لُمَعٌ من علم الصوت في القراءات القرآنية
د. محمد حسان الطيان
لُمَعٌ من علم الصوت في القراءات القرآنية
(الدر النثير للمالَقي نموذجًا)
الندوة العالمية التاسعة
لتاريخ العلوم عند العرب
كلية الآداب - جامعة دمشق
28-30/ 10/ 2008
ملخص البحث:
القراءات القرآنية هي وجوه الأداء المختلفة التي يقرأ بها القرآن الكريم؛ من همز وتسهيل، وفتح وإمالة، وإدغام وتحقيق... وما أشبه ذلك من أصول هذا الفن.
وهي سنة متبعة، يسّر الله بها على قبائل العرب المختلفة تلاوة كتابه الكريم.
وتشتمل هذه القراءات على وجوه أداء صوتية تفنن العلماء العرب المسلمون في تتبعها ودراستها وتقعيدها وتعليلها، سابقين إلى كثير من قوانين علم وظائف الأصوات phonologie التي أرستها الدراسات الصوتية الحديثة، كقانون الجهد الأقل Le moindre effort وقانون القوة Energie وقانون المماثلة Assimilation وغيرها.
يحاول هذا البحث أن يجلي بعض هذه القوانين والعلل الصوتية في القراءات القرآنية من خلال جهود عَلَم من أعلام التأليف في فن القراءات هو الإمام عبد الواحد المالَقي الأندلسي(705هـ) في كتابه النفيس "الدر النثير والعذب النمير في شرح كتاب التيسير".
تمهيد:
يعود تاريخ اهتمام علماء العربية بالصوت إلى عهد تقعيدِهم القواعدَ وتأسيسِهم النحوَ، بل يكاد يسبق ذلك، ولعل خبر أبي الأسود حين وضع رموز الحركات يجلي شيئًا من هذه الأولية: ((جاء أبو الأسود إلى زياد فقال له: اِبْغِني كاتبًا يفهم عني ما أقول، فجيء برجل من عبد القيس فلم يرض فهمه، فأتي بآخر من قريش فقال له: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة على أعلاه، وإذا ضممتُ فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإذا كسرت فمي فاجعل النقطة تحت الحرف، فإن أتبعت شيئًا من ذلك غنة فاجعل النقطة نقطتين، ففعل. فهذا نقط أبي الأسود [1] )). ومن هنا نشأت ألقاب الحركات في العربية، وعدَّت من أكثر ألقاب الأصوات توفيقًا.
ثم مضى علماء العربية يؤلفون في النحو والصرف مَشُوبَيْنِ بأحكام الصوت وعلله، حتى إن كثيرًا من ظواهر النحو والصرف لا يمكن تفسيره إلا على أساسٍ صوتي؛ إذ تكمن وراءه علةٌ صوتية تؤثّر فيه وتعمل كما يعمل العامل في النحو، وكما تبنى الأبنية والصيغ في الصرف، ولا ريب أن الصرفَ أشدُّ التصاقًا من النحو بالأصوات ونظرياتها ونظمها، إذ ضم بحوثًا كاملة حقُّها أن تُدرج في علم الأصوات كالإدغام والإمالة والإبدال... ونحوها، بل إن كثيرًا من مباحث الصرف الرئيسة تعتمد على علل صوتية بحتة عبّر عنها المتقدمون بالخفّة والاستخفاف ودفع الاستثقال وما إلى ذلك[2]...
وهكذا اختلطت بحوث الصوت بالنحو والصرف إلى حدٍّ ضاع فيه كثيرٌ من معالمها أو كاد، غير أنها عادت لتبرز على نحوٍ واضح في عِلمَيْن آخرين نشأا في رحاب القرآن الكريم، خدمةً له، وصونًا لترتيله وتلاوته، وحفظًا لوجوه أدائه، وصدعًا بالأمر الإلهي المحكم: ﴿ ورَتِّلِ القُرْآنَ ترْتِيْلاً ﴾ [المزمل: 4] وتفصيلاً لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم الموحى إليه؛ ((إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف؛ فاقرؤوا ما تيسَّر منه)). وهما عِلما التجويد والقراءات، حيث تفشو الكثرة الكاثرة من قواعد الصوت العربي وعلله وأحكامه.
فقد شارك علماء القراءات والتجويد في إضافة تفصيلات صوتية إلى ما أُثِر عن الخليل وسيبويه، إذ سجّلوا خصائص صوتية تنفرد بها التلاوة القرآنية، ووضعوا أصولا وقواعد تمثل كثيرًا من هذه الخصائص[3]، مما كان لَه أعظم الأثر في علم الأصوات. وسنحاول في هذا المبحث أن نجلي بعض هذه الخصائص من خلال كتاب الدر النثير.
الدر النثير للمالَقي:
الدر النثير كتاب في القراءات القرآنية، شرح فيه مصنفه الإمام المالَقي الأندلسي (705هـ) كتابَ التيسير في القراءات السبع لأبي عمرو الدَّاني (444هـ) الذي كان إليه المنتهى في علم القراءات، والذي يعدُّ كتابهُ التيسير أشهرَ ما انتهى إلينا من كتب هذا الفن، ولا غروَ فهو أصل القصيدة الشاطبية، وناهيك بها من ركن مكين لعلم القراءات قيّدت شوارده، وجمعت أوابده، ولمت شعثه، وأحكمت أصوله، ووثّقت فرشه، حتى غدت أساسَهُ وعُدَّتَه، لا يكاد يؤخذ إلا عن طريقها، ولا يكاد يفهم إلا في شروحها وحواشيها.
والإمام المالَقي -مؤلف الدّرّ- على علم جمٍّ يشهد بعلوِّ كعبه في صناعة اللغة ودراسة أصواتها وأحكام بنائها... فقد جمع إلى شرف الرّواية دقّةَ الدّراية، وأُوتيَ إلى ذلك كله ذهنًا لماحًا لا يقعد صاحبه عن طلب العلة والتماس السبب والحكمة في كل ما يعرض له من أحكام القراءات ووجوه الأداء.
وثَمّةَ يكمن الجانب الأهم في دراسة الصوت لديه، فهو لم يقتصر على المنهج الوصفي في تتبّع القراءات، وإنما تعدّاه إلى المنهج التحليلي؛ إذ أولى التعليلَ والتفسيرَ عنايةً خاصة جعلته يقف عند كل ظاهرة صوتية وقفةَ تبصّرٍ وتدبرٍ، يبسط الكلام عليها فيجلو عللها، ويفسر أحكامها.
وهو يرقى في بعض تعليلاته وتحليلاته إلى مدرسة ابن جني ومن شايعه من أصحاب التعليل والتفسير في الدراسات اللسانية، هذه الدراسات التي تحمل أبلغ الردّ على أولئك الذين ينعتون منهج العلماء العرب في دراسة اللغة بالمنهج الوصفي، ويتهمونهم بأنهم اقتصروا عليه ((ولم يُولُوا الجانبَ التفسيريَّ أيَّ اهتمام))[4].
علم وظائف الأصوات: Phonologie
يدرس علم وظائف الأصوات الصوت الإنساني في سياقه، أي في تركيب الكلام، ويُعنى بأثر هذا الصوت في مستويات اللغة المختلفة: الصرفية، والنحوية، والدلالية، فموضوعه إذًا وظائف الأصوات والعلائق والفروق بينها والتبدلات الطارئة عليها؛ من أجل ذلك يطلق عليه علم الأصوات التنظيمي أو التشكيلي[5].
يعتمد هذا العلم في تحليله الأصواتَ ودراستها على تقسيمها إلى وحدات صوتية أو فونيمات، والوحدة الصوتية أو الفونيم[6] Phonème هي أصغر عنصر صوتي في السلسلة الكلامية قادر على التفريق بين معاني الكلمات، ففي العربية تؤلف الحروف الهجائية وحدات صوتية مختلفة بحيث يؤدي تغير حرف ما في كلمتين متفقتين في سائر الحروف إلى تغير المعنى، كما نجد في فعلي (عاد) و(عاذ) فالأول بمعنى رجع، والثاني بمعنى التجأ واعتصم، والفرق بينهما هو فونيم الدال والذال:
عاد # عاذ د # ذ
ومثل ذلك السين والصاد والطاء في الأفعال (سار، وصار، وطار) التي تختلف معانيها باختلاف هذه الوحدة الصوتية فيها. وكذلك الحركات في العربية؛ فإنها تؤلف وحدات صوتية بتأثيرها الواضح في تغير المعاني، كما نجد في تغير حركات تاء الفاعل في نحو: (درستَُِ) حيث تتغير دلالة التاء وفق تغير حركتها من المتكلم إلى المخاطب أو إلى المخاطبة، بل إن زوال الحركة منها قد يؤدي إلى معنى مختلف، وهو معنى الغائبة في (درسَتْ).
على أن الوحدة الصوتية قد تشتمل على عدة أصوات لا يؤدي واحد منها إلى اختلاف معنى؛ كالراء المفخمة والمرققة[7]، والجيم المعطشة والجيم التي كالكاف[8] (g) والنون الخفيفة أو الخفية في مثل (عنْك ومنْك) والعادية في مثل (نواة)، إن أيًّا من هذه الأصوات الفرعية لا يؤلف وحدة صوتية مستقلة؛ لأننا لا نستطيع أن نغير معنى كلمة بإحلال واحد منها محلَّ سواه، على أن الفروق بينها مهمة ولها تحليلاتها ودراساتها في علم الأصوات العام.
وعلى هذا فالوحدة الصوتية هي ذلك الصوت الأم الذي يندرج تحته عدد آخر من الأصوات، تختلف عنه صوتيًا على نحو من الأنحاء، لكنها لا تخرج عن كونها فرعًا منه؛ لأنها تؤدي الوظيفة نفسها، ويقال عن هذه الأصوات التي تتضمنها الوحدة الصوتية إنها أعضاؤها[9] Allophones أو صورها. ويمكن أن يطلق عليها مصطلح الصُّوَيْتات، وأول من استخدم مصطلح الصويت ابن جني وهو أقرب ما يكون إلى ما نحن بسبيله[10].
إن الذي يجعلنا ننطِق وحدة صوتية ما Phonème بصور مختلفة هو اختلافُ موقعها في منظومة الكلام؛ إذ يرتبط كل عضو من أعضائها بنوع من السياقات. وهذا ما يدرسه علم وظائف الأصوات ويحاول إيجاد القواعد الناظمة له.
هذا وتشتمل العربية على أربع وثلاثين وحدة صوتية تتوزع على النحو التالي:
1- ثلاث وحدات للصوائت القصيرة ( -َ ، -ُ ، -ِ ).
2- ثلاث وحدات للصوائت الطويلة (ا، و، ي).
3- وحدتان لأنصاف الصوائت (الواو والياء الساكنتان بعد فتح).
4- ست وعشرون وحدة للصوامت[11] (حروف الهجاء عدا الواو والياء).
وتجدر الإشارة إلى أن الأبجدية العربية أبجدية وظيفية (فونيمية)؛ إذ يرمز كل حرف فيها إلى وحدة صوتية مستقلة ذات أثر في تغيير المعنى. دون النظر إلى أصواتها المختلفة أو فروعها المنبثقة عنها، فللحاء رمز وللخاء رمز وللجيم رمز... الخ وللحركات رموزها الخاصة وإن لم تكن مساوقة لرموز الحروف، فإذا استثنينا رمزي الواو والياء، اللذين يرمزان لصوتين صائتين وصامتين، لم يكن فيها أي رمز مشترك.
إن لعلم وظائف الأصوات تطبيقاتٍ كثيرةً في العربية -كما هو الشأن في سائر اللغات- لا سيما ما يتعلق بصور الوحدة الصوتية المختلفة وتقلباتها وفقًا لسياق الحروف ونسج الكلمة العربية وتداخل النطق فيها Co-articulation، من أمثلة ذلك ظاهرة الإدغام في العربية إذ يؤول الحرف إلى مخرج الحرف المجاور لَه ليصيرا حرفًا واحدًا مشددًا ينبو عنهما اللسان نبوةً واحدة في مثل: (أن لا: ألاّ، لقدْ تَبَيَّنَ: لقتَّبَيَّنَ، الشمس: اشَّمس).
ومن ذلك أيضًا ظاهرة الإبدال القياسي في صيغة (افتعل) حين تكون فاؤها دالا أو ذالا أو زايًا أو أحد أصوات الإطباق، فتبدل تاؤها حرفًا يجانس ما قبله نحو: ادتعى، اذتكر، ازتهر، اصتفى: ادّعى، اذدكر، ازدهر، اصطفى[12].
ومنه ظاهرة التفخيم في بعض الأحرف، كلامِ لفظِ الجلالة (الله) إمّا سبقت بفتح أو ضم، والراء المفخمة مفتوحةً ومضمومةً...
ولا يقتصر علم وظائف الأصوات على هذا، بل يبحث في القواعد التي تنتظم الأصوات بموجبها بعضها مع بعض في كلمات (صوامت مع صوائت).
ويبحث فيما يمكن أن يأتلف من الأصوات وما لا يمكن (كتنافر الحروف المتقاربة؛ الحلقية كالعين مع الغين والهاء مع الحاء.. واللثوية كالذال مع الثاء...الخ)[13]. وكذلك يبحث في دوران الحروف وترددها في الكلمات، وما يمكن أن تبتدئ به الكلمة وما لا يمكن (كعدم البدء بالساكن في العربية)[14].
ومن الجدير بالذكر أن جلَّ هذه التطبيقات تنتظمها قوانين صوتية جامعة كقانون الجهد الأقل Le moindre effort وهو بذل أقل جهد عضلي ممكن في النطق، والتماس أسهل السبل لإبراز المعنى المراد إيصاله إلى الآخرين[15]، وقد عبّر المتقدمون من علماء العربية عن مضمون هذا القانون بتعابير مختلفة، كالخفّة، والاستخفاف، والتخفيف، ودفع الثقل، وكثرة الاستعمال[16].
وقانون المماثلة Assimilation وهي عملية تغير صوتٍ ما في السلسلة الكلامية بحيث يماثل صوتًا آخر مجاورًا له، ويعرَّف أثرها بأنه صوت أكثر قوة يؤثر في صوت أكثر ضعفًا فيحيله شبيهًا به[17]، وهذا القانون الصوتي يفسِّر ظاهرتَي الإبدال والإدغام بنوعيه الصغير والكبير في العربية على ما سنرى في تحليلنا للإدغام.
الإدغام في كتاب الدر النثير:
أولى المالقي هذا البحث عناية خاصة، إذ بسط الكلام على الإدغام مستوعبًا كل ما يتعلق به من معانٍ، ودوافع، وأصول، وأحكام، وعلل، وأنواع، وموانع، حتى بلغ مجموع الصفحات المشتملة عليه خمسًا وثلاثين ومئة صفحة (63-198) من النص المحقق، وهو عدد ليس بالقليل؛ إذ به يكون هذا الباب أكبر أبواب الكتاب، وبما تضمّنه من أحكام في الصوت وما إليه يكون أكثرها أهمية، وقد قسمه المالقي إلى قسمين؛ جعل الأول في تمهيد قواعد وتقرير أصول، فتحدث عن معنى الإدغام وأنواعه، وعرّج على ذكر مخارج الحروف وصفاتها، ثم انتقل إلى أنواع الحروف من حيث الاختلاف والتقارب، وأنواعها من حيث القوة والضعف، وختم بعرض أضرب الحروف من حيث قبول الإدغام وامتناعه. وأما القسم الثاني فقد شرح فيه عبارات الداني في باب الإدغام الكبير مقسمًا هذا الإدغام أقسامًا أربعة، مستوعبًا في كل قسم جميع أمثلته في القرآن الكريم وفق منهجه في الاستقصاء والشمول، ومعلّلا جلَّ ما فيه من أحكام الإدغام وعدمه وما إلى ذلك بعلل صوتية بلغ فيها الغاية دقةً وفهمًا.
معنى الإدغام:
جرى المالقي على سنن المؤلفين في بيان المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي لما يتناولونه من أحكام، فبيّن المعنى اللغوي للإدغام؛ وهو الإدخال أو التغطية، ثم انتقل إلى المعنى الاصطلاحي، وهو يقيّده باصطلاح القراء وأهل العربية -على عادته في التزام آراء أهل اللغة والنهل من مواردهم- ويصل إلى أنه: ((إدخال الحرف في الحرف ودفنه فيه حتى لا يقع بينهما فصل بوقف ولا بحركة، ولكنك تعمل العضو الناطق بهما إعمالا واحدًا، فيكون الحاصل منهما في اللفظ حرفًا واحدًا مشددًا[18])). وهو بهذا التعريف يلتقي مع تعاريف النحاة واللغويين للإدغام من لدن سيبويه إلى متأخريهم؛ إذ هي تُجمع على أنه يُعتمد في الإدغام للحرفين المدغمين باللسان اعتمادةً واحدةً؛ لأن المخرج واحد ينبو عنه اللسان نبوةً واحدةً[19]. ولا يخرج عن تعاريف القراء والمجوّدين[20].
فمن تعاريف النحاة واللغويين قول سيبويه: ((هذا باب الإدغام في الحرفين اللذين تضع لسانك لهما موضعًا واحدًا لا يزول عنه[21]))، وقول المبرد: ((وتأويل قولنا مدغم أنه لا حركة تفصل بينهما. فإنما تعتمد لهما باللسان اعتمادة واحدة؛ لأن المخرج واحد ولا فصل... ليرفع اللسان عنهما رفعة واحدة[22] ...))، وقول ابن جني: ((إنهم قد علموا أن إدغامَ الحرف في الحرف أخفُّ عليهم من إظهار الحرفين؛ ألا ترى أن اللسان ينبو عنهما نبوة واحدة[23] ...)). وقول ابن يعيش: ((... فيصيران لشدة اتصالهما كحرف واحد يرتفع اللسان عنهما رفعة واحدة شديدة[24])).
ومن تعاريف القراء قول ابن الباذش: ((الإدغام أن تصل حرفًا ساكنًا بحرف مثله من غير أن تفصل بينهما بحركة أو وقف، فيرتفع اللسان بالحرفين ارتفاعة واحدة[25])).
وهكذا نجد أن جملة هذه التعريفات تلتقي عند ملاحظة ارتفاع اللسان عن الصوتين المدغمين ارتفاعة واحدة، وهو ما أيّدته الدراسات الصوتية الحديثة؛ إذ قام العالم السويسري (فنتلر) منذ أكثر من خمسين عامًا ببحوث تجريبية خرج منها (بأن الناطق بحرفين متواليين إذا تماثلا أو تشابها -لدرجة أن آلات النطق لكي تنطق الحرف الثاني منهما تحتاج أن تتحرك نفس الحركة التي تحركتها لكي تنطق الحرف الأول منهما- فإن الناطق لا يجيء بهذه الحركة إلا مرة واحدة[26])).
الأمر الثاني الذي يسترعي الانتباه في تعريف المالقي للإدغام: بيانُهُ الفرقَ بين الحرف المدغم وغير المدغم؛ إذ جعل ذلك من وجهين؛ الأول: أنَّ المدغم مشدد وغير المدغم مخفّف، والثاني: أن زمان النطق بالحرف المدغم أطولُ من زمان النطق بالحرف غير المدغم بقدر ما فيه من التضعيف، كما أن زمان النطق بالحرفين المفكّكين أطول من زمان النطق بالحرف المدغم.
إن كلامه هذا على زمان النطق حريٌّ بالتأمل والتدبّر، لما ينطوي عليه من أهمية في علم الصوت الحديث، إذ أولت الدراسات الحديثة عنصر الزمن عناية بالغة، واستعانت بأجهزة التحليل المختلفة للوقوف على حقيقته.
قسم المالقي زمن النطق بالحروف -من حيث الإدغامُ وعدمُهُ- إلى ثلاثة أقسام؛ أولها: زمن النطق بالحرف مفردًا، وهو الأقصر، ويمكن أن نرمز له بـِ (ز1)، وثانيها: زمن النطق بالحرفين مفككين، وهو الأطول، ويمكن أن نرمز لَه بـ ِ(ز2)، وثالثها: زمن النطق بالحرف المدغم أو المشدد، وهو وسط بين الاثنين، ونرمز لَه بـِ (ز3). ويمكن التعبير عن ذلك بالمتراجحة التالية: ز1 < ز3 < ز2.
مثال ذلك: ز1= زمن النطق باللام من (سَلْ).
ز2= زمن النطق باللامين من (يسْلُلُ).
ز3= زمن النطق باللام المشددة من (سَلَّ).
لقد سبق بعض المتقدمين من علماء العربية والتجويد إلى تحديد عنصر الزمن، ونقل المالقي نفسه هنا شيئًا من ذلك عن الداني في كتابه (المفصح) وهو قوله: ((إلا أن احتباسه في موضع الحرف المشدد لما زاد فيه التضعيف أكثر من احتباسه فيه بالحرف الواحد المخفف[27])).
د. محمد حسان الطيان
لُمَعٌ من علم الصوت في القراءات القرآنية
(الدر النثير للمالَقي نموذجًا)
الندوة العالمية التاسعة
لتاريخ العلوم عند العرب
كلية الآداب - جامعة دمشق
28-30/ 10/ 2008
ملخص البحث:
القراءات القرآنية هي وجوه الأداء المختلفة التي يقرأ بها القرآن الكريم؛ من همز وتسهيل، وفتح وإمالة، وإدغام وتحقيق... وما أشبه ذلك من أصول هذا الفن.
وهي سنة متبعة، يسّر الله بها على قبائل العرب المختلفة تلاوة كتابه الكريم.
وتشتمل هذه القراءات على وجوه أداء صوتية تفنن العلماء العرب المسلمون في تتبعها ودراستها وتقعيدها وتعليلها، سابقين إلى كثير من قوانين علم وظائف الأصوات phonologie التي أرستها الدراسات الصوتية الحديثة، كقانون الجهد الأقل Le moindre effort وقانون القوة Energie وقانون المماثلة Assimilation وغيرها.
يحاول هذا البحث أن يجلي بعض هذه القوانين والعلل الصوتية في القراءات القرآنية من خلال جهود عَلَم من أعلام التأليف في فن القراءات هو الإمام عبد الواحد المالَقي الأندلسي(705هـ) في كتابه النفيس "الدر النثير والعذب النمير في شرح كتاب التيسير".
تمهيد:
يعود تاريخ اهتمام علماء العربية بالصوت إلى عهد تقعيدِهم القواعدَ وتأسيسِهم النحوَ، بل يكاد يسبق ذلك، ولعل خبر أبي الأسود حين وضع رموز الحركات يجلي شيئًا من هذه الأولية: ((جاء أبو الأسود إلى زياد فقال له: اِبْغِني كاتبًا يفهم عني ما أقول، فجيء برجل من عبد القيس فلم يرض فهمه، فأتي بآخر من قريش فقال له: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة على أعلاه، وإذا ضممتُ فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإذا كسرت فمي فاجعل النقطة تحت الحرف، فإن أتبعت شيئًا من ذلك غنة فاجعل النقطة نقطتين، ففعل. فهذا نقط أبي الأسود [1] )). ومن هنا نشأت ألقاب الحركات في العربية، وعدَّت من أكثر ألقاب الأصوات توفيقًا.
ثم مضى علماء العربية يؤلفون في النحو والصرف مَشُوبَيْنِ بأحكام الصوت وعلله، حتى إن كثيرًا من ظواهر النحو والصرف لا يمكن تفسيره إلا على أساسٍ صوتي؛ إذ تكمن وراءه علةٌ صوتية تؤثّر فيه وتعمل كما يعمل العامل في النحو، وكما تبنى الأبنية والصيغ في الصرف، ولا ريب أن الصرفَ أشدُّ التصاقًا من النحو بالأصوات ونظرياتها ونظمها، إذ ضم بحوثًا كاملة حقُّها أن تُدرج في علم الأصوات كالإدغام والإمالة والإبدال... ونحوها، بل إن كثيرًا من مباحث الصرف الرئيسة تعتمد على علل صوتية بحتة عبّر عنها المتقدمون بالخفّة والاستخفاف ودفع الاستثقال وما إلى ذلك[2]...
وهكذا اختلطت بحوث الصوت بالنحو والصرف إلى حدٍّ ضاع فيه كثيرٌ من معالمها أو كاد، غير أنها عادت لتبرز على نحوٍ واضح في عِلمَيْن آخرين نشأا في رحاب القرآن الكريم، خدمةً له، وصونًا لترتيله وتلاوته، وحفظًا لوجوه أدائه، وصدعًا بالأمر الإلهي المحكم: ﴿ ورَتِّلِ القُرْآنَ ترْتِيْلاً ﴾ [المزمل: 4] وتفصيلاً لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم الموحى إليه؛ ((إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف؛ فاقرؤوا ما تيسَّر منه)). وهما عِلما التجويد والقراءات، حيث تفشو الكثرة الكاثرة من قواعد الصوت العربي وعلله وأحكامه.
فقد شارك علماء القراءات والتجويد في إضافة تفصيلات صوتية إلى ما أُثِر عن الخليل وسيبويه، إذ سجّلوا خصائص صوتية تنفرد بها التلاوة القرآنية، ووضعوا أصولا وقواعد تمثل كثيرًا من هذه الخصائص[3]، مما كان لَه أعظم الأثر في علم الأصوات. وسنحاول في هذا المبحث أن نجلي بعض هذه الخصائص من خلال كتاب الدر النثير.
الدر النثير للمالَقي:
الدر النثير كتاب في القراءات القرآنية، شرح فيه مصنفه الإمام المالَقي الأندلسي (705هـ) كتابَ التيسير في القراءات السبع لأبي عمرو الدَّاني (444هـ) الذي كان إليه المنتهى في علم القراءات، والذي يعدُّ كتابهُ التيسير أشهرَ ما انتهى إلينا من كتب هذا الفن، ولا غروَ فهو أصل القصيدة الشاطبية، وناهيك بها من ركن مكين لعلم القراءات قيّدت شوارده، وجمعت أوابده، ولمت شعثه، وأحكمت أصوله، ووثّقت فرشه، حتى غدت أساسَهُ وعُدَّتَه، لا يكاد يؤخذ إلا عن طريقها، ولا يكاد يفهم إلا في شروحها وحواشيها.
والإمام المالَقي -مؤلف الدّرّ- على علم جمٍّ يشهد بعلوِّ كعبه في صناعة اللغة ودراسة أصواتها وأحكام بنائها... فقد جمع إلى شرف الرّواية دقّةَ الدّراية، وأُوتيَ إلى ذلك كله ذهنًا لماحًا لا يقعد صاحبه عن طلب العلة والتماس السبب والحكمة في كل ما يعرض له من أحكام القراءات ووجوه الأداء.
وثَمّةَ يكمن الجانب الأهم في دراسة الصوت لديه، فهو لم يقتصر على المنهج الوصفي في تتبّع القراءات، وإنما تعدّاه إلى المنهج التحليلي؛ إذ أولى التعليلَ والتفسيرَ عنايةً خاصة جعلته يقف عند كل ظاهرة صوتية وقفةَ تبصّرٍ وتدبرٍ، يبسط الكلام عليها فيجلو عللها، ويفسر أحكامها.
وهو يرقى في بعض تعليلاته وتحليلاته إلى مدرسة ابن جني ومن شايعه من أصحاب التعليل والتفسير في الدراسات اللسانية، هذه الدراسات التي تحمل أبلغ الردّ على أولئك الذين ينعتون منهج العلماء العرب في دراسة اللغة بالمنهج الوصفي، ويتهمونهم بأنهم اقتصروا عليه ((ولم يُولُوا الجانبَ التفسيريَّ أيَّ اهتمام))[4].
علم وظائف الأصوات: Phonologie
يدرس علم وظائف الأصوات الصوت الإنساني في سياقه، أي في تركيب الكلام، ويُعنى بأثر هذا الصوت في مستويات اللغة المختلفة: الصرفية، والنحوية، والدلالية، فموضوعه إذًا وظائف الأصوات والعلائق والفروق بينها والتبدلات الطارئة عليها؛ من أجل ذلك يطلق عليه علم الأصوات التنظيمي أو التشكيلي[5].
يعتمد هذا العلم في تحليله الأصواتَ ودراستها على تقسيمها إلى وحدات صوتية أو فونيمات، والوحدة الصوتية أو الفونيم[6] Phonème هي أصغر عنصر صوتي في السلسلة الكلامية قادر على التفريق بين معاني الكلمات، ففي العربية تؤلف الحروف الهجائية وحدات صوتية مختلفة بحيث يؤدي تغير حرف ما في كلمتين متفقتين في سائر الحروف إلى تغير المعنى، كما نجد في فعلي (عاد) و(عاذ) فالأول بمعنى رجع، والثاني بمعنى التجأ واعتصم، والفرق بينهما هو فونيم الدال والذال:
عاد # عاذ د # ذ
ومثل ذلك السين والصاد والطاء في الأفعال (سار، وصار، وطار) التي تختلف معانيها باختلاف هذه الوحدة الصوتية فيها. وكذلك الحركات في العربية؛ فإنها تؤلف وحدات صوتية بتأثيرها الواضح في تغير المعاني، كما نجد في تغير حركات تاء الفاعل في نحو: (درستَُِ) حيث تتغير دلالة التاء وفق تغير حركتها من المتكلم إلى المخاطب أو إلى المخاطبة، بل إن زوال الحركة منها قد يؤدي إلى معنى مختلف، وهو معنى الغائبة في (درسَتْ).
على أن الوحدة الصوتية قد تشتمل على عدة أصوات لا يؤدي واحد منها إلى اختلاف معنى؛ كالراء المفخمة والمرققة[7]، والجيم المعطشة والجيم التي كالكاف[8] (g) والنون الخفيفة أو الخفية في مثل (عنْك ومنْك) والعادية في مثل (نواة)، إن أيًّا من هذه الأصوات الفرعية لا يؤلف وحدة صوتية مستقلة؛ لأننا لا نستطيع أن نغير معنى كلمة بإحلال واحد منها محلَّ سواه، على أن الفروق بينها مهمة ولها تحليلاتها ودراساتها في علم الأصوات العام.
وعلى هذا فالوحدة الصوتية هي ذلك الصوت الأم الذي يندرج تحته عدد آخر من الأصوات، تختلف عنه صوتيًا على نحو من الأنحاء، لكنها لا تخرج عن كونها فرعًا منه؛ لأنها تؤدي الوظيفة نفسها، ويقال عن هذه الأصوات التي تتضمنها الوحدة الصوتية إنها أعضاؤها[9] Allophones أو صورها. ويمكن أن يطلق عليها مصطلح الصُّوَيْتات، وأول من استخدم مصطلح الصويت ابن جني وهو أقرب ما يكون إلى ما نحن بسبيله[10].
إن الذي يجعلنا ننطِق وحدة صوتية ما Phonème بصور مختلفة هو اختلافُ موقعها في منظومة الكلام؛ إذ يرتبط كل عضو من أعضائها بنوع من السياقات. وهذا ما يدرسه علم وظائف الأصوات ويحاول إيجاد القواعد الناظمة له.
هذا وتشتمل العربية على أربع وثلاثين وحدة صوتية تتوزع على النحو التالي:
1- ثلاث وحدات للصوائت القصيرة ( -َ ، -ُ ، -ِ ).
2- ثلاث وحدات للصوائت الطويلة (ا، و، ي).
3- وحدتان لأنصاف الصوائت (الواو والياء الساكنتان بعد فتح).
4- ست وعشرون وحدة للصوامت[11] (حروف الهجاء عدا الواو والياء).
وتجدر الإشارة إلى أن الأبجدية العربية أبجدية وظيفية (فونيمية)؛ إذ يرمز كل حرف فيها إلى وحدة صوتية مستقلة ذات أثر في تغيير المعنى. دون النظر إلى أصواتها المختلفة أو فروعها المنبثقة عنها، فللحاء رمز وللخاء رمز وللجيم رمز... الخ وللحركات رموزها الخاصة وإن لم تكن مساوقة لرموز الحروف، فإذا استثنينا رمزي الواو والياء، اللذين يرمزان لصوتين صائتين وصامتين، لم يكن فيها أي رمز مشترك.
إن لعلم وظائف الأصوات تطبيقاتٍ كثيرةً في العربية -كما هو الشأن في سائر اللغات- لا سيما ما يتعلق بصور الوحدة الصوتية المختلفة وتقلباتها وفقًا لسياق الحروف ونسج الكلمة العربية وتداخل النطق فيها Co-articulation، من أمثلة ذلك ظاهرة الإدغام في العربية إذ يؤول الحرف إلى مخرج الحرف المجاور لَه ليصيرا حرفًا واحدًا مشددًا ينبو عنهما اللسان نبوةً واحدة في مثل: (أن لا: ألاّ، لقدْ تَبَيَّنَ: لقتَّبَيَّنَ، الشمس: اشَّمس).
ومن ذلك أيضًا ظاهرة الإبدال القياسي في صيغة (افتعل) حين تكون فاؤها دالا أو ذالا أو زايًا أو أحد أصوات الإطباق، فتبدل تاؤها حرفًا يجانس ما قبله نحو: ادتعى، اذتكر، ازتهر، اصتفى: ادّعى، اذدكر، ازدهر، اصطفى[12].
ومنه ظاهرة التفخيم في بعض الأحرف، كلامِ لفظِ الجلالة (الله) إمّا سبقت بفتح أو ضم، والراء المفخمة مفتوحةً ومضمومةً...
ولا يقتصر علم وظائف الأصوات على هذا، بل يبحث في القواعد التي تنتظم الأصوات بموجبها بعضها مع بعض في كلمات (صوامت مع صوائت).
ويبحث فيما يمكن أن يأتلف من الأصوات وما لا يمكن (كتنافر الحروف المتقاربة؛ الحلقية كالعين مع الغين والهاء مع الحاء.. واللثوية كالذال مع الثاء...الخ)[13]. وكذلك يبحث في دوران الحروف وترددها في الكلمات، وما يمكن أن تبتدئ به الكلمة وما لا يمكن (كعدم البدء بالساكن في العربية)[14].
ومن الجدير بالذكر أن جلَّ هذه التطبيقات تنتظمها قوانين صوتية جامعة كقانون الجهد الأقل Le moindre effort وهو بذل أقل جهد عضلي ممكن في النطق، والتماس أسهل السبل لإبراز المعنى المراد إيصاله إلى الآخرين[15]، وقد عبّر المتقدمون من علماء العربية عن مضمون هذا القانون بتعابير مختلفة، كالخفّة، والاستخفاف، والتخفيف، ودفع الثقل، وكثرة الاستعمال[16].
وقانون المماثلة Assimilation وهي عملية تغير صوتٍ ما في السلسلة الكلامية بحيث يماثل صوتًا آخر مجاورًا له، ويعرَّف أثرها بأنه صوت أكثر قوة يؤثر في صوت أكثر ضعفًا فيحيله شبيهًا به[17]، وهذا القانون الصوتي يفسِّر ظاهرتَي الإبدال والإدغام بنوعيه الصغير والكبير في العربية على ما سنرى في تحليلنا للإدغام.
الإدغام في كتاب الدر النثير:
أولى المالقي هذا البحث عناية خاصة، إذ بسط الكلام على الإدغام مستوعبًا كل ما يتعلق به من معانٍ، ودوافع، وأصول، وأحكام، وعلل، وأنواع، وموانع، حتى بلغ مجموع الصفحات المشتملة عليه خمسًا وثلاثين ومئة صفحة (63-198) من النص المحقق، وهو عدد ليس بالقليل؛ إذ به يكون هذا الباب أكبر أبواب الكتاب، وبما تضمّنه من أحكام في الصوت وما إليه يكون أكثرها أهمية، وقد قسمه المالقي إلى قسمين؛ جعل الأول في تمهيد قواعد وتقرير أصول، فتحدث عن معنى الإدغام وأنواعه، وعرّج على ذكر مخارج الحروف وصفاتها، ثم انتقل إلى أنواع الحروف من حيث الاختلاف والتقارب، وأنواعها من حيث القوة والضعف، وختم بعرض أضرب الحروف من حيث قبول الإدغام وامتناعه. وأما القسم الثاني فقد شرح فيه عبارات الداني في باب الإدغام الكبير مقسمًا هذا الإدغام أقسامًا أربعة، مستوعبًا في كل قسم جميع أمثلته في القرآن الكريم وفق منهجه في الاستقصاء والشمول، ومعلّلا جلَّ ما فيه من أحكام الإدغام وعدمه وما إلى ذلك بعلل صوتية بلغ فيها الغاية دقةً وفهمًا.
معنى الإدغام:
جرى المالقي على سنن المؤلفين في بيان المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي لما يتناولونه من أحكام، فبيّن المعنى اللغوي للإدغام؛ وهو الإدخال أو التغطية، ثم انتقل إلى المعنى الاصطلاحي، وهو يقيّده باصطلاح القراء وأهل العربية -على عادته في التزام آراء أهل اللغة والنهل من مواردهم- ويصل إلى أنه: ((إدخال الحرف في الحرف ودفنه فيه حتى لا يقع بينهما فصل بوقف ولا بحركة، ولكنك تعمل العضو الناطق بهما إعمالا واحدًا، فيكون الحاصل منهما في اللفظ حرفًا واحدًا مشددًا[18])). وهو بهذا التعريف يلتقي مع تعاريف النحاة واللغويين للإدغام من لدن سيبويه إلى متأخريهم؛ إذ هي تُجمع على أنه يُعتمد في الإدغام للحرفين المدغمين باللسان اعتمادةً واحدةً؛ لأن المخرج واحد ينبو عنه اللسان نبوةً واحدةً[19]. ولا يخرج عن تعاريف القراء والمجوّدين[20].
فمن تعاريف النحاة واللغويين قول سيبويه: ((هذا باب الإدغام في الحرفين اللذين تضع لسانك لهما موضعًا واحدًا لا يزول عنه[21]))، وقول المبرد: ((وتأويل قولنا مدغم أنه لا حركة تفصل بينهما. فإنما تعتمد لهما باللسان اعتمادة واحدة؛ لأن المخرج واحد ولا فصل... ليرفع اللسان عنهما رفعة واحدة[22] ...))، وقول ابن جني: ((إنهم قد علموا أن إدغامَ الحرف في الحرف أخفُّ عليهم من إظهار الحرفين؛ ألا ترى أن اللسان ينبو عنهما نبوة واحدة[23] ...)). وقول ابن يعيش: ((... فيصيران لشدة اتصالهما كحرف واحد يرتفع اللسان عنهما رفعة واحدة شديدة[24])).
ومن تعاريف القراء قول ابن الباذش: ((الإدغام أن تصل حرفًا ساكنًا بحرف مثله من غير أن تفصل بينهما بحركة أو وقف، فيرتفع اللسان بالحرفين ارتفاعة واحدة[25])).
وهكذا نجد أن جملة هذه التعريفات تلتقي عند ملاحظة ارتفاع اللسان عن الصوتين المدغمين ارتفاعة واحدة، وهو ما أيّدته الدراسات الصوتية الحديثة؛ إذ قام العالم السويسري (فنتلر) منذ أكثر من خمسين عامًا ببحوث تجريبية خرج منها (بأن الناطق بحرفين متواليين إذا تماثلا أو تشابها -لدرجة أن آلات النطق لكي تنطق الحرف الثاني منهما تحتاج أن تتحرك نفس الحركة التي تحركتها لكي تنطق الحرف الأول منهما- فإن الناطق لا يجيء بهذه الحركة إلا مرة واحدة[26])).
الأمر الثاني الذي يسترعي الانتباه في تعريف المالقي للإدغام: بيانُهُ الفرقَ بين الحرف المدغم وغير المدغم؛ إذ جعل ذلك من وجهين؛ الأول: أنَّ المدغم مشدد وغير المدغم مخفّف، والثاني: أن زمان النطق بالحرف المدغم أطولُ من زمان النطق بالحرف غير المدغم بقدر ما فيه من التضعيف، كما أن زمان النطق بالحرفين المفكّكين أطول من زمان النطق بالحرف المدغم.
إن كلامه هذا على زمان النطق حريٌّ بالتأمل والتدبّر، لما ينطوي عليه من أهمية في علم الصوت الحديث، إذ أولت الدراسات الحديثة عنصر الزمن عناية بالغة، واستعانت بأجهزة التحليل المختلفة للوقوف على حقيقته.
قسم المالقي زمن النطق بالحروف -من حيث الإدغامُ وعدمُهُ- إلى ثلاثة أقسام؛ أولها: زمن النطق بالحرف مفردًا، وهو الأقصر، ويمكن أن نرمز له بـِ (ز1)، وثانيها: زمن النطق بالحرفين مفككين، وهو الأطول، ويمكن أن نرمز لَه بـ ِ(ز2)، وثالثها: زمن النطق بالحرف المدغم أو المشدد، وهو وسط بين الاثنين، ونرمز لَه بـِ (ز3). ويمكن التعبير عن ذلك بالمتراجحة التالية: ز1 < ز3 < ز2.
مثال ذلك: ز1= زمن النطق باللام من (سَلْ).
ز2= زمن النطق باللامين من (يسْلُلُ).
ز3= زمن النطق باللام المشددة من (سَلَّ).
لقد سبق بعض المتقدمين من علماء العربية والتجويد إلى تحديد عنصر الزمن، ونقل المالقي نفسه هنا شيئًا من ذلك عن الداني في كتابه (المفصح) وهو قوله: ((إلا أن احتباسه في موضع الحرف المشدد لما زاد فيه التضعيف أكثر من احتباسه فيه بالحرف الواحد المخفف[27])).

تعليق