السياق القرآني وأثره في الكشف عن المعاني
زيد عمر عبدالله
المصدر: مجلة جامعة الملك سعود, م 15، العلوم التربوية والدراسات الإسلامية (2)، ص837 - 877
ملخص البحث:
يعرض البحث لقضية تفسير النصوص، ويسلط الضوء علي السياق؛ كونه من أبرز القرائن المعينة على فهم النص وتفسيره تفسيراً صحيحاً يكشف عن المراد منه.
عرض البحث لتعريف السياق، وبيان منزلته ومجالاته، وبين أن كثيراً من المفسرين عُنوا به قديماً وحديثاً، وأنزلوه منزلته بإزاء القرائن الأخرى، وطائفة أخرى قليلة ربما أهملته، أو تجاوزت في توظيفه، فنتج عن هذا خلل في فهم النص، وقد بين ذلك كله بالأمثلة القرآنية.
وخلص البحث إلى أن للسياق أثراً بارزاً في ترجيح المحتملات، وبيان المجملات، وفي عود الضمير والقراءات، وفي تنقيح التفسير من الدخيل والإسرائيليات، ودفع ما يتوهم أنه تعارض بين الآيات، وإن كان هذا البحث لم يتسع من ذلك كله إلا إلى إشارات.
وكان لمفسري القرآن فضل السبق في الكشف عن دور السياق مما يظن أنه من نتاج الدراسات اللسانية الحديثة، ومن مبتكرات مدارس تحليل الخطاب.
مقدمة:
الحمد لله الذي نصب للحق دليلاً، والصلاة والسلام علي النبي الأمين أعلم الناس بمراد الله، ورضي الله عن صحابة رسوله الكرام الأمناء علي الوحي، ومن تبعهم بإحسان، وبعد.
كان تفسير النصوص - وما زال - الشغل الشاغل للعلماء، كلٌّ في مجال اختصاصه؛ لأن فهم المراد من النص الهدف الأولى، والغاية الكبرى؛ لما له من الآثار والثمار، فلا غرو بهذا الاعتبار أن تتجه الأنظار إلى تفسير النصوص منذ وجدت.
صاحب تفسير النصوص تباين في الوسائل والغايات، فمن طائفة حرصت على الكشف عن المراد من النص في ضوء ما أتيح لها من معالم وقرائن معينة على فهمه، وطائفة أخرى أهمتها أغراضها؛ فغدت على النص تفسره كيفما ترى أو يحلو لها، بعيداً عن الضوابط والقرائن، جاهلة بها، أو متجاهلة لها؛ فكانت الجناية على النص.
حرص أهل الشأن علي الحيلولة دون العبث بالنصوص؛ فعمدوا بعد استقراءٍ وجمعٍ إلى وضع مجموعة من القواعد والمعالم التي تعين على التفسير السليم للنصوص، ولتكون بمثابة الميزان الذي يعرف به التفسير المقبول من غيره.
لقد آتت هذه القواعد ثمارها، وبرزت آثارها، فصار لها حضور مشهور لدى مفسري النصوص، بخاصة مفسرو القرآن الكريم، الذين عنوا بها منذ وقت مبكر؛ تفصيلاً وتأصيلاً وتطبيقاً، فحازوا فضل السبق في ذلك كله.
كان السياق من أبرز هذه القواعد والقرائن، وقف المفسرون على دوره المتميز، فأنزلوه منزلته اللائقة به في الجملة، مع شائبة مردها الإفراط والتفريط أحيانا، سنعرض لها ونحن نكشف عن معنى السياق، وعن منزلته ومجالاته وغاياته، في بحث يدور حول أثر السياق القرآني في الكشف عن المعاني، وسيكون هذا كله في نطاق ما يتسع له المقام من بسط وضرب للأمثلة، في محاولة لإبراز ما اندثر، وجمع ما انتثر من مسائل تتصل بالسياق، لعلها تعطي بمجموعها صورة واضحة المعالم، وتعين علي الإفادة منه دون إفراط أو تفريط، وهي خطوة سبقتها من غيري خطوات متناثرات؛ سوغت لي الكتابة في هذا الموضوع.
آمل أن تكون هذه الدراسة خطوة نحو تفسير سليم. والله سبحانه أعلم.
السياق: أهميته ومجالاته:
يعتمد فهم النص - أي نص - على مجموعة من العوامل والمعالم، سواء أكانت داخله أم خارجه، وقد تنبه لها العلماء - كلٌّ في مجال اختصاصه - فعرضوا لها تفصيلاً وتأصيلاً؛ بغية الوصول إلى تفسير للنص يكشف عن المراد منه.
إن هذه العوامل - على تفاوت بينها في الآثار والثمار - ذات تأثير مباشر على المعنى الدقيق للكلمات "وهذا أمر لم يعارض فيه أحد معارضة جدية" [1، ص75]، ويعد السياق من أبرزها، وأكثرها أثرا في تحديد المعنى؛ "لأن اللغة ظاهرة اجتماعية، فيكون الفهم متوقفاً على النظر إلى الكلام في ضوء السياق" [2، ص 464]، سواء أكان هذا السياق كلامياً أم غير كلامي [3، ص 100].
تتسع دائرة السياق بعامة، ويمتد نفوذه فيؤثر في جوانب متعددة في النص، فهو يسهم في تحديد المعنى ودفع اللبس، كما في كلمة "السائل" [4، ص282] مثلاً، ففي قولنا: "الدواء السائل أسلم للأطفال. تكون "السائل" اسم فاعل من "سال"، وفي قوله تعالي: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [المعارج: 24 ،25] تكون "السائل" اسم فاعل من "سأل"، وفي قولنا: "سائل العلياء عنا" يكون "سائل"فعل أمر، ويعود الفضل للسياق في ضبط هذه الدلالات للكلمة الواحدة ، ودفع ما قد يتوهم من لبس.
للسياق كذلك أثر في تحديد الزمن النحوي [5، ص 242]، وفي حل بعض مشاكل التنافر، وتوالي الأضداد [5، ص 262]، كما يحول السياق دون إنشاء جمل مستقيمة نحوياً ولا معنى لها، كقولنا: تأكل التفاحة الولد [6، ص148]، إلى غير ذلك من المجالات التي نعرض عنها؛ لأنها خارج دائرة هذا البحث[1].
للسياق حضور أيما حضور في مجال تفسير النصوص القانونية، ولهذا تسالم رجال القانون على أنه "يجب أن تفهم الكلمات الواردة في النص القانوني، في ضوء المعنى الذي يعبر عنه سياق النص" [7، ص92].
لقد عُني العلماء بنظرية السياق كثيراً، حتى صارت عندهم الركن الرئيس في تحليل الخطاب، وفهم النص، حين أدركوا أهمية السياق في هذا المجال، ولو متأخراً، وفي هذا يقول براون ويول: "إن الفكرة القائلة بإمكان تحليل سلسلة لغوية (جملة مثلاً) تحليلاً كاملاً بدون مراعاة السياق قد أصبحت في السنين الأخيرة محل شك" [3، ص 32].
إذا كان بروز هذا الاهتمام متأخراً عند غيرنا - كما يفهم من العبارة السابقة - فإن عناية علمائنا بالسياق كانت مصاحبة لنزول القرآن الكريم، وكان له استحضار مؤثر في فهم النص العربي بعامة.
يحسن بنا قبل أن نفصل القول فيما نحن بصدده أن نحدد المقصود من السياق الذي سنعرض له؛ "لأن هذه الكلمة استعملت حديثاً في عدة معاني مختلفة [1، ص 57].
يتكون السياق - موضوع دراستنا - من السباق واللحاق، أما السباق: فهو من السبق، وهو التقدم، ويطلق على التقدم في السير [8، جـ 3، ص129؛ 9 ، ص395]، ونعني به موضع الشيء [10، ص 508] ما قبل النظر؛ أما اللحاق: فهو من لحقته ولحقت به، أي: أدركته، وهو كل شيء لحق شيئاً، أو ألحق به [11، جـ10، ص327]، ويطلق على ما بعد الشيء موضع النظر.
إن السياق الذي نعني هو ذلك السياق الداخلي الذي يُعنى بالنظم اللفظي للكلمة، وموقعها من ذلك النظم، آخذاً بعين الاعتبار ما قبلها وما بعدها في الجملة، وقد تتسع [1، ص 57] دائرته إذا دعت الحاجة، فيشمل الجمل السابقة واللاحقة، بل والقطعة كلها، والكتاب كله.
يمكن في ضوء ما تقدم أن نتفهم دور السياق القرآني في الكشف عن المعاني ونحن نستحضر أن ترتيب الآيات في السور القرآنية توقيفي[2]، وأن المناسبة في الأصل قائمة بين هذه الآيات، وهذا يحمل على الاطمئنان إلى النتائج التي تسفر عنها مراعاة السياق في نظم معجز تكلم به الحكيم الخبير، ولا غرو من ذلك بعد أن ظهرت الآثار الإيجابية لمراعاة السياق في تحليل الخطاب الصادر عن البشر كما قال أولمان: "إن نظرية السياق إذا طبقت بحكمة؛ تمثل الحجر الأساس في علم المعنى، وقد قادت بالفعل إلى الحصول على مجموعة من النتائج الباهرة بهذا الشأن" [1،ص61].
فإذا كان قد ظهر هذا في كلام البشر والذي لا يخلو من نقص وخلل، فإنه في كلام الله تعالى أشهر وأظهر، في ظل تميزه بنظمه المعجز. ﴿ الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ [هود: 1].
إن لكل كلمة في القرآن معنى في ضوء سياقها، قد لا يصح هذا المعنى لسياق آخر؛ لأن [12، جـ3، ص 138] مراعاة مساق الكلام ومنحى القول مهم، وإن كان المعنى الآخر صحيحاً؛ لهذا عد صاحب (المنار) السياق أفضل قرينة تكشف عن حقيقة معنى اللفظ [13، جـ 1، ص 22].
تضيء هذا التوجه نظرة إلى كتب الأشباه والنظائر التي جمعت للكلمة الواحدة في القرآن دلالات متعددة، يعود للسياق الفضل في اكتسابها لهذه المعاني في ضوء الدلالة اللغوية، ذلك أن "دلالة اللفظ في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية" [14، جـ6،ص 14]، بخاصة أن دلالته تختلف، كونه مفرداً أو مقروناً [15، جـ1، ص 260].
إن لكلمة "أمر" في القرآن الكريم ستة عشر معنى [16، ص 38]، ولكلمة "الرحمة" أربعة عشر معنى [16، ص 347]، ولكلمة "فتن" أحد عشر معنى [16، ص 347]، أدت كل كلمة منها المعنى المراد الذي يفرضه السياق.
لقد عُني المفسرون منذ وقت مبكر بالسياق القرآني؛ لما له من أثر فاعل في الكشف عن مراد الله تعالى في كتابه، وكان له - السياق - حضور بارز إلى جانب القرائن الأخرى؛ كأسباب النزول، واللغة، والعموم، وربما قُدم على بعضها، أو تحكم بها؛ لتوقف المعنى العام عليه؛ "فإنه عند التفاضل بين هذه القواعد؛ لابد من مراعاة السياق دائماً، فهو المقصود بهذه القواعد، حتى يفهم على وجهه" [17، جـ1، ص 98].
جعل الشاطبي مراعاة السياق مظهراً من مظاهر الاعتدال في التفسير المفضي إلى الفهم السليم، حين قال: "فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف، فإن فرق النظر في أجزائه؛ فلا يتوصل به إلى مراده، ولا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض [18، جـ3، ص855؛ 19، جـ1، ص 156].
إن هذا القانون الذي يجعل السياق محل اعتبار كان سمة صاحبت التفسير منذ بداياته الأولى - وبجهد متميز من شيخ المفسرين الإمام الطبري؛ تأصيلاً وتطبيقا - وإلى العصر الحديث.
على الرغم من أن التفسير في عهد الصحابة الكرام كان ذا طابع تجزيئي يُعني بتفسير المفردة القرآنية، إلا أنه لم يكن يغفل سياقها؛ ولهذا جاء تفسيرهم سليماً خالياً من الخلل بعامة، وإن لم يكن قد ورد عنهم صراحة ما يعد توصيفاً للسياق وتأصيلاً له، عدا إشارات قد تدل علي ما نحن بصدده، منها إنكار عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - علي الخوارج، ونعته لهم بأنهم شرار الخلق، حين عمدوا إلي آيات نزلت في الكفار؛ فجعلوها في المسلمين [18، جـ3، ص 807]، وهذا لا يكون إلا بتجاهل السياق.
زيد عمر عبدالله
المصدر: مجلة جامعة الملك سعود, م 15، العلوم التربوية والدراسات الإسلامية (2)، ص837 - 877
ملخص البحث:
يعرض البحث لقضية تفسير النصوص، ويسلط الضوء علي السياق؛ كونه من أبرز القرائن المعينة على فهم النص وتفسيره تفسيراً صحيحاً يكشف عن المراد منه.
عرض البحث لتعريف السياق، وبيان منزلته ومجالاته، وبين أن كثيراً من المفسرين عُنوا به قديماً وحديثاً، وأنزلوه منزلته بإزاء القرائن الأخرى، وطائفة أخرى قليلة ربما أهملته، أو تجاوزت في توظيفه، فنتج عن هذا خلل في فهم النص، وقد بين ذلك كله بالأمثلة القرآنية.
وخلص البحث إلى أن للسياق أثراً بارزاً في ترجيح المحتملات، وبيان المجملات، وفي عود الضمير والقراءات، وفي تنقيح التفسير من الدخيل والإسرائيليات، ودفع ما يتوهم أنه تعارض بين الآيات، وإن كان هذا البحث لم يتسع من ذلك كله إلا إلى إشارات.
وكان لمفسري القرآن فضل السبق في الكشف عن دور السياق مما يظن أنه من نتاج الدراسات اللسانية الحديثة، ومن مبتكرات مدارس تحليل الخطاب.
مقدمة:
الحمد لله الذي نصب للحق دليلاً، والصلاة والسلام علي النبي الأمين أعلم الناس بمراد الله، ورضي الله عن صحابة رسوله الكرام الأمناء علي الوحي، ومن تبعهم بإحسان، وبعد.
كان تفسير النصوص - وما زال - الشغل الشاغل للعلماء، كلٌّ في مجال اختصاصه؛ لأن فهم المراد من النص الهدف الأولى، والغاية الكبرى؛ لما له من الآثار والثمار، فلا غرو بهذا الاعتبار أن تتجه الأنظار إلى تفسير النصوص منذ وجدت.
صاحب تفسير النصوص تباين في الوسائل والغايات، فمن طائفة حرصت على الكشف عن المراد من النص في ضوء ما أتيح لها من معالم وقرائن معينة على فهمه، وطائفة أخرى أهمتها أغراضها؛ فغدت على النص تفسره كيفما ترى أو يحلو لها، بعيداً عن الضوابط والقرائن، جاهلة بها، أو متجاهلة لها؛ فكانت الجناية على النص.
حرص أهل الشأن علي الحيلولة دون العبث بالنصوص؛ فعمدوا بعد استقراءٍ وجمعٍ إلى وضع مجموعة من القواعد والمعالم التي تعين على التفسير السليم للنصوص، ولتكون بمثابة الميزان الذي يعرف به التفسير المقبول من غيره.
لقد آتت هذه القواعد ثمارها، وبرزت آثارها، فصار لها حضور مشهور لدى مفسري النصوص، بخاصة مفسرو القرآن الكريم، الذين عنوا بها منذ وقت مبكر؛ تفصيلاً وتأصيلاً وتطبيقاً، فحازوا فضل السبق في ذلك كله.
كان السياق من أبرز هذه القواعد والقرائن، وقف المفسرون على دوره المتميز، فأنزلوه منزلته اللائقة به في الجملة، مع شائبة مردها الإفراط والتفريط أحيانا، سنعرض لها ونحن نكشف عن معنى السياق، وعن منزلته ومجالاته وغاياته، في بحث يدور حول أثر السياق القرآني في الكشف عن المعاني، وسيكون هذا كله في نطاق ما يتسع له المقام من بسط وضرب للأمثلة، في محاولة لإبراز ما اندثر، وجمع ما انتثر من مسائل تتصل بالسياق، لعلها تعطي بمجموعها صورة واضحة المعالم، وتعين علي الإفادة منه دون إفراط أو تفريط، وهي خطوة سبقتها من غيري خطوات متناثرات؛ سوغت لي الكتابة في هذا الموضوع.
آمل أن تكون هذه الدراسة خطوة نحو تفسير سليم. والله سبحانه أعلم.
السياق: أهميته ومجالاته:
يعتمد فهم النص - أي نص - على مجموعة من العوامل والمعالم، سواء أكانت داخله أم خارجه، وقد تنبه لها العلماء - كلٌّ في مجال اختصاصه - فعرضوا لها تفصيلاً وتأصيلاً؛ بغية الوصول إلى تفسير للنص يكشف عن المراد منه.
إن هذه العوامل - على تفاوت بينها في الآثار والثمار - ذات تأثير مباشر على المعنى الدقيق للكلمات "وهذا أمر لم يعارض فيه أحد معارضة جدية" [1، ص75]، ويعد السياق من أبرزها، وأكثرها أثرا في تحديد المعنى؛ "لأن اللغة ظاهرة اجتماعية، فيكون الفهم متوقفاً على النظر إلى الكلام في ضوء السياق" [2، ص 464]، سواء أكان هذا السياق كلامياً أم غير كلامي [3، ص 100].
تتسع دائرة السياق بعامة، ويمتد نفوذه فيؤثر في جوانب متعددة في النص، فهو يسهم في تحديد المعنى ودفع اللبس، كما في كلمة "السائل" [4، ص282] مثلاً، ففي قولنا: "الدواء السائل أسلم للأطفال. تكون "السائل" اسم فاعل من "سال"، وفي قوله تعالي: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [المعارج: 24 ،25] تكون "السائل" اسم فاعل من "سأل"، وفي قولنا: "سائل العلياء عنا" يكون "سائل"فعل أمر، ويعود الفضل للسياق في ضبط هذه الدلالات للكلمة الواحدة ، ودفع ما قد يتوهم من لبس.
للسياق كذلك أثر في تحديد الزمن النحوي [5، ص 242]، وفي حل بعض مشاكل التنافر، وتوالي الأضداد [5، ص 262]، كما يحول السياق دون إنشاء جمل مستقيمة نحوياً ولا معنى لها، كقولنا: تأكل التفاحة الولد [6، ص148]، إلى غير ذلك من المجالات التي نعرض عنها؛ لأنها خارج دائرة هذا البحث[1].
للسياق حضور أيما حضور في مجال تفسير النصوص القانونية، ولهذا تسالم رجال القانون على أنه "يجب أن تفهم الكلمات الواردة في النص القانوني، في ضوء المعنى الذي يعبر عنه سياق النص" [7، ص92].
لقد عُني العلماء بنظرية السياق كثيراً، حتى صارت عندهم الركن الرئيس في تحليل الخطاب، وفهم النص، حين أدركوا أهمية السياق في هذا المجال، ولو متأخراً، وفي هذا يقول براون ويول: "إن الفكرة القائلة بإمكان تحليل سلسلة لغوية (جملة مثلاً) تحليلاً كاملاً بدون مراعاة السياق قد أصبحت في السنين الأخيرة محل شك" [3، ص 32].
إذا كان بروز هذا الاهتمام متأخراً عند غيرنا - كما يفهم من العبارة السابقة - فإن عناية علمائنا بالسياق كانت مصاحبة لنزول القرآن الكريم، وكان له استحضار مؤثر في فهم النص العربي بعامة.
يحسن بنا قبل أن نفصل القول فيما نحن بصدده أن نحدد المقصود من السياق الذي سنعرض له؛ "لأن هذه الكلمة استعملت حديثاً في عدة معاني مختلفة [1، ص 57].
يتكون السياق - موضوع دراستنا - من السباق واللحاق، أما السباق: فهو من السبق، وهو التقدم، ويطلق على التقدم في السير [8، جـ 3، ص129؛ 9 ، ص395]، ونعني به موضع الشيء [10، ص 508] ما قبل النظر؛ أما اللحاق: فهو من لحقته ولحقت به، أي: أدركته، وهو كل شيء لحق شيئاً، أو ألحق به [11، جـ10، ص327]، ويطلق على ما بعد الشيء موضع النظر.
إن السياق الذي نعني هو ذلك السياق الداخلي الذي يُعنى بالنظم اللفظي للكلمة، وموقعها من ذلك النظم، آخذاً بعين الاعتبار ما قبلها وما بعدها في الجملة، وقد تتسع [1، ص 57] دائرته إذا دعت الحاجة، فيشمل الجمل السابقة واللاحقة، بل والقطعة كلها، والكتاب كله.
يمكن في ضوء ما تقدم أن نتفهم دور السياق القرآني في الكشف عن المعاني ونحن نستحضر أن ترتيب الآيات في السور القرآنية توقيفي[2]، وأن المناسبة في الأصل قائمة بين هذه الآيات، وهذا يحمل على الاطمئنان إلى النتائج التي تسفر عنها مراعاة السياق في نظم معجز تكلم به الحكيم الخبير، ولا غرو من ذلك بعد أن ظهرت الآثار الإيجابية لمراعاة السياق في تحليل الخطاب الصادر عن البشر كما قال أولمان: "إن نظرية السياق إذا طبقت بحكمة؛ تمثل الحجر الأساس في علم المعنى، وقد قادت بالفعل إلى الحصول على مجموعة من النتائج الباهرة بهذا الشأن" [1،ص61].
فإذا كان قد ظهر هذا في كلام البشر والذي لا يخلو من نقص وخلل، فإنه في كلام الله تعالى أشهر وأظهر، في ظل تميزه بنظمه المعجز. ﴿ الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ [هود: 1].
إن لكل كلمة في القرآن معنى في ضوء سياقها، قد لا يصح هذا المعنى لسياق آخر؛ لأن [12، جـ3، ص 138] مراعاة مساق الكلام ومنحى القول مهم، وإن كان المعنى الآخر صحيحاً؛ لهذا عد صاحب (المنار) السياق أفضل قرينة تكشف عن حقيقة معنى اللفظ [13، جـ 1، ص 22].
تضيء هذا التوجه نظرة إلى كتب الأشباه والنظائر التي جمعت للكلمة الواحدة في القرآن دلالات متعددة، يعود للسياق الفضل في اكتسابها لهذه المعاني في ضوء الدلالة اللغوية، ذلك أن "دلالة اللفظ في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية" [14، جـ6،ص 14]، بخاصة أن دلالته تختلف، كونه مفرداً أو مقروناً [15، جـ1، ص 260].
إن لكلمة "أمر" في القرآن الكريم ستة عشر معنى [16، ص 38]، ولكلمة "الرحمة" أربعة عشر معنى [16، ص 347]، ولكلمة "فتن" أحد عشر معنى [16، ص 347]، أدت كل كلمة منها المعنى المراد الذي يفرضه السياق.
لقد عُني المفسرون منذ وقت مبكر بالسياق القرآني؛ لما له من أثر فاعل في الكشف عن مراد الله تعالى في كتابه، وكان له - السياق - حضور بارز إلى جانب القرائن الأخرى؛ كأسباب النزول، واللغة، والعموم، وربما قُدم على بعضها، أو تحكم بها؛ لتوقف المعنى العام عليه؛ "فإنه عند التفاضل بين هذه القواعد؛ لابد من مراعاة السياق دائماً، فهو المقصود بهذه القواعد، حتى يفهم على وجهه" [17، جـ1، ص 98].
جعل الشاطبي مراعاة السياق مظهراً من مظاهر الاعتدال في التفسير المفضي إلى الفهم السليم، حين قال: "فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف، فإن فرق النظر في أجزائه؛ فلا يتوصل به إلى مراده، ولا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض [18، جـ3، ص855؛ 19، جـ1، ص 156].
إن هذا القانون الذي يجعل السياق محل اعتبار كان سمة صاحبت التفسير منذ بداياته الأولى - وبجهد متميز من شيخ المفسرين الإمام الطبري؛ تأصيلاً وتطبيقا - وإلى العصر الحديث.
على الرغم من أن التفسير في عهد الصحابة الكرام كان ذا طابع تجزيئي يُعني بتفسير المفردة القرآنية، إلا أنه لم يكن يغفل سياقها؛ ولهذا جاء تفسيرهم سليماً خالياً من الخلل بعامة، وإن لم يكن قد ورد عنهم صراحة ما يعد توصيفاً للسياق وتأصيلاً له، عدا إشارات قد تدل علي ما نحن بصدده، منها إنكار عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - علي الخوارج، ونعته لهم بأنهم شرار الخلق، حين عمدوا إلي آيات نزلت في الكفار؛ فجعلوها في المسلمين [18، جـ3، ص 807]، وهذا لا يكون إلا بتجاهل السياق.

تعليق