إذا وأنماطها في القرآن الكريم: دراسة وصفية إحصائية
محمد حمدان الرقب
الملخّص:
تتصدّى هذه المحاولة للحديث عن المنهج الإحصائيّ بصفته الرّابط بين مسائل النحو من جهة ومسائله الأكثر دورانًا على الألسنة من جهة أخرى، وهو منهج حديث عمل على الانعتاق من العشوائيّة في البحث إلى تنظيمه وتقنينه، خروجًا إلى نتائجَ مهمّة وذات قيمة علميّة وعمليّة. وقد أتبعْتُ هذه المحاولة بتطبيقٍ عمليّ تمثّل بحصر أنواع (إذا) وحصر أنماطها، وقد اجتبيت القرآن الكريم لما له من فضلٍ كبير على العربيّة، وعلى احتوائه أنواع (إذا) وأنماطها، وقد وقفت على أشهر هذه الأنماط الواردة، وخرجت بنتائج عدّة.
والمنهج الإحصائي كما هو معروف ينظّم العمل، ونتائجه أكثر دقّةً ومصداقيّة، تفيد الباحثين كثيرًا، لاسيّما القائمون على المناهج المتخصّصة بتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها؛ إذ ينظر الباحث إلى الألفاظ الأكثر شيوعًا، والأنماط الأكثر انتخابًا؛ ما يسهّل معرفة أيّ ألفاظ اللغة مستخدم وأيه أقل استعمالًا، وصولًا إلى شيوع اللغة العامّة فيما بين الناطقين بغير العربيّة، وكما قال النبي الكريم: "كيلوا ولا تهيلوا"؛ فإنّ هذا المنهج ينطلق من أنّه يتعيّن على الباحث في اللغة أنْ يبني دراسته على الدقّة والمنهجيّة والأناة، حتى يخرج بنتائج جادّة ونافعة.
المقدّمة
كانت اللغة وما تزال وسيلة الاتّصال والتفاعل بين البشر، وهي تدلّ على معانٍ عقليّة يتعارف عليها كلّ أمّة أو جماعة من الناس، وهي النتيجة التي آلت إليها محاولات الإنسان، وحاجته الملحّة إلى التواصل مع أخيه الإنسان.
ولعلّ ما تنماز به أيُّ لغةٍ من اللغات الإنسانيّة هو مقدرتها على التّواصل والتّواشج والتفاعل مع أبنائها، على نحْوِ ما قرّره ابن جنّي في مقولته الطّائرة مع الريح: اللغة أصواتٌ يعبّر بها كلّ قوم من الأقوام عن أغراضهم.
وكانت بداءة الإنسان في استعماله اللغة ساذجة؛ فلا تزيد هذه اللغة على إعطاء مسمّياتٍ بينها وبين الأسماء تناسبٌ مطّرد؛ فالطائر سمّي هكذا؛ لأنه يطير، والخروف سمّي هكذا؛ لأنه يخرف من ههنا وههنا؛ أي يرتع[1].
وقد كان العرب في عصر الجاهليّة يتكلّمون باللغة بصورة طيّعة سلسة، وكانت تقام الأسواق الأدبيّة، مثل سوق عكاظ، تُقام فيه المؤتمرات والندوات، كلٌّ يلقي بدلوه من الشعر من إنشائه أو من محفوظه، وكذلك كان سوقًا للخطابة، يؤمّها المدارِه والمفوّهون، ولعل أشهر الخطباء في ذلك العصر قسّ بن ساعدة الإيادي، وكانوا يتبارون ويتفاخرون ويتعاظمون بما لديهم من حسن البلاغة والبيان.
وهكذا نشأت اللغة العربية في أحضان جزيرة العرب خالصة لأبنائها، نقيّة سليمة لا يشوبها ما يكدّرها، ويطعن في سلامتها؛ فمن البدائه أنّ الدرس اللغوي كان غائبًا في ذلك العصر؛ إذ ليس من سبب موجب لذلك، فالألسنة مستقيمة، والقواعد قارّة في الأذهان، والقبائل لم يخالطها الأعاجم.
ولمّا دنا عصر الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجًا، اختلط الحابل بالنابل، وتخالط العرب بمن وفدَ إليهم من الأعاجم، أو بمن وفدوا إليه من غير العرب القاطنين في الأمصار التي فتحوها، فكان أن فسد اللسان العربيّ، وشاع اللحن شيوعًا فاحشًا، وخِيْفَ على سلامة اللغة من الشوائب، وخِيْف أيضًا على فهم القرآن الكريم وعلوم الدين، ففطن العلماء إلى ذلك، ونهدوا يجمعون من اللغة مفردتها وأساليبها دون تمحيص أو ترتيب، حتّى أصبح ما جمعوه مادّة عظيمة، فطفقوا يبوّبون الأبواب ويقعّدون القواعد. وهكذا انبثقت مرحلتان هنا: مرحلة الجمع والرواية، ومرحلة التقعيد والدراية.
وقد ذكر الإمام الغزاليّ في كتابه "إحياء علوم الدين" أنّ العلوم تنقسم عدّة أقسام، وذكر أنّ علوم اللغة هي من علوم الآلات[2] التي هي مطيّة علوم الدين والشريعة، فلا سبيل إلى فهم الدين دون التفقّه في اللغة التي هي مادّته، ومن هذا المرسى انطلق العلماء يقعّدون علوم اللغة نحوَها وتصريفها وأصواتها ومعاجمها، كلّ ذلك بجهد مضنٍ، وهمّة سامكة، وإرادة صلبة، وذلك بعد أن تفشّى اللحْن الناجم عن اختلاط الأعاجم بالعرب بفضل الفتوحات الإسلاميّة التي شملت مساحاتٍ متراميةَ الأطراف.
وتجدر الإشارة إلى أنّ علم الفقه بأصوله وقواعده ومناهجه كان أسبق في الظهور من علم أصول اللغة وعلم أصول النحو؛ إذ اهتمّ علماء المسلمين بالتأليف في الفقه الإسلامي والتفسير القرآني، وبعد أن دُوِّنت هذه العلوم اتّجه العلماء وجهةً أخرى نحو تسجيل العلوم غير الشرعية، ومن بينها اللغة والنحو[3]. ولمّا أظلّ زمان الفتوحات الإسلاميّة ودخل كثير من العجم في الإسلام واختلط بالعرب، وما يقفو ذلك من التفاعل والمشافهة والمصاهرة والاندغام؛ ما أدّى إلى ظهور أساليب ومفردات لا عهد للعربيّة بها من قبل، دعت الحاجة حينئذٍ إلى وضع ضوابط وقواعد لغويّة تمكّن غير العربيّ من فهم النصوص كما يفهمها العربيّ الذي أتت النصوص بلغته، كما دعت الحاجة إلى وضع قواعد نحويّة يقتدون بها على صحّة النطق[4].
وقد مرّت اللغة العربيّة في أدوار كغيرها من اللغات، فتغيّرت ألفاظها بما طرأ عليها من النحت والقلب والإبدال، وما داخلها من لغات الأعاجم بسبب الفتوحات واختلاط العرب بغيرهم من الأمم[5].
ولم يكن في استطاعة المؤرّخين بيانُ الحالِ التي كانت عليها اللغة العربيّة في الأدوار التي مرّت بها قبل الإسلام؛ بسبب تعذّر العثور على أمثلة مدوّنة يُرجَع إليها ويُقاس عليها، على أنه مهما يكن من أمرِ اللغة العربيّة وغموض تاريخها القديم فقد عرفناها عند انبلاج نور الإسلام ناضجة بالغة منتهى الفصاحة والبلاغة في ألفاظها ومعانيها؛ فهي من أغنى لغات العالم، وقد وُضع فيها لكلّ مسمّى أسماء عديدة، وجعل لكلّ فعل فروع ومشتقّات كثيرة[6].
ثمّ بتطوّر أطوار الحياة وأحوالها تطوّرت الألفاظ التي بات الإنسان يستعملها، وبسبب بُعْدِ الشُّقَّة التي قطعها هذا الإنسان أصبحت العلائق بين المعاني الساذجة والمسمّى بعيدًا لا يكاد يُعْرَف إلّا بالبحث.
وقد كان للعربيّة علماءُ عكفوا على تقعيدها ووصفها واستقرائها وصولًا إلى الأحكام التي تنتظمها. وقد قرّر اللغويّون منذ فجْرِ جمعهم شواهدَ النحو واللغة أنّ مَنْ يُسْتَشْهَدُ بهم فئةٌ محدودةٌ زمانًا ومكانًا، فانبرى بعد ذلك علماء رووا عمّن تنطبق عليهم الشروط كلَّ شيءٍ يسمعونه، فتكوّنت لديهم مادّة ضخمة من القواعد، مستعملها ومهملها، قياسيّها وشاذّها، حتّى إنّ كثيرًا من الشواهد يؤتى بها للدلالة على قاعدةٍ شاذّة، وجعلها كالقياس.
أمّا في العصر الحديث فقد عانى أبناء العرب؛ فضلًا عن الناطقين بغير العربيّة، من مشكلة الدرس النحويّ عناءً بيّنًا، وأنفوا من القواعد الجامدة والشواهد الميّتة المصنوعة التي تدلّل على قاعدةٍ ما، وهذا يفسّر الضّعف المستشري في جسد اللغة العربيّة في واقعها لا في بطون كتبها. ولهذا كلّه برزت نظريّة أخذت على عاتقها تسهيل دراسة النّحْوِ، والاهتمام بالشائع من القواعد والأمثلة، حتّى يسهل على أبناء العربيّة هضمها، فضلًا عن أبناء الناطقين بغيرها. وهذه النظرية هي نظرية النّحْو الوظيفيّ الذي يُعْنى بتعليم القواعد النحوية المستعملة، ونبذ المهملة والشاذّة. وهذا يوصلنا إلى طريقةٍ تمكّننا من الوقوف على أظهرِ القواعد النحويّة، وهذا ما يعرف المنهج الإحصائيّ ومبدأ الشيوع.
وقبل أن نقف على مفهوم النحو الوظيفيّ لا نتحرّج من أن نضع علامات استفهام كبيرة على طريقةِ تناول النحو في العصر الحديث وتدريسه، واعتمادِها اعتمادًا كبيرًا على كتب النّحو القديمة، لاسيّما المتأخّرة منها، وهي كتب علميّة لا تعليميّة، تتّسم بالصّعوبة والجمود، وقد ذكر جعفر عبابنة في مقاله (تأمّلات في الدّرس اللغويّ على مستوى الجامعة) أسبابًا لذلك، وهي باختصار[7]:
• الاعتناء بأمور ليس لها أدنى قيمة عمليّة تُذْكَر، مثل التركيز على الشاذّ من الشعر والنثر والقراءات القرآنيّة واللغات القليلة.
• الإكثار من العلل البعيدة التي لا تستند إلى حقائق اللغة نفسها.
• إقامة النحو العربيّ كلّه على أساس من نظرية العوامل والمعمولات التي تنطوي على كثير من التفصيلات، كالحديث عن إعمال العوامل وإلغائها وتعليقها واختصاصها وقوّتها وضعفها وتقدّمها وتأخّرها وحذفها وذكرها وتقسيمها إلى عوامل لفظية وأخرى معنويّة.
• الولع بالتقسيمات العقلية المنطقية التي جعلت العلماءَ يفترضون من أجل تمامها أشياء لا وجود لها أصلًا، ويقدّرون ما ليس مستعملًا فعلًا، ويتحدّثون عمّا حقّه أن يوجد ولكنّه ليس موجودًا.
• إيراد خلافات طويلة في مسائل جزئية غير ذات بال، ولا صلة لها بتنمية القدرة التحصيليّة لدى الطلّاب.
• تكرار آراء وأقوال غير سديدة ظلت تتردد في كتب النحو منذ سيبويهِ.
• إيراد أبواب لا يقصد بها سوى الرياضة العقلية البحتة.
• إقحام مباحث صوتيّة كالرَّوْمِ والإشمام، وأخرى صرفيّة كالحديث عن اشتقاق الاسم.
هذه الأسباب وغيرها أسهمت إسهامًا كبيرًا في أن يَزْوَرّ الطالب عن تعلّم النحو ويأنف من مكابدته؛ ما جعلتْ أصواتًا ترتفع منادية بتسهيل النحو، لا سيّما في العصر الحديث كأمثال طه حسين وإبراهيم السامرائي ونهاد الموسى.
مفهوم النحو الوظيفيّ:
يعرّف عبد العليم إبراهيم النّحْو الوظيفيّ بأنّه "مجموعة القواعد التي تؤدّي الوظيفة الأساسيّة للنحو، وهي ضبط الكلمات، ونظام تأليف الجُمَل؛ ليسلم اللسان من الخطأ في النّطق، ويسلم القلم من الخطأ في الكتابة[8]".
ويورد فاضل والي التعريف نفسَه بنصّه وزاد عليه "دون الخوض في خلافات النحويّين، أو تفريعات الباحثين، أو مفاضلة بين آراء المتحاورين، ومحاولة الترجيح بينها؛ فإنّ مجالَ ذلك هو الدّراساتُ المتخصّصة[9]".
ويرى هاليداي أنّ النحو الوظيفيّ: "قواعد تُسْتَخْدَم في تعليم الأطفال أن يتكلّموا ويكتبوا لغة صحيحة، ويسمّى أيضًا قواعدَ تعليميّة[10]".
ممّا سبق نستنتج أنّ دور اللغة يكون في تنمية المهارات لدى المتعلّمين؛ إذ هم في حاجة مِلْحاحةٍ إليها، وليس ترفًا معرفيًّا لا ينبغي تعلّمه. وهذا يقودنا إلى أنّ وظيفة اللغة تكمن في التّواصل بين الناس والتفاعل فيما بينهم.
وهذا يقودنا إلى القول إنه لا يعني استظهار قواعد النحو وقضاياه أنّه إتقانٌ له وتمكّن منه وفهمه فهمًا صحيحًا؛ إذ نجد من الطلاب من يحفظ المصطلحات النحوية حفظًا متقنًا، ويحفظ كذلك القواعد التي تنتظم أبواب النّحو حفظًا متمكّنًا، ولكنّهم يعجِزون عن أن يصوغوا جُمَلًا نحويّة صحيحة. كما أنّه لا ينبغي إن يُنْظَر إلى النّحو الوظيفيّ على أنّه علم نظريّ، بل هو منهجُ تدريسٍ عمليّ أيضًا، بوصفه منهجًا للتدريس لا ينبغي أن يُفْهَمَ على أنه تكديس لأشكالٍ وقواعدَ منعزلة قلّت أو كثرت، بل إرشاد للاستعمال الصحيح وفهم لغتنا.
وإذا حوّلنا النحو إلى مادّة وظيفيّة مُسْتَساغة، فإنّنا نُغني بذلك عن تكرار الأوبة إليها في المصادر المتخصّصة لها للاستعادة والتذكّر، فيصبح النحو عِلْمًا يكتسبه الطالب اكتسابًا بالتّجْرِبَةِ والممارَنَة، كالعزف على آلةٍ موسيقيّة، أو كاللعب المحترف، أو كالقراءة المُدمنة.
ويورد داوود عبده مثالًا بين معلّمين: أحدهما يدرّس (لن) لغاية غيرِ وظيفيّة، والآخر يدرسها لغاية وظيفيّة؛ فالأوّل يهتمّ بـ (لن) على أنّها أداةُ نصْبٍ، والثاني يهتمّ بها على أنّها أداة نفْيٍ في المستقبل، وإن كان لا يُهْمِل أنها تنصب الفعل المضارع، وكذلك فإنّ الأوّل يهتمّ بإعرابها وإعراب الفعل المضارع بعدها، في حين أنّ الثاني يهتمّ بتركيب الجملة في أسلوب النفي الذي تستعمل فيه لن.
ثمّ يقول بعد ذلك إنّ المعلّم الأوّل يتخرّج على يديه طلّاب يصلون إلى الجامعة، وهم يخطئون في تركيب النفي في المستقبل، فيقولون: (سوف لا أفعل كذا) أو (سوف لن أفعل كذا) بدلًا من (لن أفعل كذا)[11].
ولا يخفى على أولي النُّهى والألباب أنّ للنحو الوظيفي أهمّية سامقة، تكمن في أنه يوظّف فروع اللغة العربيّة جميعًا لخدمة اللغة، وهذا يقود إلى الاتّجاه التّكامليّ في تعليم اللغة العربيّة، وفي أنه يهتمّ بالتّطبيق على القاعدة، وليس حفظَ القاعدة كما أسلفنا القول. وكذلك إنّ الإكثار من التّطبيقات الشفهيّة والكتابيّة داخل الدرس هو تحقيق لمقصد النّحو الوظيفيّ، وهو عصمة اللسان من الزلل، وعصمة القلم من الخطأ[12]، كما سُقنا التعريفات آنفًا. وكذلك إنّ من مرامي النحو الوظيفيّ حصر الأخطاء ومعالجتها، وكذلك عنايتها من حيث وظيفتها العمليّة في الحياة، وجعل محورِ درسِها النّصوصَ والشّواهدَ والأمثلةَ الجيّدة، والإكثار من التطبيقات الشفهيّة والكتابيّة. ولعلّ أظهرَ سيما النحو الوظيفيّ، أنّه يُعنى بالتطبيق، وليس فقط حفظ القاعدة النّحْوِيّة.
محمد حمدان الرقب
الملخّص:
تتصدّى هذه المحاولة للحديث عن المنهج الإحصائيّ بصفته الرّابط بين مسائل النحو من جهة ومسائله الأكثر دورانًا على الألسنة من جهة أخرى، وهو منهج حديث عمل على الانعتاق من العشوائيّة في البحث إلى تنظيمه وتقنينه، خروجًا إلى نتائجَ مهمّة وذات قيمة علميّة وعمليّة. وقد أتبعْتُ هذه المحاولة بتطبيقٍ عمليّ تمثّل بحصر أنواع (إذا) وحصر أنماطها، وقد اجتبيت القرآن الكريم لما له من فضلٍ كبير على العربيّة، وعلى احتوائه أنواع (إذا) وأنماطها، وقد وقفت على أشهر هذه الأنماط الواردة، وخرجت بنتائج عدّة.
والمنهج الإحصائي كما هو معروف ينظّم العمل، ونتائجه أكثر دقّةً ومصداقيّة، تفيد الباحثين كثيرًا، لاسيّما القائمون على المناهج المتخصّصة بتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها؛ إذ ينظر الباحث إلى الألفاظ الأكثر شيوعًا، والأنماط الأكثر انتخابًا؛ ما يسهّل معرفة أيّ ألفاظ اللغة مستخدم وأيه أقل استعمالًا، وصولًا إلى شيوع اللغة العامّة فيما بين الناطقين بغير العربيّة، وكما قال النبي الكريم: "كيلوا ولا تهيلوا"؛ فإنّ هذا المنهج ينطلق من أنّه يتعيّن على الباحث في اللغة أنْ يبني دراسته على الدقّة والمنهجيّة والأناة، حتى يخرج بنتائج جادّة ونافعة.
المقدّمة
كانت اللغة وما تزال وسيلة الاتّصال والتفاعل بين البشر، وهي تدلّ على معانٍ عقليّة يتعارف عليها كلّ أمّة أو جماعة من الناس، وهي النتيجة التي آلت إليها محاولات الإنسان، وحاجته الملحّة إلى التواصل مع أخيه الإنسان.
ولعلّ ما تنماز به أيُّ لغةٍ من اللغات الإنسانيّة هو مقدرتها على التّواصل والتّواشج والتفاعل مع أبنائها، على نحْوِ ما قرّره ابن جنّي في مقولته الطّائرة مع الريح: اللغة أصواتٌ يعبّر بها كلّ قوم من الأقوام عن أغراضهم.
وكانت بداءة الإنسان في استعماله اللغة ساذجة؛ فلا تزيد هذه اللغة على إعطاء مسمّياتٍ بينها وبين الأسماء تناسبٌ مطّرد؛ فالطائر سمّي هكذا؛ لأنه يطير، والخروف سمّي هكذا؛ لأنه يخرف من ههنا وههنا؛ أي يرتع[1].
وقد كان العرب في عصر الجاهليّة يتكلّمون باللغة بصورة طيّعة سلسة، وكانت تقام الأسواق الأدبيّة، مثل سوق عكاظ، تُقام فيه المؤتمرات والندوات، كلٌّ يلقي بدلوه من الشعر من إنشائه أو من محفوظه، وكذلك كان سوقًا للخطابة، يؤمّها المدارِه والمفوّهون، ولعل أشهر الخطباء في ذلك العصر قسّ بن ساعدة الإيادي، وكانوا يتبارون ويتفاخرون ويتعاظمون بما لديهم من حسن البلاغة والبيان.
وهكذا نشأت اللغة العربية في أحضان جزيرة العرب خالصة لأبنائها، نقيّة سليمة لا يشوبها ما يكدّرها، ويطعن في سلامتها؛ فمن البدائه أنّ الدرس اللغوي كان غائبًا في ذلك العصر؛ إذ ليس من سبب موجب لذلك، فالألسنة مستقيمة، والقواعد قارّة في الأذهان، والقبائل لم يخالطها الأعاجم.
ولمّا دنا عصر الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجًا، اختلط الحابل بالنابل، وتخالط العرب بمن وفدَ إليهم من الأعاجم، أو بمن وفدوا إليه من غير العرب القاطنين في الأمصار التي فتحوها، فكان أن فسد اللسان العربيّ، وشاع اللحن شيوعًا فاحشًا، وخِيْفَ على سلامة اللغة من الشوائب، وخِيْف أيضًا على فهم القرآن الكريم وعلوم الدين، ففطن العلماء إلى ذلك، ونهدوا يجمعون من اللغة مفردتها وأساليبها دون تمحيص أو ترتيب، حتّى أصبح ما جمعوه مادّة عظيمة، فطفقوا يبوّبون الأبواب ويقعّدون القواعد. وهكذا انبثقت مرحلتان هنا: مرحلة الجمع والرواية، ومرحلة التقعيد والدراية.
وقد ذكر الإمام الغزاليّ في كتابه "إحياء علوم الدين" أنّ العلوم تنقسم عدّة أقسام، وذكر أنّ علوم اللغة هي من علوم الآلات[2] التي هي مطيّة علوم الدين والشريعة، فلا سبيل إلى فهم الدين دون التفقّه في اللغة التي هي مادّته، ومن هذا المرسى انطلق العلماء يقعّدون علوم اللغة نحوَها وتصريفها وأصواتها ومعاجمها، كلّ ذلك بجهد مضنٍ، وهمّة سامكة، وإرادة صلبة، وذلك بعد أن تفشّى اللحْن الناجم عن اختلاط الأعاجم بالعرب بفضل الفتوحات الإسلاميّة التي شملت مساحاتٍ متراميةَ الأطراف.
وتجدر الإشارة إلى أنّ علم الفقه بأصوله وقواعده ومناهجه كان أسبق في الظهور من علم أصول اللغة وعلم أصول النحو؛ إذ اهتمّ علماء المسلمين بالتأليف في الفقه الإسلامي والتفسير القرآني، وبعد أن دُوِّنت هذه العلوم اتّجه العلماء وجهةً أخرى نحو تسجيل العلوم غير الشرعية، ومن بينها اللغة والنحو[3]. ولمّا أظلّ زمان الفتوحات الإسلاميّة ودخل كثير من العجم في الإسلام واختلط بالعرب، وما يقفو ذلك من التفاعل والمشافهة والمصاهرة والاندغام؛ ما أدّى إلى ظهور أساليب ومفردات لا عهد للعربيّة بها من قبل، دعت الحاجة حينئذٍ إلى وضع ضوابط وقواعد لغويّة تمكّن غير العربيّ من فهم النصوص كما يفهمها العربيّ الذي أتت النصوص بلغته، كما دعت الحاجة إلى وضع قواعد نحويّة يقتدون بها على صحّة النطق[4].
وقد مرّت اللغة العربيّة في أدوار كغيرها من اللغات، فتغيّرت ألفاظها بما طرأ عليها من النحت والقلب والإبدال، وما داخلها من لغات الأعاجم بسبب الفتوحات واختلاط العرب بغيرهم من الأمم[5].
ولم يكن في استطاعة المؤرّخين بيانُ الحالِ التي كانت عليها اللغة العربيّة في الأدوار التي مرّت بها قبل الإسلام؛ بسبب تعذّر العثور على أمثلة مدوّنة يُرجَع إليها ويُقاس عليها، على أنه مهما يكن من أمرِ اللغة العربيّة وغموض تاريخها القديم فقد عرفناها عند انبلاج نور الإسلام ناضجة بالغة منتهى الفصاحة والبلاغة في ألفاظها ومعانيها؛ فهي من أغنى لغات العالم، وقد وُضع فيها لكلّ مسمّى أسماء عديدة، وجعل لكلّ فعل فروع ومشتقّات كثيرة[6].
ثمّ بتطوّر أطوار الحياة وأحوالها تطوّرت الألفاظ التي بات الإنسان يستعملها، وبسبب بُعْدِ الشُّقَّة التي قطعها هذا الإنسان أصبحت العلائق بين المعاني الساذجة والمسمّى بعيدًا لا يكاد يُعْرَف إلّا بالبحث.
وقد كان للعربيّة علماءُ عكفوا على تقعيدها ووصفها واستقرائها وصولًا إلى الأحكام التي تنتظمها. وقد قرّر اللغويّون منذ فجْرِ جمعهم شواهدَ النحو واللغة أنّ مَنْ يُسْتَشْهَدُ بهم فئةٌ محدودةٌ زمانًا ومكانًا، فانبرى بعد ذلك علماء رووا عمّن تنطبق عليهم الشروط كلَّ شيءٍ يسمعونه، فتكوّنت لديهم مادّة ضخمة من القواعد، مستعملها ومهملها، قياسيّها وشاذّها، حتّى إنّ كثيرًا من الشواهد يؤتى بها للدلالة على قاعدةٍ شاذّة، وجعلها كالقياس.
أمّا في العصر الحديث فقد عانى أبناء العرب؛ فضلًا عن الناطقين بغير العربيّة، من مشكلة الدرس النحويّ عناءً بيّنًا، وأنفوا من القواعد الجامدة والشواهد الميّتة المصنوعة التي تدلّل على قاعدةٍ ما، وهذا يفسّر الضّعف المستشري في جسد اللغة العربيّة في واقعها لا في بطون كتبها. ولهذا كلّه برزت نظريّة أخذت على عاتقها تسهيل دراسة النّحْوِ، والاهتمام بالشائع من القواعد والأمثلة، حتّى يسهل على أبناء العربيّة هضمها، فضلًا عن أبناء الناطقين بغيرها. وهذه النظرية هي نظرية النّحْو الوظيفيّ الذي يُعْنى بتعليم القواعد النحوية المستعملة، ونبذ المهملة والشاذّة. وهذا يوصلنا إلى طريقةٍ تمكّننا من الوقوف على أظهرِ القواعد النحويّة، وهذا ما يعرف المنهج الإحصائيّ ومبدأ الشيوع.
وقبل أن نقف على مفهوم النحو الوظيفيّ لا نتحرّج من أن نضع علامات استفهام كبيرة على طريقةِ تناول النحو في العصر الحديث وتدريسه، واعتمادِها اعتمادًا كبيرًا على كتب النّحو القديمة، لاسيّما المتأخّرة منها، وهي كتب علميّة لا تعليميّة، تتّسم بالصّعوبة والجمود، وقد ذكر جعفر عبابنة في مقاله (تأمّلات في الدّرس اللغويّ على مستوى الجامعة) أسبابًا لذلك، وهي باختصار[7]:
• الاعتناء بأمور ليس لها أدنى قيمة عمليّة تُذْكَر، مثل التركيز على الشاذّ من الشعر والنثر والقراءات القرآنيّة واللغات القليلة.
• الإكثار من العلل البعيدة التي لا تستند إلى حقائق اللغة نفسها.
• إقامة النحو العربيّ كلّه على أساس من نظرية العوامل والمعمولات التي تنطوي على كثير من التفصيلات، كالحديث عن إعمال العوامل وإلغائها وتعليقها واختصاصها وقوّتها وضعفها وتقدّمها وتأخّرها وحذفها وذكرها وتقسيمها إلى عوامل لفظية وأخرى معنويّة.
• الولع بالتقسيمات العقلية المنطقية التي جعلت العلماءَ يفترضون من أجل تمامها أشياء لا وجود لها أصلًا، ويقدّرون ما ليس مستعملًا فعلًا، ويتحدّثون عمّا حقّه أن يوجد ولكنّه ليس موجودًا.
• إيراد خلافات طويلة في مسائل جزئية غير ذات بال، ولا صلة لها بتنمية القدرة التحصيليّة لدى الطلّاب.
• تكرار آراء وأقوال غير سديدة ظلت تتردد في كتب النحو منذ سيبويهِ.
• إيراد أبواب لا يقصد بها سوى الرياضة العقلية البحتة.
• إقحام مباحث صوتيّة كالرَّوْمِ والإشمام، وأخرى صرفيّة كالحديث عن اشتقاق الاسم.
هذه الأسباب وغيرها أسهمت إسهامًا كبيرًا في أن يَزْوَرّ الطالب عن تعلّم النحو ويأنف من مكابدته؛ ما جعلتْ أصواتًا ترتفع منادية بتسهيل النحو، لا سيّما في العصر الحديث كأمثال طه حسين وإبراهيم السامرائي ونهاد الموسى.
مفهوم النحو الوظيفيّ:
يعرّف عبد العليم إبراهيم النّحْو الوظيفيّ بأنّه "مجموعة القواعد التي تؤدّي الوظيفة الأساسيّة للنحو، وهي ضبط الكلمات، ونظام تأليف الجُمَل؛ ليسلم اللسان من الخطأ في النّطق، ويسلم القلم من الخطأ في الكتابة[8]".
ويورد فاضل والي التعريف نفسَه بنصّه وزاد عليه "دون الخوض في خلافات النحويّين، أو تفريعات الباحثين، أو مفاضلة بين آراء المتحاورين، ومحاولة الترجيح بينها؛ فإنّ مجالَ ذلك هو الدّراساتُ المتخصّصة[9]".
ويرى هاليداي أنّ النحو الوظيفيّ: "قواعد تُسْتَخْدَم في تعليم الأطفال أن يتكلّموا ويكتبوا لغة صحيحة، ويسمّى أيضًا قواعدَ تعليميّة[10]".
ممّا سبق نستنتج أنّ دور اللغة يكون في تنمية المهارات لدى المتعلّمين؛ إذ هم في حاجة مِلْحاحةٍ إليها، وليس ترفًا معرفيًّا لا ينبغي تعلّمه. وهذا يقودنا إلى أنّ وظيفة اللغة تكمن في التّواصل بين الناس والتفاعل فيما بينهم.
وهذا يقودنا إلى القول إنه لا يعني استظهار قواعد النحو وقضاياه أنّه إتقانٌ له وتمكّن منه وفهمه فهمًا صحيحًا؛ إذ نجد من الطلاب من يحفظ المصطلحات النحوية حفظًا متقنًا، ويحفظ كذلك القواعد التي تنتظم أبواب النّحو حفظًا متمكّنًا، ولكنّهم يعجِزون عن أن يصوغوا جُمَلًا نحويّة صحيحة. كما أنّه لا ينبغي إن يُنْظَر إلى النّحو الوظيفيّ على أنّه علم نظريّ، بل هو منهجُ تدريسٍ عمليّ أيضًا، بوصفه منهجًا للتدريس لا ينبغي أن يُفْهَمَ على أنه تكديس لأشكالٍ وقواعدَ منعزلة قلّت أو كثرت، بل إرشاد للاستعمال الصحيح وفهم لغتنا.
وإذا حوّلنا النحو إلى مادّة وظيفيّة مُسْتَساغة، فإنّنا نُغني بذلك عن تكرار الأوبة إليها في المصادر المتخصّصة لها للاستعادة والتذكّر، فيصبح النحو عِلْمًا يكتسبه الطالب اكتسابًا بالتّجْرِبَةِ والممارَنَة، كالعزف على آلةٍ موسيقيّة، أو كاللعب المحترف، أو كالقراءة المُدمنة.
ويورد داوود عبده مثالًا بين معلّمين: أحدهما يدرّس (لن) لغاية غيرِ وظيفيّة، والآخر يدرسها لغاية وظيفيّة؛ فالأوّل يهتمّ بـ (لن) على أنّها أداةُ نصْبٍ، والثاني يهتمّ بها على أنّها أداة نفْيٍ في المستقبل، وإن كان لا يُهْمِل أنها تنصب الفعل المضارع، وكذلك فإنّ الأوّل يهتمّ بإعرابها وإعراب الفعل المضارع بعدها، في حين أنّ الثاني يهتمّ بتركيب الجملة في أسلوب النفي الذي تستعمل فيه لن.
ثمّ يقول بعد ذلك إنّ المعلّم الأوّل يتخرّج على يديه طلّاب يصلون إلى الجامعة، وهم يخطئون في تركيب النفي في المستقبل، فيقولون: (سوف لا أفعل كذا) أو (سوف لن أفعل كذا) بدلًا من (لن أفعل كذا)[11].
ولا يخفى على أولي النُّهى والألباب أنّ للنحو الوظيفي أهمّية سامقة، تكمن في أنه يوظّف فروع اللغة العربيّة جميعًا لخدمة اللغة، وهذا يقود إلى الاتّجاه التّكامليّ في تعليم اللغة العربيّة، وفي أنه يهتمّ بالتّطبيق على القاعدة، وليس حفظَ القاعدة كما أسلفنا القول. وكذلك إنّ الإكثار من التّطبيقات الشفهيّة والكتابيّة داخل الدرس هو تحقيق لمقصد النّحو الوظيفيّ، وهو عصمة اللسان من الزلل، وعصمة القلم من الخطأ[12]، كما سُقنا التعريفات آنفًا. وكذلك إنّ من مرامي النحو الوظيفيّ حصر الأخطاء ومعالجتها، وكذلك عنايتها من حيث وظيفتها العمليّة في الحياة، وجعل محورِ درسِها النّصوصَ والشّواهدَ والأمثلةَ الجيّدة، والإكثار من التطبيقات الشفهيّة والكتابيّة. ولعلّ أظهرَ سيما النحو الوظيفيّ، أنّه يُعنى بالتطبيق، وليس فقط حفظ القاعدة النّحْوِيّة.

تعليق