عِنَايَةُ النُّحاةِ الفائقةِ بالْمَعْنَى
أد. عبد الله أحمد جاد الكريم
أد. عبد الله أحمد جاد الكريم
لقد اعتنى العربُ والنُّحاةُ والعلماءُ العربُ عنايةً فائقةً بالمعنى, ولقد كان المُتحدِّثُون العرب - ولا يزالون - يهتمُّون بالمعنى, وفي هذا الشَّأنِ يقول ابن جني:" إنَّ العربَ كانتْ كما تُعنى بألفاظها فتُصلحها وتُهذِّبها وتُراعيها, وتُلاحظُ أحكامها بالشِّعرِ تارةً وبالخُطَبِ تارةً أُخرى، وبالأسجاعِ التي تَلزمها وتتكلَّفُ استمرارها, فإنَّ المعاني أقوى عندها وأكرم عليها وأفخم قدرًا في نفوسها"(1), فالمعنى هو الذي جعل العرب "تحمل على ألفاظها لمعانيها حتَّى تُفسدَ الإعرابَ لصحَّةِ المعنى"(2), ويُؤكِّدُ ابن جني على ذلك قائلاً:"رأيتُ غَلَبَةَ المعنى لِلَّفظِ وكونَ اللَّفظِ خادمًا للمعنى, مُشيدًا به, وأنَّهُ إنَّما جِيء به له ومن أجلِهِ"(3).
ولقد فطنَ النُّحاةُ إلى هذا الأمر، فالنَّحو" ليسَ مُجرَّدُ قاعدةٍ تُطبَّقُ, بل بَحْثٌ في معاني التَّراكيبِ وأسرارِ حُسنِها وقوتها, وإنْ كان النَّحو ينطلقُ من المباني للوصُولِ إلى المعاني"(4), ولذلك فالنُّحاةُ "دائمًا يسألون حول الوظيفة والمعنى والغرض وفاعلية التركيب في التَّعبيرِ عن المعنى"(5).
وعند دراسةِ النُّحاةِ للجُملةِ العربيَّةِ يرون أنَّ "كُلَّ جُملةٍ صحيحةٍ نحويَّةٍ تُعدُّ جملةٌ مُستقيمةٌ, ولكنَّ الحُكْمَ على هذه الاستقامةِ بالحُسْنِ والكَذِبِ يتعلَّقُ بالمعنى الذي تُفيدُهُ عناصرُ الجُمْلةِ عندما تترابطُ نحويًّا"(6), فالأصلُ أنْ:"يُوضعَ الكلامُ للفائدَةِ, فإذا لم تتحقَّقْ الفائدةُ والمعنى فلا جُملةٌ"(7).
وكما سنرى فإنَّ الذي جعل النُّحاةَ يهتمون بالبنية العميقة للمفردات والتراكيب إيمانُهم بأنَّ "الألفاظَ تَثبتُ لها الفضيلةُ وخلافها في ملائمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشبه ذلك ممَّا لا تعلَّق له بصريح اللفظ"(8), وبالنسبة للجملة فإنَّه يُعتبر المعنى قُطبًا مُهمًّا في دراسة الجملة، وبما أنَّ المعنى كامنٌ في البنية العميقة ومرتبطٌ بها ارتباطًا وثيقًا؛ ولذلك اعتنى النحاة بدراسة البنية العميقة ومحاولة معرفتها ، كما سنشير إلى ذلك فيما بعد.
وأؤكد دائمًا أنَّ النحاة العرب وفي مقدمتهم إمامهم سيبويه قد أولوا (قضية المعنى) عنايةً كبيرةً، ولذلك نجده يعقد لها بابًا يقول فيه:" هذا بابُ اللَّفظِ للمعاني"(9) ؛ لأنَّ اللَّفظَ قد يكون واحدًا وتتعدَّدُ معانيه، ومن كلام العرب "اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى واحدٌ، واتِّفاقُ اللفظين واختلاف المعنيين"(10)، وإنَّ سيبويه في كتابه حاول ربط اللَّفظِ بالمعنى أو الشَّكلِ بالمضمونِ وِفْقَ أحكامٍ لُغويَّةٍ يقتضيها الدَّرسُ النَّحويِّ، وهي ذاتُ أهميَّةٍ بالغةٍ، لارتباطها بالقوالبِ التَّحديدية؛ كالفاعلية والمفعولية والإضافة، وغيرها من الدَّلائلِ الوظيفيَّةِ النَّحويَّةِ. ولقد كان أتباع مدرسة الكوفة يقولون عن سيبويه: إنَّه (عمل كلام العرب على المعاني وخلَّى عن الألفاظ)؛ أي: يهتم بالدلالة وليس بالدَّال، أو بالمعنى الداخلي وليس بالشكل الخارجي (11).
ويقول ابنُ يعيش:"الألفاظُ أدلّةٌ عَلى المَعاني وقوالبُ لها، وإنّما اعتنوا بِها وأصلحوها، لتكونَ أذهَبَ في الدّلالة"(12).
ويقولُ عبد القاهر الجرجاني عن المعنى:"وإذا كان لا يكون في الكَلِم نظمٌ ولا ترتيبٌ إلا بأنْ يُصنع بها هذا الصَّنيعُ ونحوه, وكان ذلك كُلُّه ممَّا لا يرجع منه إلى اللَّفظِ شيءٌ, وممَّا لا يُتصوَّرُ أنْ يكون فيه ومن صفته، بانَ لك أنَّ الأمرَ على ما قُلناهُ، مِنْ أنَّ اللَّفظَ تَبَعٌ للمعنى في النَّظمِ, وأنَّ الكلِم يترتَّبُ في النُّطقِ حسب ترتيب معانيه في النَّفسِ, وأنَّها لو خَلَتْ من معانيها حتَّى تتجرَّدَ أصواتًا وأصداءَ حروفٍ، لما وقع في ضميرٍ ولا هَجَسَ في خاطرٍ أنَّهُ يجبُ فيها ترتيبٌ ونظمٌ, وأنْ يُجعلَ لها أمكنةً ومنازلَ, وأنَّهُ يجبُ النُّطقُ بهذه قبل النُّطقِ بتلك".(13)
... وبعدُ، فإنَّ النحاة العرب قد أيقنوا أنَّ معنى الكلمة لا يتحدَّدُ إلا من خلال استعمالها في اللُّغةِ، وذلك من خلالِ الدُّورِ الذي تُؤدِّيه. ولهذا يُصرِّحُ (فيرث) بأنَّ المعنى لا ينكشفُ إلا من خلالِ تسييقِ الوحدةِ اللُّغوية، أي: وضعَها في سياقاتٍ مُختلفةٍ."(14) وعليه فإنَّ دراسة معاني الكلمة تستدعي تحليلاً للسِّياقاتِ والمواقفِ التي تحتويها(15).
وإنَّ النّظرية اللّغويّةُ العربية تعدُّ نسقاً مكوّناً من المبادئ والقواعدِ النّحويّةِ التي تربطُ الأصواتَ بالمعاني؛ أي: تصلُ بينَ الصّورةِ الصّوتيّة والصّورة الدّلاليّةِ أو المنطقيّة، والمتكلّمُ حينَ يتكلّمُ يصدُرُ عن معرفتِه اللّغويّةِ الفطريّةِ، وينطلقُ لإنتاجِ التّراكيبِ من تمثيليْنِ: تمثيلٍ صوتيّ يعكسُ طريقةَ أداءِ الجملةِ صوتيّاً، وتمثيلٍ دلاليّ يعكسُ المضمونَ الدّلاليّ التي تُفيدُه الجملةُ. والإشكالُ هو معرفةُ الطّريقةِ التي تتمّ بِها دلالةُ الأصواتِ عَلى المَعاني، وطبيعةِ هذه الدّلالةِ وأشكالِها وضوابِطِها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي:
(1) الخصائص (1/237) .
(2) المصدر السابق (2/211) .
(3) المصدر السابق (1/237) .
(4) الأصول؛ لتمام حسان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1972م، (ص349) .
(5) علم اللغة؛ لفهمي حجازي، دار غريب، القاهرة، 1973م،(ص44).
(6) النحو والدلالة؛ لحماسة عبد اللطيف، دار الشروق، ط1، القاهرة، 2000م، ص63.
(7) الأصول؛ لابن السراج (1/63) .
(8) دلائل الإعجاز، لعبد القاهر الجرجاني (ص38) .
(9) الكتاب (1/12) .
(10) المصدر السابق (1/12) .
(11) ينظر : النحو والدلالة، لحماسة عبد اللطيف، (ص40) بتصرف.
(12) شرح الملوكيّ في التّصريف، لابنِ يعيش، تح.د.فخر الدّين قباوة، المكتبة العربية بحلب، سوريا، ط1، 1393هـ/1973م، ص95.
(13) ينظر: دلائل الإعجاز؛ لعبد القاهر الجرجاني، (ص87) .
(14) Semantic fields and lexical structure. A. lehrer. P:174-
(15) ينظر: علم الدلالة ؛ لأحمد مختار عمر( ص70) .
ولقد فطنَ النُّحاةُ إلى هذا الأمر، فالنَّحو" ليسَ مُجرَّدُ قاعدةٍ تُطبَّقُ, بل بَحْثٌ في معاني التَّراكيبِ وأسرارِ حُسنِها وقوتها, وإنْ كان النَّحو ينطلقُ من المباني للوصُولِ إلى المعاني"(4), ولذلك فالنُّحاةُ "دائمًا يسألون حول الوظيفة والمعنى والغرض وفاعلية التركيب في التَّعبيرِ عن المعنى"(5).
وعند دراسةِ النُّحاةِ للجُملةِ العربيَّةِ يرون أنَّ "كُلَّ جُملةٍ صحيحةٍ نحويَّةٍ تُعدُّ جملةٌ مُستقيمةٌ, ولكنَّ الحُكْمَ على هذه الاستقامةِ بالحُسْنِ والكَذِبِ يتعلَّقُ بالمعنى الذي تُفيدُهُ عناصرُ الجُمْلةِ عندما تترابطُ نحويًّا"(6), فالأصلُ أنْ:"يُوضعَ الكلامُ للفائدَةِ, فإذا لم تتحقَّقْ الفائدةُ والمعنى فلا جُملةٌ"(7).
وكما سنرى فإنَّ الذي جعل النُّحاةَ يهتمون بالبنية العميقة للمفردات والتراكيب إيمانُهم بأنَّ "الألفاظَ تَثبتُ لها الفضيلةُ وخلافها في ملائمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشبه ذلك ممَّا لا تعلَّق له بصريح اللفظ"(8), وبالنسبة للجملة فإنَّه يُعتبر المعنى قُطبًا مُهمًّا في دراسة الجملة، وبما أنَّ المعنى كامنٌ في البنية العميقة ومرتبطٌ بها ارتباطًا وثيقًا؛ ولذلك اعتنى النحاة بدراسة البنية العميقة ومحاولة معرفتها ، كما سنشير إلى ذلك فيما بعد.
وأؤكد دائمًا أنَّ النحاة العرب وفي مقدمتهم إمامهم سيبويه قد أولوا (قضية المعنى) عنايةً كبيرةً، ولذلك نجده يعقد لها بابًا يقول فيه:" هذا بابُ اللَّفظِ للمعاني"(9) ؛ لأنَّ اللَّفظَ قد يكون واحدًا وتتعدَّدُ معانيه، ومن كلام العرب "اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى واحدٌ، واتِّفاقُ اللفظين واختلاف المعنيين"(10)، وإنَّ سيبويه في كتابه حاول ربط اللَّفظِ بالمعنى أو الشَّكلِ بالمضمونِ وِفْقَ أحكامٍ لُغويَّةٍ يقتضيها الدَّرسُ النَّحويِّ، وهي ذاتُ أهميَّةٍ بالغةٍ، لارتباطها بالقوالبِ التَّحديدية؛ كالفاعلية والمفعولية والإضافة، وغيرها من الدَّلائلِ الوظيفيَّةِ النَّحويَّةِ. ولقد كان أتباع مدرسة الكوفة يقولون عن سيبويه: إنَّه (عمل كلام العرب على المعاني وخلَّى عن الألفاظ)؛ أي: يهتم بالدلالة وليس بالدَّال، أو بالمعنى الداخلي وليس بالشكل الخارجي (11).
ويقول ابنُ يعيش:"الألفاظُ أدلّةٌ عَلى المَعاني وقوالبُ لها، وإنّما اعتنوا بِها وأصلحوها، لتكونَ أذهَبَ في الدّلالة"(12).
ويقولُ عبد القاهر الجرجاني عن المعنى:"وإذا كان لا يكون في الكَلِم نظمٌ ولا ترتيبٌ إلا بأنْ يُصنع بها هذا الصَّنيعُ ونحوه, وكان ذلك كُلُّه ممَّا لا يرجع منه إلى اللَّفظِ شيءٌ, وممَّا لا يُتصوَّرُ أنْ يكون فيه ومن صفته، بانَ لك أنَّ الأمرَ على ما قُلناهُ، مِنْ أنَّ اللَّفظَ تَبَعٌ للمعنى في النَّظمِ, وأنَّ الكلِم يترتَّبُ في النُّطقِ حسب ترتيب معانيه في النَّفسِ, وأنَّها لو خَلَتْ من معانيها حتَّى تتجرَّدَ أصواتًا وأصداءَ حروفٍ، لما وقع في ضميرٍ ولا هَجَسَ في خاطرٍ أنَّهُ يجبُ فيها ترتيبٌ ونظمٌ, وأنْ يُجعلَ لها أمكنةً ومنازلَ, وأنَّهُ يجبُ النُّطقُ بهذه قبل النُّطقِ بتلك".(13)
... وبعدُ، فإنَّ النحاة العرب قد أيقنوا أنَّ معنى الكلمة لا يتحدَّدُ إلا من خلال استعمالها في اللُّغةِ، وذلك من خلالِ الدُّورِ الذي تُؤدِّيه. ولهذا يُصرِّحُ (فيرث) بأنَّ المعنى لا ينكشفُ إلا من خلالِ تسييقِ الوحدةِ اللُّغوية، أي: وضعَها في سياقاتٍ مُختلفةٍ."(14) وعليه فإنَّ دراسة معاني الكلمة تستدعي تحليلاً للسِّياقاتِ والمواقفِ التي تحتويها(15).
وإنَّ النّظرية اللّغويّةُ العربية تعدُّ نسقاً مكوّناً من المبادئ والقواعدِ النّحويّةِ التي تربطُ الأصواتَ بالمعاني؛ أي: تصلُ بينَ الصّورةِ الصّوتيّة والصّورة الدّلاليّةِ أو المنطقيّة، والمتكلّمُ حينَ يتكلّمُ يصدُرُ عن معرفتِه اللّغويّةِ الفطريّةِ، وينطلقُ لإنتاجِ التّراكيبِ من تمثيليْنِ: تمثيلٍ صوتيّ يعكسُ طريقةَ أداءِ الجملةِ صوتيّاً، وتمثيلٍ دلاليّ يعكسُ المضمونَ الدّلاليّ التي تُفيدُه الجملةُ. والإشكالُ هو معرفةُ الطّريقةِ التي تتمّ بِها دلالةُ الأصواتِ عَلى المَعاني، وطبيعةِ هذه الدّلالةِ وأشكالِها وضوابِطِها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي:
(1) الخصائص (1/237) .
(2) المصدر السابق (2/211) .
(3) المصدر السابق (1/237) .
(4) الأصول؛ لتمام حسان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1972م، (ص349) .
(5) علم اللغة؛ لفهمي حجازي، دار غريب، القاهرة، 1973م،(ص44).
(6) النحو والدلالة؛ لحماسة عبد اللطيف، دار الشروق، ط1، القاهرة، 2000م، ص63.
(7) الأصول؛ لابن السراج (1/63) .
(8) دلائل الإعجاز، لعبد القاهر الجرجاني (ص38) .
(9) الكتاب (1/12) .
(10) المصدر السابق (1/12) .
(11) ينظر : النحو والدلالة، لحماسة عبد اللطيف، (ص40) بتصرف.
(12) شرح الملوكيّ في التّصريف، لابنِ يعيش، تح.د.فخر الدّين قباوة، المكتبة العربية بحلب، سوريا، ط1، 1393هـ/1973م، ص95.
(13) ينظر: دلائل الإعجاز؛ لعبد القاهر الجرجاني، (ص87) .
(14) Semantic fields and lexical structure. A. lehrer. P:174-
(15) ينظر: علم الدلالة ؛ لأحمد مختار عمر( ص70) .
