تحقيق الراجح في"ليس" بين الفعلية والحرفية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    تحقيق الراجح في"ليس" بين الفعلية والحرفية

    تحقيق الراجح في"ليس" بين الفعلية والحرفية
    د.مصطفى شعبان

    جوز سيبويه في قول بعض العرب: (ليسَ الطيبُ إلا المسكُ) رفع(المسك) في لغة التميميين على إهمال (ليس) وجعلها حرفًا، وأما النصب فعلى ما تستحقه ليس من رفع الاسم ونصب الخبر، على أصل فعليتها.
    وقد أشار سيبويه إلى جواز ذلك في بعض الكلام، وأجاز في قول من قال: (ليس خَلَقَ اللهُ أشعرَ منهُ) كون (ليس) فعلًا متحمِّلًا ضمير الشأن اسمًا، وكونها حرفًا مهملًا، وهَاتِيْكَ نصوصَ سيبويه كالتالي:
    قال سيبويه: « وقد زعم بعضهم أن (ليس) كـ(ما)، وذلك قليل لا يعرف، فهذا يجوز أن يكون منه: ليسَ خَلَقَ اللهُ أشعرَ مِنهُ، وليس قالها زيدٌ، قال حميد الأرقط:
    فأصبحوا والنَّوى عَالِى مُعَرَّسِهِمْ وليسَ كلَّ النَّوى يُلقِي المساكينُ
    وقال هشام أخو ذي الرُّمَّة:
    هي الشِّفَاءُ لدَائِي لو ظَفِرْتُ بها وليس منهـا شِفاءُ الداءِ مبـذولُ
    هذا كله سُمع من العرب، والوجه والحد أن تحمله على أن في (ليس) إضمارًا و(هذا) مبتدأ، كقوله: إنه أَمَةُ الله ذاهبةٌ، إلا أنهم زعموا أن بعضهم قال: ليس الطيبُ إلا المسكُ، وما كان الطيبُ إلا المسكُ»(1 ).
    ومحكُّ القضية هو في قول سيبويه: «إلا أن بعضهم قال : (ليس الطيبُ إلا المسكُ)،و(ما كان الطيب إلا المسك)..»؛ إذ هذا الذي جعل الفارسي يختار ترجيح حرفية (ليس) ويجعلها قاعدة مطردة؛ لأنه ظن أن هذا القول من سيبويه تقوية لحرفية (ليس)، ولهذا قال السيرافي بعد قول سيبويه هذا:
    « وكأن هذا عنده أقوى من الحجة الأولى-أي التي ذكرها في تأويل الشواهد المذكورة-؛ وذلك أن الذين رفعوا (المسك) في(ليس) هم الذين نصبوه في (كان)، فأشبه أن يكون لفرق بين ليس وكان»(2 ).
    وفي ذلك يقول الفارسي: «حكى سيبويه: (ليس الطيبُ إلا المسكُ) ، وذهب فيه إلى أنه بمنزلة (ما) ، ولم يحمله على أن في (ليس) ضمير القصة والحديث كما حمل قوله: (ليس خلق الله أشعر منه) على هذا الضمير»(3 ).
    وبعد عرض نصوص سيبويه ندع المجال للفارسي ليجلي عن مذهبه بالحجج العريضة الطويلة التي ساقها ، ثم نفندها حجة حجة، وقد ساق أدلة متعددة على ما نحا إليه من أن (ليس) حرف لا فعل.
    قال أبو علي: « وأما (ليس) فقد اختلف أصحابنا فيها:
    فقال قوم: إنها فعل؛ بدلالة أن الضمير يتعلق بها ويتصل بها، وذلك قولك: (ليسا)،و(لَسْنَ)، و(لسْتُ) »( 4).
    وقبل أن نعرض رده على هذه الحجة ، لابد أن نشير إلى أنه ليس ثَمَّ خلافٌ بين البصـريين في فعلية (ليس)، باستثناء ما ذكره أبو حيان( 5)، والمرادي(6 )، وابن هشام(7 ) من نسبة القول بحرفيتها إلى ابن السراج، وبعض الأصحاب(8 ).
    ونص ابن السراج في الأصول ينقض ما عزوه إليه كلِّيةً، ويثبت له موافقة سيبويه في القول بفعليتها، إذ يقول فيه: « فأما (ليس) فالدليل على أنها فعل وإن كانت لا تتصـرف تصـرُّف الأفعال قولك: لسْت، كما تقول: ضربْت، ولستما كضـربتما، ولسنا كضـربنا، ولسن كضـربن، ولستن كضربتن، وليسوا كضربوا، وليستْ أمةُ الله ذاهبةً ، كضربَتْ أمةُ الله زيدًا»( 9).
    الدليل الأول : يرد فيه الفارسي على الحجة التي ذكرها البصريون فيقول: « وهذا لا يلزم، وذلك أن (هاء) وهي حرف يتصل بها الضمير ، وذلك قولك: (هاؤم)،و(هاؤمو)، فلما اتصل هذا بها، ولم يكن ضميرًا فكذلك يتصل بـ(ليس) ولا يكون ضميرًا»( 10).
    يعني هذا أن اتصال الضمير بـ(ليس) ليس بدلالة قاطعة على أنها فعل؛«ألا ترى أنه قد اتصل الضمير على هذا النحو بما هو اسم، وذلك قول بعضهم: (هاءَا) و(هاؤُوا) كما تقول للمخاطب: (افعلا)،و(افعلوا) وهذا الحرف من الأسماء التي سميت بها الأفعال، وهذه الكلم التي سميت بها هذه الأفعال أسماء، وليست بأفعال ولا حروف»( 11).
    وبناء على ذلك يكون«اتصال الضمير بـ(ليس) على حد اتصاله بـ(كان) لم يجعله مثله ، وإن كان قد جعل في الإعمال بمنزلته، ألا ترى أنه ينفي بـ(ليس) ما في الحال كما ينفي بـ(ما) ما كان في الحال، فكونها على أمثلة الماضي إنما هو شبه لفظي لا حقيقة تحته»(12).
    الدليل الثاني: أن (ليس) تدل على النفي، ولا تدل على حدث ولا زمان، والأفعال منها ما يدل على حدث وزمان، ومنها ما يدل على زمان فقط، فإذا كان هذا هكذا وتعرَّتْ(ليسَ) من المعنيين جميعًا عُلم أنها ليست بفعل(13 ).
    ويقوي الفارسي عدم دلالته على الحدث بـ«أنه لم يلحقه من حروف المضارعة شيء، ولو كان من أمثلة الحال لم يخل من أحدها، فإن فسد كونه مثالًا للحاضر بهذا ثبت أنه لا دلالة فيه على مضـي، ولا على ما لم يقع، ولا على ما هو كائن لم ينقطع، وإذا خلا من ذلك لم يكن في الحقيقة فعلًا ،إلا أنه لما كان وصلهم المضمر به على حد وصله بالأمثلة المأخوذة من الأحداث ، ولم يكن ذلك في (ما) ونحوه، ذكره النحويون مع الفعل وإن لم يكن فعلًا» (14 ).
    الدليل الثالث: أن (ليس) لا توصل بها (ما) التى تكون مع الفعل في تقدير المصدر، كما وصلوها بأخواتها، ألا ترى أنك لا تقول: ما أحسنَ ما ليس زيدٌ قائمًا، فتصل بليس ما كما لا تصلها بما النافية، فهذا مما يبين أنها ليست بمنزلة أخواتها، وأنه قيل فيه: إنه فعل للشبه اللفظي( 15).
    فـ(ليس)« لو كانت فعلًا على الحقيقة لوصلت (ما) بها كما وصلت بسائر الأفعال ماضيها وحاضرها وآتيها، فلما لم يوصل بها كما لم يوصل بـ(ما) حتى يكون خبرها فعلًا؛ كقولك: (ما أحسنَ ما ليسَ يذْكُرُك زيدٌ) دل ذلك على أنه أجري مجرى ما ينفي به مما ليس بفعل، فأما وجه ذكرهم إياها مع الأمثلة المجردة من الدلالة على الحدث فلمشابهتها لها في عمل الرفع والنصب؛ كما ذكروا (أما) مع حروف العطف وبابها لمشابهتها(أو) في بعض المعاني، فإذا باينت هذه الكلمة هذه الأفعال هذه المباينةَ وشابهت الحرف هذه المشابهةَ، لم يُنكر أن يجرى مجرى الحرف فلا يعمل عمل الفعل في قولهم: (ليس الطيبُ إلا المسكُ)»(16 ).
    ويرد أبو علي في طيات هذا الدليل على من حمل قولهم: (ليس الطيبُ إلا المسكُ) على أن في (ليس) ضمير القصة والحديث كما قيل في تأويل: ( ليس خلق الله أشعر منه)، فيقول:
    « لم يسغ حمله على الضمير كما ساغ في (كان أنت خيرٌ منه) ؛ لأن الجملة الواقعة خبرًا لـ(ليس) موجبة في اللفظ ، فلما لم يستقم أن تدخل (إلا) بين المبتدأ وخبره، نحو قولنا: (زيدٌ إلا منطلقٌ) لم يسغ أن يحمل (ليس) على أن فيه ضميرًا؛ لأنه يصير بمنزلة من قال في الابتداء: (زيد إلا منطلقٌ) وهذا غير جائز، وليس كذلك قوله:(ليس خلق الله أشعر منه)؛ لأنه لم يقع بين الخبر والمخبر عنه (إلا) في كلام موجب، فلما لم يستقم أن تحمل (ليس) على أن فيه ضميرًا فتقع الجملة في موضع الخبر، وسمع(المسكُ) مرفوعًا في الحكاية، جعلها بمنزلة(ما) إذا دخلت (إلا) بين الاسم والخبر معها»(17 ).
    الدليل الرابع: أنه قد جاء في الشعر(ليسي) بلا نون متصلة بعلامة ضمير المتكلم ، وذلك قوله( 18):
    *قدْ ذَهَبَ القَوْمُ الكِرَامُ لَيْسِي*
    ألا ترى أن هذه النون في الضمير المنصوب إنما تحذف من الحرف في الضـرورة ،ولم نعلمهم حذفوها من فعل في اختيار ولا ضرورة، إلا أن تكون للتضعيف، كما حذفوا في (لَيْتِي)، فحذفهم له من (لَيْسَ) كحذفهم له من (لَيْتَ) دلالة على أنه جارٍ عندهم مجرى ما ليس بفعل ، كما أن (لَيْتَ) كذلك( 19).
    هذه هي جملة الحجج والأدلة التي تمثَّل بها الفارسي أمام مذهب البصريين،وإليك الجوابَ عنها:
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #2
    أما الجواب عن الدليل الأول:
    فبأن الدليل على أن (ليس) فعل اتصالها بالضمير الذي لايكون إلا في الأفعال على حد اتصاله بالأفعال وهو الضمير المرفوع نحو لستُ، ولسنا، ولستما، ولستِ، ولستنَّ، فالأولى الحكم بفعليتها؛ لدلالة اتصال الضمير به عليها، وهي لا تتصل بغير صريح الفعل إلا نادرًا كما ذُكر في (هاؤم) ونحوه من أسماء الأفعال، أضف إلى ذلك أن آخر (ليس) مفتوح كما في أواخر الأفعال الماضية ، وتلحقها تاء التأنيث ساكنة وصلًا ووقفًا؛ نحو: (ليستْ هندٌ قائمةً)،كما تقول: (كانتْ هندٌ قائمةً)، وليس كذلك التاء اللاحقة للأسماء فإنها متحركة بحركات الإعراب؛ نحو: قائمةٌ وقاعدةٌ، فلما وجد فيها ما لا يكون إلا في الأفعال دل على أنها فعل( 20).
    وقد أقر الفارسي نفسه بأن اتصال الضمائر بـ(هاء) في قولهم: (هاؤما) و(هاؤموا) من نادر العربية ومما لا نظير له، وأنه ليس في الأسماء المسمى بها الأفعال اسم ظهر فيه علامة الضمير كما ظهر في (هاؤما) و(هاؤموا)(21 )، ولم يخرجه ذلك عنده من كونه اسم فعل إلى دائرة الفعلية، ومع إقراره بعدم النظير في ذلك ، فإن اتصال الضمائر بـ(ليس) لا يعدُّ عنده دليلًا على الفعلية ،فقد اتصلت الضمائر نفسها بـ(هاء) ولم تجعله فعلًا.
    وقد جعل الفارسي القضية معكوسة حينما قال: «إن اتصال الضمير بـ(ليس) على حد اتصاله بـ(كان) لم يجعله مثله، وإن كان قد جعل في الإعمال بمنزلته».إذ كيف لا يجعله مثله لأجل شاهد احتمل فيه الخروج عن الفعلية إلى الحرفية، وهذه الشواهد وإن لم تكن كافية في الدلالة على أنها حرف فهي كافية في الدلالة على إيغالها في شبه الحرف، وهذا لا إشكال فيه؛ لأن حمل الشـيء على الشـيء في بعض أحكامه لا يوجب خروجه عن أصله؛ وهاك اسم الفاعل يُحمل على الفعل في العمل ولم يخرجه ذلك عن كونه اسم فاعل، وكذا المضارع أُعرب لمضارعته الأسماء ولم يخرجه ذلك عن كونه فعلًا، وتصغيرهم فعل التعجب تشبيهًا بالاسم لا يجتذبه إلى الاسمية(22 ).
    وأما الجواب على الدليل الثاني:
    فبأن عدم اتصال (ليس) بأحرف المضارعة لا ينفي دلالتها على الماضي؛ لأن ذلك لمفارقتها أخواتها في عدم التصرف، وإلا فلو كان ذلك كذلك لقيل إن (يَدَعُ)، و(يَذَرُ) ليست أفعالًا لإهمال الماضي واسم الفاعل والمصدر منها وعدم سماعه من العرب، ومما يمنع ليس من التصـرف أنكَ تقول: (كانَ زيدٌ) فتفيد المضي، وتقول: (يكونُ زيدٌ) فتفيد الاستقبال، وأنت إذا قلت: ليس زيدٌ قائمًا الآن فقد أدت ليس المعنى الذي يكون في المضارع بلفظ الماضي، واستغنى عن زيادة حرف مضارعة فيها.
    ولو قيل: (ليس) غير متصرفة فدل ذلك على كونها حرفًا.
    قيل: عدم التصرف لا يدل على أنها ليست فعلًا ؛ إذ ليس كل الأفعال متصـرفة، ألا ترى أن (نِعْمَ) و(بِئْسَ)،و(عَسَى)،وفعل التعجب كلها أفعال وإن لم تكن متصرفة ، وأما كونها بمنزلة (ما) في النفي فلا يخرجها أيضًا عن كونها فعلًا ؛ لأنه يدل على مشابهةٍ بينهما وهو الذي أوجب جمودها وعدم تصرفها، وأما أن يدل أنها حرف فلا؛ إذ الدلالة قد قامت على أنها فعل(23 ).
    أما الجواب عن الدليل الثالث:
    فكون (ليس) لا تتصل بـ(ما) المصدرية التي تنسبك مع ما بعدها في تأويل مصدر، مثل: (ما أحسنَ ما كانَ زيدٌ قائمًا) فلا دلالة فيه على الحرفية؛ إذ لو كان ذلك كذلك لخرجت نعم وبئس عن الفعلية؛ لأنهما أيضًا لا ينسبكان مع (ما) المصدرية، وكذلك فعل الأمر لا يكون معها في تأويل مصدر، فهذه حجة لا داعم لها.
    وأما الجواب عن تأويله لقولهم: (ليس الطيبُ إلا المسكُ) بالرفع :بأنه لم يسغ حمله على ضمير القصة والحديث؛ لأنه يصير بمنزلة من قال ابتداء: (الطيبُ إلا المسكُ)، فلو كان في ليس ضمير الأمر والشأن لكانت الجملة التي في موضع الخبر قائمةً بنفسها، وفي موضع خبرها، ونحن لا نقول : الطيبُ إلا المسكُ بغير تقديم حرف النفي، فيقول السيرافي ردًّا عليه:
    «وليس الأمر على ما ظنوا؛ لأن الجملة إذا كانت في موضع خبر اسم قد وقع عليه حرف النفي فقد لحقها في المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت: (ما زيدٌ أبوْهُ إلا قَائِمٌ) فقد نفيت قيام أبيه ، كما لو قلت: «ما أَبُو زيدٍ قائم» وعلى هذا يجوز أن تقول: ما زيدٌ أبوه إلا قائِمٌ، كأنك قلت: ما أبو زيد إلا قائم»( 24).
    على أن أبا علي قد نُقِلَ عنه أنه أسقط الاستدلال بهذا المثال، وهو: (ليس الطيبُ إلا المسكُ) لاحتماله أوجهًا ، كما ذكر ابن عصفور(25 )، فكيف يحتج به على حرفية (ليس)، أضف إلى ذلك أن الزجاجي قد نقل عن أبي عمرو بن العلاء: أنه ليس في الدنيا حجازيٌّ إلا وهو ينصب، فيقول: ليس زيدٌ إلا قائمًا، ولا تميميٌّ إلا وهو يرفع فيقول: ليس عمرٌو إلا ضاحكٌ، ولهذا قال ابن عصفور بعد نقله هذه الحكاية : فإذا كان كذلك فلا ينبغي أن يتأول؛ لأن الإهمال إذا ثبت لغة فلا ينبغي التأويل، ووصف تأويل الفارسي للشاهد بالبطلان من أجل هذه الحكاية، الأمر الذي جعل ابن مالك هو الآخر يصف مذهب الفارسي بالاضطراب، لأنه تأول المثال في بعض كتبه باحتمال ضمير القصة، ودفعه في البعض الآخر، قال ابن مالك: « واضطرب قول أبي عليٍّ في (ليس)، فرجَّح في بعض تصانيفه: حرفيتها(26 )، مع ظهور عملها، والتزم في موضع آخر فعليتها(27 ) وإبقاء عملها في نحو: ليس الطيب إلا المسك، وذهب إلى أنها متحملة ضمير الشأن اسمًا ، وما بعد ذلك خبر، وما ذهب إليه غير صحيح؛ لأن الجملة المخبَر بها عن ضمير الشأن في حكم مفرد هو المخبر عنه في المعنى، ولذلك استغني عن عود ضمير منها إلى صاحب الخبر.
    فإذا قصد إيجابها بإلا لزم تقدمها على جزأيها وامتنع توسطها ، كما امتنع توسطها بين جزأي خبر مفرد قصد إيجابه، فلو كان اسم ليس في: (ليس الطيب إلا المسك) ضمير الشأن لزم أن يقال : ليس إلا الطيب المسك، كما يلزم أن يقال في كلامي : زيدٌ قائمٌ عند حصر الخبر: ليس كلامي إلا زيدٌ قائمٌ، ولو وسط (إلا) فقيل : ليس كلامي زيدٌ إلا قائمٌ، لم يجز، فكذا لا يجوز: ليس الطيب إلا المسك على تقدير: ليس الشأن الطيب إلا المسك، بل الواجب إذا قصد الحصر في خبر ضمير الشأن أن يجاء بـ(إلا) مقدمة على جزأي الجملة»(28 ).
    والمراعي للترتيب الزمني لكتب الفارسي لا يحكم بالاضطراب ؛ لأن الكتب التي ذهب فيها إلى حرفية (ليس) هي من آخر ما كتب الرجل ، وعليه يكون رأيه فيها أولى بالاعتبار والتعويل.
    وأما الجواب على الدليل الرابع:
    من أنه قد سُمع(ليسي) كـ(ليتي) فيقال: إن صح هذا فهو من قبيل القليل النادر الذي لا يؤسَّسُ عليه قاعدة، وقد اعتمد الفارسي في هذا على أن (ليسَ) على زنة (فَعْلَ) مثل ليت، والجمهور على أنه على زنة: (فَعِل) بكسر العين ثم خففت إلى السكون وألزموها السكون لعدم تصـرفها؛ لأن الإعلال والتغيير ضرب من التصرف.( 29).
    وبعد مناقشة أراء الفارسي يصل البحث في النهاية إلى رأي يتوسط الفريقين ويجمع بين النزاعين فنقول:
    ما الذي يمنع أن يقال: إن (ليْسَ) ليست متأصلة في الفعلية ولا متأصلة في الحرفية ، وأن الذي ينبغي أن يقال: أن (ليس) إذا وجدت عارية من خواصِّ الأفعال ؛ كأن تدخل على الجملة الفعلية في نحو: (المصائبُ ليْسَ يعْصمُنَا منها إلا اللهُ) فإنها حرف لا غير كـ(ما) النافية، وهذا لا منازعة في حرفيته؛ إذ لا خاصية من خواص الأفعال فيها، وإذا وجدت بشيء مِنْ خَواصِّ الأفعال قيل : إنها فعل لوجود خواص الأفعال فيها، كاتصالها بتاء التأنيث والضمير المرفوع والاستتار والرفع والنصب، وهذا أيضًا لا تنازع فيه.
    وكذلك مما يدل أنها فعل وليست حرفًا أنها تتحمل الضمير فتقول: ( زيدٌ ليس قائمًا) فيستكن في ليس ضمير من زيد ، ولا يكون مثل ذلك في (ما) .
    ويدل لما قلناه أن أبا علي ذكر في الإيضاح(30 ) : أن (ما) النافية إنما عملت بشبهها لليس فجعل (ليس) أصلًا في العمل و(ما) فرعًا، وليس ذلك إلا لتغليبه عليها حكم الفعلية وتسميتها فعلًا، ولو كانت حرفًا عنده متأصلًا في الحرفية لم تكن أصلًا في العمل حتى يشبه بها (ما) بل كانا يكونان أصلين في ذلك ، بيد أنَّ هذا الأصل لم يركن إليه الفارسي طويلًا ،بل نزع إلى تغليب حرفية (ليس) كما ظهر بعد ذلك في كتبه المتأخرة.
    وهذا التحقيق هدانا إليه المالِقيُّ الذي رأى أن (ليس) ليست محضة في الحرفية ولا في الفعلية، ولذلك وقع الخلاف بين سيبويه والفارسي، والموجب للخلاف بينهما في نظر المالقي النظر إلى حَدِّهَا، فتكون حرفًا؛إذ هي لفظٌ يدل على معنى في غيره لا غير كـ(مِن،وإلى،ولا،وما) وشبهها، أو النظر إلى اتصالها بتاء التأنيث والضمير المرفوع والاستتار والرفع والنصب، فتقول: ليستْ هند قائمةً، والزيدون ليسوا قائمين، وزيدٌ ليس قائمًا، كما تقول: كانتْ هند قائمةً، والزيدون كانوا قائمين، وكان زيدٌ قائمًا، وهذه خواص الأفعال لا الحروف، فتكون فعلًا، وكل واحد منها إذا وقف على نظر الآخر تحصلت الموافقة بينهما وانتفى الخلاف بينهما؛ إذ لا تصح المنازعة فيه، ورأى المالقي أن الخلاف من حيث الإطلاق لاختلاف النظرين : هل في الأصل أو هل في المعاملة؟(31 )
    وعلى هذا فقد وسع بعض النحاة؛ كالمرادي(32 )، وابن هشام(33 ) دائرة استعمال (ليس) وجعلوا من مواضع استعمالها أن تكون مهملة لا عمل لها، وذلك في نحو: (ليس الطيبُ إلا المسكُ) عند بني تميم ؛ فإن (إلا) عندهم تبطل عمل (ليس) كما تبطل عمل(ما) الحجازية.
    التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى شعبان; الساعة 07-21-2016, 09:27 AM.

    تعليق

    • مصطفى شعبان
      عضو نشيط
      • Feb 2016
      • 12782

      #3
      (1 ) الكتاب 1/73 بولاق،1/147 هارون.
      (2 ) شرح السيرافي2/5-6.
      ( 3) المسائل الحلبيات210.
      (4 ) المسائل المنثورة220، الحلبيات210، إيضاح الشعر7، البصريات430، 833.
      (5 ) ارتشاف الضرب3/1146.
      (6 ) الجنى الداني494.
      (7 ) مغني اللبيب3/555.
      (8 ) ذكر منهم أبو حيان، والمرادي، وابن هشام: ابن شقير.
      (9 ) الأصول1/82-83.
      (10 ) المسائل المنثورة 220.
      (11 ) المسائل الحلبيات 211.
      (12 ) كتاب الشعر 7.
      (13 ) المنثورة221، وانظر: الحلبيات210-211، الشعر7.
      (14 ) كتاب الشعر7.
      (15 ) الشعر10، البصريات2/833.
      (16 ) الحلبيات 219-220.
      ( 17) الحلبيات 220-221.
      (18 ) أي :رؤبة كما في ملحقات ديوانه ص175، واللسان (طيس)، والخزانة5/324، وهو بغير نسبة في سر الصناعة323، وشرح المفصل3/108، وشرح أبيات المغني4/85-86،وهو عجز بيت صدره:
      *عدَدْتُ قَوْمِي كَعَدِيْدِ الطَيْسِ*
      (19 ) الحلبيات221-222 باختصار يسير.
      (20 ) انظر: شرح المفصل لابن يعيش7/111-112، شرح الكافية للرضي4/199.
      (21 ) كتاب الشعر10.
      ( 22) وفي نظائر ذلك انظر:أمالي ابن الشجري2/388، الإنصاف في مسائل الخلاف1/162
      (23 ) انظر:شرح المفصل7/112.
      (24 ) شرح السيرافي2/5.
      (25 ) شرح جمل الزجاجي1/397-398، وانظر:الجنى الداني496، مغني اللبيب3/560-561.
      ( 26) مثل المسائل المنثورة220،والحلبيات210، وإيضاح الشعر7،والبصريات430،833 .
      (27 ) مثل الإيضاح العضدي، ووافقه الجرجاني وانظر: المقتصد شرح الإيضاح1/399.
      (28 ) شرح التسهيل1/379-380.
      (29 ) شرح الجمل لابن عصفور1/378، شرح المفصل لابن يعيش7/112، الارتشاف3/1146.
      ( 30) المقتصد في شرح الإيضاح1/429.
      (31 ) رصف المباني300-301.
      ( 32) الجنى الداني495-496.
      (33 ) مغني اللبيب3/558.

      تعليق

      يعمل...