هل تجوز نيابة المفعول له مناب الفاعل؟
د.مصطفى شعبان
من المعلوم أن المفعول به يقوم مقام الفاعل وينوب عنه، تقول في: (أكْرَمَ محمدٌ بكرًا) : (أُكرِمَ بكرٌ)، فـ (بكرٌ) وهو المفعول في الجملة الأولى قام مقام الفاعل (محمدٌ) في الجملة الثانية وناب عنه، فصار نائبَ فاعل، ففي (أُكرِمَ بَكْرٌ)، أُقيمَ المفعول به مقام الفاعل وبقى الكلام بغير اسم منصوب؛ لأن الذي كان منصوبًا قد ارتفع.
ويقرر النحاة أن من الأشياء التي لا تقوم مقام الفاعل: المفعول له؛لأن النائب مناب الفاعل ينبغي أن يكون مثله في كونه من ضروريات الفعل من حيث المعنى، وإن جاز ألا يذكر لفظًا كما أن الفاعل من ضروريات الفعل، وكذلك فاللام مرادة في المفعول له، ومن ثَمَّ لا يجوز أن تقول: (غُفِرَ لزيدٍ ادِّخَارُه) على معنى: لادِّخَارِهِ؛ لأنك لما حذفت اللام على الاتساع لم يجز أن تنقله إلى مفعول به فتتصرف مع المجاز تصرفًا بعد تصرف؛ لأنه يبطل المعنى بتباعده عن الأصل .(1 )
ونقل أبو العباس المبرد عن أبي عمر الجرمي أنه ذهب إلى « أنه ما جاء في معنى (لِكذا) لا يقوم مقام الفاعل، ولو قام مقام الفاعل لجاز: (سِيْرَ عليه مَخَافَةَ الشَّرِّ)، ولم يجُزْ في ذا غيرُهُ، كما لا يجوز إلا: (دُخِل البيتُ)؛ لأن معناه في البيت، فلما حذفت (في) رفعت، ولو جاز (سِيْرَ به المَخَافةُ) لم يكن إلا رفعًا». (2 )
ثم قال المبرد: « قال الرِّياشي: فكان (مخافة) وما أشبهه لم يجئ إلا نكرة فأُخْرِج مُخرج ما لا يقوم مقام الفاعل نحو الحال والتمييز، ولو جاز لما أشبه (مخَافَةَ الشرِّ) أن يقوم مقام الفاعل لجاز (سيرَ بزيدٍ راكبٌ) فأقمتَ (راكبًا) مقام الفاعل، و (مخافةَ الشرِّ) وإن أضفته إلى معرفة بمنزلة: (مِثْلِكَ،وغيرِك، وضارِبكَ غدًا) نكرة».
قال أبو علي: « قال أبو العباس: أخطأ الرِّياشي في قوله: (مخافةَ الشرِّ) ونحوه (حال) أقبح الخطأ، وهو خلاف قول سيبويه؛ لأن سيبويه يجعله – أي المفعول له – معرفة ونكرة إذا لم يضفه أو لم تدخله الألف واللام كمجراه في سائر الكلام؛ لأنه لا يكون حالًا».( 3)
وتفسير كلام المبرد أن إجراء الرِّياشى (مخافةَ الشَّرِّ) ونحوها مجرى الحال والتمييز اللذين لا يقومان مقام الفاعل؛ لأن (مخافةً) ونحوها لم تجئ إلا نكرة فأشبهتهما في امتناع قيامهما مقام الفاعل إجراءٌ خاطئ؛ لأن سيبويه يجعل المفعول له نحو (مخافةَ الشَّرِّ)،و(حِذار الشَّرِّ) معرفة ونكرة.
قال السيرافي: « ويجوز أن يكون المصدر – أي المفعول له – معرفة ونكرة؛ لأنه ليس بحال فيحتاج فيه إلى لزوم النكرة، فأما المعرفة؛ فقولك: (ذلِكَ لابْتِغَاءِ الخَيْرِ)،و(لِلخَوْفِ مِنْ زَيدٍ)، وأما النكرة، فقولك: (لابْتِغَاءِ الخَيْرِ)،و(لِخَوفٍ مِنْ زَيدٍ)».(4 )
وللفارسي اعتراض على كلام الرياشي، وتخصيصًا في إجراء الرياشي (مخافةَ الشرِّ) في امتناع قيامها مقام الفاعل مجرى الحال والتمييز، فيقول: « لم يمتنع (مخافةَ الشَّرِّ) ونحوه من أن يقوم مقام الفاعل لأن التقدير فيه التنكير كالحال والتمييز لأنه يكون معرفة ونكرة؛وإنما امتنع أن يقام مقام الفاعل لأن انتصابه ليس كانتصاب المفعول به؛ إنما هو مفعول، فهو علة للفعل وغرض له، فامتنع أن يقوم مقام الفاعل كما امتنع الظرف أن يقام مقام الفاعل وهو ظرف، وإنما يقام المفعول به مقام الفاعل من حيث كان مع الفعل بمنزلة الفاعل معه.
ألا ترى أن الفعل يُبنى له كما يبنى للفاعل، ويضاف المصدر إلى المفعول به كما يضاف إلى الفاعل، ويضاف المصدر إلى المفعول به ولا يذكر الفاعل،كما يضاف إلى الفاعل ولا يذكر المفعول به، وليس المفعول له هكذا ولا ما أشبهه مما لم يقم مقام الفاعل، فلما لم يكن المفعول له في هذا كالمفعول به في هذه المناسبات وغيرها التي بينه وبين الفاعل لم يجز أن يقام المفعول له مقام الفاعل، كما جاز أن يقام المفعول به مقامه». ( 5)
من هذا التقرير نستخلص أن الفارسي لم يرتض التعليل الذي ذكره الرِّياشي لمنع إقامة المفعول له مقام الفاعل في نحو :(مَخَافَةَ الشَّرِّ) أنه نكرة فخرج مخرج الحال والتمييز وهما لا ينوبان مناب الفاعل باتفاق لملازمتهما التنكير، وإنما التعليل المناسب الذي ينبغي أن يعلل به امتناع قيام المفعول له مقام الفاعل ما ذكره الفارسي من أن المفعول له علة للفعل وغرض له، فامتنع أن يقوم مقام الفاعل من هذه الحيثية لا من حيثية التنكير.
وقد اتبع كثير من النحاة أبا علي في مسلكه التعليلى، ومن هؤلاء: العكبري (6 )، وابن يعيش (7)، وابن الحاجب (8 )، والرضي (9 )، والشاطبي ( 10).
وعلل بعضهم المنع بأن المفعول له في المعنى كأنه جواب لسائل سأل عن العلة،فلو ذهبت تقيمه مقام الفاعل لذهب هذا المعنى منه. (11 )
واستقر رأي جمهور النحاة – نقل ذلك السيرافي (12 ) ،و ابن جني (13 )،والعكبري ( 14)، وأبو حيان(15 )، والسيوطي (16 ) – على أنه لا تجوز نيابة المفعول له مناب الفاعل مطلقًا سواء أكان منصوبًا أم مجرورًا بحرف الجر،خلافًا للأخفش الذي جوزه مجرورًا وهو قول ضعيف.
__________د.مصطفى شعبان
من المعلوم أن المفعول به يقوم مقام الفاعل وينوب عنه، تقول في: (أكْرَمَ محمدٌ بكرًا) : (أُكرِمَ بكرٌ)، فـ (بكرٌ) وهو المفعول في الجملة الأولى قام مقام الفاعل (محمدٌ) في الجملة الثانية وناب عنه، فصار نائبَ فاعل، ففي (أُكرِمَ بَكْرٌ)، أُقيمَ المفعول به مقام الفاعل وبقى الكلام بغير اسم منصوب؛ لأن الذي كان منصوبًا قد ارتفع.
ويقرر النحاة أن من الأشياء التي لا تقوم مقام الفاعل: المفعول له؛لأن النائب مناب الفاعل ينبغي أن يكون مثله في كونه من ضروريات الفعل من حيث المعنى، وإن جاز ألا يذكر لفظًا كما أن الفاعل من ضروريات الفعل، وكذلك فاللام مرادة في المفعول له، ومن ثَمَّ لا يجوز أن تقول: (غُفِرَ لزيدٍ ادِّخَارُه) على معنى: لادِّخَارِهِ؛ لأنك لما حذفت اللام على الاتساع لم يجز أن تنقله إلى مفعول به فتتصرف مع المجاز تصرفًا بعد تصرف؛ لأنه يبطل المعنى بتباعده عن الأصل .(1 )
ونقل أبو العباس المبرد عن أبي عمر الجرمي أنه ذهب إلى « أنه ما جاء في معنى (لِكذا) لا يقوم مقام الفاعل، ولو قام مقام الفاعل لجاز: (سِيْرَ عليه مَخَافَةَ الشَّرِّ)، ولم يجُزْ في ذا غيرُهُ، كما لا يجوز إلا: (دُخِل البيتُ)؛ لأن معناه في البيت، فلما حذفت (في) رفعت، ولو جاز (سِيْرَ به المَخَافةُ) لم يكن إلا رفعًا». (2 )
ثم قال المبرد: « قال الرِّياشي: فكان (مخافة) وما أشبهه لم يجئ إلا نكرة فأُخْرِج مُخرج ما لا يقوم مقام الفاعل نحو الحال والتمييز، ولو جاز لما أشبه (مخَافَةَ الشرِّ) أن يقوم مقام الفاعل لجاز (سيرَ بزيدٍ راكبٌ) فأقمتَ (راكبًا) مقام الفاعل، و (مخافةَ الشرِّ) وإن أضفته إلى معرفة بمنزلة: (مِثْلِكَ،وغيرِك، وضارِبكَ غدًا) نكرة».
قال أبو علي: « قال أبو العباس: أخطأ الرِّياشي في قوله: (مخافةَ الشرِّ) ونحوه (حال) أقبح الخطأ، وهو خلاف قول سيبويه؛ لأن سيبويه يجعله – أي المفعول له – معرفة ونكرة إذا لم يضفه أو لم تدخله الألف واللام كمجراه في سائر الكلام؛ لأنه لا يكون حالًا».( 3)
وتفسير كلام المبرد أن إجراء الرِّياشى (مخافةَ الشَّرِّ) ونحوها مجرى الحال والتمييز اللذين لا يقومان مقام الفاعل؛ لأن (مخافةً) ونحوها لم تجئ إلا نكرة فأشبهتهما في امتناع قيامهما مقام الفاعل إجراءٌ خاطئ؛ لأن سيبويه يجعل المفعول له نحو (مخافةَ الشَّرِّ)،و(حِذار الشَّرِّ) معرفة ونكرة.
قال السيرافي: « ويجوز أن يكون المصدر – أي المفعول له – معرفة ونكرة؛ لأنه ليس بحال فيحتاج فيه إلى لزوم النكرة، فأما المعرفة؛ فقولك: (ذلِكَ لابْتِغَاءِ الخَيْرِ)،و(لِلخَوْفِ مِنْ زَيدٍ)، وأما النكرة، فقولك: (لابْتِغَاءِ الخَيْرِ)،و(لِخَوفٍ مِنْ زَيدٍ)».(4 )
وللفارسي اعتراض على كلام الرياشي، وتخصيصًا في إجراء الرياشي (مخافةَ الشرِّ) في امتناع قيامها مقام الفاعل مجرى الحال والتمييز، فيقول: « لم يمتنع (مخافةَ الشَّرِّ) ونحوه من أن يقوم مقام الفاعل لأن التقدير فيه التنكير كالحال والتمييز لأنه يكون معرفة ونكرة؛وإنما امتنع أن يقام مقام الفاعل لأن انتصابه ليس كانتصاب المفعول به؛ إنما هو مفعول، فهو علة للفعل وغرض له، فامتنع أن يقوم مقام الفاعل كما امتنع الظرف أن يقام مقام الفاعل وهو ظرف، وإنما يقام المفعول به مقام الفاعل من حيث كان مع الفعل بمنزلة الفاعل معه.
ألا ترى أن الفعل يُبنى له كما يبنى للفاعل، ويضاف المصدر إلى المفعول به كما يضاف إلى الفاعل، ويضاف المصدر إلى المفعول به ولا يذكر الفاعل،كما يضاف إلى الفاعل ولا يذكر المفعول به، وليس المفعول له هكذا ولا ما أشبهه مما لم يقم مقام الفاعل، فلما لم يكن المفعول له في هذا كالمفعول به في هذه المناسبات وغيرها التي بينه وبين الفاعل لم يجز أن يقام المفعول له مقام الفاعل، كما جاز أن يقام المفعول به مقامه». ( 5)
من هذا التقرير نستخلص أن الفارسي لم يرتض التعليل الذي ذكره الرِّياشي لمنع إقامة المفعول له مقام الفاعل في نحو :(مَخَافَةَ الشَّرِّ) أنه نكرة فخرج مخرج الحال والتمييز وهما لا ينوبان مناب الفاعل باتفاق لملازمتهما التنكير، وإنما التعليل المناسب الذي ينبغي أن يعلل به امتناع قيام المفعول له مقام الفاعل ما ذكره الفارسي من أن المفعول له علة للفعل وغرض له، فامتنع أن يقوم مقام الفاعل من هذه الحيثية لا من حيثية التنكير.
وقد اتبع كثير من النحاة أبا علي في مسلكه التعليلى، ومن هؤلاء: العكبري (6 )، وابن يعيش (7)، وابن الحاجب (8 )، والرضي (9 )، والشاطبي ( 10).
وعلل بعضهم المنع بأن المفعول له في المعنى كأنه جواب لسائل سأل عن العلة،فلو ذهبت تقيمه مقام الفاعل لذهب هذا المعنى منه. (11 )
واستقر رأي جمهور النحاة – نقل ذلك السيرافي (12 ) ،و ابن جني (13 )،والعكبري ( 14)، وأبو حيان(15 )، والسيوطي (16 ) – على أنه لا تجوز نيابة المفعول له مناب الفاعل مطلقًا سواء أكان منصوبًا أم مجرورًا بحرف الجر،خلافًا للأخفش الذي جوزه مجرورًا وهو قول ضعيف.
( 1) انظر: أصول ابن السـراج 1/81 ، المسائل البصـريات 1/228 ، اللباب في علل البناء والإعراب 1/163 ، شرح المفصل لابن يعيش 7/72 .
( 2) أصول ابن السراج 1/208-209 ، المسائل البصريات 1/223-224 .
(3 ) المسائل البصريات 1/224 ، ونقله أبو علي في البصريات عن الأصول 1/209 .
( 4) شرح السيرافي 2/256 ، وانظر: الكتاب 1/186 بولاق ،1/369-370 هارون، المساعد 1/487 ، شرح التصريح 1/509 .
(5 ) المسائل البصريات 1/228-229 .
(6 ) اللباب في علل البناء والإعراب 1/163 .
(7 ) شرح المفصل 7/72 .
(8 ) الإيضاح شرح المفصل 2/57 .
(9 ) شرح كافية ابن الحاجب 1/218-219 .
( 10) المقاصد الشافية 3/10 .
( 11) هذا تعليل الخفاف نقله عنه الأزهري في شرح التصريح 1/428 ، وبه قال ابن الحاجب في الإيضاح شرح المفصل 2/57 .
(12 ) شرح السيرافي 2/256-257 .
(13 ) في شرحه على الحماسة، نقله عنه الأزهري في شرح التصريح 1/428 .
(14 ) في شرح اللمع لابن جني، ذكر ذلك الأزهري في شرح التصريح 1/428 .
( 15) ارتشاف الضرب 3/1337 .
( 16) همع الهوامع 2/270 .
( 2) أصول ابن السراج 1/208-209 ، المسائل البصريات 1/223-224 .
(3 ) المسائل البصريات 1/224 ، ونقله أبو علي في البصريات عن الأصول 1/209 .
( 4) شرح السيرافي 2/256 ، وانظر: الكتاب 1/186 بولاق ،1/369-370 هارون، المساعد 1/487 ، شرح التصريح 1/509 .
(5 ) المسائل البصريات 1/228-229 .
(6 ) اللباب في علل البناء والإعراب 1/163 .
(7 ) شرح المفصل 7/72 .
(8 ) الإيضاح شرح المفصل 2/57 .
(9 ) شرح كافية ابن الحاجب 1/218-219 .
( 10) المقاصد الشافية 3/10 .
( 11) هذا تعليل الخفاف نقله عنه الأزهري في شرح التصريح 1/428 ، وبه قال ابن الحاجب في الإيضاح شرح المفصل 2/57 .
(12 ) شرح السيرافي 2/256-257 .
(13 ) في شرحه على الحماسة، نقله عنه الأزهري في شرح التصريح 1/428 .
(14 ) في شرح اللمع لابن جني، ذكر ذلك الأزهري في شرح التصريح 1/428 .
( 15) ارتشاف الضرب 3/1337 .
( 16) همع الهوامع 2/270 .
