تحقيق الراجح في"ليس" بين الفعلية والحرفية
د.مصطفى شعبان
جوز سيبويه في قول بعض العرب: (ليسَ الطيبُ إلا المسكُ) رفع(المسك) في لغة التميميين على إهمال (ليس) وجعلها حرفًا، وأما النصب فعلى ما تستحقه ليس من رفع الاسم ونصب الخبر، على أصل فعليتها.
وقد أشار سيبويه إلى جواز ذلك في بعض الكلام، وأجاز في قول من قال: (ليس خَلَقَ اللهُ أشعرَ منهُ) كون (ليس) فعلًا متحمِّلًا ضمير الشأن اسمًا، وكونها حرفًا مهملًا، وهَاتِيْكَ نصوصَ سيبويه كالتالي:
قال سيبويه: « وقد زعم بعضهم أن (ليس) كـ(ما)، وذلك قليل لا يعرف، فهذا يجوز أن يكون منه: ليسَ خَلَقَ اللهُ أشعرَ مِنهُ، وليس قالها زيدٌ، قال حميد الأرقط:
فأصبحوا والنَّوى عَالِى مُعَرَّسِهِمْ وليسَ كلَّ النَّوى يُلقِي المساكينُ
وقال هشام أخو ذي الرُّمَّة:
هي الشِّفَاءُ لدَائِي لو ظَفِرْتُ بها وليس منهـا شِفاءُ الداءِ مبـذولُ
هذا كله سُمع من العرب، والوجه والحد أن تحمله على أن في (ليس) إضمارًا و(هذا) مبتدأ، كقوله: إنه أَمَةُ الله ذاهبةٌ، إلا أنهم زعموا أن بعضهم قال: ليس الطيبُ إلا المسكُ، وما كان الطيبُ إلا المسكُ»(1 ).
ومحكُّ القضية هو في قول سيبويه: «إلا أن بعضهم قال : (ليس الطيبُ إلا المسكُ)،و(ما كان الطيب إلا المسك)..»؛ إذ هذا الذي جعل الفارسي يختار ترجيح حرفية (ليس) ويجعلها قاعدة مطردة؛ لأنه ظن أن هذا القول من سيبويه تقوية لحرفية (ليس)، ولهذا قال السيرافي بعد قول سيبويه هذا:
« وكأن هذا عنده أقوى من الحجة الأولى-أي التي ذكرها في تأويل الشواهد المذكورة-؛ وذلك أن الذين رفعوا (المسك) في(ليس) هم الذين نصبوه في (كان)، فأشبه أن يكون لفرق بين ليس وكان»(2 ).
وفي ذلك يقول الفارسي: «حكى سيبويه: (ليس الطيبُ إلا المسكُ) ، وذهب فيه إلى أنه بمنزلة (ما) ، ولم يحمله على أن في (ليس) ضمير القصة والحديث كما حمل قوله: (ليس خلق الله أشعر منه) على هذا الضمير»(3 ).
وبعد عرض نصوص سيبويه ندع المجال للفارسي ليجلي عن مذهبه بالحجج العريضة الطويلة التي ساقها ، ثم نفندها حجة حجة، وقد ساق أدلة متعددة على ما نحا إليه من أن (ليس) حرف لا فعل.
قال أبو علي: « وأما (ليس) فقد اختلف أصحابنا فيها:
فقال قوم: إنها فعل؛ بدلالة أن الضمير يتعلق بها ويتصل بها، وذلك قولك: (ليسا)،و(لَسْنَ)، و(لسْتُ) »( 4).
وقبل أن نعرض رده على هذه الحجة ، لابد أن نشير إلى أنه ليس ثَمَّ خلافٌ بين البصـريين في فعلية (ليس)، باستثناء ما ذكره أبو حيان( 5)، والمرادي(6 )، وابن هشام(7 ) من نسبة القول بحرفيتها إلى ابن السراج، وبعض الأصحاب(8 ).
ونص ابن السراج في الأصول ينقض ما عزوه إليه كلِّيةً، ويثبت له موافقة سيبويه في القول بفعليتها، إذ يقول فيه: « فأما (ليس) فالدليل على أنها فعل وإن كانت لا تتصـرف تصـرُّف الأفعال قولك: لسْت، كما تقول: ضربْت، ولستما كضـربتما، ولسنا كضـربنا، ولسن كضـربن، ولستن كضربتن، وليسوا كضربوا، وليستْ أمةُ الله ذاهبةً ، كضربَتْ أمةُ الله زيدًا»( 9).
الدليل الأول : يرد فيه الفارسي على الحجة التي ذكرها البصريون فيقول: « وهذا لا يلزم، وذلك أن (هاء) وهي حرف يتصل بها الضمير ، وذلك قولك: (هاؤم)،و(هاؤمو)، فلما اتصل هذا بها، ولم يكن ضميرًا فكذلك يتصل بـ(ليس) ولا يكون ضميرًا»( 10).
يعني هذا أن اتصال الضمير بـ(ليس) ليس بدلالة قاطعة على أنها فعل؛«ألا ترى أنه قد اتصل الضمير على هذا النحو بما هو اسم، وذلك قول بعضهم: (هاءَا) و(هاؤُوا) كما تقول للمخاطب: (افعلا)،و(افعلوا) وهذا الحرف من الأسماء التي سميت بها الأفعال، وهذه الكلم التي سميت بها هذه الأفعال أسماء، وليست بأفعال ولا حروف»( 11).
وبناء على ذلك يكون«اتصال الضمير بـ(ليس) على حد اتصاله بـ(كان) لم يجعله مثله ، وإن كان قد جعل في الإعمال بمنزلته، ألا ترى أنه ينفي بـ(ليس) ما في الحال كما ينفي بـ(ما) ما كان في الحال، فكونها على أمثلة الماضي إنما هو شبه لفظي لا حقيقة تحته»(12).
الدليل الثاني: أن (ليس) تدل على النفي، ولا تدل على حدث ولا زمان، والأفعال منها ما يدل على حدث وزمان، ومنها ما يدل على زمان فقط، فإذا كان هذا هكذا وتعرَّتْ(ليسَ) من المعنيين جميعًا عُلم أنها ليست بفعل(13 ).
ويقوي الفارسي عدم دلالته على الحدث بـ«أنه لم يلحقه من حروف المضارعة شيء، ولو كان من أمثلة الحال لم يخل من أحدها، فإن فسد كونه مثالًا للحاضر بهذا ثبت أنه لا دلالة فيه على مضـي، ولا على ما لم يقع، ولا على ما هو كائن لم ينقطع، وإذا خلا من ذلك لم يكن في الحقيقة فعلًا ،إلا أنه لما كان وصلهم المضمر به على حد وصله بالأمثلة المأخوذة من الأحداث ، ولم يكن ذلك في (ما) ونحوه، ذكره النحويون مع الفعل وإن لم يكن فعلًا» (14 ).
الدليل الثالث: أن (ليس) لا توصل بها (ما) التى تكون مع الفعل في تقدير المصدر، كما وصلوها بأخواتها، ألا ترى أنك لا تقول: ما أحسنَ ما ليس زيدٌ قائمًا، فتصل بليس ما كما لا تصلها بما النافية، فهذا مما يبين أنها ليست بمنزلة أخواتها، وأنه قيل فيه: إنه فعل للشبه اللفظي( 15).
فـ(ليس)« لو كانت فعلًا على الحقيقة لوصلت (ما) بها كما وصلت بسائر الأفعال ماضيها وحاضرها وآتيها، فلما لم يوصل بها كما لم يوصل بـ(ما) حتى يكون خبرها فعلًا؛ كقولك: (ما أحسنَ ما ليسَ يذْكُرُك زيدٌ) دل ذلك على أنه أجري مجرى ما ينفي به مما ليس بفعل، فأما وجه ذكرهم إياها مع الأمثلة المجردة من الدلالة على الحدث فلمشابهتها لها في عمل الرفع والنصب؛ كما ذكروا (أما) مع حروف العطف وبابها لمشابهتها(أو) في بعض المعاني، فإذا باينت هذه الكلمة هذه الأفعال هذه المباينةَ وشابهت الحرف هذه المشابهةَ، لم يُنكر أن يجرى مجرى الحرف فلا يعمل عمل الفعل في قولهم: (ليس الطيبُ إلا المسكُ)»(16 ).
ويرد أبو علي في طيات هذا الدليل على من حمل قولهم: (ليس الطيبُ إلا المسكُ) على أن في (ليس) ضمير القصة والحديث كما قيل في تأويل: ( ليس خلق الله أشعر منه)، فيقول:
« لم يسغ حمله على الضمير كما ساغ في (كان أنت خيرٌ منه) ؛ لأن الجملة الواقعة خبرًا لـ(ليس) موجبة في اللفظ ، فلما لم يستقم أن تدخل (إلا) بين المبتدأ وخبره، نحو قولنا: (زيدٌ إلا منطلقٌ) لم يسغ أن يحمل (ليس) على أن فيه ضميرًا؛ لأنه يصير بمنزلة من قال في الابتداء: (زيد إلا منطلقٌ) وهذا غير جائز، وليس كذلك قوله:(ليس خلق الله أشعر منه)؛ لأنه لم يقع بين الخبر والمخبر عنه (إلا) في كلام موجب، فلما لم يستقم أن تحمل (ليس) على أن فيه ضميرًا فتقع الجملة في موضع الخبر، وسمع(المسكُ) مرفوعًا في الحكاية، جعلها بمنزلة(ما) إذا دخلت (إلا) بين الاسم والخبر معها»(17 ).
الدليل الرابع: أنه قد جاء في الشعر(ليسي) بلا نون متصلة بعلامة ضمير المتكلم ، وذلك قوله( 18):
*قدْ ذَهَبَ القَوْمُ الكِرَامُ لَيْسِي*
ألا ترى أن هذه النون في الضمير المنصوب إنما تحذف من الحرف في الضـرورة ،ولم نعلمهم حذفوها من فعل في اختيار ولا ضرورة، إلا أن تكون للتضعيف، كما حذفوا في (لَيْتِي)، فحذفهم له من (لَيْسَ) كحذفهم له من (لَيْتَ) دلالة على أنه جارٍ عندهم مجرى ما ليس بفعل ، كما أن (لَيْتَ) كذلك( 19).
هذه هي جملة الحجج والأدلة التي تمثَّل بها الفارسي أمام مذهب البصريين،وإليك الجوابَ عنها:
د.مصطفى شعبان
جوز سيبويه في قول بعض العرب: (ليسَ الطيبُ إلا المسكُ) رفع(المسك) في لغة التميميين على إهمال (ليس) وجعلها حرفًا، وأما النصب فعلى ما تستحقه ليس من رفع الاسم ونصب الخبر، على أصل فعليتها.
وقد أشار سيبويه إلى جواز ذلك في بعض الكلام، وأجاز في قول من قال: (ليس خَلَقَ اللهُ أشعرَ منهُ) كون (ليس) فعلًا متحمِّلًا ضمير الشأن اسمًا، وكونها حرفًا مهملًا، وهَاتِيْكَ نصوصَ سيبويه كالتالي:
قال سيبويه: « وقد زعم بعضهم أن (ليس) كـ(ما)، وذلك قليل لا يعرف، فهذا يجوز أن يكون منه: ليسَ خَلَقَ اللهُ أشعرَ مِنهُ، وليس قالها زيدٌ، قال حميد الأرقط:
فأصبحوا والنَّوى عَالِى مُعَرَّسِهِمْ وليسَ كلَّ النَّوى يُلقِي المساكينُ
وقال هشام أخو ذي الرُّمَّة:
هي الشِّفَاءُ لدَائِي لو ظَفِرْتُ بها وليس منهـا شِفاءُ الداءِ مبـذولُ
هذا كله سُمع من العرب، والوجه والحد أن تحمله على أن في (ليس) إضمارًا و(هذا) مبتدأ، كقوله: إنه أَمَةُ الله ذاهبةٌ، إلا أنهم زعموا أن بعضهم قال: ليس الطيبُ إلا المسكُ، وما كان الطيبُ إلا المسكُ»(1 ).
ومحكُّ القضية هو في قول سيبويه: «إلا أن بعضهم قال : (ليس الطيبُ إلا المسكُ)،و(ما كان الطيب إلا المسك)..»؛ إذ هذا الذي جعل الفارسي يختار ترجيح حرفية (ليس) ويجعلها قاعدة مطردة؛ لأنه ظن أن هذا القول من سيبويه تقوية لحرفية (ليس)، ولهذا قال السيرافي بعد قول سيبويه هذا:
« وكأن هذا عنده أقوى من الحجة الأولى-أي التي ذكرها في تأويل الشواهد المذكورة-؛ وذلك أن الذين رفعوا (المسك) في(ليس) هم الذين نصبوه في (كان)، فأشبه أن يكون لفرق بين ليس وكان»(2 ).
وفي ذلك يقول الفارسي: «حكى سيبويه: (ليس الطيبُ إلا المسكُ) ، وذهب فيه إلى أنه بمنزلة (ما) ، ولم يحمله على أن في (ليس) ضمير القصة والحديث كما حمل قوله: (ليس خلق الله أشعر منه) على هذا الضمير»(3 ).
وبعد عرض نصوص سيبويه ندع المجال للفارسي ليجلي عن مذهبه بالحجج العريضة الطويلة التي ساقها ، ثم نفندها حجة حجة، وقد ساق أدلة متعددة على ما نحا إليه من أن (ليس) حرف لا فعل.
قال أبو علي: « وأما (ليس) فقد اختلف أصحابنا فيها:
فقال قوم: إنها فعل؛ بدلالة أن الضمير يتعلق بها ويتصل بها، وذلك قولك: (ليسا)،و(لَسْنَ)، و(لسْتُ) »( 4).
وقبل أن نعرض رده على هذه الحجة ، لابد أن نشير إلى أنه ليس ثَمَّ خلافٌ بين البصـريين في فعلية (ليس)، باستثناء ما ذكره أبو حيان( 5)، والمرادي(6 )، وابن هشام(7 ) من نسبة القول بحرفيتها إلى ابن السراج، وبعض الأصحاب(8 ).
ونص ابن السراج في الأصول ينقض ما عزوه إليه كلِّيةً، ويثبت له موافقة سيبويه في القول بفعليتها، إذ يقول فيه: « فأما (ليس) فالدليل على أنها فعل وإن كانت لا تتصـرف تصـرُّف الأفعال قولك: لسْت، كما تقول: ضربْت، ولستما كضـربتما، ولسنا كضـربنا، ولسن كضـربن، ولستن كضربتن، وليسوا كضربوا، وليستْ أمةُ الله ذاهبةً ، كضربَتْ أمةُ الله زيدًا»( 9).
الدليل الأول : يرد فيه الفارسي على الحجة التي ذكرها البصريون فيقول: « وهذا لا يلزم، وذلك أن (هاء) وهي حرف يتصل بها الضمير ، وذلك قولك: (هاؤم)،و(هاؤمو)، فلما اتصل هذا بها، ولم يكن ضميرًا فكذلك يتصل بـ(ليس) ولا يكون ضميرًا»( 10).
يعني هذا أن اتصال الضمير بـ(ليس) ليس بدلالة قاطعة على أنها فعل؛«ألا ترى أنه قد اتصل الضمير على هذا النحو بما هو اسم، وذلك قول بعضهم: (هاءَا) و(هاؤُوا) كما تقول للمخاطب: (افعلا)،و(افعلوا) وهذا الحرف من الأسماء التي سميت بها الأفعال، وهذه الكلم التي سميت بها هذه الأفعال أسماء، وليست بأفعال ولا حروف»( 11).
وبناء على ذلك يكون«اتصال الضمير بـ(ليس) على حد اتصاله بـ(كان) لم يجعله مثله ، وإن كان قد جعل في الإعمال بمنزلته، ألا ترى أنه ينفي بـ(ليس) ما في الحال كما ينفي بـ(ما) ما كان في الحال، فكونها على أمثلة الماضي إنما هو شبه لفظي لا حقيقة تحته»(12).
الدليل الثاني: أن (ليس) تدل على النفي، ولا تدل على حدث ولا زمان، والأفعال منها ما يدل على حدث وزمان، ومنها ما يدل على زمان فقط، فإذا كان هذا هكذا وتعرَّتْ(ليسَ) من المعنيين جميعًا عُلم أنها ليست بفعل(13 ).
ويقوي الفارسي عدم دلالته على الحدث بـ«أنه لم يلحقه من حروف المضارعة شيء، ولو كان من أمثلة الحال لم يخل من أحدها، فإن فسد كونه مثالًا للحاضر بهذا ثبت أنه لا دلالة فيه على مضـي، ولا على ما لم يقع، ولا على ما هو كائن لم ينقطع، وإذا خلا من ذلك لم يكن في الحقيقة فعلًا ،إلا أنه لما كان وصلهم المضمر به على حد وصله بالأمثلة المأخوذة من الأحداث ، ولم يكن ذلك في (ما) ونحوه، ذكره النحويون مع الفعل وإن لم يكن فعلًا» (14 ).
الدليل الثالث: أن (ليس) لا توصل بها (ما) التى تكون مع الفعل في تقدير المصدر، كما وصلوها بأخواتها، ألا ترى أنك لا تقول: ما أحسنَ ما ليس زيدٌ قائمًا، فتصل بليس ما كما لا تصلها بما النافية، فهذا مما يبين أنها ليست بمنزلة أخواتها، وأنه قيل فيه: إنه فعل للشبه اللفظي( 15).
فـ(ليس)« لو كانت فعلًا على الحقيقة لوصلت (ما) بها كما وصلت بسائر الأفعال ماضيها وحاضرها وآتيها، فلما لم يوصل بها كما لم يوصل بـ(ما) حتى يكون خبرها فعلًا؛ كقولك: (ما أحسنَ ما ليسَ يذْكُرُك زيدٌ) دل ذلك على أنه أجري مجرى ما ينفي به مما ليس بفعل، فأما وجه ذكرهم إياها مع الأمثلة المجردة من الدلالة على الحدث فلمشابهتها لها في عمل الرفع والنصب؛ كما ذكروا (أما) مع حروف العطف وبابها لمشابهتها(أو) في بعض المعاني، فإذا باينت هذه الكلمة هذه الأفعال هذه المباينةَ وشابهت الحرف هذه المشابهةَ، لم يُنكر أن يجرى مجرى الحرف فلا يعمل عمل الفعل في قولهم: (ليس الطيبُ إلا المسكُ)»(16 ).
ويرد أبو علي في طيات هذا الدليل على من حمل قولهم: (ليس الطيبُ إلا المسكُ) على أن في (ليس) ضمير القصة والحديث كما قيل في تأويل: ( ليس خلق الله أشعر منه)، فيقول:
« لم يسغ حمله على الضمير كما ساغ في (كان أنت خيرٌ منه) ؛ لأن الجملة الواقعة خبرًا لـ(ليس) موجبة في اللفظ ، فلما لم يستقم أن تدخل (إلا) بين المبتدأ وخبره، نحو قولنا: (زيدٌ إلا منطلقٌ) لم يسغ أن يحمل (ليس) على أن فيه ضميرًا؛ لأنه يصير بمنزلة من قال في الابتداء: (زيد إلا منطلقٌ) وهذا غير جائز، وليس كذلك قوله:(ليس خلق الله أشعر منه)؛ لأنه لم يقع بين الخبر والمخبر عنه (إلا) في كلام موجب، فلما لم يستقم أن تحمل (ليس) على أن فيه ضميرًا فتقع الجملة في موضع الخبر، وسمع(المسكُ) مرفوعًا في الحكاية، جعلها بمنزلة(ما) إذا دخلت (إلا) بين الاسم والخبر معها»(17 ).
الدليل الرابع: أنه قد جاء في الشعر(ليسي) بلا نون متصلة بعلامة ضمير المتكلم ، وذلك قوله( 18):
*قدْ ذَهَبَ القَوْمُ الكِرَامُ لَيْسِي*
ألا ترى أن هذه النون في الضمير المنصوب إنما تحذف من الحرف في الضـرورة ،ولم نعلمهم حذفوها من فعل في اختيار ولا ضرورة، إلا أن تكون للتضعيف، كما حذفوا في (لَيْتِي)، فحذفهم له من (لَيْسَ) كحذفهم له من (لَيْتَ) دلالة على أنه جارٍ عندهم مجرى ما ليس بفعل ، كما أن (لَيْتَ) كذلك( 19).
هذه هي جملة الحجج والأدلة التي تمثَّل بها الفارسي أمام مذهب البصريين،وإليك الجوابَ عنها:

تعليق