تَأَمُّلاتٌ فِي لُغَةِ القُرآنِ
الدكتور سعدالدين إبراهيم المصطفى
أستاذ النحو والصرف المشارِك بِقسمِ اللُّغةِ العربيَّة
جامِعةِ طَيبةَ- فَرعِ العُلا
بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وأفضَلُ الصَّلاةِ وأتمُّ التَّسلِيمِ علَى المبعُوثِ رحمةً للعالَمِينَ سيِّدنا مُحمَّدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمَعِينَ، وبعد.
تَابَعْتُ عِطرَكِ فِي صَحراءِ أَجدَادِي *** ودُرْتُ حَولَكِ فِي صَمتِي وإِنشَادِي
قَدْ كُنْتِ دَوحَةَ بانٍ.. أَنبَتَتْ رَجزًا *** قُرْبَ الخِيامِ الَّتِي شُدَّتْ بِأوتَادِ
وَكُنْتِ هَودَجَ عِشقٍ فِيهِ زَلزَلةٌ *** فَالحُبُّ رَغمَ التَّأسِي رائحٌ غادِي
وكُنْتِ قِصَةَ فُرسَانٍ قَدِ انهَمَرُوا *** وأَصبَحُوا والأَمانِي عِندَ مِيعَادِ
حتَّى تَدَفَّقَ فِيكِ الوَحيُ مُبتَهِجَاً *** فَأصبَحَ الكَونُ كُلُّ الكَونِ فِي الضَّادِ
مقدمة:
إنَّ للنَّحوِ أثراً كبيراً في استِنباطِ الأحكامِ الفِقهيَّة مِن أدلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، لأنَّهُما بِلسانٍ عربيٍّ مُبينٍ، وهذا القُرآن مَبنيٌّ فِي لُغَتِهِ علَى قَواعِدَ نحويَّةٍ وصرفِيَّةٍ، يَنبَغِي علَى الفَقِيهِ والمفسِّرِ والأصُولِيِّ حذْقُها، ومَعرفةُ أسرارِها، قبلَ أن يبدأ الإفتاءَ والاجتِهادَ. فمعرفةُ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ واجبةٌ بالإجماعِ، ومَعرفةُ الأحكامِ دونَ معرفةِ أدلَّتِها مستحِيلٌ، فلا بُدَّ مِن معرفةِ أدِلَّتِها، والأدلَّةُ راجِعةٌ إلَى الكتابِ والسنَّةِ، وهما وارِدانِ بِلُغةِ العَرَبِ ونحوِهِم وتَصرِيفِهِم، فإذاً يَتَوَقَّفُ العِلمُ بالأحكامِ على الأدلَّةِ، ومعرفةُ الأدلَّةِ تتوقَّفُ علَى مَعرِفةِ اللُّغةِ والنَّحوِ والتَّصرِيفِ، وما يتوقَّفُ على الواجِبِ المطلَقِ-وهو مَقدُورٌ للمُكلَّفِ- فهو واجِبٌ، فإذاً معرفةُ اللُّغةِ والنَّحوِ والتَّصرِيفِ واجِبةٌ.
العرض:
قال تعالى: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُم إلَى الصَّلاةِ فاغسِلُوا وُجُوهَكُم وأَيدِيَكُم إلَى المَرافقِ وامسَحُوا بِرؤوسِكُم وأرجُلَكُم إلَى الكَعبَينِ)(1) .
تأمَّلِ الآيةَ الكريمةَ فيَخطرُ علَى بالكِ سؤالٌ، وهو: هلِ المرافقُ والكَعبانِ داخِلةٌ في الغَسلِ؟
إنَّ بعضَ متأخِرِي المالكيَّةِ يقولُ بأنَّ المرفقَ والكعبَ لَيسَا دَاخِلينِ في وُجُوبِ الغَسْلِ، لأنَّ ما بعدَ " إلى " ليَسَ داخِلاً فِيما قبلها.
وجمهورُ العُلَماءِ يوجبونَ إدخالَ ما بعد " إلى " في حكمِ ما قبلَها لأنَّه من جنسهِ، فالكعبُ من جنس الرِّجْلِ والمرفق من جنس اليدِ.
وورَدَتْ " إلَى " الجارَّة في بعضِ الآياتِ بمعنى " مع ". ومن ذلك قوله تعالى: (قالَ مَنْ أنصارِي إلَى اللهِ)(2) ، أي: مع الله. وقوله تعالى أيضاً: (ويزِدْكُم قوَّة إلَى قُوَّتِكُم)(3) ، أي: مع قوَّتكم، وقالَتِ العَربُ: " الذَّودُ إلَى الذَّودِ إبِلٌ "(4) . أي: مع الذَّودِ.
وفي قوله: (وامسَحُوا بِرُؤُوسِكُم) توجَدُ عِدَّةُ أقوالٍ، منها:
أولاً: رأي الإمام مالك بن أنس (ت179هـ) الذي يُفيدُ بِمسحِ الرَّأسِ كلِّهِ، لأنَّ الباء عنده صلة أي زائدة.فقد زِيدَت في المفعولِ بِهِ، والتقدير: فامسَحُوا رُؤُوسَكُم. أو أنَّ الباء للإلصاقِ، فالمسحُ يَشمَلَ جميع الرأس، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية (ت728هـ) "لو قالَ امسَحُوا رُؤُوسَكُم أو وُجُوهَكُم لم تَدُلَّ علَى ما يَلتَصِقُ بالمسحِ، فإنَّك تقولُ: مَسَحْتُ رأسَ فلانٍ، وإنْ لم يَكُنْ بِيدِكَ بَلَلٌ، فإذا قِيلَ: فامسَحُوا برؤوسِكُم وبوجوهِكُم ضُمِّنَ المسحُ معنى الإلصاقِ، فأفادَ أنَّكُم تُلصِقُونَ بِرؤوسِكُم وبِوُجُوهِكُم شَيئاً بِهذا المسح"(5) .
الرأيُّ الثاني: وهو لأبي حنيفة النعمان (ت150هـ)، وأبي عبدالله محمد بن إدريس الشافعي (ت203هـ)، ويفيد أنَّ المجزي هو مسحُ بعض الشَّعر، لأنَّ الباء عندهما للتبعيض، فهي بمعنى "من "، كقولِهِ تعالى: (عَيناً يَشْرَبُ بِها المقَرَّبُونَ)(6) . أي: منها. وذُكِرَ عن الشافعية أنَّ مسح شعرة واحدةٍ يُجزيء. والله أعلم.
قالَ تعالَى: ( ويَقُولُونَ متى هذا الوَعدُ إنْ كُنْتُم صادِقِينَ، قُلْ لا أَملِكُ لِنفسِي ضَرًّا ولا نَفعاً إلَّا ما شَاءَ اللهُ لِكُلِّ أمَّةٍ أَجَلٌ إذا جَاءَ أجلُهُم فلا يَستَأخِرُونَ سَاعةً ولا يَستَقدِمُونَ)(7) .
ما الفَرقُ بينَ " إنْ " و "إذا " فِي الاستِعمالِ؟
إنَّ " إنْ " تُفيدُ استِبعادَ حصُولِ الشَّيءِ، لذلِكَ الكُفَّارُ كانُوا يكذِّبُون النَّبيَّ والمؤمِنينَ في أمرِ السَّاعةِ، والفَصلُ بينَ الخلائِقِ، ولذلك جاءَتْ " إنْ " الدَّالةُ على عدمِ حصُولِ هذا الأمرِ في رأيهم. فقالُوا: (ويَقُولُونَ متى هذا الوَعدُ إنْ كُنْتُم صادِقِينَ)، ولم يقولُوا: (إذا كُنْتُم صادِقِينَ)، فكأنَّهُم يَقُولونَ لَهُم: أنتم لستم صادقين ولا يوجد حساب ولن تقوم الساعة.
أمَّا عند الله -سبحانه وعند نبيِّه-عليه الصلاة والسَّلام- وعند المؤمنين، فإنَّ الأمر متحقق الوقوع، ولذلك استَعملَ " إذا " فقالَ: (إذا جَاءَ أجلُهُم فلا يَستَأخِرُونَ سَاعةً ولا يَستَقدِمُونَ).
وقالَ -سبحانه- في الآية أيضاً (ضَرًّا ولا نَفعاً) ولكنَّه قالَ في سُورةٍ أُخرَى: (قُلْ لا أَملِكُ لِنَفسِي نَفعاً ولا ضَرًّا إلَّا ما شَاءَ اللهُ)(8) . قَدَّمَ في سُورةِ يونس الضُّرَّ علَى النَّفعِ، وعَكَسَ ذلِكَ في سُورة الأعراف، فما السرُّ فِي ذلِكَ؟
في سورة الأعراف جاء تقديم النفع على الضرِّ في سياق الحديث عن الساعة، وهذا موقف يرجو فيه كل مخلوق النفع الفوز والنَّجاة، ويخاف الضرَّ، لذلك قدَّمَ النفع. وأمَّا في سورة يونس فكان سياق الحديث ردًّا عن استعجال الكافرين العذاب، وما يتوعَّدُهم به الرَّسول-عليه الصَّلاة والسَّلام، استهانة منهم وتكذيباً، فتمَّ تقديم الضرِّ على النفعِ لأنَّه مطلوبٌ لمجازاة الكفَّار، وهو جزاء سخريتهم واستهزائهم.
ونتأمَّلُ الآية الكريمة (والخَيلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَركَبُوها وزِينةً ويَخلُقُ ما لا تَعلَمُونَ)(9) . مِن عادةِ العَربِ أنْ تُؤخِّرَ الأهمَّ للامتنانِ بهِ في كلامِها، إذا كانَ المقامُ مقامَ ذكْرٍ للمحاسن والفضائِلِ، لكنَّ ظاهرَ الآيةِ يُوحِي بِتَقدِيمِ الأهمِّ، فقُدّمَتِ الخَيلُ علَى البغالِ، والبغالُ على الحَمِيرِ، فلماذا جاءَ الكلامُ علَى هذا النَّسقِ بِخلافِ المعهُودِ عنِ العرب؟
يُقال: إنَّ الآيةَ الكريمةَ سارَتْ علَى النَّسقِ المعهُودِ عندَ العَربِ، فالحَمِيرُ أهمُّ مِن الخَيلِ والبِغالِ، نظراً لأنَّ أغلبَ النَّاسِ يَستَفِيدُونَ مِن الحَميرِ ولا يَقدرُونَ علَى الخَيلِ، وكَثيرٌ مِنهُم يَقدِرونَ علَى البِغالِ ولا يَقدرونَ الحصولَ على الخَيلِ.وهذِهِ سَنَنُ العربِ. والله أعلم.
ولَو تَأمَّلْنا قولَهُ تعالَى: (لِتَركَبُوهَا وزِينَةً) نَرَى تَنَوُّعاً في الأُسلُوبِ، فالرُّكوبُ مَصدَرٌ والزِّينة أيضاً مصدر، وكِلاهُما عِلَّةٌ لِخَلقِ هذِهِ الدَّوابِّ هنا، لكنَّهُ عبَّرَ عن الرُّكوبِ بِالفِعلِ، وعبَّرَ عن الزِّينة بالاسمِ المصدر المنصوب، فَبِمَ يُعلِّلُ النَّحاة ذلك؟
وإنَّ الزِّينةَ مَفعُولٌ لأجلِهِ، من الفِعلِ فِي الآيةِ السابقةِ علَى هذِهِ الآيةِ: (والأنعامَ خلَقَهَا لَكُم فيها دِفءٌ ومَنافِعُ ومِنهَا تَأكُلُونَ)، فقد اتَّحَدَ المصدرُ مع الفعل (العامل) بالفاعل، ففاعل الخلق والتزيين هو الله-سبحانه- ولذلِكَ استوفى المفعول لأجلِهِ شروط النصب، فَنُصِبَتْ " زينة "، أمَّا الرُّكُوبُ ففاعِلُهُ المخاطَبُونَ، فانتفَى شرطٌ من شروطِ نصبِ المصدرِ أي المفعول لأجلِهِ وهو عدمُ اتحادِهِ مع فعلِهِ بِالفاعِلِ فَجُرَّ باللَّامِ، وهذا هو التَّعليلُ اللَّفظِيُّ لِسِياقِ الكَلامِ.
وللزمخشري محمود بن عمر جار اللهِ (ت538هـ) رأيٌ آخرُ مَفَادُهُ: " فإنْ قُلْتَ: فهَلَّا وَرَدَ المعطوفُ والمعطوفُ علَيهِ مِن سَنَنٍ واحدٍ، قُلْتَ: لأنَّ الرُّكُوبَ فِعلُ المخَاطبِينَ، وأمَّا الزِّينةُ فَفِعلُ الزَّائِن، وهو الخالِق "(10) .
وهناك تأمُّلٌ آخر في الآية الكريمة مردُّه إلى فهم المعنى: الغايةُ مِن خَلقِ الدَّوابِّ هو الرُّكوبُ، وهو يَتجدَّدُ مرَّة بعد مرَّة، ومُتَنَقَلٌ، فَعُبِّرَ عنهُ بِالفِعلِ، وجرَّه بـ " لام التعليل". وأمَّا الزِّينةُ فهي تابِعٌة لأهمَّ الغرضيْنِ وهو الرُّكوبِ، فجعلَها تَبعاً، وعبَّر عنها بالاسمِ الَّذِي يَدلُّ علَى الثُّبُوتِ والدَّوامِ.
وتأمَّل -أيُّها الدَّارِس- قوله (ويَخلُقُ ما لا تَعلَمُونَ) تَجِدُ الإعجازَ نَفسَهُ، فالعَربُ حِينَ نُزُولِ القُرآنِ لم تَعرِفْ غيرَ وسائِلِ النَّقلِ الَّتِي ذُكِرتْ في الآيةِ، وأشارَ بِقولِهِ (ما لا تعلَمُونَ) إشارةً إلَى ما آلَ إلَيهِ العِلمُ الحدِيثُ مِن وسائِطِ نَقلٍ مُتقدِّمةٍ.
الدكتور سعدالدين إبراهيم المصطفى
أستاذ النحو والصرف المشارِك بِقسمِ اللُّغةِ العربيَّة
جامِعةِ طَيبةَ- فَرعِ العُلا
بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وأفضَلُ الصَّلاةِ وأتمُّ التَّسلِيمِ علَى المبعُوثِ رحمةً للعالَمِينَ سيِّدنا مُحمَّدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمَعِينَ، وبعد.
تَابَعْتُ عِطرَكِ فِي صَحراءِ أَجدَادِي *** ودُرْتُ حَولَكِ فِي صَمتِي وإِنشَادِي
قَدْ كُنْتِ دَوحَةَ بانٍ.. أَنبَتَتْ رَجزًا *** قُرْبَ الخِيامِ الَّتِي شُدَّتْ بِأوتَادِ
وَكُنْتِ هَودَجَ عِشقٍ فِيهِ زَلزَلةٌ *** فَالحُبُّ رَغمَ التَّأسِي رائحٌ غادِي
وكُنْتِ قِصَةَ فُرسَانٍ قَدِ انهَمَرُوا *** وأَصبَحُوا والأَمانِي عِندَ مِيعَادِ
حتَّى تَدَفَّقَ فِيكِ الوَحيُ مُبتَهِجَاً *** فَأصبَحَ الكَونُ كُلُّ الكَونِ فِي الضَّادِ
مقدمة:
إنَّ للنَّحوِ أثراً كبيراً في استِنباطِ الأحكامِ الفِقهيَّة مِن أدلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، لأنَّهُما بِلسانٍ عربيٍّ مُبينٍ، وهذا القُرآن مَبنيٌّ فِي لُغَتِهِ علَى قَواعِدَ نحويَّةٍ وصرفِيَّةٍ، يَنبَغِي علَى الفَقِيهِ والمفسِّرِ والأصُولِيِّ حذْقُها، ومَعرفةُ أسرارِها، قبلَ أن يبدأ الإفتاءَ والاجتِهادَ. فمعرفةُ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ واجبةٌ بالإجماعِ، ومَعرفةُ الأحكامِ دونَ معرفةِ أدلَّتِها مستحِيلٌ، فلا بُدَّ مِن معرفةِ أدِلَّتِها، والأدلَّةُ راجِعةٌ إلَى الكتابِ والسنَّةِ، وهما وارِدانِ بِلُغةِ العَرَبِ ونحوِهِم وتَصرِيفِهِم، فإذاً يَتَوَقَّفُ العِلمُ بالأحكامِ على الأدلَّةِ، ومعرفةُ الأدلَّةِ تتوقَّفُ علَى مَعرِفةِ اللُّغةِ والنَّحوِ والتَّصرِيفِ، وما يتوقَّفُ على الواجِبِ المطلَقِ-وهو مَقدُورٌ للمُكلَّفِ- فهو واجِبٌ، فإذاً معرفةُ اللُّغةِ والنَّحوِ والتَّصرِيفِ واجِبةٌ.
العرض:
قال تعالى: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُم إلَى الصَّلاةِ فاغسِلُوا وُجُوهَكُم وأَيدِيَكُم إلَى المَرافقِ وامسَحُوا بِرؤوسِكُم وأرجُلَكُم إلَى الكَعبَينِ)(1) .
تأمَّلِ الآيةَ الكريمةَ فيَخطرُ علَى بالكِ سؤالٌ، وهو: هلِ المرافقُ والكَعبانِ داخِلةٌ في الغَسلِ؟
إنَّ بعضَ متأخِرِي المالكيَّةِ يقولُ بأنَّ المرفقَ والكعبَ لَيسَا دَاخِلينِ في وُجُوبِ الغَسْلِ، لأنَّ ما بعدَ " إلى " ليَسَ داخِلاً فِيما قبلها.
وجمهورُ العُلَماءِ يوجبونَ إدخالَ ما بعد " إلى " في حكمِ ما قبلَها لأنَّه من جنسهِ، فالكعبُ من جنس الرِّجْلِ والمرفق من جنس اليدِ.
وورَدَتْ " إلَى " الجارَّة في بعضِ الآياتِ بمعنى " مع ". ومن ذلك قوله تعالى: (قالَ مَنْ أنصارِي إلَى اللهِ)(2) ، أي: مع الله. وقوله تعالى أيضاً: (ويزِدْكُم قوَّة إلَى قُوَّتِكُم)(3) ، أي: مع قوَّتكم، وقالَتِ العَربُ: " الذَّودُ إلَى الذَّودِ إبِلٌ "(4) . أي: مع الذَّودِ.
وفي قوله: (وامسَحُوا بِرُؤُوسِكُم) توجَدُ عِدَّةُ أقوالٍ، منها:
أولاً: رأي الإمام مالك بن أنس (ت179هـ) الذي يُفيدُ بِمسحِ الرَّأسِ كلِّهِ، لأنَّ الباء عنده صلة أي زائدة.فقد زِيدَت في المفعولِ بِهِ، والتقدير: فامسَحُوا رُؤُوسَكُم. أو أنَّ الباء للإلصاقِ، فالمسحُ يَشمَلَ جميع الرأس، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية (ت728هـ) "لو قالَ امسَحُوا رُؤُوسَكُم أو وُجُوهَكُم لم تَدُلَّ علَى ما يَلتَصِقُ بالمسحِ، فإنَّك تقولُ: مَسَحْتُ رأسَ فلانٍ، وإنْ لم يَكُنْ بِيدِكَ بَلَلٌ، فإذا قِيلَ: فامسَحُوا برؤوسِكُم وبوجوهِكُم ضُمِّنَ المسحُ معنى الإلصاقِ، فأفادَ أنَّكُم تُلصِقُونَ بِرؤوسِكُم وبِوُجُوهِكُم شَيئاً بِهذا المسح"(5) .
الرأيُّ الثاني: وهو لأبي حنيفة النعمان (ت150هـ)، وأبي عبدالله محمد بن إدريس الشافعي (ت203هـ)، ويفيد أنَّ المجزي هو مسحُ بعض الشَّعر، لأنَّ الباء عندهما للتبعيض، فهي بمعنى "من "، كقولِهِ تعالى: (عَيناً يَشْرَبُ بِها المقَرَّبُونَ)(6) . أي: منها. وذُكِرَ عن الشافعية أنَّ مسح شعرة واحدةٍ يُجزيء. والله أعلم.
قالَ تعالَى: ( ويَقُولُونَ متى هذا الوَعدُ إنْ كُنْتُم صادِقِينَ، قُلْ لا أَملِكُ لِنفسِي ضَرًّا ولا نَفعاً إلَّا ما شَاءَ اللهُ لِكُلِّ أمَّةٍ أَجَلٌ إذا جَاءَ أجلُهُم فلا يَستَأخِرُونَ سَاعةً ولا يَستَقدِمُونَ)(7) .
ما الفَرقُ بينَ " إنْ " و "إذا " فِي الاستِعمالِ؟
إنَّ " إنْ " تُفيدُ استِبعادَ حصُولِ الشَّيءِ، لذلِكَ الكُفَّارُ كانُوا يكذِّبُون النَّبيَّ والمؤمِنينَ في أمرِ السَّاعةِ، والفَصلُ بينَ الخلائِقِ، ولذلك جاءَتْ " إنْ " الدَّالةُ على عدمِ حصُولِ هذا الأمرِ في رأيهم. فقالُوا: (ويَقُولُونَ متى هذا الوَعدُ إنْ كُنْتُم صادِقِينَ)، ولم يقولُوا: (إذا كُنْتُم صادِقِينَ)، فكأنَّهُم يَقُولونَ لَهُم: أنتم لستم صادقين ولا يوجد حساب ولن تقوم الساعة.
أمَّا عند الله -سبحانه وعند نبيِّه-عليه الصلاة والسَّلام- وعند المؤمنين، فإنَّ الأمر متحقق الوقوع، ولذلك استَعملَ " إذا " فقالَ: (إذا جَاءَ أجلُهُم فلا يَستَأخِرُونَ سَاعةً ولا يَستَقدِمُونَ).
وقالَ -سبحانه- في الآية أيضاً (ضَرًّا ولا نَفعاً) ولكنَّه قالَ في سُورةٍ أُخرَى: (قُلْ لا أَملِكُ لِنَفسِي نَفعاً ولا ضَرًّا إلَّا ما شَاءَ اللهُ)(8) . قَدَّمَ في سُورةِ يونس الضُّرَّ علَى النَّفعِ، وعَكَسَ ذلِكَ في سُورة الأعراف، فما السرُّ فِي ذلِكَ؟
في سورة الأعراف جاء تقديم النفع على الضرِّ في سياق الحديث عن الساعة، وهذا موقف يرجو فيه كل مخلوق النفع الفوز والنَّجاة، ويخاف الضرَّ، لذلك قدَّمَ النفع. وأمَّا في سورة يونس فكان سياق الحديث ردًّا عن استعجال الكافرين العذاب، وما يتوعَّدُهم به الرَّسول-عليه الصَّلاة والسَّلام، استهانة منهم وتكذيباً، فتمَّ تقديم الضرِّ على النفعِ لأنَّه مطلوبٌ لمجازاة الكفَّار، وهو جزاء سخريتهم واستهزائهم.
ونتأمَّلُ الآية الكريمة (والخَيلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَركَبُوها وزِينةً ويَخلُقُ ما لا تَعلَمُونَ)(9) . مِن عادةِ العَربِ أنْ تُؤخِّرَ الأهمَّ للامتنانِ بهِ في كلامِها، إذا كانَ المقامُ مقامَ ذكْرٍ للمحاسن والفضائِلِ، لكنَّ ظاهرَ الآيةِ يُوحِي بِتَقدِيمِ الأهمِّ، فقُدّمَتِ الخَيلُ علَى البغالِ، والبغالُ على الحَمِيرِ، فلماذا جاءَ الكلامُ علَى هذا النَّسقِ بِخلافِ المعهُودِ عنِ العرب؟
يُقال: إنَّ الآيةَ الكريمةَ سارَتْ علَى النَّسقِ المعهُودِ عندَ العَربِ، فالحَمِيرُ أهمُّ مِن الخَيلِ والبِغالِ، نظراً لأنَّ أغلبَ النَّاسِ يَستَفِيدُونَ مِن الحَميرِ ولا يَقدرُونَ علَى الخَيلِ، وكَثيرٌ مِنهُم يَقدِرونَ علَى البِغالِ ولا يَقدرونَ الحصولَ على الخَيلِ.وهذِهِ سَنَنُ العربِ. والله أعلم.
ولَو تَأمَّلْنا قولَهُ تعالَى: (لِتَركَبُوهَا وزِينَةً) نَرَى تَنَوُّعاً في الأُسلُوبِ، فالرُّكوبُ مَصدَرٌ والزِّينة أيضاً مصدر، وكِلاهُما عِلَّةٌ لِخَلقِ هذِهِ الدَّوابِّ هنا، لكنَّهُ عبَّرَ عن الرُّكوبِ بِالفِعلِ، وعبَّرَ عن الزِّينة بالاسمِ المصدر المنصوب، فَبِمَ يُعلِّلُ النَّحاة ذلك؟
وإنَّ الزِّينةَ مَفعُولٌ لأجلِهِ، من الفِعلِ فِي الآيةِ السابقةِ علَى هذِهِ الآيةِ: (والأنعامَ خلَقَهَا لَكُم فيها دِفءٌ ومَنافِعُ ومِنهَا تَأكُلُونَ)، فقد اتَّحَدَ المصدرُ مع الفعل (العامل) بالفاعل، ففاعل الخلق والتزيين هو الله-سبحانه- ولذلِكَ استوفى المفعول لأجلِهِ شروط النصب، فَنُصِبَتْ " زينة "، أمَّا الرُّكُوبُ ففاعِلُهُ المخاطَبُونَ، فانتفَى شرطٌ من شروطِ نصبِ المصدرِ أي المفعول لأجلِهِ وهو عدمُ اتحادِهِ مع فعلِهِ بِالفاعِلِ فَجُرَّ باللَّامِ، وهذا هو التَّعليلُ اللَّفظِيُّ لِسِياقِ الكَلامِ.
وللزمخشري محمود بن عمر جار اللهِ (ت538هـ) رأيٌ آخرُ مَفَادُهُ: " فإنْ قُلْتَ: فهَلَّا وَرَدَ المعطوفُ والمعطوفُ علَيهِ مِن سَنَنٍ واحدٍ، قُلْتَ: لأنَّ الرُّكُوبَ فِعلُ المخَاطبِينَ، وأمَّا الزِّينةُ فَفِعلُ الزَّائِن، وهو الخالِق "(10) .
وهناك تأمُّلٌ آخر في الآية الكريمة مردُّه إلى فهم المعنى: الغايةُ مِن خَلقِ الدَّوابِّ هو الرُّكوبُ، وهو يَتجدَّدُ مرَّة بعد مرَّة، ومُتَنَقَلٌ، فَعُبِّرَ عنهُ بِالفِعلِ، وجرَّه بـ " لام التعليل". وأمَّا الزِّينةُ فهي تابِعٌة لأهمَّ الغرضيْنِ وهو الرُّكوبِ، فجعلَها تَبعاً، وعبَّر عنها بالاسمِ الَّذِي يَدلُّ علَى الثُّبُوتِ والدَّوامِ.
وتأمَّل -أيُّها الدَّارِس- قوله (ويَخلُقُ ما لا تَعلَمُونَ) تَجِدُ الإعجازَ نَفسَهُ، فالعَربُ حِينَ نُزُولِ القُرآنِ لم تَعرِفْ غيرَ وسائِلِ النَّقلِ الَّتِي ذُكِرتْ في الآيةِ، وأشارَ بِقولِهِ (ما لا تعلَمُونَ) إشارةً إلَى ما آلَ إلَيهِ العِلمُ الحدِيثُ مِن وسائِطِ نَقلٍ مُتقدِّمةٍ.

تعليق