سنة 705هـ، فتتلمذ فيها لمجموعة من الشيوخ نذكر منهم: الحافظ عبد المؤمن بن خلف [705هـ]، والقاضي سعد الدّين الحارثي [711هـ]، وقرأ على أبي حيّان النّحوي [745هـ] «مختصره» لكتاب سيبويه(13)، وبعد القاهرة توجه الطوفي إلى قوص ومن شيوخه فيها الكمال ابن جعفر[748هـ]، وتوجه بعدها إلى بلاد الحرمين ومن شيوخه هناك السكاكيني [721هـ] ثم إلى فلسطين حيث توفي.
تلامذته:
ذكر العليمي في «الأنس الجليل» أن الطوفي - رحمه الله- وَلي الإعادة بالمدرسة الناصرية والمنصورية(14) أثناء إقامته بالقاهرة غير أن ما يلفت النظر هو قلة تلاميذه بحيث لم تحتفظ لنا المصادر إلا بقلة قليلة، ومنهم عبد الرحمن القوصي[724هـ] وابن كاتب المرج القوصي الصعيدي [745هـ تقريبا] أيضا.
عقيدته ومذهبه:
كان الطوفي - رحمه الله- حنبلي المذهب، وفي ذلك يقول الصفدي:" كان فقيهاً حنبليا، عارفاً بفروع مذهبه مليا"(15)، فقد تتلمذ لمجموعة من شيوخ الحنابلة الذين كان لهم تأثير واضح في مذهبه في الفقه، وقد اتهم الطوفي بالتشيع والرفض وهي أسوأ ما تعرض له الطوفي في حياته وبعد مماته، وما لحقه الأذى في حياته وبعد مماته إلا بسببها، وما انصرف الناس عن الاهتمام به حيا وميتا إلا بسببها(16) يقول ابن رجب:" وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ كله شيعيا منحرفا فِي الاعتقاد عَنِ السنة"(17).
وقد لحقته تهمة التشيع والوقوع في أبي بكر وابنته عائشة رضي الله عنها بعد دخوله القاهرة بأعوام في مجلس شيخه سعد الدين الحارثي؛ بحيث شهد له بالرفض فعُزِّرَ وضُرِبَ وشُهِرَ وحبس ثم أطلق؛ كما صرف الناس عنه وكان ذلك سبب توجهه إلى قوص.
وقد دفع مجموعة من الباحثين المعاصرين هذه التهمة اعتمادا على آرائه التي وردت في كتبه، ورجح الباحث محمد بن خالد الفاضل أن يدا خفية في القاهرة -في تلك الحقبة- كانت وراء هذه المكائد وما شابهها(18)، وانتهى الباحث مصطفى زيد – محقق كتابه «المصلحة في التشريع الإسلامي»- بعد عرضه جملة من آراء الطوفي في الرد على الشيعة إلى دحض هذا الاتهام حيث قال:" وهكذا يمضي الطوفي في إبطال مزاعم الشيعة كلما عرض لآية يرون فيها دليلا لهم على بعض ما ينادون به، أو آية يرى هو فيها ردا عليهم" (19)، ويقول في موضع آخر:" كذلك لا يبدو معقولا أن تكون جميع مؤلفات الطوفي في الفقه وأصوله على مذهب أحمد بن حنبل ثم يقال: إنه شيعي.." (20).
مصنفاته:
تنوعت معارف الطوفي العلمية لتنوع الشيوخ الذين أخذ عنهم سواء في أصول الفقه أو الحديث، أو النحو واللغة والأدب وغيرها من العلوم والفنون التي أجاد التصنيف فيها، وذُكِرَ منها ما ينيف على الأربعين مصنفا بين كتاب ورسالة وديوان شعر، غير أن معظم هذه التصانيف ضاع ولم يحفظ لنا التاريخ سوى أسماءها أو أسماء من وقف عليها، ومن مصنفاته المحققة والمطبوعة نذكر:
- الإكسير في قواعد التفسير: وهو كتاب تناول فيه ما يجب أن يضطلع به العالم المتصدي لتفسير القرآن الكريم من علوم مختلفة، في طليعتها علم البلاغة، وعرج في صلب الكتاب إلى كثير من فروع البلاغة(21)، قام بتحقيقه الدكتور عبد القادر حسين أستاذ البلاغة والنقد بكلية البنات الإسلامية جامعة الأزهر، وطبع بمكتبة الآداب – القاهرة.
-الشعار على مختار الأشعار: وهي رسالة في نقد الشعر وتمييزه، وكيفية الاطلاع على مجهور زيوفه وجواهر كنوزه كما يقول الطوفي، قام بتحقيقه الدكتور عبد العزيز المانع، جامعة الملك سعود.
-عَلَم الجَذَل في علم الجدل: يقول الطوفي:" فهذا كتاب ألفته في الجدل والمناظرة، بحسب ما اقتضته القريحة المستخرجة والقوة الناظرة، مقرا فيه بالتقصير، معترفا بباع في العلم قصير"(22)، قام بتحقيقه المستشرق فولفهارت هاينريشس، وطبع سنة1987م ضمن سلسلة «النشرات الإسلامية» رقم 32.
-موائد الحيس في فوائد امرئ القيس: يقول محقق الكتاب:" فهذا كتاب في النقد الأدبي أحسبه متفردا في بابه؛ فهو جديد باختصاصه بشاعر جاهلي، منهجي في وفاء أبوابه بمطالب شعر امرئ القيس، وإحاطتها بخصائصها الفنية"(23) قام بدراسته وتحقيقه: الدكتور مصطفى عليان، وطبع في دار البشير - عمان ، الأردن سنة 1994 م.
-إيضاح البيان عن معنى أم القرآن: وهي عبارة عن رسالة صغيرة عنيت بسورة الفاتحة واستنباط بعض الأحكام والفوائد منها، حققها الدكتور علي حسن البواب، قامت بنشرها مكتبة الثقافة الدينية سنة 1998 م.
ثناء العلماء عليه:
على الرغم من اتهام الطوفي بالتشيع من طرف بعض العلماء، فقد أثنى عليه البعض الآخر ثناء جميلا يليق بمكانته العلمية بين علماء الأمة العربية، ونعرض هاهنا لبعض أقوال العلماء في الثناء عليه:
يقول ابن رجب [795هـ]:" وَلَهُ نظم كثير رائق، وقصائد فِي مدح النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقصيدة طويلة فِي مدح الإِمام أَحْمَد"(24).
يقول اليافعي [768هـ]:"كان على بدعته، كثير العلم، عاقلاً، متديناً"(25).
يقول ابن حجر[852هـ]:" وشارك فِي الْفُنُون وتعانى التصانيف فِي الْفُنُون وَكَانَ قوي الحافظة شَدِيد الذكاء"(26).
يقول العليمي[928هـ]:"وَكَانَ صَالحا متعففا خشن الْعَيْش جم الْفَضَائِل ماهرا متفننا مقرئا بارعا فَقِيها نحويا نَشأ فِي صَلَاح وَدين وزهد وانتهت إليه مشيخة بَيت المقدس"(27).
يقول كحالة [1408هـ]:" فقيه، أصولي، مشارك في أنواع من العلوم"(28).
وفاته:
توفي الطوفي - رحمه الله- سنة سِتّة عشرَ وَسبعمائة(29) ببلد الخليل عليه السلام (30).
.
فرح الشويخ
تمهيد
شرَّف الله اللغةَ العربيةَ بأن جعلها وعاء كتابه المجيد" القرآن"، وقال: «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»[يوسف:2] ؛ وذلك لأن لغة العرب أفصحُ اللغات وأبينُها وأوسعُها وأكثرُها تأدية للمعاني التي تقوم في النفوس، كما أنها لغة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامعَ الكلم واختُصر له الكلامُ اختصارا؛ إذ كان أفصحَ العرب لسانا، وأوضحَها بيانا، وأسمحَها كفا وبنانا، وأجمحَها إلى المكرُمات عنانا(1)، فشرفت لشرف القرآن وعظمت لعظمته.
وإذا كانت لكل أمة ميزة امتازت بها فميزة العرب في لغتهم وشهرتهم بالسموّ في البلاغة والفصاحة معا، ومن أجل ذلك نزل القرآن الكريم « قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ» [الزمر:28] بأفصح الكلام وأبلغ البيان ليتحداهم في أغلى ما يملكون تماشيا مع السنة الإلهية التي تقضي بأن تكون معجزة كل رسول مما امتاز به قومه، لا سيما في القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى معجزا تحدى به الفُصحاءَ فأعجزهم، ودعا لمناضلته البلغاء فأخرسهم(2).
ولما كانت اللغة العربية آلة ضرورية لفهم الخطاب الشرعي وتوجيهه والعمل به، فإنه لا سبيل إلى فهمه دون فهم هذه اللغة والتمكن من معرفة مكنونها وسبر أغوارها، خاصة معرفة علم العربية، والنظر في اصطلاحاتها الأدبية التي نزل على وفقها الكتاب، ووردت بها السنن والآداب وهي إلى علم الشريعة أبلغ الأسباب(3)، يقول ابن تيمية – رحمه الله تعالى -:" فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"(4).
وقد سخر الله لهذه اللغة علماء أفذاذا قاموا ببيان عظمة العربية وأهميتها والدفاع عنها وتجلية محاسنها وجوانب الإشراق والسمو فيها وبيان صلتها بالعلوم الشرعية وحاجة هذه العلوم إليها وأثرها الكبير في هذه العلوم(5). فبدأ التصنيف في هذا المجال قديما منذ الكسائي والإمام محمد بن الحسن الشيباني في كتابه المعروف بــ « الجامع الكبير» حيث أدار هذان الأخيران مسائل الفقه على مسائل العربية، يضاف إليها جهود الإمام الغزالي خاصة في كتابه «الوجيز» والنووي في كتابه «روضة الطالبين» وغيرهم من العلماء، بل لقد بدأ التفكير في الأمر قبل ذلك بكثير مع جيل الصحابة والتابعين حيث ظهرت فكرة استنباط الأحكام الشرعية من اللغة العربية ظهورا ملموسا، غير أنه من الثابت تاريخيا أن هذا الضرب من التأليف لم يُخَصَّ بمصنف ينهض بمهمة جمع هذه المسائل في كتاب شامل، من هنا تأتي أهمية كتاب «الصَّعْقة الغَضَبِيَّة في الرَّدِّ عَلى مُنْكِري العَرَبِيَّة» لصاحبه الإمام الطوفي، وهو الكتاب الذي حاز مزية السبق في هذا المجال.
التعريف بالمؤلِّف:
اسمه ونسبه مولده:
هو: نجم الدّين أبو الرّبيع سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم بن سعيد الطّوفي الصَّرْصَرِي ثم البغدادي، الحنبلي الأصولي المتفنن(6) اختلفت المصادر في السنة التي ولد فيها الطوفي فمن قائل: ولد سنة بضع وسبعين وستمائة(7) ومن قائل ولد سنة 657 هـ(8) وقد رجح محقق الكتاب محمد بن خالد الفاضل القول الأول كما رجح أن تكون ولادته في سنة 675هـ تقريبا، بقرية طوفى من أعمال صَرْصَرَ(9).
شيوخه:
ولد الطوفي كما قلنا سابقا في قرية (طوفى)، وحفظ بها «مختصر الخرقي» في الفقه، و«اللّمع» في النحو لابن جنّي، وتردد إلى صَرْصَرَ، وقرأ الفقه بها(10)، وقرأ فيها على الشيخ زين الدين علي بن محمد الصَّرْصَرِيِّ الحنبليِّ النحويِّ، ثم انتقل إلى بغداد وتلمذ بها على مجموعة من شيوخ العلم، فحفظ «المحرّر» في الفقه الحنبلي لابن تيمية وبحثه على الشيخ تقي الدّين الزَّرِيراني [729هـ]، وقرأ العربية والتصريف على أبي عبد الله محمد بن الحسين الموصليِّ [735هـ]، والأصول على النّصير الفارقيِّ [706هـ](11) وغيرهم. وقرأ الفرائض وشيئا من المنطق، وجالس فضلاء بغداد في أنواع الفنون، وعلّق عنهم. وسمع الحديث من ابن الطبّال [708هـ] وغيره (12).
انتقل الطوفي بعد ذلك إلى دمشق ودخلها سنة أربع وسبعمائة وأقام بها سنة واحدة، ومن العلماء الذين قرأ عليهم في دمشق شيخ الإسلام ابن تيمية[728هـ] والقاضي تقي الدين سليمان بن حمزة[715هـ]، والشيخ مجد الدين الحراني الدمشقي الحنبلي [729هـ] وغيرهم كثير.
أما شيوخه في القاهرة، وهي محطته التالية التي دخلها سنة 705هـ، فتتلمذ فيها لمجموعة من الشيوخ نذكر منهم: الحافظ عبد المؤمن بن خلف [705هـ]، والقاضي سعد الدّين الحارثي [711هـ]، وقرأ على أبي حيّان النّحوي [745هـ] «مختصره» لكتاب سيبويه(13)، وبعد القاهرة توجه الطوفي إلى قوص ومن شيوخه فيها الكمال ابن جعفر[748هـ]، وتوجه بعدها إلى بلاد الحرمين ومن شيوخه هناك السكاكيني [721هـ] ثم إلى فلسطين حيث توفي.
تلامذته:
ذكر العليمي في «الأنس الجليل» أن الطوفي - رحمه الله- وَلي الإعادة بالمدرسة الناصرية والمنصورية(14) أثناء إقامته بالقاهرة غير أن ما يلفت النظر هو قلة تلاميذه بحيث لم تحتفظ لنا المصادر إلا بقلة قليلة، ومنهم عبد الرحمن القوصي[724هـ] وابن كاتب المرج القوصي الصعيدي [745هـ تقريبا] أيضا.
عقيدته ومذهبه:
كان الطوفي - رحمه الله- حنبلي المذهب، وفي ذلك يقول الصفدي:" كان فقيهاً حنبليا، عارفاً بفروع مذهبه مليا"(15)، فقد تتلمذ لمجموعة من شيوخ الحنابلة الذين كان لهم تأثير واضح في مذهبه في الفقه، وقد اتهم الطوفي بالتشيع والرفض وهي أسوأ ما تعرض له الطوفي في حياته وبعد مماته، وما لحقه الأذى في حياته وبعد مماته إلا بسببها، وما انصرف الناس عن الاهتمام به حيا وميتا إلا بسببها(16) يقول ابن رجب:" وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ كله شيعيا منحرفا فِي الاعتقاد عَنِ السنة"(17).
وقد لحقته تهمة التشيع والوقوع في أبي بكر وابنته عائشة رضي الله عنها بعد دخوله القاهرة بأعوام في مجلس شيخه سعد الدين الحارثي؛ بحيث شهد له بالرفض فعُزِّرَ وضُرِبَ وشُهِرَ وحبس ثم أطلق؛ كما صرف الناس عنه وكان ذلك سبب توجهه إلى قوص.
وقد دفع مجموعة من الباحثين المعاصرين هذه التهمة اعتمادا على آرائه التي وردت في كتبه، ورجح الباحث محمد بن خالد الفاضل أن يدا خفية في القاهرة -في تلك الحقبة- كانت وراء هذه المكائد وما شابهها(18)، وانتهى الباحث مصطفى زيد – محقق كتابه «المصلحة في التشريع الإسلامي»- بعد عرضه جملة من آراء الطوفي في الرد على الشيعة إلى دحض هذا الاتهام حيث قال:" وهكذا يمضي الطوفي في إبطال مزاعم الشيعة كلما عرض لآية يرون فيها دليلا لهم على بعض ما ينادون به، أو آية يرى هو فيها ردا عليهم" (19)، ويقول في موضع آخر:" كذلك لا يبدو معقولا أن تكون جميع مؤلفات الطوفي في الفقه وأصوله على مذهب أحمد بن حنبل ثم يقال: إنه شيعي.." (20).
مصنفاته:
تنوعت معارف الطوفي العلمية لتنوع الشيوخ الذين أخذ عنهم سواء في أصول الفقه أو الحديث، أو النحو واللغة والأدب وغيرها من العلوم والفنون التي أجاد التصنيف فيها، وذُكِرَ منها ما ينيف على الأربعين مصنفا بين كتاب ورسالة وديوان شعر، غير أن معظم هذه التصانيف ضاع ولم يحفظ لنا التاريخ سوى أسماءها أو أسماء من وقف عليها، ومن مصنفاته المحققة والمطبوعة نذكر:
- الإكسير في قواعد التفسير: وهو كتاب تناول فيه ما يجب أن يضطلع به العالم المتصدي لتفسير القرآن الكريم من علوم مختلفة، في طليعتها علم البلاغة، وعرج في صلب الكتاب إلى كثير من فروع البلاغة(21)، قام بتحقيقه الدكتور عبد القادر حسين أستاذ البلاغة والنقد بكلية البنات الإسلامية جامعة الأزهر، وطبع بمكتبة الآداب – القاهرة.
-الشعار على مختار الأشعار: وهي رسالة في نقد الشعر وتمييزه، وكيفية الاطلاع على مجهور زيوفه وجواهر كنوزه كما يقول الطوفي، قام بتحقيقه الدكتور عبد العزيز المانع، جامعة الملك سعود.
-عَلَم الجَذَل في علم الجدل: يقول الطوفي:" فهذا كتاب ألفته في الجدل والمناظرة، بحسب ما اقتضته القريحة المستخرجة والقوة الناظرة، مقرا فيه بالتقصير، معترفا بباع في العلم قصير"(22)، قام بتحقيقه المستشرق فولفهارت هاينريشس، وطبع سنة1987م ضمن سلسلة «النشرات الإسلامية» رقم 32.
-موائد الحيس في فوائد امرئ القيس: يقول محقق الكتاب:" فهذا كتاب في النقد الأدبي أحسبه متفردا في بابه؛ فهو جديد باختصاصه بشاعر جاهلي، منهجي في وفاء أبوابه بمطالب شعر امرئ القيس، وإحاطتها بخصائصها الفنية"(23) قام بدراسته وتحقيقه: الدكتور مصطفى عليان، وطبع في دار البشير - عمان ، الأردن سنة 1994 م.
-إيضاح البيان عن معنى أم القرآن: وهي عبارة عن رسالة صغيرة عنيت بسورة الفاتحة واستنباط بعض الأحكام والفوائد منها، حققها الدكتور علي حسن البواب، قامت بنشرها مكتبة الثقافة الدينية سنة 1998 م.
ثناء العلماء عليه:
على الرغم من اتهام الطوفي بالتشيع من طرف بعض العلماء، فقد أثنى عليه البعض الآخر ثناء جميلا يليق بمكانته العلمية بين علماء الأمة العربية، ونعرض هاهنا لبعض أقوال العلماء في الثناء عليه:
يقول ابن رجب [795هـ]:" وَلَهُ نظم كثير رائق، وقصائد فِي مدح النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقصيدة طويلة فِي مدح الإِمام أَحْمَد"(24).
يقول اليافعي [768هـ]:"كان على بدعته، كثير العلم، عاقلاً، متديناً"(25).
يقول ابن حجر[852هـ]:" وشارك فِي الْفُنُون وتعانى التصانيف فِي الْفُنُون وَكَانَ قوي الحافظة شَدِيد الذكاء"(26).
يقول العليمي[928هـ]:"وَكَانَ صَالحا متعففا خشن الْعَيْش جم الْفَضَائِل ماهرا متفننا مقرئا بارعا فَقِيها نحويا نَشأ فِي صَلَاح وَدين وزهد وانتهت إليه مشيخة بَيت المقدس"(27).
يقول كحالة [1408هـ]:" فقيه، أصولي، مشارك في أنواع من العلوم"(28).
وفاته:
توفي الطوفي - رحمه الله- سنة سِتّة عشرَ وَسبعمائة(29) ببلد الخليل عليه السلام (30).
.

تعليق