القَسَمُ فِي مَعانِي القُرآنِ لِلفَرَّاءِ (ت207هـ)
دِراسَةٌ نَحويَّةٌ
بقلم الدكتور سعد الدين إبراهيم المصطفى
مُلخَّصُ البَحثِ
يَتحدَّثُ هذا البَحثُ عن القَسَمِ في( معاني القرآن) لِلفرَّاء (ت207هـ)، ويَحسُنُ الحديث عنه عِندَ النَّحوِيينَ أَوَّلاً، كَسِيبويهِ (ت180هـ)، وأبي العبَّاس المبرِّد (ت285هـ)، وابن السَّرَّاجِ (ت 316هـ)، والزَّمخشريِّ (ت 539هـ)، وابنِ هشامٍ (ت 761هـ)، فالفرَّاءُ إمامٌ من أئِمةِ الكوفِيينَ، وكان أحياناً يُخالِفُ شَيخَه الكِسائِي (ت 189 هـ) في بعضِ الآراءِ النَّحوِيَّة، وفي وُجُوهِ القِراءاتِ الَّتي ساقَها، ولم يَكُنْ موافقاً مَنْ سَبَقُوهُ في بعض مَسائِلِ النَّحو والتَّصريفِ وهذا ما سعى البحثُ لبيانِهِ وشرحِهِ، فهو يُقدِّم رأيَهُ في بعضِ المسائِلِ مُعلِّلاً وشارِحاً بصورةٍ علميَّة، وسُرعانَ ما يَأتِي بالأدلَّةِ التفصِيليَّةِ على مسائِلِهِ.
ومن المُهمِّ فِي هذا البحثِ إثباتُ آراء الفرَّاء بِتَفصيلٍ ودقَّةٍ في المواضِعِ الَّتي جاءَ فيها القَسَم، وبيانُ أشكالِ القَسَمِ في القُرآنِ وحروفِهِ وأنواعِهِ والطُّرقِ الَّتي جاءَ بها، ومِن ثَمَّ النَّظرُ فِي أَدلَّتِهِ التي جاءَ بِها مِن كَلامِ العَربِ، فهو يَذكُرُ آراءَ النُّحاة وهِيَ مُتعدِّدةُ الشَّرحِ والتوجيهِ، توزَّعَتْ علَى القُرآنِ والشِّعرِ والشواهِدِ النثريَّةِ، وهِيَ في مُجمَلِها تَدلُّ علَى سَعةٍ في الفَهمِ ومُرونةٍ فِي الرَّأي وتَفرُّدٍ في القَولِ، ما يَجعلُنا نُقِرُّ بأنَّ هذا النَّحويَّ مُتميُّزٌ بَينَ أقرانِهِ فِي زَمانِهِ، لِمَ لا وهُو رَأسُ مَدرسةِ الكُوفة بَعدَ شَيخِهِ الكِسائِيِّ.
أهداف البحث
1- تَوصِيفُ الفرَّاء بِتَتبُّعِ الآراءِ النَّحويَّةِ، وبَيانُ الأوجُهِ المتعدَّدةِ مِن تَعدُّدِ الرِّوايات، ثُمَّ بَعدَ ذلِكَ يُقدِّمُ رأيَهُ واضِحاً بِأدلَّةٍ دامِغة.
2- إبرازُ أهميةِ تَحريرِ المسألةِ النَّحويَّةِ، وكَيفَ يُقدِّمُ النُّحاةُ آراءَهُم، وكَيفَ يُناقِشُونَها، مَعَ ذِكرِ القَاعِدةِ النَّحويَّةِ، وما يُخالِفُها أيضاً.
3- إثباتُ الرأيِّ النَّحويِّ الصَّحِيحِ مِن وُجهةِ نَظَرِهِ، فلَمْ يَمنعْهُ مَذهَبُهُ الكوفيُّ من مُخالفةِ أَصحابِهِ أحياناً، كَما لمْ يَمنَعْهُ خِلافُهُ مَعَ أئِمةِ البَصرِيينَ مِن الوُقُوفِ مَعَهُم فِي مَسائِلَ رَأَى حُجَجَهُم فِيها أَبيَنَ وأَوضَحَ.
4- إثباتُ عِلمِهِ الواسِعِ فِي الُّلغةِ والنَّحوِ والشِّعرِ والقِراءاتِ وتَدقِيقُ النَّظرِ فِيهَا، وتَقدِيمُ الرَّأي الصَّحيحِ.
منهج البحث
سَلَكْتُ في هذا البحثِ مَنهَجَيْنِ:
1- المنهجَ الوصفِيَّ: عَمَدْتُ فيهِ إلَى جَمعِ المادَّةِ العلميَّةِ وتَفسِيرِها وتَحلِيلِها، وتَفصِيلِ الآراءِ النَّحويَّة فيها.
2- المَنهجَ التَّارِيخيَّ: ذَكَرْتُ فِيهِ آراءَ الفرَّاءِ وآراءَ النُّحاةِ القُدماءِ و بَعضِ المُحدَثِينَ عن أُسلُوبِ القَسَمِ، وحَدَّدْتُ زَمانَهُ في القرنِينِ الأوَّل والثَّانِي الهِجريِّين وما تَلاهُما، كما ذَكرْتُ آراءَ النُّحاةِ بِحَسَبِ وَفَيَاتِهِم، وبِحسَبِ انتِماءاتِهِم النَّحويَّةِ، لِلوصُولِ إلَى فوائِدَ مُستنبَطةٍ منها، وشَرحِ معانِيها وبيانِ مبانِيها أحياناً.
خُطَّةُ البَحثِ
قَسَمْتُ البَحثَ إلَى :
1- مقدمة : تحدَّثْتُ فِيها عنِ أُسلُوبِ القَسَمِ عِندَ النَّحويينَ، ودِراسةٍ عن مَواضِعِ وُرُودِهِ فِي كتابِ معانِي القُرآن للفرَّاء (ت 207هـ)، وبيَّنْتُ قِيمةَ البَحثِ، وأَهدافَهُ، ومَنهَجَهُ.
2- المَوضُوعُ: فِيهِ ثَلاثَةُ مَبَاحِثَ، بَسَطْتُ فِي الأوَّلِ القَولَ عنِ مُكوِّناتِ القَسَمِ وفائِدتِهِ وأدواتِهِ، ثُمَّ عَرَضْتُ في المَبحَثِ الثَّانِي مسائِلَ مُهمَّة عن القَسَمِ وجَوابِ القَسَمِ. وفي المبحثِ الثَّالِثِ تَحدَّثْتُ عن مسائِلَ أخرى من القسَمِ التي تَعرَّضَ لها الفرَّاء، وأنواع القسَمِ ومعالجَتِهِ لهذا الأسلوبِ وآراء مَنْ تَقَدَّمَهُ فِيها.
3- الخاتمة وأهم ُّ النتائِجِ
خَتَمْتُ البَحثَ بخاتمة بيَّنْتُ فِيها مُكَوِّناتِ القَسَمِ وأهميتِهِ وجُملَةَ القَسَمِ وجَوابَهُ وطَريقة الدِّراسَةِ الَّتِي تَمَّتْ فِي مَعَانِي القُرآنِ وأهمِيتَها، وَبعدَ ذلِكَ ذَكَرْتُ أَهمَّ النَّتائِجِ.
المَبحَثُ الأوَّلُ
مقدمة:
الحمدُ للهِ ربِّ العالمِينَ وأفضلُ الصَّلاةِ وأتمُّ التَّسلِيمِ على المبعُوثِ رحمة للعالَمِينَ سيِّدنا محمَّدٍ وعلَى آلِهِ وصَحبِهِ أجمعينَ، وبعد:
القَسَمُ مِنَ الأَسالِيبِ النَّحويَّةِ الَّتي وَرَدَتْ في لُغةِ العربِ، كما أنَّهُ ذُكِرَ فِي كُتُبِ النُّحاةِ كَثيراً قَدِيماً وحدِيثاً، وكَانَ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العِنايةِ والاهتِمامِ عِندَهُم، فَهُوَ مِنَ الأَساليبِ الخَبرِيَّةِ الَّتي تُفِيدُ التوَّكِيدَ والتَّبيينَ، ويَأتِي مُفَصِّلاً ومُؤكِّداً أَيضاً.
فَفِيهِ جُملَتا القَسَمِ وجَوابُ القَسَمِ الَّلتانِ تَتَنزَّلانِ مَنزلةَ الجُملَةِ الواحِدةِ فِي السَّبكِ والكَلامِ، فَحُصُولُ الأوَّلِ سَبَبٌ لِحصُولِ الثَّانِي، فَالتَّرابُطُ بَينَهُما مَعنَوِيٌّ لا يَنفَصِلُ، والقَسَمُ خَبريٌّ يحتَمِلُ الصِّدقَ أو الكَذِبَ، والغَرضُ من القَسَمِ هُوَ تَوكِيدُ ما يُقسَمُ علَيهِ من نفيٍ أو إثباتٍ، وإظهارُ قِيمةِ الترَّكيبِ الَّذِي يشتَمِلُ على القسَمِ، وبيانُ أَثَرهِ في بِناءِ الجُملةِ العَربيَّةِ. وهُوَ يَشتَمِلُ علَى الجُملةِ الاسمِيَّةِ والجُملَةِ الفِعلِيَّة علَى حدٍّ سَواء.
وجاءَتْ هذِهِ الدِّراسةُ علَى مَواضعِ القَسَمِ الَّتِي ذُكِرَت فِي مَعانِي القُرآنِ للفرَّاء (ت207هـ) ، وهو رأس مدرسة الكوفةِ في زمانِهِ بعدَ شَيخِهِ الكِسائِيِّ (ت189هـ)، فهذا السِّفْرُ العَظِيمُ يَستَحقُّ منَّا التَّأَمُّلَ والدَّرسَ، وهو يُعنَى بِما يُشكِلُ في القُرآنِ، ويَحتاجُ إلَى التَّأمُّلِ فِي فَهمِهِ، فهوَ يَحوي أُصُولاً فِي الُّلغةِ والنَّحوِ والشِّعرِ والأَدبِ والقِراءاتِ، كيفَ لا ؟ ! ومؤلِّفُهُ بحرٌ في اللغةِ، ونَسيجُ عَصرِهِ فِي النَّحو، وأستاذٌ عَرَفَ أُصُولَ العِلمِ وفُرُوعَهُ، وخَبِيرٌ بِالطِّبِّ، وبأيَّامِ العَربِ وأَشعارِها.
وَصْفُ كتابِ معانِي القرآنِ:
يُعَدُّ كِتابُ (معاني القرآن) لِلفرَّاء دِراسَةً مُكمِلةً مِنَ النَّاحِيةِ اللغويَّةِ لِكِتابِ (مجاز القرآن) لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت210هـ)، لأنَّهُ يَبحثُ فِي التراكِيبِ والإعرابِ، وكتاب (المجاز) فِي الغَريبِ والمجازِ، وكِلتا الدِّراسَتَيْنِ مُتَعلِّقتانِ بِالأُسلُوبِ، واختَلَفَتْ دِراسةُ الفَرَّاءِ هنا عن دراسةِ أبي عُبيدة.
ولم يَكُنْ مَعانِي القُرآنِ أوَّلَ اسمٍ أُطلِقَ علَى كتابٍ فِي دِراساتٍ مِن هذا النَّوعِ، كَمَا كَانَ المجازُ مَثلاً. وقد اهتَم َّكِثيرٌ مِن النَّحويينَ والُّلغويينَ فِي القُرُونِ الثَّلاثةِ الأُولَى لِلهِجرةِ بِوضعِ كَثيرٍ مِن الكُتُبِ تَحتَ اسمِ (معاني القرآن)، ومن هؤلاء: الكسائيُّ (ت189هـ)، والنَّضْرِ بنُ شُميل (ت203هـ)، وقطرب (ت206هـ)، والأخفش (ت215هـ). وأينَما ذَكَرَ أَصحَابُ التَّفسِيرِ أَصحابَ المَعانِي فإنَّما يَقصِدُونَ هؤلاءِ.
ويَغلُبُ علَى الكِتابِ الطابعُ النَّحويِّ، فكثيراً ما نَراهُ يَقِفُ لِيُوَضِّحَ الجَانِبَ النَّحويَّ، والإعرابَ، ويَنتهِي إلَى النَّظريَّةِ العامَّة، فيُبيِّنُ قَواعِدَها وأُصولهَا، وأدلَّتَها وأسبابَها ومُسبِّباتِها.
ويَهتَمُّ الفَرَّاءُ بِالقِراءاتِ فيَعرضُ لها فِي الآيةِ مُبَيَّناً وُجهةَ نَظَرِ كُلِّ قارِئٍ مُفسِّراً قِراءَتَهُ، وقد تَتَعدَّدُ القِراءاتُ وتتعدَّدُ آراءُ المُفسرِينَ، فيُفاضِلُ بين آرائِهِم مُختاراً ما يَراهُ قريباً مِن الصَّوابِ، وقد يَرَى أنَّ النَّسَقَ فِي الآيةِ يُوجِبُ التَّرجِيحَ لِقِراءةٍ ما، أو التَّصحيحَ لِلَفظٍ مُعيَّنٍ. ويَتَّبِعُ فِي تَفسِيرِ الغَريبِ قاعِدةً واحِدةً، هِيَ الَّتي اتَّبعَها أَبُو عُبيدَةَ مِن قَبلُ، تِلكَ هِيَ شَرحُ الآيةِ بِالآيةِ، ثُمَّ بِالحديثِ إذا تَسَنَّى ذلِكَ، ثُمَّ بِالشَّاهِدِ الشِّعرِيِّ، أوِ المَثَلِ، أوِ الكَلامِ الفَصِيحِ.
دِراسَةٌ نَحويَّةٌ
بقلم الدكتور سعد الدين إبراهيم المصطفى
مُلخَّصُ البَحثِ
يَتحدَّثُ هذا البَحثُ عن القَسَمِ في( معاني القرآن) لِلفرَّاء (ت207هـ)، ويَحسُنُ الحديث عنه عِندَ النَّحوِيينَ أَوَّلاً، كَسِيبويهِ (ت180هـ)، وأبي العبَّاس المبرِّد (ت285هـ)، وابن السَّرَّاجِ (ت 316هـ)، والزَّمخشريِّ (ت 539هـ)، وابنِ هشامٍ (ت 761هـ)، فالفرَّاءُ إمامٌ من أئِمةِ الكوفِيينَ، وكان أحياناً يُخالِفُ شَيخَه الكِسائِي (ت 189 هـ) في بعضِ الآراءِ النَّحوِيَّة، وفي وُجُوهِ القِراءاتِ الَّتي ساقَها، ولم يَكُنْ موافقاً مَنْ سَبَقُوهُ في بعض مَسائِلِ النَّحو والتَّصريفِ وهذا ما سعى البحثُ لبيانِهِ وشرحِهِ، فهو يُقدِّم رأيَهُ في بعضِ المسائِلِ مُعلِّلاً وشارِحاً بصورةٍ علميَّة، وسُرعانَ ما يَأتِي بالأدلَّةِ التفصِيليَّةِ على مسائِلِهِ.
ومن المُهمِّ فِي هذا البحثِ إثباتُ آراء الفرَّاء بِتَفصيلٍ ودقَّةٍ في المواضِعِ الَّتي جاءَ فيها القَسَم، وبيانُ أشكالِ القَسَمِ في القُرآنِ وحروفِهِ وأنواعِهِ والطُّرقِ الَّتي جاءَ بها، ومِن ثَمَّ النَّظرُ فِي أَدلَّتِهِ التي جاءَ بِها مِن كَلامِ العَربِ، فهو يَذكُرُ آراءَ النُّحاة وهِيَ مُتعدِّدةُ الشَّرحِ والتوجيهِ، توزَّعَتْ علَى القُرآنِ والشِّعرِ والشواهِدِ النثريَّةِ، وهِيَ في مُجمَلِها تَدلُّ علَى سَعةٍ في الفَهمِ ومُرونةٍ فِي الرَّأي وتَفرُّدٍ في القَولِ، ما يَجعلُنا نُقِرُّ بأنَّ هذا النَّحويَّ مُتميُّزٌ بَينَ أقرانِهِ فِي زَمانِهِ، لِمَ لا وهُو رَأسُ مَدرسةِ الكُوفة بَعدَ شَيخِهِ الكِسائِيِّ.
أهداف البحث
1- تَوصِيفُ الفرَّاء بِتَتبُّعِ الآراءِ النَّحويَّةِ، وبَيانُ الأوجُهِ المتعدَّدةِ مِن تَعدُّدِ الرِّوايات، ثُمَّ بَعدَ ذلِكَ يُقدِّمُ رأيَهُ واضِحاً بِأدلَّةٍ دامِغة.
2- إبرازُ أهميةِ تَحريرِ المسألةِ النَّحويَّةِ، وكَيفَ يُقدِّمُ النُّحاةُ آراءَهُم، وكَيفَ يُناقِشُونَها، مَعَ ذِكرِ القَاعِدةِ النَّحويَّةِ، وما يُخالِفُها أيضاً.
3- إثباتُ الرأيِّ النَّحويِّ الصَّحِيحِ مِن وُجهةِ نَظَرِهِ، فلَمْ يَمنعْهُ مَذهَبُهُ الكوفيُّ من مُخالفةِ أَصحابِهِ أحياناً، كَما لمْ يَمنَعْهُ خِلافُهُ مَعَ أئِمةِ البَصرِيينَ مِن الوُقُوفِ مَعَهُم فِي مَسائِلَ رَأَى حُجَجَهُم فِيها أَبيَنَ وأَوضَحَ.
4- إثباتُ عِلمِهِ الواسِعِ فِي الُّلغةِ والنَّحوِ والشِّعرِ والقِراءاتِ وتَدقِيقُ النَّظرِ فِيهَا، وتَقدِيمُ الرَّأي الصَّحيحِ.
منهج البحث
سَلَكْتُ في هذا البحثِ مَنهَجَيْنِ:
1- المنهجَ الوصفِيَّ: عَمَدْتُ فيهِ إلَى جَمعِ المادَّةِ العلميَّةِ وتَفسِيرِها وتَحلِيلِها، وتَفصِيلِ الآراءِ النَّحويَّة فيها.
2- المَنهجَ التَّارِيخيَّ: ذَكَرْتُ فِيهِ آراءَ الفرَّاءِ وآراءَ النُّحاةِ القُدماءِ و بَعضِ المُحدَثِينَ عن أُسلُوبِ القَسَمِ، وحَدَّدْتُ زَمانَهُ في القرنِينِ الأوَّل والثَّانِي الهِجريِّين وما تَلاهُما، كما ذَكرْتُ آراءَ النُّحاةِ بِحَسَبِ وَفَيَاتِهِم، وبِحسَبِ انتِماءاتِهِم النَّحويَّةِ، لِلوصُولِ إلَى فوائِدَ مُستنبَطةٍ منها، وشَرحِ معانِيها وبيانِ مبانِيها أحياناً.
خُطَّةُ البَحثِ
قَسَمْتُ البَحثَ إلَى :
1- مقدمة : تحدَّثْتُ فِيها عنِ أُسلُوبِ القَسَمِ عِندَ النَّحويينَ، ودِراسةٍ عن مَواضِعِ وُرُودِهِ فِي كتابِ معانِي القُرآن للفرَّاء (ت 207هـ)، وبيَّنْتُ قِيمةَ البَحثِ، وأَهدافَهُ، ومَنهَجَهُ.
2- المَوضُوعُ: فِيهِ ثَلاثَةُ مَبَاحِثَ، بَسَطْتُ فِي الأوَّلِ القَولَ عنِ مُكوِّناتِ القَسَمِ وفائِدتِهِ وأدواتِهِ، ثُمَّ عَرَضْتُ في المَبحَثِ الثَّانِي مسائِلَ مُهمَّة عن القَسَمِ وجَوابِ القَسَمِ. وفي المبحثِ الثَّالِثِ تَحدَّثْتُ عن مسائِلَ أخرى من القسَمِ التي تَعرَّضَ لها الفرَّاء، وأنواع القسَمِ ومعالجَتِهِ لهذا الأسلوبِ وآراء مَنْ تَقَدَّمَهُ فِيها.
3- الخاتمة وأهم ُّ النتائِجِ
خَتَمْتُ البَحثَ بخاتمة بيَّنْتُ فِيها مُكَوِّناتِ القَسَمِ وأهميتِهِ وجُملَةَ القَسَمِ وجَوابَهُ وطَريقة الدِّراسَةِ الَّتِي تَمَّتْ فِي مَعَانِي القُرآنِ وأهمِيتَها، وَبعدَ ذلِكَ ذَكَرْتُ أَهمَّ النَّتائِجِ.
المَبحَثُ الأوَّلُ
مقدمة:
الحمدُ للهِ ربِّ العالمِينَ وأفضلُ الصَّلاةِ وأتمُّ التَّسلِيمِ على المبعُوثِ رحمة للعالَمِينَ سيِّدنا محمَّدٍ وعلَى آلِهِ وصَحبِهِ أجمعينَ، وبعد:
القَسَمُ مِنَ الأَسالِيبِ النَّحويَّةِ الَّتي وَرَدَتْ في لُغةِ العربِ، كما أنَّهُ ذُكِرَ فِي كُتُبِ النُّحاةِ كَثيراً قَدِيماً وحدِيثاً، وكَانَ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العِنايةِ والاهتِمامِ عِندَهُم، فَهُوَ مِنَ الأَساليبِ الخَبرِيَّةِ الَّتي تُفِيدُ التوَّكِيدَ والتَّبيينَ، ويَأتِي مُفَصِّلاً ومُؤكِّداً أَيضاً.
فَفِيهِ جُملَتا القَسَمِ وجَوابُ القَسَمِ الَّلتانِ تَتَنزَّلانِ مَنزلةَ الجُملَةِ الواحِدةِ فِي السَّبكِ والكَلامِ، فَحُصُولُ الأوَّلِ سَبَبٌ لِحصُولِ الثَّانِي، فَالتَّرابُطُ بَينَهُما مَعنَوِيٌّ لا يَنفَصِلُ، والقَسَمُ خَبريٌّ يحتَمِلُ الصِّدقَ أو الكَذِبَ، والغَرضُ من القَسَمِ هُوَ تَوكِيدُ ما يُقسَمُ علَيهِ من نفيٍ أو إثباتٍ، وإظهارُ قِيمةِ الترَّكيبِ الَّذِي يشتَمِلُ على القسَمِ، وبيانُ أَثَرهِ في بِناءِ الجُملةِ العَربيَّةِ. وهُوَ يَشتَمِلُ علَى الجُملةِ الاسمِيَّةِ والجُملَةِ الفِعلِيَّة علَى حدٍّ سَواء.
وجاءَتْ هذِهِ الدِّراسةُ علَى مَواضعِ القَسَمِ الَّتِي ذُكِرَت فِي مَعانِي القُرآنِ للفرَّاء (ت207هـ) ، وهو رأس مدرسة الكوفةِ في زمانِهِ بعدَ شَيخِهِ الكِسائِيِّ (ت189هـ)، فهذا السِّفْرُ العَظِيمُ يَستَحقُّ منَّا التَّأَمُّلَ والدَّرسَ، وهو يُعنَى بِما يُشكِلُ في القُرآنِ، ويَحتاجُ إلَى التَّأمُّلِ فِي فَهمِهِ، فهوَ يَحوي أُصُولاً فِي الُّلغةِ والنَّحوِ والشِّعرِ والأَدبِ والقِراءاتِ، كيفَ لا ؟ ! ومؤلِّفُهُ بحرٌ في اللغةِ، ونَسيجُ عَصرِهِ فِي النَّحو، وأستاذٌ عَرَفَ أُصُولَ العِلمِ وفُرُوعَهُ، وخَبِيرٌ بِالطِّبِّ، وبأيَّامِ العَربِ وأَشعارِها.
وَصْفُ كتابِ معانِي القرآنِ:
يُعَدُّ كِتابُ (معاني القرآن) لِلفرَّاء دِراسَةً مُكمِلةً مِنَ النَّاحِيةِ اللغويَّةِ لِكِتابِ (مجاز القرآن) لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت210هـ)، لأنَّهُ يَبحثُ فِي التراكِيبِ والإعرابِ، وكتاب (المجاز) فِي الغَريبِ والمجازِ، وكِلتا الدِّراسَتَيْنِ مُتَعلِّقتانِ بِالأُسلُوبِ، واختَلَفَتْ دِراسةُ الفَرَّاءِ هنا عن دراسةِ أبي عُبيدة.
ولم يَكُنْ مَعانِي القُرآنِ أوَّلَ اسمٍ أُطلِقَ علَى كتابٍ فِي دِراساتٍ مِن هذا النَّوعِ، كَمَا كَانَ المجازُ مَثلاً. وقد اهتَم َّكِثيرٌ مِن النَّحويينَ والُّلغويينَ فِي القُرُونِ الثَّلاثةِ الأُولَى لِلهِجرةِ بِوضعِ كَثيرٍ مِن الكُتُبِ تَحتَ اسمِ (معاني القرآن)، ومن هؤلاء: الكسائيُّ (ت189هـ)، والنَّضْرِ بنُ شُميل (ت203هـ)، وقطرب (ت206هـ)، والأخفش (ت215هـ). وأينَما ذَكَرَ أَصحَابُ التَّفسِيرِ أَصحابَ المَعانِي فإنَّما يَقصِدُونَ هؤلاءِ.
ويَغلُبُ علَى الكِتابِ الطابعُ النَّحويِّ، فكثيراً ما نَراهُ يَقِفُ لِيُوَضِّحَ الجَانِبَ النَّحويَّ، والإعرابَ، ويَنتهِي إلَى النَّظريَّةِ العامَّة، فيُبيِّنُ قَواعِدَها وأُصولهَا، وأدلَّتَها وأسبابَها ومُسبِّباتِها.
ويَهتَمُّ الفَرَّاءُ بِالقِراءاتِ فيَعرضُ لها فِي الآيةِ مُبَيَّناً وُجهةَ نَظَرِ كُلِّ قارِئٍ مُفسِّراً قِراءَتَهُ، وقد تَتَعدَّدُ القِراءاتُ وتتعدَّدُ آراءُ المُفسرِينَ، فيُفاضِلُ بين آرائِهِم مُختاراً ما يَراهُ قريباً مِن الصَّوابِ، وقد يَرَى أنَّ النَّسَقَ فِي الآيةِ يُوجِبُ التَّرجِيحَ لِقِراءةٍ ما، أو التَّصحيحَ لِلَفظٍ مُعيَّنٍ. ويَتَّبِعُ فِي تَفسِيرِ الغَريبِ قاعِدةً واحِدةً، هِيَ الَّتي اتَّبعَها أَبُو عُبيدَةَ مِن قَبلُ، تِلكَ هِيَ شَرحُ الآيةِ بِالآيةِ، ثُمَّ بِالحديثِ إذا تَسَنَّى ذلِكَ، ثُمَّ بِالشَّاهِدِ الشِّعرِيِّ، أوِ المَثَلِ، أوِ الكَلامِ الفَصِيحِ.

تعليق