القَسَمُ فِي مَعانِي القُرآنِ لِلفَرَّاءِ (ت207هـ)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    القَسَمُ فِي مَعانِي القُرآنِ لِلفَرَّاءِ (ت207هـ)

    القَسَمُ فِي مَعانِي القُرآنِ لِلفَرَّاءِ (ت207هـ)
    دِراسَةٌ نَحويَّةٌ
    بقلم الدكتور سعد الدين إبراهيم المصطفى

    مُلخَّصُ البَحثِ
    يَتحدَّثُ هذا البَحثُ عن القَسَمِ في( معاني القرآن) لِلفرَّاء (ت207هـ)، ويَحسُنُ الحديث عنه عِندَ النَّحوِيينَ أَوَّلاً، كَسِيبويهِ (ت180هـ)، وأبي العبَّاس المبرِّد (ت285هـ)، وابن السَّرَّاجِ (ت 316هـ)، والزَّمخشريِّ (ت 539هـ)، وابنِ هشامٍ (ت 761هـ)، فالفرَّاءُ إمامٌ من أئِمةِ الكوفِيينَ، وكان أحياناً يُخالِفُ شَيخَه الكِسائِي (ت 189 هـ) في بعضِ الآراءِ النَّحوِيَّة، وفي وُجُوهِ القِراءاتِ الَّتي ساقَها، ولم يَكُنْ موافقاً مَنْ سَبَقُوهُ في بعض مَسائِلِ النَّحو والتَّصريفِ وهذا ما سعى البحثُ لبيانِهِ وشرحِهِ، فهو يُقدِّم رأيَهُ في بعضِ المسائِلِ مُعلِّلاً وشارِحاً بصورةٍ علميَّة، وسُرعانَ ما يَأتِي بالأدلَّةِ التفصِيليَّةِ على مسائِلِهِ.
    ومن المُهمِّ فِي هذا البحثِ إثباتُ آراء الفرَّاء بِتَفصيلٍ ودقَّةٍ في المواضِعِ الَّتي جاءَ فيها القَسَم، وبيانُ أشكالِ القَسَمِ في القُرآنِ وحروفِهِ وأنواعِهِ والطُّرقِ الَّتي جاءَ بها، ومِن ثَمَّ النَّظرُ فِي أَدلَّتِهِ التي جاءَ بِها مِن كَلامِ العَربِ، فهو يَذكُرُ آراءَ النُّحاة وهِيَ مُتعدِّدةُ الشَّرحِ والتوجيهِ، توزَّعَتْ علَى القُرآنِ والشِّعرِ والشواهِدِ النثريَّةِ، وهِيَ في مُجمَلِها تَدلُّ علَى سَعةٍ في الفَهمِ ومُرونةٍ فِي الرَّأي وتَفرُّدٍ في القَولِ، ما يَجعلُنا نُقِرُّ بأنَّ هذا النَّحويَّ مُتميُّزٌ بَينَ أقرانِهِ فِي زَمانِهِ، لِمَ لا وهُو رَأسُ مَدرسةِ الكُوفة بَعدَ شَيخِهِ الكِسائِيِّ.

    أهداف البحث
    1- تَوصِيفُ الفرَّاء بِتَتبُّعِ الآراءِ النَّحويَّةِ، وبَيانُ الأوجُهِ المتعدَّدةِ مِن تَعدُّدِ الرِّوايات، ثُمَّ بَعدَ ذلِكَ يُقدِّمُ رأيَهُ واضِحاً بِأدلَّةٍ دامِغة.
    2- إبرازُ أهميةِ تَحريرِ المسألةِ النَّحويَّةِ، وكَيفَ يُقدِّمُ النُّحاةُ آراءَهُم، وكَيفَ يُناقِشُونَها، مَعَ ذِكرِ القَاعِدةِ النَّحويَّةِ، وما يُخالِفُها أيضاً.
    3- إثباتُ الرأيِّ النَّحويِّ الصَّحِيحِ مِن وُجهةِ نَظَرِهِ، فلَمْ يَمنعْهُ مَذهَبُهُ الكوفيُّ من مُخالفةِ أَصحابِهِ أحياناً، كَما لمْ يَمنَعْهُ خِلافُهُ مَعَ أئِمةِ البَصرِيينَ مِن الوُقُوفِ مَعَهُم فِي مَسائِلَ رَأَى حُجَجَهُم فِيها أَبيَنَ وأَوضَحَ.
    4- إثباتُ عِلمِهِ الواسِعِ فِي الُّلغةِ والنَّحوِ والشِّعرِ والقِراءاتِ وتَدقِيقُ النَّظرِ فِيهَا، وتَقدِيمُ الرَّأي الصَّحيحِ.

    منهج البحث
    سَلَكْتُ في هذا البحثِ مَنهَجَيْنِ:
    1- المنهجَ الوصفِيَّ: عَمَدْتُ فيهِ إلَى جَمعِ المادَّةِ العلميَّةِ وتَفسِيرِها وتَحلِيلِها، وتَفصِيلِ الآراءِ النَّحويَّة فيها.
    2- المَنهجَ التَّارِيخيَّ: ذَكَرْتُ فِيهِ آراءَ الفرَّاءِ وآراءَ النُّحاةِ القُدماءِ و بَعضِ المُحدَثِينَ عن أُسلُوبِ القَسَمِ، وحَدَّدْتُ زَمانَهُ في القرنِينِ الأوَّل والثَّانِي الهِجريِّين وما تَلاهُما، كما ذَكرْتُ آراءَ النُّحاةِ بِحَسَبِ وَفَيَاتِهِم، وبِحسَبِ انتِماءاتِهِم النَّحويَّةِ، لِلوصُولِ إلَى فوائِدَ مُستنبَطةٍ منها، وشَرحِ معانِيها وبيانِ مبانِيها أحياناً.
    خُطَّةُ البَحثِ
    قَسَمْتُ البَحثَ إلَى :
    1- مقدمة : تحدَّثْتُ فِيها عنِ أُسلُوبِ القَسَمِ عِندَ النَّحويينَ، ودِراسةٍ عن مَواضِعِ وُرُودِهِ فِي كتابِ معانِي القُرآن للفرَّاء (ت 207هـ)، وبيَّنْتُ قِيمةَ البَحثِ، وأَهدافَهُ، ومَنهَجَهُ.
    2- المَوضُوعُ: فِيهِ ثَلاثَةُ مَبَاحِثَ، بَسَطْتُ فِي الأوَّلِ القَولَ عنِ مُكوِّناتِ القَسَمِ وفائِدتِهِ وأدواتِهِ، ثُمَّ عَرَضْتُ في المَبحَثِ الثَّانِي مسائِلَ مُهمَّة عن القَسَمِ وجَوابِ القَسَمِ. وفي المبحثِ الثَّالِثِ تَحدَّثْتُ عن مسائِلَ أخرى من القسَمِ التي تَعرَّضَ لها الفرَّاء، وأنواع القسَمِ ومعالجَتِهِ لهذا الأسلوبِ وآراء مَنْ تَقَدَّمَهُ فِيها.
    3- الخاتمة وأهم ُّ النتائِجِ
    خَتَمْتُ البَحثَ بخاتمة بيَّنْتُ فِيها مُكَوِّناتِ القَسَمِ وأهميتِهِ وجُملَةَ القَسَمِ وجَوابَهُ وطَريقة الدِّراسَةِ الَّتِي تَمَّتْ فِي مَعَانِي القُرآنِ وأهمِيتَها، وَبعدَ ذلِكَ ذَكَرْتُ أَهمَّ النَّتائِجِ.

    المَبحَثُ الأوَّلُ
    مقدمة:
    الحمدُ للهِ ربِّ العالمِينَ وأفضلُ الصَّلاةِ وأتمُّ التَّسلِيمِ على المبعُوثِ رحمة للعالَمِينَ سيِّدنا محمَّدٍ وعلَى آلِهِ وصَحبِهِ أجمعينَ، وبعد:
    القَسَمُ مِنَ الأَسالِيبِ النَّحويَّةِ الَّتي وَرَدَتْ في لُغةِ العربِ، كما أنَّهُ ذُكِرَ فِي كُتُبِ النُّحاةِ كَثيراً قَدِيماً وحدِيثاً، وكَانَ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العِنايةِ والاهتِمامِ عِندَهُم، فَهُوَ مِنَ الأَساليبِ الخَبرِيَّةِ الَّتي تُفِيدُ التوَّكِيدَ والتَّبيينَ، ويَأتِي مُفَصِّلاً ومُؤكِّداً أَيضاً.
    فَفِيهِ جُملَتا القَسَمِ وجَوابُ القَسَمِ الَّلتانِ تَتَنزَّلانِ مَنزلةَ الجُملَةِ الواحِدةِ فِي السَّبكِ والكَلامِ، فَحُصُولُ الأوَّلِ سَبَبٌ لِحصُولِ الثَّانِي، فَالتَّرابُطُ بَينَهُما مَعنَوِيٌّ لا يَنفَصِلُ، والقَسَمُ خَبريٌّ يحتَمِلُ الصِّدقَ أو الكَذِبَ، والغَرضُ من القَسَمِ هُوَ تَوكِيدُ ما يُقسَمُ علَيهِ من نفيٍ أو إثباتٍ، وإظهارُ قِيمةِ الترَّكيبِ الَّذِي يشتَمِلُ على القسَمِ، وبيانُ أَثَرهِ في بِناءِ الجُملةِ العَربيَّةِ. وهُوَ يَشتَمِلُ علَى الجُملةِ الاسمِيَّةِ والجُملَةِ الفِعلِيَّة علَى حدٍّ سَواء.
    وجاءَتْ هذِهِ الدِّراسةُ علَى مَواضعِ القَسَمِ الَّتِي ذُكِرَت فِي مَعانِي القُرآنِ للفرَّاء (ت207هـ) ، وهو رأس مدرسة الكوفةِ في زمانِهِ بعدَ شَيخِهِ الكِسائِيِّ (ت189هـ)، فهذا السِّفْرُ العَظِيمُ يَستَحقُّ منَّا التَّأَمُّلَ والدَّرسَ، وهو يُعنَى بِما يُشكِلُ في القُرآنِ، ويَحتاجُ إلَى التَّأمُّلِ فِي فَهمِهِ، فهوَ يَحوي أُصُولاً فِي الُّلغةِ والنَّحوِ والشِّعرِ والأَدبِ والقِراءاتِ، كيفَ لا ؟ ! ومؤلِّفُهُ بحرٌ في اللغةِ، ونَسيجُ عَصرِهِ فِي النَّحو، وأستاذٌ عَرَفَ أُصُولَ العِلمِ وفُرُوعَهُ، وخَبِيرٌ بِالطِّبِّ، وبأيَّامِ العَربِ وأَشعارِها.
    وَصْفُ كتابِ معانِي القرآنِ:
    يُعَدُّ كِتابُ (معاني القرآن) لِلفرَّاء دِراسَةً مُكمِلةً مِنَ النَّاحِيةِ اللغويَّةِ لِكِتابِ (مجاز القرآن) لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت210هـ)، لأنَّهُ يَبحثُ فِي التراكِيبِ والإعرابِ، وكتاب (المجاز) فِي الغَريبِ والمجازِ، وكِلتا الدِّراسَتَيْنِ مُتَعلِّقتانِ بِالأُسلُوبِ، واختَلَفَتْ دِراسةُ الفَرَّاءِ هنا عن دراسةِ أبي عُبيدة.
    ولم يَكُنْ مَعانِي القُرآنِ أوَّلَ اسمٍ أُطلِقَ علَى كتابٍ فِي دِراساتٍ مِن هذا النَّوعِ، كَمَا كَانَ المجازُ مَثلاً. وقد اهتَم َّكِثيرٌ مِن النَّحويينَ والُّلغويينَ فِي القُرُونِ الثَّلاثةِ الأُولَى لِلهِجرةِ بِوضعِ كَثيرٍ مِن الكُتُبِ تَحتَ اسمِ (معاني القرآن)، ومن هؤلاء: الكسائيُّ (ت189هـ)، والنَّضْرِ بنُ شُميل (ت203هـ)، وقطرب (ت206هـ)، والأخفش (ت215هـ). وأينَما ذَكَرَ أَصحَابُ التَّفسِيرِ أَصحابَ المَعانِي فإنَّما يَقصِدُونَ هؤلاءِ.‏
    ويَغلُبُ علَى الكِتابِ الطابعُ النَّحويِّ، فكثيراً ما نَراهُ يَقِفُ لِيُوَضِّحَ الجَانِبَ النَّحويَّ، والإعرابَ، ويَنتهِي إلَى النَّظريَّةِ العامَّة، فيُبيِّنُ قَواعِدَها وأُصولهَا، وأدلَّتَها وأسبابَها ومُسبِّباتِها.
    ويَهتَمُّ الفَرَّاءُ بِالقِراءاتِ فيَعرضُ لها فِي الآيةِ مُبَيَّناً وُجهةَ نَظَرِ كُلِّ قارِئٍ مُفسِّراً قِراءَتَهُ، وقد تَتَعدَّدُ القِراءاتُ وتتعدَّدُ آراءُ المُفسرِينَ، فيُفاضِلُ بين آرائِهِم مُختاراً ما يَراهُ قريباً مِن الصَّوابِ، وقد يَرَى أنَّ النَّسَقَ فِي الآيةِ يُوجِبُ التَّرجِيحَ لِقِراءةٍ ما، أو التَّصحيحَ لِلَفظٍ مُعيَّنٍ. ويَتَّبِعُ فِي تَفسِيرِ الغَريبِ قاعِدةً واحِدةً، هِيَ الَّتي اتَّبعَها أَبُو عُبيدَةَ مِن قَبلُ، تِلكَ هِيَ شَرحُ الآيةِ بِالآيةِ، ثُمَّ بِالحديثِ إذا تَسَنَّى ذلِكَ، ثُمَّ بِالشَّاهِدِ الشِّعرِيِّ، أوِ المَثَلِ، أوِ الكَلامِ الفَصِيحِ.
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #2
    القَسَمُ عِندَ النُّحاةِ
    القَسَمُ لُغةً واصطِلاحاً:
    القَسَمُ لُغَةً: مَصدَرُ قَسَمَ الشَّيءَ يَقسِمُهُ قَسْمَاً فانقَسَمَ. والمَوضِعُ: مَقْسِمٌ، مثال: مَجلِسٌ، وقسَّمهُ: جزَّأهُ، وهيَ القِسْمةُ والقِسْمُ بالكسر: النَّصِيبُ والحظُّ 1. ويَكُونُ بِمعنَى: قَدَّرَ ونَظَرَ، كَقَولِكَ هُوَ يَقسِمُ أَمرَهُ: أَي: يُقَدِّرَهُ، ويُدَبِّرُهُ، ويَنظُرُ كَيفَ يَعمَلُ فِيهِ، قَالَ لَبيدُ العامِريُّ: (من الطويل)
    فَقُولَا لَهُ إنْ كانَ يَقسِمُ أمرَهُ *** أَلَمَّا يَعِظْكَ الدَّهرُ أُمُّكَ هابِلُ 2
    ويَأتِي القَسَمُ بِمعنَى اليَمِينِ والحَلفِ، وهُو القَسَمُ بِفتحِ القَافِ والسِّينِ وجَمعُهُ أَقسَامٌ، مِثل، سَبَبٌ وأَسبابٌ، ومِنهُ: أَقسَمَ بِاللهِ إقساماً، أي: حَلَفَ بِاللهِ حلْفاً. وقاسَمَهُ: أقسَمَ لَهُ، أو شَارَكَهُ فِي القَسَمِ. ومِنهُ قَولُهُ تَعالَى: ( وقَاسَمَهُما إنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ)3 .
    يَقُولُ الراغب الأصفهاني (ت502هـ): إنَّ القَسَمَ بِمعنى اليَمينِ، أَصلُهُ مِن القَسامَةِ، وهِيَ أَيمانٌ تُقسَمُ علَى أَولِياءِ القَتِيلِ إذا ادَّعُوا علَى رَجُلٍ أنَّهُ قَتَلَ صاحِبَهُم، ومَعَهُم دَلِيلٌ دُونَ البَيِّنة، فيَحلِفُونَ خَمسِينَ يَميناً تُقسَمُ علَيهِم، ثمَّ صارَ اسمٌ لِكلِّ حَلفٍ، فَكأَنَّهُ أي: القَسَمُ كانَ في الأَصلِ تَقسيمَ أيمانٍ، ثمَّ صارَ يُستَعمَلُ في نَفسِ الحَلْفِ والأيمانِ.4
    والحَلْفُ لَهُ معنيانِ هُما القَسَمُ والعَهدُ. والحَلْفُ والحِلْفُ بِفَتحِ الحاءِ وكَسرِها لُغتانِ فِي القَسَمِ. فالحِلفُ بِكسرِ الحاء: العَهدُ الذي يكُونُ بينَ القومِ، وقد حالفَهُ: أي عاهَدَهُ. وتحالَفَ القَومُ: تعاهَدُوا، ويكونُ بمعنى تآخوا5.
    واصطِلاحاً هُوَ طَريقٌ مِن طُرقِ تَوكِيدِ الكَلامِ وإبرازُ معانيهِ ومقاصِدِهِ علَى النَّحو الَّذِي يُريدُهُ المتكلِّمُ، إذ يُؤتَى بِهِ لِدفعِ إنكارِ المُنكِرِينَ، أو إزالةِ شَكِّ الشَّاكِينَ. وهُوَ مِنَ المؤكِّداتِ التي تُمكِّنُ الشَّيءَ في نَفسِ السَّامِعِ وتُقَوِّيهِ، ولِتَطمَئِنَ إلَى الخَبرِ.
    1- مُكَوِّناتُهُ:
    يتكوَّنُ أسلُوبُ القَسَمِ من جُملَتَيْنِ: الأُولَى جُملةُ القَسَمِ، والثَّانيةِ جَوابُ القَسَمِ، وقد تَكُونُ جملةُ القسَمِ جملةً فِعليَّة أو جملَةً اسميَّة، فالجُملةُ الفِعليَّةُ، نحو " حَلَفْتُ بِاللهِ، وأَقسَمْتُ وآلَيْتُ وعلِمَ اللهُ، ويَعلَمُ اللهُ" والجملة الاسمِيَّةُ، نحو: " ولَعَمرُكَ، ولَعَمرُ أَبِيكَ، ولَعَمرُ اللهِ، ويَمِينُ اللهِ، وأيمُنُ اللهِ، وأمانَةُ اللهِ، وعلَيَّ عَهدُ اللهِ لأفعَلَنَّ أو لا أَفعَلُ " 6.وسوف نأتي على تفصيلهما.

    2- فائِدَتُهُ:
    والقَسَمُ تَوكِيدٌ لِلكلامِ، وبَيانٌ لَهُ، وإلَى ذلِكَ أشارَ سِيبَويه بقوله: " اعلَمْ أنَّ القَسَمَ تَوكِيدٌ لِكَلامِكَ. فإذا حَلَفْتَ علَى فِعلٍ غيرِ مَنفِيٍّ لم يَقَعْ لَزِمَتْهُ الَّلامُ، ولَزِمَتْ الَّلامَ النُّونُ الخفِيفَةُ أو الثَّقِيلَةُ فِي آخِرِ الكَلِمةِ، وذلِكَ قولُكَ: لأفعَلَنَّ .. واعلَمْ أنَّ من الأفعَالِ أشياءَ فِيها مَعنى اليَمِينَ، يَجرِي الفِعلُ بَعدَها مَجرَاهُ، بَعدَ قَولِكَ: واللهِ، وذلِكَ قولُكَ: أُقسِمُ لأفعَلَنَّ، وأشهَدُ لأفعَلَنَّ، وأَقسَمْتُ باللهِ علَيكَ لَتَفعَلَنَّ" 7
    إنَّ هاتَيْنِ الجُملتَيْنِ تَتنزَّلانِ مَنزِلةَ الجُملةِ الواحِدةِ، فَهُما كَجُملَتي الشَّرطِ وجَوابِ الشَّرطِ، لا تَستَغنِي إِحداهُما عنِ الأُخرى، فَوُجُودُ القَسَمِ سَببٌ فِي وُجُودِ جَوابِ القَسَمِ، فلا يُمكِنُ أنْ يَأتيَ الجوابُ دُونَ أنْ يُمَهَّدَ لَهُ بالقَسَمِ، فالترابُطُ بَينَهُما تَرابُطٌ في المعنى والصناعة النحويَّة، عِلماً أنَّ جُملةَ جَوابِ القَسَمِ لا مَحَلَّ لَها مِن الإِعرابِ، أي: أنَّها لا تَشغَلُ وَظِيفَةً يُمكِنُ أنْ يَشغَلَها المُفرَدُ، وذلِكَ لأنَّ جوابَ القَسَمِ خبرٌ، أي يَحتَمِلُ الصِّدقَ والكَذِبَ، وقد يَكُونُ نَفياً أو إثبَاتاً، والغَرضُ مِنَ القَسَمِ تَوكِيدُ ما يُقسَمُ علَيهِ مِن نَفيٍ أو إثباتٍ، ولَيسَ مَعنَى كَونِ جَوابِ القَسَمِ لا مَحلَّ لهُ من الإعرابِ أنَّه غيرُ مترابِطٍ مَعَ القَسَمِ" 8.
    3- أَدَواتُهُ:
    أَدواتُ القَسَمِ الَّتي تَنُوبُ عنِ الفِعلِ، هِيَ: الباءُ والواوُ والتَّاءُ، وقد يُكتَفَى بِحرفِ الجرِّ، وما أُقسِمَ بِهِ، ويُحذَفُ الفِعلُ الدَّالُّ علَى القَسَمِ، ويُسمَّى حرفُ الجرِّ هُنا حَرفَ قَسمٍ. فإذا كانَ حرفُ القَسَمِ المُستَخدَمُ هُوَ الباءُ فإنَّ الفِعلَ الَّذِي يَتَعلَّقُ بِهِ الجارُّ والمجرُورُ يَكُونُ مَحذُوفاً جوازاً، فقال سيبويه: " وللقَسَمِ والمُقسَمِ بِهِ أدَواتٌ فِي حُرُوفِ الجرِّ، وأكثرُها الواو، ثمَّ الباءُ، يَدخُلانِ علَى كُلِّ مَحلُوفٍ بِهِ. ثُمَّ التَّاءُ، ولا تَدخُلُ إلَّا فِي واحدٍ، وذلكَ قَولُكَ: واللهِ لَأَفعِلَنَّ، وبِاللهِ لَأَفعَلَنَّ، وقَالَ تَعَالَى: ( وتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أصنَامَكُم)9 . وقَالَ الخليلُ (ت175هـ): إنَّما تَجيءُ بِهذِهِ الحُرُوفَ، لأنَّكَ تُضِيفُ حَلفَكَ إلَى المحلُوفِ بِهِ، كما تُضِيفُ مَرَرْتُ بِهِ بِالباءِ، إلَّا أنَّ الفِعلَ يَجِيءُ مُضمَراً فِي هذا الباب، والحَلفُ توَكِيدٌ " 10.
    المَبحَثُ الثَّاني
    تحليلُ مسائِلِ القَسَمِ وتوجِيهاتُ الفرَّاء لها:
    المَسأَلَةُ الأُولَى:
    قَالَ تَعالَى: ( ولَقَد عَلِمُوا لَمَنِ اشتَراهُ ما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاق )11 . فـ" مَنْ " فِي مَوضِعِ رَفعٍ مُبتَدأٌ، وهِيَ جزاءٌ. لأنَّ العَربَ إذا أحدَثَتْ علَى الجزاءِ هذِهِ اللَّامَ صيَّرُوا فِعلَهُ علَى جِهةِ " فَعَل "، ولا يَكادُونَ يَجعَلُونَهُ علَى " يَفعَل " كَراهةَ أنْ يَحدُثَ علَى الجزاءِ حادِثٌ، وهُو مَجزومٌ. وقد وَقَعَ ما قبلَها علَيها، فَصَرَفُوا الفِعلَ إلَى فَعَل، لأنَّ الجزمَ لا يَستَبِينُ في " فَعَل " ، فصيَّرُوا حُدُوثَ الَّلامِ، ثمَّ صَيَّرُوا جَوابَ الجَزاءِ بِما تُلقِي بِهِ اليَمِينُ - يُرِيدُ تَستَقبِلُ بِهِ- إمَّا بـ " لامٍ"، وإمَّا بـ " لا " ، وإمَّا بـ " إنَّ "، وإمَّا بـ "ما "، فتقولُ في "ما ": لَئِنْ أَتَيْتَنِي ما ذلِكَ لَكَ بِضائِعٍ، وفي " إنَّ ": لَئِنْ أَتَيْتَنِي إنَّ ذلِكَ لَمَشكُورٌ لَكَ، وفي" لا "، وفي " اللام " قوله تعالى: ( لَئِنْ أُخرِجُوا لا يَخرجُونَ مَعَهُم، ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنصُرُونَهُم، ولَئِنْ نَصَرُوهُم لَيُوَلُّنَّ الأَدبارَ )12 .
    وإنَّما جَعَلُوا جَوابَ الشَرطِ كَجَوابِ القَسَمِ، لأنَّ الَّلامَ الَّتِي دَخَلَتْ فِي قَولِهِ تَعالَى: (ولَقَد عَلِمُوا لَمَنِ اشتَراهُ ما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاق) إنَّما هِيَ لامُ القَسَمِ، كانَ مَوضِعُها فِي آخِرِ الكَلامِ، فلمَّا صَارَتْ فِي أَوَّلِهِ صَارَتْ كَالقَسَمِ فَأَخَذَتْ الحُكمَ الَّذِي يَأخُذُهُ القَسَمُ.
    تعليق ومقارنة:
    جَاءَ القَسَمُ في هذِهِ الآيةِ الكريمةِ (ولَقَد عَلِمُوا لَمَنِ اشتَراهُ ما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاق) واضِحاً، فالَّلامُ للقَسمِ، و" مَنْ " اسمٌ مَوصُولٌ مبتدأٌ، وجملة " اشتَراهُ " صِلةُ المَوصُولِ لا محلَّ لها مِن الإعرابِ. وهِيَ فِعليَّةٌ. وجُملَةُ: ( ما لَهُ فِي الآخِرةِ مِن خَلاقٍ ) مُؤلَّفةٌ مِنْ مُبتَدأٍ وخَبرٍ. وهي واقِعةٌ فِي مَحلِّ رفعِ خَبرٍ للمبتدأ " مَنْ ". وجملة: ( لَمَنِ اشتَراهُ ما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاق ): في محلِّ نَصبٍ سَدَّتْ مَسَدَّ مَفعُولَي " عَلِمُوا " ، وفي هذه الآية نحن نَتَّفِقُ معَ الفرَّاء أنَّ الَّلامَ لامُ القَسَمِ، ولكِنَّنا نُخالِفُهُ في " إعرابِ مَنْ " فَلَيسَتْ هنا للجزاءِ، بل هِيَ مَوصُولِيَّة، ، أي: لَيسَ هذا مَوضِعُ شَرطٍ، وهِيَ " مُبتَدأٌ " لأنَّهُ لا يَعمَلُ ما قَبلَ الَّلامَ فِيما بَعدَها.
    والمَشهُورُ عِندَ النَّحوِيِّينَ أنَّ الَّلامَ الدَّاخِلةَ علَى " قد " فِي مِثلِ هذِهِ الآيةِ إنَّما هِيَ لامُ القَسَمِ ، وأمَّا الَّلامُ الدَّاخِلةُ علَى أداةِ الشَّرطِ فَهيَ للإيذانِ بِأنَّ الجوابَ بَعدَها مُرَتَّبٌ علَى قَسَمٍ قَبلَها لا علَى الشَّرطِ، لِذلِكَ تُسمَّى هذِهِ الَّلامُ الَّلامَ الموطِّئةَ لِلقَسَمِ، لأنَّها وَطَّأَتْ لَهُ، أي: مَهَّدتْ لَهُ، وعِندَما أَغنَى جَوابُ القَسمِ عن جَوابِ الشَّرطِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ فِعلُ الشَّرطِ ماضِياً-ولو معنًى- كَالمُضارِعِ المنفِيِّ بـ "لم " غالِباً بِناءً علَى تَعلِيلِ الفرَّاء.
    إنَّ الَّلامَ الَّتِي دَخَلَتْ فِي " لَقَد " دَخَلَتْ علَى جِهةِ القَسَمِ والتوَّكِيدِ، وللنَّحويينَ في قولِهِ تعالَى: (لَمَنِ اشتَراهُ ما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) قَولانِ: جَعَلَ بَعضُهُم " مَنْ " بِمعنَى الشَّرطِ، وجَعَلَ الجَوابَ (ما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)، وهذا فيما أرى ليسَ بِموضِعِ شَرطٍ ولا جَزاءٍ، ولكِنَّ المعنَى: ولَقَد عَلِمُوا الَّذِي اشتَراهُ ما لَهُ فِي الآخِرةِ مِنْ خَلاقٍ، كما تَقُولُ: واللهِ لَقَد عَلِمْتَ لَلَّذِي جاءَكَ ما لَهُ مِنْ عَقلٍ.
    فأمَّا دُخُولُ الَّلامُ فِي الجَزاءِ فِي غيرِ هذا الموضِعِ، وفِيمَنْ جَعَلَ هذا مَوضِعَ شَرطٍ وجَزاءٍ، مثلُ قَولِهِ: ( ولَئِنْ جِئْتَهُم بِآيةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)13 ونحو قولِهِ تعالَى: (ولَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكلِّ آيةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) فالَّلامُ الثانِيةُ هِيَ لامُ القَسَمِ فِي الحقيقةِ، لأنَّكَ إنَّما تحلِفُ علَى فِعلِكَ لا علَى فِعلِ غَيرِكَ فِي قَولِكَ: واللهِ لَئِنْ جِئْتَنِي لأُكرِمَنَّكَ، فَزَعَمَ بَعضُ النَّحويينَ أنَّ الَّلامَ لَمَّا دَخَلَتْ فِي أَوَّلِ الكَلامِ أَشبَهتْ القَسَمَ فَأُجِيبَتْ بِجَوابِهِ، وهذا خَطأٌ، لأنَّ جوابَ القَسَمِ لَيسَ يُشبِهُ القَسَمَ، أي: أنَّ جوابَ القَسَمِ يَأتِي للقَسَمِ نَفسِهِ لا لِما يُشبِهُهُ، ولكِنَّ الَّلامَ الأُولَى دَخَلَتْ إعلاماً أنَّ الجملةَ بِكَمالِها مَعقُودةٌ لِلقَسَمِ، لأنَّ الجزاءَ-وإنْ كانَ لِلقَسَمِ علَيهِ-فَقَد صَارَ لِلشَّرطِ فِيهِ حَظٌّ فلِذلِكَ دَخَلَتِ الَّلامُ.
    المَسأَلَةُ الثَّانِيةُ:
    وقَولُهُ تَعَالَى: (ولَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكلِّ آيةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ)14 . أُجيبَتْ " لَئِنْ" بِما يُجابُ بِهِ " لو "، و " لو " في المَعنَى مَاضِيةٌ، و " لَئِنْ " مُستَقبَلةٌ، ولكنَّ الفِعلَ ظهَرَ فِيهِما بـ " فَعَل " فأُجِيبَتا بِجوابٍ واحِدٍ، وشُبِّهَتْ كُلُّ واحِدةٍ بِصاحِبتِها. والجَوابُ فِي الكَلامِ فِي " لِئَنْ " بِالمستَقبَلِ، مِثلُ قَولِكَ: لَئِنْ قُمْتَ لَأَقُومَنَّ، ولَئِنْ أَحسَنْتَ لَتُكرَمَنَّ، ولئنْ أَسَأْتَ لا يُحسَنْ إلَيكَ. وتُجِيبُ " لو " بالماضِي، فتقُولُ: لَو قُمْتَ لَقُمْتُ، ولا تَقُولُ: لَو قُمْتَ لأَقُومَنَّ. فهذا الَّذِي علَيهِ يُعمَلُ، فإذا أُجِيبَتْ " لو " بجوابِ " لَئِنْ " فالَّذِي قُلْتُ لكَ مِنْ لَفظِ فِعلَيهِما بِالمُضِي، أَلَا تَرَى أنَّكَ تَقُولُ: لَو قُمْتَ، ولَئِنْ قُمْتَ، ولا تَكَادُ تَرَى " تَفَعَل " تَأتِي بَعدَهُما، وهِيَ جَائِزةٌ، فلِذلِكَ قَالَ: (ولَئِنْ أَرسَلْنا علَيهِمْ رِيحاً فَرَأَوهُ مُصْفَرَّاً لَظَلُّوا)15. فأَجابَ "لَئِنْ " بِجوابِ " لو "، وأَجابَ " لَو " بِجوابِ " لَئِنْ "، فقال: ( ولَو أَنَّهُم آمَنُوا واتَّقَوا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِندِ اللهِ خَيرٌ) 16.
    تعليق ومقارنة:
    وَفي هذه الآية الكريمة نَجِدُ أنَّ أُسلوبَ القَسمِ يُشبِهُ أسلوبَ الشَّرطِ غَيرَ الجازم الَّذِي يأتِي بِأداةِ الشَّرطِ غَيرِ الجازِمةِ " لَو " وجَوابُها يَكُونُ بِالماضِي، وبالمُقابِل يَأتِي أُسلُوبُ القَسَمِ مَعَ " لو " بالماضِي، ويَأتِي جَوابُها بِالمستقبَلِ، ووَقَعَ القَسَمُ كَمَا مُثِّلَ لَنَا بِالآيةِ الكَريمةِ. ونَفهَمُ ممَّا أورَدَهُ الفرَّاءُ أنَّ كُلَّاً مِن الَّلامِ المُوَطِّئةِ لِلقَسَمِ، وهِيَ أداةُ القَسَمِ، و " لَو " الشَّرطيَّة أداةُ الشَّرطِ تَأخُذُ جَوابَ الأُخرَى.
    وقَد يَكُونُ هذا الرَّأيُ الَّذِي جاءَ بِهِ الفرَّاءُ غَيرَ ما جَاءَ عِندَ غَيرِهِ مِن النُّحاةِ كَـ سيبويهِ، أي خالَفَهُم فِيهِ، وأَيضاً نَحنُ نُخالِفُهُ فِي هذِهِ المَسألةِ، والسَّبَبُ فِي ذلِكَ أنَّ معنَى " إنْ " يَختَلِفُ عن مَعنَى "لَو"، فمَعنَى " إنْ " يُجابُ بِهِا الشَّيءُ لِوجُودِ غَيرِهِ، فنَقُولُ مَثلاً: إنْ أَكرَمْتَنِي أَكرَمْتُكَ، ومَعنَى " لَو " أنَّ الشَّيءَ يَمتَنِعُ لِامتِناعِ غَيرِهِ، فلا تَحُلُّ إِحداهُما مَكانَ الأُخرَى، والمَعنَى يُصبِحُ علَى النَّحوِ الآتِي: ولَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكلِّ آيةٍ لا يَتَّبِعُونَ قِبلَتَكَ.

    وإنَّ " لَئِنْ " هنا أُجِيبَ بِجَوابِ " لو " لأنَّ الماضِي وَلِيَها كَمَا وَلِيَ " لَو " فَأُجِيبَ بِجوابِ " لو " ودَخَلَتْ كُلُّ واحِدةٍ مِنهَا علَى أُختِها. هذا رأي الفرَّاء. وأمَّا سِيبويهِ وجُمهُورُ النَّحويينَ فإنَّهم يَرَونَ أنَّ معنَى " لَئِنْ " غَيرَ مَعنَى " لَو " ، وإنْ كَانَ هؤلاءِ قَالُوا إنَّ الجَوابَ مُتَّفِقٌ، فإنَّهُم لا يَنفُونَ أنَّ مَعنَى " لئِنْ " ما يُستَقبَلُ، ومَعنَى " لَو " ماضٍ، وحَقِيقةُ مَعنَى " لَو " أنَّها يَمتَنِعُ بِها الشَّيءُ لِامتِناعِ غَيرِهِ، تَقُولُ: لَو أَتَيْتَنِي لأَكرَمْتُكَ، أي: لم تَأتِنِي فلَمْ أُكرِمْكَ، فإنَّما امتَنَعَ إكرامِي لامتِناعِ إتيانِكَ، ومعنى " إنْ " و " لَئِنْ " أنَّهُ يَقَعُ الشَّيءُ فِيهِما لِوقُوعِ غَيرِهِ فِي المُستَقبَلِ، تَقُولُ: إنْ تَأتنِي أُكرِمْكَ، فالإكرامُ يَقَعُ بِوقُوعِ الإتيانِ فَهذِهِ حَقِيقةُ مَعنَاهُما.
    المَسأَلَةُ الثَّالِثةُ
    وقَولُهُ تَعالَى: (وإذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وحِكمةٍ)17 . قَرَأَها يحيى بنُ وثَّاب بِكَسرِ الَّلامِ، يُرِيدُ أَخْذَ الِميثَاقِ لِلَّذِينَ آتَاهُم، ثُمَّ جَعَلَ قَولَهُ: ( لَتُؤْمِنُنَّ ) مِن الأَخْذِ، ، كَمَا تَقُولُ: أَخَذْتُ مِيثاقَكَ لَتَعمَلَنْ، لِأَنَّ أَخذَ الِميثاقِ بِمَنزِلَةِ الاستِحلافِ. ومَنْ نَصَبَ الَّلامَ فِي " لَمَا " جَعَلَ الَّلامَ لاماً زائِدةً، إذ أُوقِعَتْ علَى جَزاءِ " صَيِّرَ "علَى جِهةِ " فَعَّل "، وصَيَّرَ جَوابُ الجَزاءِ بـ "الَّلامِ "، وبـ " إنْ"، وبـ " لا "، وبـ " ما "، فَكَأنَّ الَّلامَ يَمِينٌ، إذْ صَارَتْ تُلْقَى بِجَوابِ اليَمينِ، وهُو وَجهُ الكَلامِ18.
    تعليق ومقارنة:
    جاءَ أُسلُوبُ القَسَمِ هنا بِواسِطةِ الفِعلِ " أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبيّينَ "، فهذا التركِيبُ قَسَمٌ، و" ما " في " لَمَا " جاءَتْ شَرطيَّةً، بِناءً علَى رَأْيِ الفرَّاء والَّلامُ مُوطِّئةٌ، أي: مُمَهِّدةٌ لِلقَسَمِ، ولِهذا أُجِيبَ الجَوابُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، مُضَارِعاً مُؤكَّداً بِنُونِ التَّوكيدِ الثَّقِيلةِ " لَتُؤمِنُنَّ بِهِ ". فهنا ذَكَرَ رأيَ الكِسائِيِّ دونَ تَصريحٍ بِهِ، فهو يرَى أنَّ " ما " شرطِيّة، فَعَلَى رَأيهِ مَوضِعُها نَصبٌ بِالفِعلِ " آتَيتُكُم ". ولأبِي عُبيدَةَ في هذا رأيٌ حسَنٌ، قالَ: المعنى وإذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُؤمِنُنَّ بِهِ لِمَا آتَيْتُكُم مِنْ ذِكرِهِ فِي التَّوراةِ.. وقِيلَ فِي الكلامِ حذفٌ. والمعنى: وإذ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيينَ لَتُعَلِّمُنَّ النَّاسَ لِما جاءَكُم مِنْ كِتابٍ وحِكمَةٍ، ولِتَأخُذُنَّ علَى النَّاسِ أنْ يُؤمِنُوا، ودلَّ علَى هذا الحَذفُ (وأَخَذْتُم علَى ذلِكُم إصرِي)19 .
    وفِي هذهِ المسألةِ أيضاً نَجِدُ أنَّ: " ما " ، هُنا بِمَعنَى " الَّذِي " والتَّقدِيرُ: لَلَذِي آتَيْتُكُمُوهُ، ثمَّ حَذَفَ الهاءَ لِطُولِ الاسمِ فـ " الَّذِي " رَفعٌ بِالابتِداءِ، وخَبرُهُ " مِن كِتابٍ وحِكمةٍ " و "مِنْ " لِبيانِ الجِنسِ، والَّلامُ مُوطِّئةٌ لمجيءِ: " ما "، بَعدَها جَواباً لِلقَسمِ،. وقَولُهُ: " ثمَّ جاءَكُم "، مَعطُوفٌ علَى الفِعلِ بَعدَ: " ما "، فَهُوَ فِي حيِّز ِالشَّرطِ، ويَلزَمُ أنْ يَكُونَ فِي قَولِهِ: " ثمَّ جاءَكُم "، رابِطٌ يَربِطُها بِمَا عُطِفَتْ علَيهِ، لِأنَّ: " جاءَكُم "، مَعطُوفٌ علَى الفِعلِ بَعدَ: " ما"، و : " لَتُؤمِنُنَّ بِهِ "، جَوابٌ لِقَولِهِ: ( أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبيِّينَ) وجَوابُ الشَّرطِ مَحذُوفٌ لِدَلالةِ جَوابِ القَسَمِ علَيهِ، والضَّمِيرُ فِي: " بِهِ "، عائِدٌ علَى: "رَسُول"، ونَحنُ فِي هذِهِ المَسأَلةِ نَمِيلُ إلَى كَونِ " ما " مَوصُوليَّةً مُخالِفِينَ بذلِكَ رَأيَ الفرَّاء وشيخِهِ الكِسائِيِّ.
    وإِمامُ النُّحاةِ سيبويه، حِينَ سَألَ شَيخَهُ الخليل-رَحِمَهُما اللهُ- عَن قَولِهِ تَعالَى: (وإذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وحِكمةٍ ثُمَّ جَاءَكُم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُم لَتُؤمِنُنَّ بِهِ ولَتَنصُرُنَّهُ)، أَجابَهُ: " ما " ها هُنا بِمَنزِلةِ " الَّذِي "، ودَخَلَتْها " الَّلامُ كَمَا دَخَلَتْ علَى " إنْ " حِينَ قُلْتَ: " واللهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لأَفعَلَنَّ "، فالَّلامُ الَّتِي فِي " ما " كَهذِهِ الَّتِي فِي " إنْ "، والَّلامُ الَّتِي في الفِعلِ كَهذِهِ الَّتي فِي الفِعلِ هُنا20 .
    إنَّ سيبويه يَرَى أنَّ مِثلَ هذِهِ الَّلامِ الأولى " أنْ"، إذا قُلْتَ: واللهِ أنْ لَو فَعَلْتَ لَفَعَلْتَ. وقالَ: (من الطويل )
    فَأُقسِمُ أنْ لَوِ التَقَيْنا وأنتُمُ *** لَكانَ لَكُم يَومٌ مِنَ الشَّرِّ مُظلِمُ 21
    فـ "أنْ " فِي " لو " بِمنزِلةِ " الَّلامِ " فِي " ما "، فجاءَتْ لامانِ، لامٌ لِلأَوَّلِ، ولامٌ لِلجَوابِ، هِيَ الَّتِي يَعتَمِدُ علَيها القَسَمُ.

    تعليق

    • مصطفى شعبان
      عضو نشيط
      • Feb 2016
      • 12782

      #3
      المسألَةُ الرَّابعة:
      وقَولُهُ: ( وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَيُبَطَئَنَّ)22. دخَلَتْ الَّلامُ الَّتِي في " مَنْ " لمكانِ " إنَّ "، كَمَا تَقُولُ: إنَّ فِيهَا لَأَخَاكَ. ودَخَلَتِ الَّلامُ فِي (لَيُبَطَئَنَّ )، وهِيَ صِلةٌ لـ " مَنْ " علَى إِضمارٍ شَبِيهٍ بِاليَمِينِ، كَمَا تَقُولُ فِي الكَلامِ: هذا الَّذِي لَيَقُومَنَّ، وأَرَى رَجُلاً لَيَفعَلَنَّ مَا يُرِيدُ23.
      تعليقٌ ومقارنة:
      إنَّ أُسلُوبَ القَسَمِ الَّذِي وَرَدَ فِي الآيةِ الكَرِيمةِ يَختلِفُ عن المرَّاتِ الَّتِي فِي المَسائِلِ السَّابقةِ فِي ترَكِيبِهِ وطَرِيقةِ عرضِهِ، فالَّلامُ الَّتِي دَخَلَتْ فِي قَوْله: " لَمَنْ"، وَفُتِحَتْ هِيَ الَّلامُ الَّتِي تَدْخُلُ تَوْكِيدًا لِلْخَبَرِ مَعَ " إِنَّ ", كَقَوْلِ الْقَائِل : إِنَّ فِي الدَّار لَمَنْ يُكْرِمُكَ, أي: هذِهِ الَّلامُ الأولَى للتَّوكِيدِ، وَأَمَّا اللَّام الثَّانِيَة الَّتِي فِي (لَيُبَطِّئَنَّ( فِهِيَ لَامُ القَسَمِ, و" مَنْ " في موضِعِ نَصبٍ وصِلَتُها " لَيُبَطِئَنَّ " لأنَّ فِيهِ مَعنَى القَسَمِ، والخَبرُ "مِنكُم ". كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام: وَإِنَّ مِنْكُمْ - أَيّهَا الْقَوْمُ - لَمَنْ وَاَللهِ لَيُبَطِّئَنّ. فَهَذا قَسَمٌ صَرِيحٌ مَحذُوفٌ تَقديرُهُ: واللهِ لَيُبَطِّئَنَّ.
      والمعنَى أي: مِمَّنْ أَظهَرَ الإيمانَ لَمَنْ يُبطِئُ عنِ القِتالِ، يُقالُ: قَد أَبطَأَ الرُّجُلُ وبَطُؤَ بِمعنَى أبطَأ تأَخَّرَ، ومعنى بَطُؤَ ثَقُلَ إبطاءً وبُطْئاً24 .
      فالَّلامُ الأُولَى الَّتي فِي "لَمَنْ " لامُ " إنْ "، والَّلامُ الَّتِي فِي " لَيُبَطَّئَنَ " هِيَ لامُ القَسَمِ، و " مَنْ " مَوصُولَةٌ بِالجالِبِ للقَسَمِ، كأنَّ هذا لَو كَانَ كَلاماً لَقُلْتَ: إنْ مِنكُم لَمَنْ أَحلِفُ واللهِ لَيُبَطِّئَنَّ، والنَّحويُونَ يُجمِعُونَ علَى أنَّ " مَنْ " و " مَا " و " الَّذِي " لا يُوصَلْنَ بِالأمرِ والنَّهيِ إلَّا بِما يُضمَرُ مَعَهَا مِنْ ذِكرٍ الخَبَرِ أي: صِلةُ المَوصُولِ لا تَكونُ طَلَباً، فإذا وَقَعَتْ كَذلِكَ قُدِّرَ لَهَا جُملَةٌ خَبَرِيَّة ، كَمَا قُدِّرَ هُنا الفِعلُ " أَحلِفُ " وكَذلِكَ صِلةُ المَوصُولِ، وأنَّ لامَ القَسَمِ إذا جَاءَتْ مَعَ هذِهِ الحُرُوفِ فَلَفظُ القَسَمِ وما أَشبَهَ لَفظُهُ مُضمَرٌ مَعَهَا.

      المَسأَلَةُ الخامِسَةُ:
      وقَولُهُ تَعالَى: (وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَملأَنَّ جَهَنَّمَ)25. صَارَ قَولُهُ -عزَّ وجلَّ: (وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) يمِيناً، كَمَا تَقُولُ: حَلفِي لَأَضرِبَنَّكَ، وبَدَا لِي لَأَضْرِبَنَّكَ. وكُلُّ فِعلِ كَانَ كَتَأوِيلِ بَلَغَنِي، وقِيلَ لِي، وانتَهَى إلَيَّ، فَإنَّ " الَّلامَ وأنْ " تَصلُحانِ فِيهِ. فَتَقُولُ: قَدْ بَدَا لِي لأَضرِبَنَّكَ، وبَدَا لِي أنْ أَضرِبَكَ. فَلَو كانَ: وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أَنْ يَملأَ، كَانَ صَواباً، وكَذلِكَ: (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِنْ بَعدِ ما رَأَوا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ)26، ولو كانَ: أنْ يَسجُنُوهُ، كانَ صَوَابَا27 .
      تعليق ومقارنة:
      امتازَ القَصَصُ القُرآنيُّ هُنا بِأُسلُوبٍ مُتفرِّدٍ في عَرضِهِ لِأُسلُوبِ القَسَمِ، فهذِهِ التراكيبُ التي استُعملَتْ في القَسَمِ إنَّما جاءت لبيانِ معانٍ تَشتَمِلُ علَيها دُونَ غيرِها، فَقَولُ اللهِ، سُبحانَهُ: وتَمَّتْ: الواوُ حَسَبُ ما قَبلَها. وتَمَّتْ: فعلٌ ماضٍ، وكلِمةُ: فاعِلٌ مَرفُوعٌ، وربِّ: مُضافٌ إلَيهِ، والكافُ ضَميرٌ مُتَّصلٌ مبنيٌّ فِي محلِّ جرٍّ مُضافٌ إلَيهِ. هذا في إعرابه أمَّا في دلالتِهِ فأفادَ القَسَمَ، ومثلُهُ في الدِّلالةِ علَى القَسَمِ قولهم: بَلَغني لَأَفعلّنَّ، وانتَهَى الأَمرُ لَأَكتُبَنَّ، وقِيلَ لِي لتَأتِيَنَّ.
      (وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَملأَنَّ جَهَنَّمَ منَ الجِنَّةِ والنَّاسِ أَجمعِينَ)، فَهذِهِ الجملةُ ضُمِّنَتْ مَعنَى القسَمِ كقولِهِ تَعَالَى: ((وإذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وحِكمةٍ)، ثمَّ عقَّبَ بِقَولِهِ: (لَتُؤمِنُنَّ بِهِ). فهذا الأُسلُوبُ القرآنيٌّ لا يَرقَى النَّثرُ ولا الشِّعرُ لِمِثلِهِ مُطلَقاً.ومثلُهُ مِن الأَفعالِ في أداءِ معنَى القسَمِ: " وإذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ"، وقوله: (ولَقَد كانُوا عاهَدُوا اللهَ )، وقوله: ( وقَضَيْنا إلَى بَنِي إسرَائِيلَ)، وقوله: (كَتَبَ اللهُ).
      المسألةُ السَّادسَةُ والسَّابِعة:
      وقَولُهُ تعالَى: ( تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ)28. العَرَبُ لا تَقُولُ: تَا الرَّحمَنِ، ولا يَجعلُونَ مَكانَ الوَاوِ تاءً إلَّا فِي لَفظِ " الله " عزَّ وجلَّ. وذلِكَ أنَّها أَكثرُ الأَيمانِ مُجرَى فِي الكَلامِ، فَتوهَّمُوا أنَّ الواوَ مِنها لِكثرَتِها، وأبدلُوها تاءً29 ، كما قالُوا : التُّرثُ، وهِيَ مِن ورِث.
      وقوله: ( لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا )، الَّلامُ لامُ القَسَمِ، وقد: حرف تحقيق، وعَلِمْتُم: فعل ماضٍ، والتاء: ضميرٌ متصلٌ في محلّ رفع فاعل. وجملة: (لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا): واقعة في جواب القسم لا محلَّ لها من الإعراب. وجَوابُ القَسَمِ الَّذِي جاءَ فِي الآيةِ: (ما جِئْنا لِنُفسِدَ فِي الأَرضِ) اقتَرَن بـ " ما " النَّافيةِ، ولم يقفُ النُّحاةُ عندَه كَثيراً، فهو قَسَمٌ مؤلَّفٌ من أداة وفعلٍ وجواب.
      وفي قوله: (تَاللهِ تَفتَأُ تَذكُرُ يُوسُفَ)30. مَعناهُ لا تَزالُ تَذكُرُ يُوسُفَ، و " لا " قد تُضمَرُ مَعَ الأَيمانِ، لِأنَّها إذا كانَتْ خَبَراً لا يُضمَرُ فِيهَا " لا " لم تكنْ إلا بـ " لام "، ألا تَرَى أنَّكَ تَقُولُ: واللهِ لآتِيَنَّكَ، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: واللهِ آتِيكَ إلا أنْ تَكُونَ تُرِيدُ " لا " فلمَّا تَبَيَّنَ مَوضِعُها، وقد فَارَقتِ الخبرَ أُضمِرَتْ، قالَ امرُؤُ القيس: (من الطويل)
      فَقُلْتُ يَمِينَ اللهِ أبرحُ قاعِداً ولَو قَطَّعُوا رَأسِي لَدَيكِ وأَوصَالِي31
      فَرَأيُ الفرَّاء في هذهِ المسألةِ كرأي سيبويه وشيخهِ الخليل، فـهم يرونَ أنَّ " لا "تُضمَرُ معَ القَسَمِ، لأنَّهُ لَيسَ فِيهِ إشكالٌ، ولَو كانَ مُوجِباً لَكانَ بالَّلامِ.
      المبحث الثالث
      معنى وتوجيه
      المَسأَلةُ الثَّامِنةُ:
      وقولُهُ تَعالَى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ)32. قالَ: ( أَو لَتَعُودُنَّ ) فَجعَلَ فِيها لاماً كَجَوابِ اليَمِينِ، وهِيَ فِي مَعنَى شرط، مِثلُهُ فِي الكَلامِ أَنْ تَقُولَ: واللهِ لأَضْرِبَنَّكَ أو تُقِرَّ لِي.فيكون معناه معنى: "حتَّى " أو " إلَّا "، إلَّا أنَّها جاءَتْ بِحرفِ نَسَق33.
      هذا القَسَمُ الَّذِي ذَكَرَهُ الفَرَّاء هنا قَسَمٌ فِيهِ حذْفٌ وتقدِيرٌ، وهو: وقَالَ الَّذِينَ كفَرُوا لِرُسُلِهِم، والجَوابُ: لَنُخرِجَنَّكُم مِن أَرضِنا أَو لَتَعُودُنَّ، وجُملةُ ( لَنُخرِجنَّكُم ): جَوابُ القَسَمِ لا محلَّ لها مِن الإعرابِ. وهِيَ فِعليَّةٌ، والحذفُ فِيهِ " واللهِ ". ويَعرِضُ لِمَسألةٍ نحويَّةٍ غايةٍ في الأهميّةِ، وهِيَ ما يأتِي بَعدَ جَوابِ القَسَمِ مُتبِعاً لَهُ بـ " أو " حرفِ العَطفِ، فمنَ العَربِ مَنْ يَجعلُ الشَّرطَ مُتبِعاً للَّذِي قَبلَهُ، إنْ كانَتْ فِي الأوَّلِ لامٌ كانَ في الثاني لامٌ، وإنْ كَانَ مَنصُوباً أو مَجزُوماً نَسَقُوا علَيهِ، كَقَولِهِ: أو " لَتَعُودُنَّ "، ومِن العَربِ مَنْ يَنصِبُ ما بَعدَ " أو " لِيُؤذِنَ نَصبُهُ بِالانقِطاعِ عمَّا قَبلَهُ.وقالَ الشَّاعر 34: ( من الرَّجز )
      لَتَقعُدِنَّ مَقعَدَ القَصِيِّ ** مِنِّيَ ذِي القَاذُورَةِ المَقْلِيِّ
      أَو تَحلِفِي بِرَبِّكِ العَلِيِّ ** أَنِّي أَبُو ذَيَّالِكِ الصَّبِيِّ
      فَنَصبَ ( تَحلِفِي ) لأنَّه أرادَ: أنْ تحلِفي، ولو قالَ: أو " لِتَحلِفَنَّ "، كانَ صواباً، ومِثلُهُ قولُ امرئِ القيس: (من الطويل )
      بَكَى صاحِبِي لَمَّا رأَى الدَّربَ دُونَهُ *** وأَيقَنَ أنَّا لاحِقانِ بِقَيصَرا
      فَقُلْتُ لَهُ: لا تَبكِ عَينُكَ إنَّما *** نُحاولُ مُلكاً أو نَمُوتَ فَنُعذَرَا35
      فَنَصَبَ آخِرَهُ، ورَفَعَ " نُحاوِلَ " علَى معنَى " إلَّا " أو "حتَّى ". وفي إحدى القِراءتينِ: (تُقاتِلُونَهُم أو يُسلِمُوا )36. وقال الشاعر: ( من البسيط )
      لا أَستَطِيعُ نُزُوعاً عَن مَودَّتِها أَو يَصنَعَ الحُبُّ بِي غَيرَ الَّذِي صَنَعَا37
      وأَنْتَ قائِلٌ فِي الكَلامِ: لَسْتُ لأبِي إنْ لم أَقتُلْكَ أو تَسبِقَنِي فِي الأرضِ. فتنصبَ " تَسبِقَني " وتَجزِمُها. كأنَّ الجزمَ في جوازهِ: لَسْتُ لأبِي إنْ لم يَكُنْ أَحَدُ هذَيْنِ، والنَّصبُ على أنَّ آخرَهُ مُنقَطِعٌ عن أَوَّلِهِ، كما قالُوا: ل يَسَعُنِي شَيءٌ ويَضِيقَ عنكَ، فلم يَصلُحْ أنْ تَرُدَّ " لا "، على " ويَضِيقَ "، فَعُلِمَ أنَّها مُنقَطعة من معناها. كذلكَ قَولُ العربِ: لَو تُرِكْتَ والأَسَدَ لأَكَلَكَ، لَمَّا جاءَتِ الواو تَردُّ اسماً على اسمٍ قَبلَهُ، وقَبُحَ أنْ تَردَّ الفِعلَ الَّذِي رَفَعَ الأوَّلَ على الثاني نصبَ، ألا ترى أنَّكَ لا تَقُولُ: لَو تُرِكْتَ والأَسدُ لأَكَلَكَ. فمن ها هنا أتاهُ النَّصبُ، وجَازَ الرَّفعُ، لأنَّ الوَاوَ حَرفُ نَسَقٍ مَعرُوفٌ، فَجَازَ فِيهِ الوَجهَانِ لِلعِلَّتَيْنِ38.
      المسألة التاسعة:
      قوله تعالى: (لَئِنِ اجتَمَعَتِ الإنسُ والجِنُّ علَى أنْ يَأْتُوا بِمِثلِ هذا القُرآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثلِهِ)39. جواب " لَئِنْ " هو " لا يَأتونَ ". والعرَبُ إذا أجابَتْ " لَئِنْ " بـ " لا " جعلُوا ما بَعدَها رَفعاً، لأنَّ " لَئِنْ " كَاليَمِينِ، وجوابُ اليَمِينِ بـ " لا "مرفوع. وربّما جَزَمَ الشَّاعرُ، لأنَّ " لَئِنْ " الَّتي يُجازَى بِها زِيدَتْ علَيها لامٌ، فَوَجَّهَ الفِعلَ فِيها إلَى " فَعَل "، ولو أتَى بـ "يَفعَل " لجازَ جَزمُهُ. وقد جَزَمَ بَعضُ الشُّعَراءِ بـ " لَئِنْ "، وبَعضُهُم بـ " لا " الَّتِي هِيَ جَوابُها40 . قَالَ الأَعشَى: ( من البسيط )
      لَئِنْ مُنِيْتُ بِنا عن غِبِّ مَعرَكَةٍ لا تُلْفِنا مِنْ دِماءِ القَومِ نَنتَفِلِ41
      وأَنشَدَتْنِي امرأَةٌ عُقَيلِيَّةٌ فَصِيحةٌ: (من الطويل)
      لَئِنْ كَانَ مَا قَدْ حُدِّثْتُهُ اليَومَ صادِقاً أَصُمْ فِي نَهارِ القَيظِ لِلشَّمسِ بَادِيا
      وأَركَبْ حِماراً بَينَ سَرجٍ وفَروَةٍ وأُعرِ مِن الخَاتامِ صُغرَى شَمالِيا 42
      وهنا اجتَمعَ شَرطٌ وقَسَمٌ والسَّابِقُ مِنهُما هو القَسَمُ، ويَنبغِي أنْ يَكُونَ الجَوابُ لَهُ، ولكن جُوِّزَ الجزمُ، وجَزَمَ بَعضُهُم بـ" لَئِنْ " وبعضُهُم بـ " لا "التي وَقَعَتْ فِي الجَوابِ، وكانَ القِياسُ أنْ يأتيَ جوابُ القَسَمِ، ولكنَّهُ حُذِفَ ودلَّ علَيهِ جَوابُ الشَّرطِ المجزوم بـ " إنْ ".
      المَسأَلَةُ العاشِرَةُ:
      وقَولُهُ تَعالَى: ( ثُمَّ نُكِسُوا علَى رُؤوسِهِم، لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤلاءِ يَنطِقُونَ)43 ، يَقُولُ: رَجَعُوا عندَما عَرَفُوا مِنْ حُجَّةِ إبراهِيمَ، فَقَالُوا: ( لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤلاءِ يَنطِقُونَ )، والعِلمُ والظَّنُّ بِمَنزِلةِ اليَمِينِ. فَلِذلِكَ لَقِيْتَ العِلمَ بِما، فَقَالَ: علِمْتَ ما هؤلاءِ، كقولِ القائِلِ: واللهِ ما أَنتَ بِأَخِينا، وكَذلِكَ قَولُهُ: ( وظَنُّوا ما لَهُم مِنْ مَحِيصٍ)44.
      ولو أَدخَلَتِ العَرَبُ " أنْ " قَبلَ " ما "، فَقِيلَ: عَلِمْتُ أنْ ما فِيكَ خَيرٌ، وظَنَنْتُ أنْ ما فِيكَ خَيرٌ، كانَ صوابَاً. ولو اكتَفَوا بِتِلكَ الأداةِ فَلَم يُدخِلُوا علَيها " أنْ " لاستقامَ المعنى، ألا ترى قوله: (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِنْ بَعدِ مَا رَأَوا الآيَاتِ لَيَسجُنُنَّهُ)45. لو قِيلَ: أنْ لَيَسْجُنُنَّهُ كان صَوَاباً، كما قال الشاعر: (من الطويل)
      وَخَبَّرْتُما أَنْ إنَّما بَينَ بِيشَةٍ وَنَجرانَ أَحوَىُ، والمَحَلُّ خَصِيبُ
      فأَدخَلَ " أنْ " على إنَّما46.
      تعليق ومقارنة:
      أَرادَ هُنا فِي هذا الأُسلُوبِ أنْ يَقُولَ لَنا: إنَّ العِلمَ والظَّنَّ قَسَمٌ، وجَوابُ القَسَمِ ما بَعدَ " ما "، أي: مَا هؤلاءِ يَنطِقُونَ، فجَوابُ القَسَمِ جَاءَ مُقترِناً بِحرفِ النَّفيِ " ما "، وأرادَ أيضاً أَنْ يَقُولَ لَنا: إنَّ العَرَبَ تَضَعُ " أنْ " قبل " ما "، وهذا صَوابٌ عِندَهُم ولَيسَ بِخطأ، وأتى بِشَاهِدٍ علَى ذلِكَ.
      ومِن مِثلِ ذلِكَ أيضاً قَولُهُ تعالَى: ( وَعَدَ اللهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ )47 . العِدَةُ قَولٌ يَصلُحُ فِيها " أنْ و جَوابُ اليَمِينِ "، وإنَّ " أنْ" تَصلُحُ فِي مِثلِهِ من الكَلام48.

      المسألة الحادية عشرة:
      وقَولُهُ: ( قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأَهلَهُ)49 . وهيَ فِي قِراءةِ عبدِ الله: ( تَقَاسَمُوا بِاللهِ)، ليسَ فِيها " قالُوا ". وقَولُهُ: ( لَنُبَيِّتَنَّهُ )، التاء، والنُّون، والياءُ، كُلٌّ قَد قُرئَ بِهِ، فَمَنْ قالَ (تَقَاسَمُوا )، فَجَعَلَ (تَقَاسَمُوا) خَبَرَاً، فَكأَنَّهُ قالَ: قَالُوا مُتَقَاسِمِينَ: لَنُبَيِّتَنَّهُ، بالنُّونِ. ثُمَّ يَجُوزُ اليَاءُ فِي هذا المعنَى، فَتَقُولُ: قالُوا لَيُبَيِّتُنَّهُ، بالياء، كَمَا تَقُولُ: قَالُوا لَنَقُومَنَّ، ولَيَقُومُنَّ. ومَنْ قالَ: تَقَاسَمُوا، فَجَعَلَها فِي مَوضِعِ جَزمٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: تَحالَفُوا وأَقسَمُوا لَتُبَيِّتَنَّهُ، بالتاء والنُّون تَجُوزُ مِن هذا الوَجهِ، لأنَّ الَّذِي قالَ لَهُم تَقَاسَمُوا مَعَهُ فِي الفِعلِ داخِل، وإنْ كانَ قَد أَمَرَهُما ألا ترى أنَّكَ تَقُولُ: قُومُوا نَذهَبْ إلَى فُلانٍ، لأنَّهُ أَمَرَهُم، وهو مَعَهُم فِي الفِعلِ. فالنُّونُ أَعجَبُ الوُجُوهِ إلَيَّ، وإنَّ الكسائِيَّ يَقرأُ بالتَّاءِ، والعوامُّ علَى النُّون. وهِيَ فِي قِراءةِ عبدِاللهِ (تَقَاسَمُوا )، (ثُمَّ لَنُقسِمَنَّ ما شَهِدْنَا مَهلِكَ أَهلِهِ)50.


      تعليق

      • عبدالله بنعلي
        عضو نشيط
        • Apr 2014
        • 6053

        #4
        الموضوع: الفراء : أمير المؤمنين في النحو

        من موقع الاصلين :

        الفراء : أمير المؤمنين في النح
        بقلم : عماد أحمد الزبــن
        بسم الله الرحمن الرحيم
        ‏التقديم
        ‏الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، حتى أفصح وأبان، وسلس على لسانه زمام البيان، والصلاة والسلام على خير من نطق بالضاد، وهدى بهديه العباد، وألجم بفصاحته أهل العناد، وكشف بحجته سبل السداد.
        ‏أما بعد:
        ‏فقد أكرمني الله تعالى، بهذه الجولة الماتعة، في رحاب إمام كوفي عظيم الشأن. فجلت في رحاب شخصه ونظريته وعلمه جولة شائقة، أشرفت بها على رحاب منزلته الخطيرة، ومكانته الرفيعة، فتحت أمامي آفاق فهم، وسمحت لي أن أمتح من وافر فهمه وعميق درايته، حتى صرت أرى المدرسة الكوفية من خلال شخص الفراء.
        ‏وتنبع أهمية البحث في شخص وعلم الفراء، بداية من مكانته العلمية، فهو رأس في مذهبه، إمام في المدرسة الكوفية، من كبار نظارهم ومفتشيهم، فالباحث في منهجه، يقف على سمات مذهب لغوي كامل، ويكشف عن بصائر لغوية صدرت عن استقراء بالغ وتعمق في الرواية والقياس وتبحر في أساليب العرب المختلفة، وهو بهذا يرتقي درجة في سلم التبصر بنظرية مذهب نحوي، له منزلته وتأثيره.
        ‏ثم إن شخصية الفراء، وما فيها من سمات النحوي، تستفز الباحث، كي يجاريها في تسيار التنافس النحوي، حتى يجد قلمه يبحر في عباب من الخلافات والتعليلات، تثري البحث وتدفع إلى المزيد من استكناه إسهامات هذه الشخصية في مذهبة أولا وفي مذاهب الآخرين ثانيا.
        ‏لكن هذا الطراد لا يخلو من صعوبات تثنى وعوائق تحكى، فغالب كتب الفراء ما تزال مخطوطة،وأكثرها، للأسف، مفقود في غيابة المكتبات أو المجهول، وما طبع منها لا يكفي لتشكيل بصيرة وافية بنظريته - هذا مع قلة المطبوع وصعوبة الحصول عليه - وقد وقف الباحث على أكثر كتبه المطبوعة، لا سيما "معاني القرآن" و "المقصور والممدود"، وجهد في البحث عن كتب ومخطوطات له لم تذكر خدمة لتراث هذا الإمام العبقري. حتى ظفر بكتاب، فما وسعته الأرض فرحا، ثم سعى في الحصول على صورة نسخة منه، وبعد جهد تحقق المراد، ولكن سرعان ما تحركت جرثومة الشك في نفس الباحث حتى انفصل عن شك عظيم في نسبة الكتاب إلى الإمام الفراء، فرضي من الغنيمة بالإياب.
        ومن الصعوبات التي واجهها الباحث، كثرة الخلل في أكثر المسائل‏ ‏المتعلقة بترجمة الفراء، فيندر أن تجد مسألة في محك اتفاق بين المترجمين، الأمر الذي دعا إلى مزيد بحث ووقت، حتى جنفت اليراعة إلى غير المراد في بعض الفصول تلبية لحاجة البحث، والحق أن الوقت أقل من أن يتسع لبحث هذه الخلافات ،على أهميتها، الأمر الذي دعا الباحث إلى الإشارة إليها استفزازا للطامعين في سبر أغوارها، واستكناه مغاليقها.
        ‏وقد قسمت بحثي هذا بابين وسبعة فصول، واتبعت فيه ما تعارف عليه أهل البحث والتحقيق، وترسمت خطى منهجية البحث العلمي القائم على تحليل الوقائع واعتماد البراهين والأدلة مع التوثيق الكامل. واعتماد المراجع والمصادر المنتمية.
        ‏وبعد، فهذا جهد المقل، أرجو أن أضيف به إضاءة في فضاءات البحث عن مكنون هذا التراث العظيم لهذا الإمام النحرير، مستمطرا شآبيب الرحمة على روحه الزكية، فجزاه الله تعالى كل خير عن كل كلمة علم نطق بها أو سطرها، حتى تشهد له كل سوداء في بيضاء. والحمد لله رب العالمين من قبل ومن بعد.

        ترجمة الإمام الفراء
        ‏اسمه ونسبه: ‏
        ‏"الإمام يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور بن مروان الأسلمي الديلمي ‏الكوفي، مولى بني أسد، المعروف بالفراء، أبو زكريا( )، هذا أتم اسم وقفت عليه ‏له، وكذا نقله الميرزا أحمد الباقر في "روضات الجنان"( )، ولم يذكر في "وفيات الأعيان"( ) جده مروان، بل أوقعنا في شك في موالاته لبني أسد أو بني منقر، وإن صحت نسبته إلى الديلم، فأصل الفراء أعجمي من الترك؟ لأن الديلم "جيل من الناس معروف يسقى الترك"( )، وكذلك اختلف في اسم جده منظور، وقيل منصور، ‏قال الدكتور أحمد مكي الأنصاري في "أبو زكريا الفراء": "وأيا ما كان الأمر فإنني أرتضي رواية ابن خلكان، حيث تضافرت عليها أكثر الروايات، وحيث تصدى ‏دون غيره للضبط الذي لا يدع مجالا للشك، كما أن واقع الحياة لا يمانع من التسمية بمنظور كما يسمى بمنصور"( )، وهذا الذي قرره ‏الدكتور - مع الاحترام - ‏فيه نظر؟ لأن كثرة الروايات مع توحد مصدرها ليسر دليلا كافيا، فهي روايات في أكثرها تعتمد على النقل دون التحقيق، وأما ضبط ابن خلكان، فلم يظهر الدكتور وجهه. فكان ما تفضل به الدكتور مجرد حجة إقناعية، "وذكر أبو عبيد الله المرزباني في كتابه، أن زيادا والد الفراء كان أقطع؟ لأنه حضر وقعة الحسين بن علي "رضي الله عنه " قطعت يده في تلك الحرب"( )، قال ابن خلكان عقب هذا ‏النقل: "وهذا عندي فيه نظر، لأن الفراء عاش ثلاثا وستين سنة، فتكون ولادته سنة أربع وأربعين ومائة، وحرب الحسين كانت سنة إحدى وستين للهجرة، فبين حرب الحسين وولادة الفراء أربع وثمانون سنة، فكم عاش أبوه؟"( ).
        ‏لقبه ومولده:
        ‏كان أبو زكريا يلقب بالفراء ‏وقد أجمع كل من ترجم له، أنه لقب بالفراء "لأنه كان يفري الكلام "( ) ‏أي يصلحه، ‏يقولون: "أفراه، ‏أصلحه أو أمر‏بإصلاحه( ). ولد الفراء في الكوفة سنة (144هـ) على ما حققه الدكتور أحمد ‏الأنصاري( ) ثم انتقل إلى بغداد وجعل أكثر مقامه بها.
        نشأته وأخلاقه:
        ‏ولد الإمام في الكوفة، ثم انتقل إلى بغداد( )، ويظهر لي أن البيئة الكوفية، وما اتسمت به من شيوع التصوف الإشراقي، أثر في نشأة الإمام، فكان ورعا متدينا برا بأهله وقومه، ثم لما علا نجمه، وولج معترك المنافسة النحوية، وغدا إماما ورئيس نحلة، برز فيه شيء من التيه والتعظم؟ وهذا لا يستغرب، فنحن بالنهاية نتكلم عن إنسان تعتمل فيه أمشاج المشاعر ويتأثر بما حوله من أحوال وأقوال.
        ولعلنا نجد في هذا تفسيرا لهذه الجملة العجيبة التي تطالعنا عند الوقوف على ترجمة الفراء، وهي قولهم عنه: "كان الفراء متورعا متدينا على تيه فيه وتعظم"( )، ولكنها مجرد محاولة للتفسير لا أستطيع أن أقطع بها، فقد تتبعت الفراء فيما بين يدي من كتبه، فلم ألاحظ شيوع نزعة صوفية في تآليفه، ويبقى الكثير منها لم يصل إلينا.
        ‏وكان، رحمه الله، "شديد الطلب للمعاش، لا يستريح في بيته، وكان يجمع طول السنة، فإذا كان في آخرها، خرج إلى الكوفة فأقام بها أربعين يوما في أهله يفرق عليهم ما جمعه ويبرهم"( )، وهذا مظهر من مظاهر بره وانتمائه إلى أهله، ‏دال على سمو أخلاقه ودرجة التزامه.
        ‏وإن تعجب فعجب رواية ابن الأنباري عن الفراء أنه قال: "دخلت على الكسائي يوما وكان يبكي فقلت له: ما يبكيك؟ فتال: هذا الملك يحيى بن خالد يوجه إلي ليحضرني، فيسألني عن الشيء، فإن أبطأت في الجواب؟ لحقني منه عتب، وإن بادرت لم آمن من الزلل. قال: فقلت له: يا أبا الحسن، من يعترض عليك؟ قل ما شئت؟ فأنت الكسائي. فأخذ لسانه وقال: قطعه الله إذن إذا قلت ما لا أعلم "( )، فإن ‏خلصت هذه الرواية، ولم تكن مشوبة بكدر الحسد والغيرة والمنافسة، فهي دليل على ما أسلفناه من تأثر الفراء بهذا المناخ من المنافسة وحب الغلبة بين النحويين.
        ‏ئشأته العلمية:
        ‏نشأ الإمام الفراء في بيئة الصراع بين المعتزلة وأهل السنة( )، الأمر الذي جعله يمتح من الأعراف. الكلامية السائدة، كما أسلفنا، فظهرت هذه النزعة في تآليفه، وكان يتفلسف في تصانيفه، ويستعمل فيها ألفاظ الفلاسفة "( )، واستطاع ‏الإمام بناء صرح ثقافي متعدد المنابع، مرتكز على القرآن الكريم وقراءاته، والحديث الشريف ‏وشعر العرب ونثرها، وكذلك لغة التخاطب العربي بوجه عام على اختلاف طرائق التحصيل من الرواية أو المشافهة، وما إلى ذلك من مؤلفات في التفسير( )، مع حافظة واسعة وبديهة متوقدة، ومشاركة عميقة بالفقه والخلاف ‏والنجوم والطب وأيام العرب( ).
        ‏وقد توفر له أئمة أعلام شاركوا في نشأته وبناء ثقافته؟ وعلى رأسهم الكسائي، رأس المدرسة الكوفية، وكان هذا عمدة الفراء، "وأخذ نبذا عن يونس"( )، ‏وروى عن قيس بن الربيع، ومندل بن علي( )، وكان يتصل بالأعراب ويأخذ ممن يثق به مثل "أبي الجراح وأبي ثروان"( )، وكان الفراء بحق أحفظ الناس لنوادر ‏الكسائي( )، لذلك نجده ينفرد بالنقل عنه أحيانا( ).

        ثناء العلماء عليه:
        ‏الإمام الفراء علم أسهم بشكل فاعل في بناء الكيان الشافي والفكري في بيئته، وأثر بصورة جلية في كثير من البيئات التي نهلت من علمه وأساليبه، الأمر الذي جعله يحتل مركزا ساميا، ومنزلة جليلة في نفوس العلماء والأئمة، حدتهم على مدحه والثناء عليه، حتى بعد صيته وغدا بحق إمام عصره ونسيج وحده. "ويحكى عن ثعلب أنه قال: لولا الفراء لما كانت عربية؟ لأنه خلصها وضبطها، ولولا الفراء لسقطت العربية؟ لأنها كانت يتنازع فيها، ويدعيها كل من أراد ويتكلم الناس فيها على مقادير عقولهم وقرائحهم فتذهب "( )، وقد استعار علماء النحو لقبا علميا ‏من المحدثين، يدل على أعلى درجات التعمق في المادة العلمية والفهم لشواردها ولما اعتاص وغاص من مادتها، فقالوا: "الفراء أمير المؤمنين في النحو"( )، وكان ‏الكسائي يثني على الفراء، ويراه: "أحسن عقلا وأبعد فكرا"( ) من الأحمر. وعندما رآه ثمامة بن الأشرس المعتزلي( ) أكبره وقال فيه: "رأيت أبهة أديب، فجلست إليه، ‏ففاتشته عن اللغة فوجدته بحرا، وفاتشته عن النحو فشاهدته نسيج وحده، ‏وعن الفقه فوجدته رجلا فقيها عارفا باختلاف القوم( ). وهذا يدل أيضا على مشاركة الفراء ‏الفاعلة في غير علم، بل تعمقه وتبحره في هذه العلوم، فحق لأبي بكر الأنباري أن ‏يقول: "لو لم يكن لأهل بغداد والكوفة من علماء العربية إلا الكسائي والفراء لكان ‏لهم بهما الافتخار على جميع الناس"( ).
        وما كانت هذه الشهادات من هؤلاء الجلة إلا نتاج بحث وتنقير، وعرض ‏على مناهج المفتشين الأعلام من النحاة واللغويين والمترجمين، وتسيار طويل في تآليفه وآثاره وتأثيره، حتى استروحوا بعد طول الطراد، إلى أنه "كان أبرع الكوفيين ‏وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب"( )، بل كان سلمة بن عاصم يعجب من "الفراء ‏ كان يعظم الكسائي وهو أعلم بالنحو منه"( ).
        ‏موقفه من العلماء:
        ‏لا يستطيع الباحث المصنف أن يبرئ الفراء من العصبية التي أشاعها المناخ التنافسي بين النحاة، الذي اتخذ طابعا شخصيا في بعض جوانبه؟ فظهر بتتبع الأخطاء وتعمد المخالفة. ويظهر هذا جليا بين نحاة المدرستين، لما نجم بينهم من تنافس علمي ربما خرج أحيانا إلى الطابع الشخصي، فقد جهد البصريون في إنكار استكثار الفراء من يونس( )، لأجل هذه النزعة العصبية، وصاحبنا الفراء لم ينج ‏من هذه النزعة أيضا لا سيما في علاقته مع سيبويه وكتاب سيبويه، فقد كان "زائد ‏العصبية على سيبويه"( )، "يتعمد خلافه حتى في ألقاب الإعراب وتسمية الحروف"( )، وأما ملازمته كتاب سيبويه، فقد حملها الكوفيون على محمل النقد وتتبع الأخطاء، ليدفعوا عن صاحبهم تهمة الاستفادة من هذا الكتاب، فقد علق الحامض( ) على هذه الملازمة بقوله: "إنما كان لا يفارقه؟ لأنه كان يتتبع خطأه ولكنته"( )، ولا ننسى موقف الفراء من أبي عبيدة معمر بن المثنى، فقد كان يتعقبه "ويفخره ولا يصرح باسمه، بل يكني عنه بقوله: من لا يفهم العربية"( ).
        ‏وقد يحسن أن نقف على مناظرة الفراء مع الجرمي، لنستكشف معالم هذا المناخ التنافسي. "قال سلمة: خرجت من منزلي فرأيت أبا عمرو الجرمي واقفا على بابي، فقال لي: يا أبا محمد، امض بي إلى فرائكم هذا. فقلت له: امض، فانتهينا إلى الفراء وهو جالس على بابه يخاطب قوما من أصحابه في النحو، فلما عزم على النهوض، قلت: يا أبا زكريا، هذا أبو عمرو صاحب البصريين يجب أن تكلمه في شيء. قال: نعم، ما تقول أصحابك في كذا وكذا. قال: كذا وكذا. قال: يلزمهم كذا وكذا، وتفسير هذا من جهة كذا وكذا. قال: فألقى عليه مائل وعرفه الإلزامات فيها، فنهض وهو يقول: يا أبا محمد ما هذا إلا شيطان، يكرر ذلك ثلاثا"( ).
        ‏وربما خالف الفراء غيره بموجب قناعة علمية محضة مجردة عن غير جرثومة العلم. ويظهر هذا في مخالفته لشيوخه، فقد كان "يخالف على الكسائي في كثير من مذاهبه "( ) ولا أحسب مخالفته لشيوخه إلا من باب التحقيق العلمي المجرد عن أي التعصب أو نزعة بخلاف العلم.





        مذهبه في الكلام :
        ‏ عاش الفراء خضما من الآراء الكلامية، لا سيما الحرب الضروس بين دعاة الاعتزال وأهل السنة، ومن البدهي أن يتخذ رجل مثل الفراء موقفا من هذه الآراء. مبنيا على تحقيق علمي عقلي ناضج. ونلاحظ أن بعض من ترجم له نسبه إلى الاعتزال أو الميل إلى الاعتزال( )، ولكن الفراء مع اطلاعه ‏على مناهج المعتزلة، ورفقته لهم، لم يكن له طبع في علمهم. قال الجاحظ: "دخلت ‏بغداد في سنة أربع ومئتين حين قدم إليها المأمون، وكان الفراء يحبني ويشتهي أن يتعلم شيئا من علم الكلام، فلم يكن له فيه طبع"( )، لذلك قال الإمام ابن خلكان: "وكان الفراء لا يميل إلى الاعتزال"( )، وقال الفراء: "كنت أنا وبشر المريسي، المقدم ذكره، في بيت واحد عشرين سنة، ما تعلم مني شيئا ولا تعلمت منه شيئا"( )، والناظر في تفسيره لا يلاحظ وجودا لأمات المسائل عند المعتزلة، بل هو ‏يقرر مسائل أهل السنة لا سيما في آيات الصفات، وقد خلص الدكتور أحمد مكي الأنصاري إلى أن الفراء كان رائد الأشاعرة( ) في زمانه. وقد امتدحه العلماء بذلك فقالوا: "وكان الفراء من أهل السنة، ومذاهبه في التفسير حسنة"( ).

        ‏آثاره
        ‏ترك هذا الإمام الفذ تراثا زاخرا، وتواليف نافعة، ولكن، وللأسف، أتت يد ‏الضياع والنسيان على كثير منها فلم تصل إلينا، وكانت كتبه قبلة العلماء في زمانه، ولمن جاء بعده، وكان العلماء يعتمدون عليها ويتخرجون بها، يقول ثعلب: "ابتدأت في طلب العربية واللغة في سنة ست عشرة ومائتين، ونظرت في حدود الفراء ‏وسني ثماني عشرة سنة، وبلغت خمسا وعشرين سنة، وما بقيت علي مسألة للفراء ‏إلا وأنا أحفظه"( )، وكان يملي كتبه كلها حفظا( )، "ولم يأخذ بيده نسخة إلا في ‏كتابين، ومقدار كتب الفراء ثلاثة آلاف ورقة، وكان مقدار الكتابين خمسين ورقة"( ). ومن كتبه التي وصلت إلينا، أو ذكرها العلماء:
        ‏1- معاني القرآن
        ‏وكان سبب إملائه: أن أحد أصحابه، وهو ابن بكير "كتب إلى الفراء، أن ‏الأمير الحسن لا يزال يسألني عن "أشياء من القران، لا يحضرني عنها جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولا وتجعل ذلك كتابا يرجع إليه، ففعلت"( )، وقد امتدح العلماء هذا الكتاب، قال ابن خلكان: "وهو كتاب لم يعمل مثله ولا يمكن لأحد أن ‏يزيد عليه"( )، وقال راوي كتاب المعاني: "وأردنا أن نعد الناس الذين اجتمعوا ‏لإملاء كتاب المعاني. فلم نضبطهم ‏فعددنا القضاة، فكانوا ثمانين قاضيا ‏فلم يزل يمليه حتى أتمه"( ). وقد وصل إلينا هذا الكتاب. وتم طبعه غير طبعة، وكان العلماء ‏يقرئون هذا الكتاب ويجيزون به( ).
        2- كتاب الحدود:
        ‏ألفه قبل كتاب المعاني( )، وقال الدكتور إحسان عباس، رحمه الله ‏: "كتاب الحدود، هو كتاب في الإعراب جمع فيه مئة وأربعين حدا" ( ). وقد ألفه بأمر المأمون.
        3- البهي: ألفه للأمير عبد الله بن طاهر.
        4- المصادر في القرآن.
        5- كتاب اللغات.
        6- كتاب الوقف والابتداء.
        7- كتاب الجمع والتثنية في القرآن.
        8- اختلاف أهل الكوفة والبصرة والشام في المصاحف. 9- آلة الكاتب.
        ‏10- ‏الفاخر.
        11- كتاب النوادر.
        12- كتاب فعل وأفعل.
        13- كتاب المقصور والممدود، وقد وصل هذا الكتاب إلينا وطبع غير طبعة
        14- كتاب المذكر والمؤنث
        15- كتاب يافع ويافعة.
        16- كتاب ملازم.
        17- كتاب مشكل اللغة الكبير.
        18- كتاب مشكل اللغة الصغير.
        19- كتاب الواو( ).
        20- ما تلحن فيه العامة
        21- الأيام والليالي( ).
        ‏كتب منسوبة إليه:
        ‏- عدد آي القرآن:
        ‏هذا الكتاب لم يذكره أحد من المترجمين أو الدارسين، فيما وقفت عليه حتى الآن، وهو ما يزال مخطوطا، من محفوظات تشستر بيتي/دبلن برقم(4788). وقد حصلت على نسخة مصورة منه. وربما يكون منسوبا إلى الفراء( )، وهو يرتب آي ‏القرآن ويذكر مواضعها في القرآن الكريم وعدد ورودها، ولكنني في شك عظيم من صحة نسبة هذا الكتاب إلى الإمام الفراء، لأن كتب الإمام الفراء كانت تتناقل ويعتنى بها كثيرا ومن الصعب أن يند كتاب منها عن مترجميه لا سيما إذا كان في آي القرآن الكريم. ثم هذه المخطوطة خلت من أي سند أو قراءة أو إجازة، وعدد أوراقها (112) ورقه، وخطها نسخي قديم، نسخها محمد بن رمضان ( ). وهذه ‏صورة مصغرة منها:

        تعليق

        • مصطفى شعبان
          عضو نشيط
          • Feb 2016
          • 12782

          #5
          المَبحَثُ الرَّابِعُ
          مسائِلُ مُتَفَرِّقةٌ
          وقوله: (ق والقُرآنِ المَجِيدِ)51. ق فيها المعنى ألَّذِي أَقسَمَ بهِ، ذَكرَ أّنَّها قُضِيَ واللهِ، كما قِيلَ فِي حم: قُضِيَ واللهِ، وحُمَّ واللهِ: أي: قُضِيَ. والقرآن المجيدِ لَتُبعَثُنَّ، أو لَيُبعَثُنَّ بعدَ الموتِ52. هذا القسَمُ نوع تقليدي بأداة قسمٍ وجوابٍ مقدَّرٍ، أداة القَسَمِ هِيَ الواو، وجواب القسمِ المقدَّر هو لَتُبعَثُنَّ بعد الموتِ. فالواو حرفُ جرٍّ وقَسَمٍ. واللهِ: لفظ الجلالة اسم مجرور. والجار والمجرور متعلقان بفعلٍ محذوف. وجملةُ (لَتُبعثُنَّ ): جوابُ القَسَمِ لا محلَّ لها من الإعرابِ. وهي جملةٌ فِعليَّة.
          وقوله: ( والذَّارِياتِ ذَرواً).53 يعني الرِّياح،: (إنَّكُمْ لَفِيْ قَوْلٍ مُختَلِفٍ)54. جَوابٌ لِلقَسَمِ، والقولُ المختلِفِ: تَكذِيبُهُم بَعضُهُم بِالقُرآنِ، وبِمُحمَّدٍ، وإيمانِ بَعضِهِم55.
          هذا القَسَمُ صَريحٌ جاءَتْ أَداتُهُ الواو، وهِيَ حَرفُ جرٍّ وقَسمٍ. والذَّارِياتِ: اسمٌ مجرورٌ. والجارُّ والمجرورُ مُتَعلِّقانِ بِفعلٍ مَحذُوفٍ أُقسِمُ. وجملة (إنَّكُم لَفِي قَولٍ مُختَلِفٍ): جوابُ القَسَمِ لا مَحلَّ لَها مِن الإعرابِ. وهي جملة اسميَّةٌ. جاءَ الجوابُ هنا جُملةً اسميَّةً مؤلَّفةً مِن إنَّ واسمِها وخَبرِها.
          وقولُهُ: ( فَوَرَبِّ السَّمَاْءِ والأَرْضِ)56. أَقسَمَ عزَّ وجلَّ بِنفسِهِ: أنَّ الَّذِي قُلْتُ لَكُم لَحَقٌّ مِثلَ ما أنَّكُم تَنطِقُونَ. وقد يَقُولُ القَائِلُ: كَيفَ اجتَمَعَتْ " ما "، و " أنَّ "، وقَد يُكتَفَى بِإحدَاهُما مِن الأخرى، وفيه وجهان، أحدُهُما: أنَّ العربَ تَجمعُ بَينَ الشَّيئَيْنِ من الأسماءِ والأدواتِ إذا اختَلَفَ لَفظُهُما، فَمِن الأسماء قَولُ الشَّاعِرِ: ( من الطويل )
          مِنَ النَّفَرِ الَّلائِي الَّذِينَ إذا هُمُ *** يَهابُ الَّلئامُ حَلْقَةَ البَابِ قَعقَعُوا 57
          فَجَمَعَ بَينَ " الَّلائِي "، و " الَّذِينَ "، وأحدُهُما مُجزِيءٌ عنِ الآخِرِ.
          وأمَّا فِي الأَدواتِ فَقولُهُ: (من الكامل)
          ما إنْ رَأَيْتُ ولا سَمِعتُ بِهِ *** كَاليَومِ طالِيَ أَينُقٍ جُرْبِ 58
          فَجَمَعَ بينَ " ما " وبينَ "إنَّ "، وهما جَحدانِ أَحدُهُما يُجزِي عنِ الآخرِ.
          وأمَّا الوَجهُ الآخرُ فإنَّ المعنَى لَو أُفرِدَ بِما لَكَانَ كأنَّ المَنطِقَ فِي نَفسِهِ حَقٌّ لا كَذِبٌ، ولَم يُرَدْ بِهِ ذلِكَ. إنَّما أرادُوا أنَّهُ لَحَقٌّ كما حَقٌّ أنَّ الآدمِيَّ ناطِقٌ59 .

          تعليق ومقارنة:
          وفِي أُسلُوبِ القَسَمِ الَّذِي ذَكَرَهُ -سُبحانَهُ وتَعالَى- أَقسَمَ بنفسِهِ، فَالواوُ حرفُ جرٍّ وقَسَمٍ، وربِّ: لفظ الجلالة. اسمٌ مجرورٌ. والجارٌّ والمجرورُ متعلِّقان بِفعلٍ مَحذُوف أُقسِمُ، وجَوابُ القَسَمِ: " أنَّ الَّذِي قُلْتُ لَكُم لَحَقٌّ مِثلَ ما أنَّكُم تَنطِقُونَ " جُملةُ جوابِ القَسَمِ لا مَحلَّ لها مِن الإعرابِ. وهِيَ اسميَّةٌ. وهُنا أَمرانِ تَكلَّمَ فِيهِما الفرَّاء، الأوَّل أنَّ العَربَ تَجمَعُ بَينَ المِثلينِ مِن الأسماءِ والأدواتِ وهذا لِلتأكِيدِ، وقَد يَختلِفُ الَّلفظانِ، وهذا ممَّا أَجمَعَ علَيهِ النَّحويُونَ، ولم يَختلِفُوا فِيهِ وعلَّلُوا ذلِكَ تَعلِيلاً حَسَناً.
          والأَمرُ الثَّانِي الَّذِي ذَكرَهُ الفرَّاءُ يَتَعلَّقُ بالمعنى، وذلِكَ أنَّ "ما " إذا وَرَدَتْ فِي الكَلامِ دُونَ " إنْ " فَكَأنَّهُ أكَّدَ المَنطقَ فِي نَفسِهِ حَقٌّ لا كَذِبٌ، والأَصلُ لم يَذهَبْ بهِ هذا المَذهَبَ إنَّما الصَّحِيحُ القولُ: أنَّه لَحقٌّ كَمَا هُو حَقٌّ أنَّ الآدَمِيَ ناطِقٌ.
          وقَولُهُ: ( والنَّجْمِ إِذَا هَوَى، ما ضَلَّ صَاْحِبُكُمْ )60. أَقسَمَ-تبارك وتعالى- بالقُرآنِ، لأَنَّهُ يَنزِلُ نُجُوماً، الآية والآيتانِ، وكانَ بَينَ أَوَّلِ نُزُولِهِ وآخِرِهِ عِشرُونَ سَنَةً. وقوله: " ما ضَلَّ صَاْحِبُكُمْ "جوابٌ لِقَولِهِ " والنَّجْمِ إِذَا هَوَى "61.
          تعليق:
          جَاءَ القَسَمُ فِي هذِهِ الآيةِ مبدوءاً بالواوِ، وهُو حرفُ جرٍّ وقَسَمٍ، والنَّجمِ: اسمٌ مَجرُورٌ. والجارُّ والمجرُورُ متلِّقانِ بفعلٍ مَحذُوف تقديرُهُ : أقسِمُ. وجواب القسَمِ " ما ضَلَّ صَاحِبُكُم " جملة فعلية مقترنة بأداة النفي" ما " لا محلَّ لها من الإعراب.
          فالماضِي المنفِي جاءَ جواباً لِلقَسَمِ، وهنا يَنقَلِبُ إلَى مَعنى المُستَقبَلِ، لماذا؟ لأنَّ الجوابَ كما ذَكَرنا جاءَ بالماضي، نحو: واللهِ ما قامَ زَيدٌ، وأمَّا إنْ نُفِيَ بـ " لا " ، أو " إنْ "انقَلَبَ إلى معنَى الحَاضِر.

          وقولُهُ: ( لا أُقسِمُ بِيَومِ القِيامَةِ، ولا أُقسِمُ بِالنَّفْسِ الَّلوَّامَةِ )62. قالَ أبُو عبدِ اللهِ: سَمِعْتُ الفرَّاءَ يَقُولُ: وقوله " لا أُقسِمُ " كانَ كَثيرٌ من النَّحْويِينَ يَقُولُونَ: " لا " صلةٌ، قالَ الفرَّاءُ: ولا يُبتَدَأُ بِجَحدٍ، ثُمَّ يُجعَلُ صِلَةً يُرَادُ بِهِ الطَّرْحُ، لأنَّ هذا الوِجازَ لَم يُعرَفْ خَبرٌ فِيهِ جَحدٌ مِنْ خَبرِ لا جَحدَ فِيهِ. ولكنَّ القُرآنَ جاءَ بالرَّدِّ علَى الَّذِينَ أَنكَرُوا البَعثَ والجنَّةَ والنَّارَ، فَجاءَ الإِقسَامُ بِالرَّدِّ علَيهِم فِي كَثيرٍ من الكلامِ المبتَدأِ منهُ، وغير المبتَدأ، كَقولِكَ فِي الكَلامِ: لا واللهِ لا أَفعَلُ ذاكَ، جَعَلُوا " لا " وإنْ رَأَيْتَها مُبتَدَأةً رَدَّاً علَى لِكلامٍ قد كانَ مَضَى، فَلَو أَلقَيْتَ "لا"، ممَّا يُنوَى بِهِ الجوابُ لم يَكُنْ بينَ اليَمينِ التي تكونُ جواباً، واليمينِ التي تَستأنِفُ فَرقٌ.
          تعليق ومقارنة:
          ألا تَرَى أنَّكَ تَقُولُ مُبتَدِئاً: واللهِ إنَّ الرَّسُولَ لَحَقٌّ، فإذا قُلْتَ لا واللهِ إنَّ الرَّسُولَ، فكأنَّكَ أَكذَبْتَ قَوماً أَنكَرُوهُ، فَهذِهِ جِهةُ " لا " مع الإقسامِ، وجميع الأيمانِ في كلِّ مَوضِعٍ ترى فيهِ " لا " مُبتَدأٌ بِها، وهُو كَثيرٌ فِي الكَلامِ.
          وكانَ بَعضُ مَنْ لم يَعرِفْ هذِهِ الجِهةِ فيما ترى يَقرَأُ: ( لَأُقسِمُ بِيَومِ القِيامَةِ )63 ، ذُكِرَ عنِ الحَسَنِ يَجعلُها " لاماً " دَخَلَتْ علَى أُقسِمُ، وهو صوابٌ، لأنَّ العربَ تَقُولُ: لأَحلِفُ بِاللهِ لَيَكُونَنْ كذا وكذا، يَجعَلُونَهُ " لاماً " بِغَيرِ مَعنى " لا ".
          وقَرَأَ " لَأُقسِمُ " الأُولَى بِحذفِ الألِفِ مِن غيرِ لَفظِ " لا " البزي، من طريقِ أبي ربيعة، وقنبل. ووُجِّهَتْ بِأنَّ الَّلامَ لا التأكيد، أو جوابَ قسمٍ مُقدَّر، دخلَتْ علَى مُبتدأ محذُوفٍ، أي: لأنا أُقسِمُ، وإذا كانَ الجوابُ جُملةً اسمِيَّةً أُكِّدَ بِالَّلامِ، وإذا كانَ خبرها مُضارِعاً جازَ أنْ يَكُونَ للحالِ، لأنَّ البَصرِيينَ يَمنَعُونَ أنْ يَقَعَ فِعلُ الحالِ جواباً لِلقسم، فإنْ وَرَدَ ما ظاهِرُهُ ذلِكَ كما هنا جُعِلَ الفِعلُ خبرَ المضمَرِ، فَيَعُودُ الجوابُ جملةً اسميَّة، والتقدير: واللهِ لأنا أقسمُ64 .
          الخاتِمةُ وأهمُّ النتائِجِ:
          وبَعدَ دِراسَةِ القَسَمِ وبيانِ قِيمتِهِ النَّحويَّة كَأُسلُوبٍ خَبريٍّ يُفيدُ التوَّكِيدَ ويُفَصِّل الظَّاهِرةَ النَّحويَّةَ الَّتِي تَقَعُ بَينَ يَديِ القَارِئِ، فَالترَّكِيبُ المشتَمِلُ على القَسَمِ يُمثِّلُ صُورةً مِن صُورِ النِّظامِ الُّلغَويِّ، فَالتَّحلِيلُ النَّحويُّ من خلالِ النُّصوصِ يُحدِّدُ التراكِيبَ والأنظمةَ الُّلغويَّة، وكَشَفَ البحثُ ذلِكَ مِن خلالِ دِراسةِ القَسَمِ الوَارِدِ فِي مَعانِي القُرآنِ.
          وقد بيَّنَ البحثُ أنواعَ القَسَمِ وأَدواتِهِ، وقَد جَاءَ ذلِكَ مَشفُوعاً بِالشَّواهِدِ والأدلَّةِ مِن مَعانِي القُرآنِ فِي هذِهِ الدِّراسةِ المُتواضِعةِ، مَعَ ذِكرِ وُجُوهِ القِراءاتِ القُرآنِيَّةِ، وأظهرَ نِظامَ العَلاقاتِ النَّحويَّةِ فيهِ، وهذِهِ العَلاقَاتُ هيَ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِها التَّركِيبُ، فلا تركِيبَ بِدُونِ علاقاتٍ بَينَ مُفرداتِهِ. وأهمُّ النتائِجِ:
          -العِنايةُ بِالدِّراساتِ اللغويَّةِ والنَّحويَّةِ فِي أعاريبِ القُرآنِ، وبيانُ الأَوجُهِ النَّحويَّةِ المُختَلِفةِ.
          -استِعمالُ الفرَّاء لمُصطلَحِ اليَمينِ بدلاً من القَسمِ في ثلاثةَ عَشرَ موضعاً، على حين استعمَلَ القًسَمَ مرَّة واحِدة.
          – تَعمِيقُ الوَعِي بِالتُّراثِ الُّلغَويِّ وَبيانُ عَلاقتِهِ بِحاضِرِ المَعرفَةِ الأَدَبِيَّةِ والُّلغَويَّةِ ومُستَقبلِها .
          – المَعرفةُ التَّارِيخيَّةُ الَّتِي تُتِيحُها القِراءةُ لِلتُراثِ بِوَصفِها عَلاقةً بَينَ زَمَنَينِ زَمنِ القَارِئِ وزَمنِ المَقرُوءِ.

          -----------------------------
          المصادر والمراجع:
          1-إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر: أحمد بن محمد بن عبدالغني البنا الدمياطي (ت 1117ه) تحقيق: عبدالرحمن الطرهوني، دار الحديث، القاهرة، 1430هـ-2009م.
          2-البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة: أبو حفص سراج الدين عمر بن زين الدين قاسم بن محمد بن علي الأنصاري النشار (ت 938هـ)، تحقيق: علي محمد معوض، وعادل أحمد عبدالموجود، وأحمد عيسى المعصراوي، عالم الكتب، بيروت، لبنان، 1421هـ-200م.
          3-بناء الجملة العربية: د. محمد حماسة عبداللطيف، دار غريب، القاهرة، 2003م.
          4-ديوان امرئ القيس: تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ط2، 1964م.
          5-ديوان زهير بن أبي سلمى (شرح شعر زهير) صنعة ثعلب، تحقيق: د. فخر الدين قباوة، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1982م.
          6-ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات: تحقيق وشرح محمد يوسف نجم، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، 1986م.
          7-ديوان النابغة الذبياني، صنعة ابن السكيت، تحقيق: د. شكري فيصل، بيروت، 1388هـ- 1968م، وتحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم صنعة الأعلم الشنتمري، دار المعارف، القاهرة، 1977م.
          8-سِرُّ صناعة الإعراب: لأبي الفتح عثمان بن جني (392هـ): تحقيق: محمد حسن إسماعيل، وأحمد رشدي شحاتة، دار الكتب العلمية، بيروت، 1428هـ-2007م.
          9-شرح ابن عقيل، بهاء الدين عبدالله بن عقيل الهمداني المصري(ت769هـ) على ألفية ابن مالك، أبي عبدالله محمد ابن مالك (ت672هـ)، ومعه كتاب منحة الجليل، بتحقيق شرح ابن عقيل: تأليف محمد محيي الدين عبدالحميد، راجع الطبعة ونقحها: د.محمد أسعد النادري، المكتبة العصرية، صيدا، 1428ه-2007م.
          10- شرح ديوان لبيد العامري، تحقيق: د. إحسان عباس، وزارة الإعلام الكويتية،ط2، 1984م.
          11-شرح المفصل: ابن يعيش، يعيش بن علي (ت643هـ)، عالم الكتب، بيروت، ومكتبة المتنبي، القاهرة، د.ت.
          12-قواعد الإعراب المسمى موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب: الشيخ خالد الأزهري (ت905هـ)، تحقيق ودراسة وتعليق: خالد إسماعيل حسان، مكتبة الآداب، القاهرة، 1432هـ -2010م.
          13-الكتاب: سيبويه، عمرو بن عثمان بن قنب‍ر (ت180هـ)، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الخامسة، 1430هـ-2009م.
          14--معاني القرآن: تأليف أبي زكرياء يحيى بن زياد الفرَّاء (ت 207هـ-822م)، تحقيق: أحمد يوسف نجاتي، ومحمد علي النجَّار، ط3، القاهرة، مركز تحقيق التراث، مطبعة دار الكتب والوثائق القومية، 1422هـ -2001م.
          15-معجم القراءات القرآنية: د.عبداللطيف الخطيب، دار سعدالدين للنشر والطباعة، دمشق، 2000م.
          16-مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: جمال الدين عبدالله بن يوسف بن أحمد بن هشام الأنصاري (ت761هـ)، قدَّم له ووضع حواشيه وفهارسه: حسن حمد، وأشرف عليه وراجعه: إميل يعقوب، دار الكتب العلمية، بيروت، 1418هـ-1998م.
          17-مفردات ألفاظ القرآن: الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل(ت502هـ)، تحقيق صفوان عدنان داودي، دار القلم، دمشق، والدار الشامية، ط2، 1418هـ-1997م
          18-المُفَصَّل في صَنعةِ الإعرابِ: الزمخشري، لأبي القاسم محمود بنِ عمرَ بنِ مُحَمَّدٍ الخوارزمي (ت538هـ)، تحقيق: د.خالد إسماعيل حسان، مكتبة الآداب، القاهرة، 2009م.
          17-المقتضب: لأبي العباس محمد بن يزيد المبرِّد (ت285هـ)، تحقيق: حسن حمد، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1420هـ-1999م.

          -----------------------
          1 لسان العرب لابن منظور (711هـ) مادة (قَسَمَ)
          2 شرح ديوان لبيد العامري، تحقيق: د. إحسان عباس، وزارة الإعلام الكويتية،ط2، 1984م، ص131، وينظر القاموس المحيط مادة (قَسَمَ). وأمك هابل: دعاء عليه، كقولك ثكلتك أمُّك.
          3 الآية 21 من سورة الأعراف.
          4 مفردات ألفاظ القرآن: الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل(ت502هـ)، تحقيق صفوان عدنان داودي، دار القلم، دمشق، والدار الشامية، ط2، 1418هـ-1997م، ص670.
          5 لسان العرب والقاموس المحيط مادة (حلفَ).
          7 المُفَصَّل في صَنعةِ الإعرابِ: للزمخشري، لأبي القاسم محمود بنِ عمرَ بنِ مُحَمَّدٍ الخوارزمي (ت538هـ)، تحقيق: د.خالد إسماعيل حسان، مكتبة الآداب، القاهرة، 2009م، ص471.
          8 الكتاب: لسيبويه، عمرو بن عثمان بن قنب‍ر (ت180هـ)، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الخامسة، 1430هـ-2009م، 3: 104.

          9بناء الجملة العربية: د. محمد حماسة عبداللطيف، دار غريب، القاهرة، 2003م، ص228.
          10 الآية 57 من سورة الأنبياء.
          11 الكتاب 3: 496-497.
          12 الآية 102 من سورة البقرة.
          13 الآية 12 من سورة الحشر.
          14 الآية 58 من سورة الروم.
          15 الآية 145 من سورة البقرة.
          16 الآية 51 من سورة الروم.
          17 الآية 103 من سورة البقرة. معاني القرآن 1: 84.
          18 الآية 81 من سورة آل عمران. قرأ الحسن وحمزة ويحيى بن وثاب وهبيرة عن حفص عن عاصم " لِما " بكسر اللام الجارة، وتخفيف الميم. ينظر معجم القراءات القرآنية: د.عبداللطيف الخطيب، دار سعد الدين للنشر والطباعة، دمشق، 2000م، 1: 535.
          19 معاني القرآن 1: 225.
          20 إعراب القرآن: لأبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل الملقب بابن النحاس (ت388هـ)، تحقيق: زهير غازي زاهد، عالم الكتب، بيروت،ط1، 1426هـ-2005م، ص211.
          21 الكتاب 3: 107.
          22 الكتاب 3: 107. والشاهد فيه: مجيء " أن "توكِيداً لقسم، والثانية وقعت جواباً للقسم، ولذلك لا تجتمع " الَّلامانِ " في موضع واحد، فتقدمت واحدة وتأخرت أخرى.
          23 الآية 72 من سورة النساء.
          24 معاني القرآن 1: 275.
          25 لسان العرب مادة: "بطؤ ".
          26 الآية 119 من سورة هود.
          27 الآية 35 من سورة يوسف.
          28 معاني القرآن 2: 31.
          29 الآية 73 من سورة يوسف.
          30 معاني القرآن 2: 51.
          31 الآية 85 من سورة يوسف.
          32 ديوان امرئ القيس، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، 1964، ص32.
          33 الآية 13 من سورة إبراهيم.
          34 معاني القرآن 2: 70.
          35 معاني القرآن 2: 70. ينظر في اللسان مادة ( ذا ) في حرف الألف اللينة. وينظر شرح ابن عقيل 2: 329. والبيتانِ يُنسَبان إلَى رؤبة بن العجاج، وقال ابن بري: هما لأعرابيٍّ قَدِمَ من سفرٍ فَوَجَدَ امرأتَهُ وَضَعَتْ فَأنَكرَهُ.
          36 ديوان امرئ القيس، ص32.
          37 الآية 16 من سورة الفتح. وهذه قراءة شاذة. قرأها أُبَي وزيد بن علي. ينظر البحر المحيط 8: 94.
          38 معاني القرآن 2: 71.
          39 معاني القرآن 2: 71.
          40 الآية 88 من سورة الإسراء.
          41 معاني القرآن 2: 130 -131، وينظر 1: 66-68.
          42 معاني القرآن 2: 131. والشاهد أتى جواب الشرط الجازم " تلفنا " مجزوماً وكانَ القياس أن يرفع ويكون جواباً للقسم، وهذا من باب الجواز في الشعر.
          43 معاني القرآن 2: 131. وينظر المصدر نفسه 1: 67.والشاهد أَصم جاء مجزوماً جوازاً، وأصل القاعدة أن يكون ما بعد " لا " في جواب القسم مرفوعاً، و" أركب " جاء معطوفاً عليه.
          44 الآية 65 من سورة الأنبياء.
          45 الآية 48 من سورة فصلت.
          46 الآية 35 من سورة يوسف.
          معاني القرآن 2: 207.
          47 الآية 55 من سورة النور.
          48 معاني القرآن للفراء 2: 258.
          49 الآية 49 من سورة النمل.
          50 معاني القرآن للفراء 2: 296.
          51 الآية 1 من سورة ق.
          52 معاني القرآن 3: 75.
          53 الآية 1 من سورة الذاريات.
          54 الآية 8 من سورة الذاريات.
          55 معاني القرآن 3: 82-83.
          56 الآية 23 من سورة الذاريات.
          57 ينظر خزانة الأدب 2: 532. وفيها: " اعتَزَوا " بدل " هم "، في الشطر الأول، و "هابَ الرجال " بدل "يهابُ الِّلئام.
          58 البيت لدريد بن الصمة يصف الخنساء ينظر شرح شواهد المغني 2: 955.
          59 معاني القرآن 3: 84-85.
          60 الآيتان 1و2 من سورة النجم.
          61 معاني القرآن 3: 94-95.
          62 الآيتان 1و2 من سورة القيامة.
          63 البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة: أبو حفص سراج الدين عمر بن زين الدين قاسم بن محمد بن علي الأنصاري النشار (ت 938هـ)، تحقيق: علي محمد معوض، وعادل أحمد عبدالموجود، وأحمد عيسى المعصراوي، عالم الكتب، بيروت، لبنان، 1421هـ-200م، 2: 399.
          وينظر إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر: أحمد بن محمد بن عبدالغني البنا الدمياطي (ت 1117ه) تحقيق: عبدالرحمن الطرهوني، دار الحديث، القاهرة، 1430هـ-2009م، 2: 504.
          64 إتحاف فضلاء البشر 2: 504.




          تعليق

          • عبدالله بنعلي
            عضو نشيط
            • Apr 2014
            • 6053

            #6
            وفاته:
            ‏هناك شبه إجماع على أن الفراء توفي سنة ( 207هـ)( )، ‏ولكنهم اختلفوا في مكان وفاته. فذكر بعضهم أنه توفي في بغداد( )، ‏وذهب البعض الآخر إلى أنه توفي بطريق مكة( ). وقال سلمة بن عاصم: "دخلت عليه في مرضه، ‏وقد زال عقله، وهو يقول: "إن نصبا فنصبا ‏وإن رفعا فرفعا"( )، ‏وهكذا أغمضت شمس ذلك اليوم أجفانها على إمام عظيم، وهكذا فتح له التاريخ سر البقاء، ‏وهكذا سدل الستار على آثار الأخيار.


            مذهبه النحوي:
            الفراء في كتب مترجميه نحوي كوفي صرف، كان أبرع الكوفيين، وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب( )، وقارئ الفراء يشرف في أثناء تواليفه ‏على سمات المدرسة الكوفية بشكل واضح، فهو يتكثر من الرواية، ويهتم بالنقل اهتماما واسعا، يبرز من خلاله شخصية إمام متبحر بلغات العرب وأساليبها، واقف على اختلاف مشاربها اللغوية ومذاهبها الصوتية.
            ‏والأمثلة على ذلك متكاثرة في تآليفه، فكثيرا ما يطالع قارئه قوله: "وأنشدني بعض العرب"( )، "وأنشدني بعضهم"( )، وقد يرد لغة أوردها بعض العلماء إلى ‏مظانها، مما يدل على سعة اطلاعه واهتمامه بالرواية، ومن ذلك ما نقله عن سفيان ابن عيينة، قال: "وسمعت سفيان بن عيينة يذكرها: يبشر وبشرت، لغة سمعتها من عكل ورواها الكسائي عن غيرهم"( ). ويبدو اطلاعه فيما جاء في "معاني القرآن‏، ‏في قوله تعالى: (كل يعمل على شاكلته)، قال الفراء: "ناصيته، وهي الطريقة والجديلة. وسمعت بعض العرب من قضاعة يقول: وعبد الملك إذ ذاك على جديلته، ‏وابن الزبير على جديلته، والعرب تقول: فلان على طريقة صالحة، وخيدبة صالحة، وسرجوجة، وعكل تقول: سرجيجة"( )، والاهتمام بالرواية والنقل، سمح ‏للفراء أن يطلع على كثير من لغات العرب فيعرف الظواهر اللغوية الشائعة عندهم، فلا غرو إذن أن جعل هذه، الكثرة معيارا للحكم عنده يقول الفراء: "وكذلك تفعل في كل اسم دعوته باسمه ونسبته إلى أبيه، كقولك: يا زيد بن عبد الله، ويا زيد بن عبد ‏الله، والنصب في (زيد) في كلام العرب أكثر"( ). وجاء في "الصاحبي": "وعاب الزجاج على الفراء قوله في (كم)، وقال: لو كانت في الأصل (كما) وأسقطت ألف الاستفهام لتركت على فتحها، كما تقول: بم وعم وفيم أنت. والجواب عما قاله: ما ذكره أبو زكريا، وهو كثرة الاستعمال"( ).
            ‏ومن مظاهر اهتمام الفراء بالنقل والرواية، اعتبار وجدان النقل معيارا يحتكم إليه وهو كثيرا ما يتعقب البصريين بمثل هذا الأصل، مثال ذلك ما جاء في "الممتع في التصريف": "قال الفراء: ولا يلتفت إلى ما رواه البصريون من قولهم: إصبع، فإننا بحثنا عنها فلم نجدها"( )، ولكن فذا الأمر ليس مطردا في مناهج الفراء ‏كما سنبين لاحقا.
            ‏والفراء متأثر بمنهج المحدثين، ويظهر هذا من درجات التوثق عنده حال ‏الرواية، والاهتمام الواضح في تأليفه بإسناد الرواية، وهذه سمة من سمات المدرسة ‏الكوفية، مثال هذا ما جاء في "المعاني". قال الفراء: "وحدثني شيخ من ثقات أهل البصرة"( )، وكثيرا ما تراه يسند روايته ويهتم بالسند كثيرا. جاء في "المعاني": عن ‏الفراء: "حدثني أبو بكر بن عياش عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس..." ( ).
            ‏كذلك يتحاشى الفراء التقدير أحيانا، تمشيا مع المنهج الكوفي، ومثاله: تركه ‏التقدير في قوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك)( ).
            ‏والفراء أحيانا يفزع مفزع البعد عن مناهج الفلاسفة والمناطقة، وهذا قليل في أسلوبية الفراء، ومثاله: قوله بترافع المبتدأ والخبر وهذا فاسد على مناهج المناطقة، لأنه يؤدي إلى الدور وهو عندهم محال( ).
            ‏ولا تنس البيئة الكوفية وتأثيرها في مناهج الفراء، فالإنسان في غالب أحواله يميل إلى بيئته وينتصر لها، ويعتنق مناهجها، وإن بدا منه تجديد أو تطوير أو ابتكار أو اعتراضات، فإنها تنمو في محاضن انتمائه إلى هذه البيئة وعدم انسلاخه عنها.
            ‏مع الدكتور أحمد مكي الأنصاري:
            ‏ذهب الدكتور أحمد مكي الأنصاري في بحثه الماتع "أبو زكريا الفراء ومذهبه في النحو واللغة " إلى الحكم باستقلال الفراء عن المدرستين "الكوفية والبصرية، وعده مؤسس المذهب البغدادي القائم على المزج بين خصائص ‏المذهبين فقال: "إن الدارس الفاحص يستطيع أن يستخلص من هذا الكتاب ‏خصائص مذهب الفراء، وهي المزج بين خصائص المدرستين، البصرية والكوفية، ‏مع استقلال شخصيته في تأسيس مذهب جديد، ذلك هو المذهب البغدادي"( )، ‏واعتمد الدكتور الفاضل أيضا على عوامل تأثر الفراء بالمذهب البصري، من اتصاله بالأخفش الأوسط أو تعمقه في دراسة الكتاب دراسة ناقدة واعية، وتتلمذه على إمام بصري وهو يونس بن حبيب( ).
            ‏وتحسس الدكتور أيضا معالم الأسلوبية البصرية في نحو الفراء، من تلمس ‏العلل والأسباب، والاحتكام إلى القياس في تخطئة العربي. وقال: "ومن مظاهر ‏النزعة البصرية تشدده في قبول الرواية، فلا يجيز كل ما يروى عن العرب، ولو كان الراوي شيخه الكسائي"( ).
            ‏ولا شك في أن الفراء أحدث ثورة في منهج المدرسة الكوفية ‏وجدد في أصولها، بما توفر له من خبرات واطلاع، بما لم تتوفر لمن سبقه من شيوخه، ولكن الفراء ابن بيئته، يصدر عن أصولها حتى في تجديده وثورته، وكونه مجددا في المذهب لا يخرجه من دائرته، فهو منم إلى المدرسة، مكانا وأصولا.
            ‏وإن انتقال الفراء إلى بغداد، لم يحمل العلماء على فصله عن المدرسة الكوفية، يقول ابن عصفور: "وأيضا فإن الفراء والبغداديين، إنما راموا أن يجعلوا ‏المعتل على قياس الصحيح"( )، ولا ننسى أن بغداد حاضرة الخلافة، قد جذبت ‏كثيرا من علماء الكوفة والبصرة فيما بعد( )، بحثا عن المناصب، أو للتكسب، وكان المأمون قد وكل بالفراء ولديه يلقنهما النحو"( )، وقد درج العلماء على مدح الكوفيين ونسبتهم إلى بغداد، بالنظر إلى المكان لا المذهب، كما قال أبو بكر الأنباري: "لو لم يكن لأهل بغداد من علماء العربية إلا الكسائي والفراء لكان لهم بهما الافتخار على جميع الناس"( ).
            ‏وقد بينا سابقا معالم المنهج الكوفي في نحو الفراء، وأما القول بجواز تأثر المنهج البغدادي بمنهج الإمام الفراء الكوفي، فلا يبعد وهم متأثرون أيضا ببعض مناهج البصريين. وأما أن يقال: "وكذلك نشأت مدرسة بغداد، بدأت بالتدريج حتى استوى أمرها عند الفراء، فجعلناه المؤسس الحقيقي لها"( )، فأمر لا يكفي فيه مجرد ‏حمل اجتهادات الإمام على مناهج البصريين حتى يقال: "إنه صورة صادقة ‏للمذهبين جميعا، تمثلت فيه خصائص كل من المدرستين بحسناتها وسيئاتها"( ) ‏فالأدق من ذلك قول الدكتور إبراهيم مصطفى: "إن الفراء قطع على المدرسة الكوفية سيرها في طريق الرواية والنقل فقط، ‏وأحدث ثورة في المنهج نفسه حيث اعتمد على القياس اعتمادا كبيرا إلى جانب اعتماده على الرواية"( ).
            نعم، لقد امتلك الفراء شخصية مستقلة، سمحت له بإنتاج أصول وقواعد‏ لغوية، تضاف إلى سجل المنهجية الكوفية، الأمر الذي يدعونا إلى ضرورة إعادة النظر فيما نطلقه من أحكام على منهجية الكوفيين، "وإذا كان الكسائى قد وضع أسس هذه المدرسة الجديدة، وجمع مادة درسها، ورسم المنهج الذي يعتمد عليه إنشاؤها، فإن الفراء قد تكفل بإتمام البناء"( ).







            منهج الفراء في النحو واللغة:
            كان الفراء ينحو في مصنفاته منحى الفلاسفة، وبرز هذا الاتجاه في طرائق تعليله قضايا اللغة، وترك ظلالا في نظرته إلى القياس والعامل وغيرها من نظريات اللغة. وقد اتسم منهج الفراء في النحو واللغة بجملة من السمات صبغت المنهج اللغوي الكوفي بصبغة جديدة لم يألفها من قبل. ومن أهم هذه السمات ‏المنهجية:
            ‏توسيع دائرة التقدير والتأويل، قال الفراء في قوله تعالى: (إنا أنشأناهن إنشاء، فجعلناهن أبكارا، عربا أترابا، لأصحاب اليمين)، وقوله لأصحاب اليمين، ‏أي: هذا لأصحاب اليمين"( ). وقال عن "إذن": "حيث جاءت بعدها اللام فقبلها لو ‏مقدرة إن لم تكن ظاهرة"( ).
            ‏والفراء قدر جملا بالنظر إلى السياق، جاء في "مغني اللبيب": "وقال الفراء ‏في قراءة بعضهم (فشربوا منه إلا قليل منهم): إن قليل مبتدأ حذف خبره، أي: لم ‏يشربوا"( ).
            ‏ومنه قوله في توجيه نصب (صما بكما عميا): "ونصبه على جهتين: إن شئت على معنى تركهم صما بكما عميا، وإن شئت اكتفيت بأن توقع الترك عليهم في الظلمات، ثم تستأنف (صما) بالذم لهم"( ). فالتقدير عند الفراء يرتبط بدلالة ‏السياق وإلا فهو يتخفف من دعوى كثرة الحذف، لذلك عد الهمزة في قوله تعالى: (أمّن هو قانت آناء الليل)، للنداء. قال ابن هشام: "ويقربه سلامته دعوى المجاز... ‏ومن دعوى كثرة الحذف، إذ التقدير عند من جعلها للاستفهام: أمن هو قانت خير أم هذا الكافر؟" ( ).
            ‏والفراء قيّاس، أوغل في القياس، وربما سبق البصريين أنفسهم، فهو الوحيد الذي جعل "مصدر الثلاثي قياسا مطردا، في حين أن البصريين أنفسهم يقولون بالسماع"( )، ومن أمثلة القياس عنده، ما جاء في "معاني القرآن": "وقوله: (ومن ‏يكتمها فإنه آثم قلبه)، وأجاز قوم قلبه، بالنصب، فإن يكن حقا فهو من جهة قولك: سفهت رأيك، وأثمت قلبك"( )، ومنه قوله في الحروف التي في أوائل السور: "وإن ‏جعلته اسما للسورة أو في مذهب قسم، كتبته على هجائه (نون) و(صاد) و(قاف)، وكسرت الدال من صاد، والفاء من قاف، ونصبت النون الآخرة من نون، فقلت: (نون والقلم، وصاد والقرآن) و(قاف) لأنه قد صار كأنه أداة، كما قالوا: رجلان فخفضوا النون من رجلين، لأن قبلها ألف ونصبوا النون في (المسلمون والمسلمين)، لأن قبلها ياء وواو"( ).
            ‏ومنه ما جاء في "معاني القرآن" في قوله تعالى: (لولا أنزل إليه ملك فيكون معه): "جواب بالفاء، لأن لولا بمنزلة هلاّ"( ). ومن أمثلة قياسه ما جاء في "مغني ‏اللبيب" حول تكرار "إما"، وجواز الاستغناء عن الأولى لفظا. قال ابن هشام: "والفراء يقيسه: فيجيز: زيد يقوم وإما يقعد، كما يجوز: أو يقعد"( )، وأنت ترى أنه ‏توسع في القياس توسعا لم نشهد مثله في المنهج الكوفي.
            ‏ومنه قياسه في (ليت) فهو "يجريه مجرى (أتمنى) فيقول: ليت زيدا قائما"( ).
            ‏والفراء من العلماء المعتدين بالمعامل القائلين به. ونظرية العامل تظهر جلية في كتب وأحكام وبصائر الفراء النحوية. فهو المقتضي للإعراب عنده، وهو القنطرة التي يتقوم المعنى بها( )، ومن أمثلة نظرية العامل عند الفراء قوله: ‏"والأنعام خلقها لكم، نصبت (الأنعام) بخلقها لما كانت في الأنعام واو، كذلك كل ‏فعل عاد على اسم بذكره، قبل الاسم واو أو فاء أو كلام يحتمل نقلة الفعل إلى ذلك ‏الحرف الذي قبل الاسم ففيه وجهان: الرفع والنصب"( ).
            ‏ومنه قوله: "اليوم أحل لكم الطيبات، نصب (اليوم) بـ(أحل)"( )، ومنه تعليل الفراء رفع الفعل المضارع، بتجرده من الناصب والجازم( ).
            ‏والعامل في نظرية الفراء مرتبط بماهية الظاهرة اللغوية، فهو يجب أن يظهر أو يتمثل، لذلك اعترض الفراء على الجرمي في المناظرة المشهورة بينهما، وقال له: "ما رأيت كاليوم، عاملا لا يظهر ولا يتمثل"( ).
            ‏والفراء من المقعّدين المهتمين بطرد القاعدة وضبطها، ‏فهو يطرد أحكامه ما كان إلى ذلك سبيل، ومن أمثلة ذلك، أنه جمع اللغات في قوله (يبشرك) ثم قال: ‏"وسائر القرآن يشدد في قول أصحاب عبد الله وغيرهم "( ). ومنه تقعيده في الخط ‏أيضا حيث قال: "والرّمّيّا يكتب بالألف، وذلك أنه لا ‏تجتمع ياءان في الخط"( ). والأمثلة على هذا كثيرة جدا في تآليفه.
            ‏والفراء يعنى جدا بالعلة، وكثيرا ما ينص عليها في نظريته، ولعل التوسع في أحكام العلة في نظرية الفراء، مرتبط بمده للقياس والتوسع فيه. ومن أمثلة نصه على العلة - وهي أكثر من أن تحصى - قوله: "وأسماء النساء إذا خف منها شيء جرى، إذا كان على ثلاثة أحرف وأوسطها ساكن، مثل: رعد وهند وجمل، وإنما انصرفت إذا سمي بها النساء، لأنها تردد وتكثر بها التسمية، فتخف لكثرتها"( ).
            ‏ومنها قوله: "فلم يجر حراء وهو جبل لأنه جعله اسما للبلدة التي هو ‏بها"( ).
            ‏ومنها توجيهه لقوله تعالى: (أريتك هذا الذي كرمت علي). قال: "التاء حرف خطاب، والكاف فاعل، لكونها المطابق للمسند إليه"( ). ومنها توجيهه للنصب ‏في قوله تعالى: (ما هذا بشرا). قال: "نصبت (بشرا) لأن الباء قد استعملت فيه، فلا يكاد أهل الحجاز ينطقون إلا بالباء، فلما حذفوها أحبوا أن يكون لها أثر فيما خرجت منه، فنصبوا على ذلك)( ‏).
            ‏ومنها قوله: "وأما قوله: (مثنى وثلاث ورباع)، فإنها حروف لا تجرى، ‏وذلك أنهن مصروفات عن جهاتهن"( )، وهو ما اصطلح عليه النحاة بعلة العدل.
            ‏ومنها ما جاء في "الممتع في التصرف": "وزعم الفراء أن موجب الحذف إنما هو ‏التعدي. نحو (يعد) و(يزن)، وموجب الإثبات إنما هو عدم التعدي. نحو: (يوجل)"( ).
            ‏والفراء يحيط إحاطة عميقة بلغات العرب ولهجاتها، وقراءات القرآن المتنوعة، مما أهله لتشكيل نظرية، تعد بحق اتجاها تجديديا في نحو ولغة أهل الكوفة. والتمثيل على ذلك يطول، فكتبه طافحة بالروايات والمنقولات والأشعار وإليك بعض الأمثلة: قال الفراء: "العرب تقول: رأيته بعيني وبعينيّ، والدار في يدي وفي يديّ"( ). ومنها قوله: "للعرب في أكننت الشيء إذا سترته، لغتان: كننته ‏وأكننته"( ). ومنها قوله: "وفي زكريا ثلاث لغات: القصر في ألفه، فلا يستبين فيها رفع ولا نصب ولا خفض، وتمد ألفه فتنصب وترفع بلا نون، لأنه لا يجرى، ‏وكثير من كلام العرب أن تحذف المدّة والياء الساكنة فيقال: هذا زكريّ"( ). ومنهإ: ‏"قال أبو زكريا الفراء، العرب تجعل بل مكان أم وأم مكان بل، إذا كان في أول الكلمة استفهام"( ). ومنها إشارته إلى ظاهرة الأضداد كقوله: "وكذلك البيع، يقال: ‏بعت الثوب، على معنى أخرجته من يدي، وبعته: اشتريته، وهذه اللغة في تميم وربيعة"( ).
            ‏وأما توسع الفراء بالقراءات المتنوعة للقرآن، فأول ما يطالعه القارئ ‏لأعمال الفراء لا سيما كتابه "معاني القرآن"، فهو إمام ضالع في قراءات القرآن، ‏مطلع عليها اطلاعا واسعا، وآية ذلك معرفته قراءات لم تصل إلى كثير من علماء القراءة. ومثاله ما جاء في "معاني القرآن": "الحي القيوم، قراءة العامة، وقرأها عمر ‏ابن الخطاب وابن مسعود (القيّام)... وأهل الحجاز أكثر شيء قولا الفيعال من ذوات الثلاثة، فيقول للصوّاع: صيّاع"( ). والفراء كثيرا ما يوجه القراءة، ويحملها ‏على وجه نحوي، ويفتح أبواب المعاني والدلالات لهذه القراءة، بالاعتماد على قرائن اللغة والحال. ومثاله: توجيهه لقراءة حمزة والكسائي (قالوا سلاما، قال سلم). ‏قال الفراء: "المعنى نحن سلم، لأن التسليم لا يكون من عدو"( ).
            ‏وهذا المنهج القائم على الإحاطة والتعمق ‏والنظرة العقلية التحليلية ‏شكل تربة خصبة تنمو فيها هذه البصائر الدقيقة في النظرات اللغوية عند الفراء. فهو من الأئمة المتقدمين الذين أشاروا إلى الفروقات الدلالية الدقيقة ‏التي تقوم على مثل ما يسميه الوظيفيون باستراتيجيات الحس. ومثاله قوله: "فأمّا ما لا يجوز فيه (هذا) في موضع (ذلك) ولا (ذلك) في موضع (هذا) فلو رأيت رجلين تنكر أحدهما لقلت للذي تعرف: من هذا الذي معك؟ ولا يجوز هاهنا: من ذلك؟ لأنك تراه بعينه( ). وهذه ‏السعة هي التي أدت إلى تنوع مباحث الفراء في علم الصوت والبلاغة وغير ذلك من العلوم( ).
            ‏‏وأما منهجه في التأليف فأسلوب الفراء مزيج من الوضوح والغموض. فهو ‏حين يؤلف للناشئة من المتعلمين يكاد يذوب رقة ووضوحا، كما رأينا في كتاب المذكر والمؤنث، الذي ألفه لأحد الأمراء الطاهريين، وأما حين يؤلف للخاصة من المتعلمين، فإنه يبدو جافا وغامضا في كثير من الأحايين، كما رأينا في كتابه "المقصور والممدود"، وأما حين يختلط الخاصة بالعامة كما حدث في إملاء كتاب ‏المعاني بالمسجد الجامع، حيث التقى فيه القضاة المثقفون بالعامة من المستمعين، فإنه حين ذاك يراوح بين الوضوح والإيهام"( ). وأما المعنى القرآني فيدرسه "من ‏خلال التحليل اللغوي المتنوع، مقارنا بأشعار الجاهلية والإسلام"( ).
            ‏هذه هي أهم السمات العامة لمنهج الإمام الفراء في تأليفه وأحكامه. تظهر الطبيعة المنهجية العلمية التي كان الإمام الفراء ينتهجها. ومن حق الباحث طرد هذه المنهجية لتكون منهجية المدرسة الكوفية في عصر الفراء، لأنه كان رأسا في هذه المدرسة.

            تعليق

            • عبدالله بنعلي
              عضو نشيط
              • Apr 2014
              • 6053

              #7
              منهج الفراء في النحو واللغة:
              كان الفراء ينحو في مصنفاته منحى الفلاسفة، وبرز هذا الاتجاه في طرائق تعليله قضايا اللغة، وترك ظلالا في نظرته إلى القياس والعامل وغيرها من نظريات اللغة. وقد اتسم منهج الفراء في النحو واللغة بجملة من السمات صبغت المنهج اللغوي الكوفي بصبغة جديدة لم يألفها من قبل. ومن أهم هذه السمات ‏المنهجية:
              ‏توسيع دائرة التقدير والتأويل، قال الفراء في قوله تعالى: (إنا أنشأناهن إنشاء، فجعلناهن أبكارا، عربا أترابا، لأصحاب اليمين)، وقوله لأصحاب اليمين، ‏أي: هذا لأصحاب اليمين"( ). وقال عن "إذن": "حيث جاءت بعدها اللام فقبلها لو ‏مقدرة إن لم تكن ظاهرة"( ).
              ‏والفراء قدر جملا بالنظر إلى السياق، جاء في "مغني اللبيب": "وقال الفراء ‏في قراءة بعضهم (فشربوا منه إلا قليل منهم): إن قليل مبتدأ حذف خبره، أي: لم ‏يشربوا"( ).
              ‏ومنه قوله في توجيه نصب (صما بكما عميا): "ونصبه على جهتين: إن شئت على معنى تركهم صما بكما عميا، وإن شئت اكتفيت بأن توقع الترك عليهم في الظلمات، ثم تستأنف (صما) بالذم لهم"( ). فالتقدير عند الفراء يرتبط بدلالة ‏السياق وإلا فهو يتخفف من دعوى كثرة الحذف، لذلك عد الهمزة في قوله تعالى: (أمّن هو قانت آناء الليل)، للنداء. قال ابن هشام: "ويقربه سلامته دعوى المجاز... ‏ومن دعوى كثرة الحذف، إذ التقدير عند من جعلها للاستفهام: أمن هو قانت خير أم هذا الكافر؟" ( ).
              ‏والفراء قيّاس، أوغل في القياس، وربما سبق البصريين أنفسهم، فهو الوحيد الذي جعل "مصدر الثلاثي قياسا مطردا، في حين أن البصريين أنفسهم يقولون بالسماع"( )، ومن أمثلة القياس عنده، ما جاء في "معاني القرآن": "وقوله: (ومن ‏يكتمها فإنه آثم قلبه)، وأجاز قوم قلبه، بالنصب، فإن يكن حقا فهو من جهة قولك: سفهت رأيك، وأثمت قلبك"( )، ومنه قوله في الحروف التي في أوائل السور: "وإن ‏جعلته اسما للسورة أو في مذهب قسم، كتبته على هجائه (نون) و(صاد) و(قاف)، وكسرت الدال من صاد، والفاء من قاف، ونصبت النون الآخرة من نون، فقلت: (نون والقلم، وصاد والقرآن) و(قاف) لأنه قد صار كأنه أداة، كما قالوا: رجلان فخفضوا النون من رجلين، لأن قبلها ألف ونصبوا النون في (المسلمون والمسلمين)، لأن قبلها ياء وواو"( ).
              ‏ومنه ما جاء في "معاني القرآن" في قوله تعالى: (لولا أنزل إليه ملك فيكون معه): "جواب بالفاء، لأن لولا بمنزلة هلاّ"( ). ومن أمثلة قياسه ما جاء في "مغني ‏اللبيب" حول تكرار "إما"، وجواز الاستغناء عن الأولى لفظا. قال ابن هشام: "والفراء يقيسه: فيجيز: زيد يقوم وإما يقعد، كما يجوز: أو يقعد"( )، وأنت ترى أنه ‏توسع في القياس توسعا لم نشهد مثله في المنهج الكوفي.
              ‏ومنه قياسه في (ليت) فهو "يجريه مجرى (أتمنى) فيقول: ليت زيدا قائما"( ).
              ‏والفراء من العلماء المعتدين بالمعامل القائلين به. ونظرية العامل تظهر جلية في كتب وأحكام وبصائر الفراء النحوية. فهو المقتضي للإعراب عنده، وهو القنطرة التي يتقوم المعنى بها( )، ومن أمثلة نظرية العامل عند الفراء قوله: ‏"والأنعام خلقها لكم، نصبت (الأنعام) بخلقها لما كانت في الأنعام واو، كذلك كل ‏فعل عاد على اسم بذكره، قبل الاسم واو أو فاء أو كلام يحتمل نقلة الفعل إلى ذلك ‏الحرف الذي قبل الاسم ففيه وجهان: الرفع والنصب"( ).
              ‏ومنه قوله: "اليوم أحل لكم الطيبات، نصب (اليوم) بـ(أحل)"( )، ومنه تعليل الفراء رفع الفعل المضارع، بتجرده من الناصب والجازم( ).
              ‏والعامل في نظرية الفراء مرتبط بماهية الظاهرة اللغوية، فهو يجب أن يظهر أو يتمثل، لذلك اعترض الفراء على الجرمي في المناظرة المشهورة بينهما، وقال له: "ما رأيت كاليوم، عاملا لا يظهر ولا يتمثل"( ).
              ‏والفراء من المقعّدين المهتمين بطرد القاعدة وضبطها، ‏فهو يطرد أحكامه ما كان إلى ذلك سبيل، ومن أمثلة ذلك، أنه جمع اللغات في قوله (يبشرك) ثم قال: ‏"وسائر القرآن يشدد في قول أصحاب عبد الله وغيرهم "( ). ومنه تقعيده في الخط ‏أيضا حيث قال: "والرّمّيّا يكتب بالألف، وذلك أنه لا ‏تجتمع ياءان في الخط"( ). والأمثلة على هذا كثيرة جدا في تآليفه.
              ‏والفراء يعنى جدا بالعلة، وكثيرا ما ينص عليها في نظريته، ولعل التوسع في أحكام العلة في نظرية الفراء، مرتبط بمده للقياس والتوسع فيه. ومن أمثلة نصه على العلة - وهي أكثر من أن تحصى - قوله: "وأسماء النساء إذا خف منها شيء جرى، إذا كان على ثلاثة أحرف وأوسطها ساكن، مثل: رعد وهند وجمل، وإنما انصرفت إذا سمي بها النساء، لأنها تردد وتكثر بها التسمية، فتخف لكثرتها"( ).
              ‏ومنها قوله: "فلم يجر حراء وهو جبل لأنه جعله اسما للبلدة التي هو ‏بها"( ).
              ‏ومنها توجيهه لقوله تعالى: (أريتك هذا الذي كرمت علي). قال: "التاء حرف خطاب، والكاف فاعل، لكونها المطابق للمسند إليه"( ). ومنها توجيهه للنصب ‏في قوله تعالى: (ما هذا بشرا). قال: "نصبت (بشرا) لأن الباء قد استعملت فيه، فلا يكاد أهل الحجاز ينطقون إلا بالباء، فلما حذفوها أحبوا أن يكون لها أثر فيما خرجت منه، فنصبوا على ذلك)( ‏).
              ‏ومنها قوله: "وأما قوله: (مثنى وثلاث ورباع)، فإنها حروف لا تجرى، ‏وذلك أنهن مصروفات عن جهاتهن"( )، وهو ما اصطلح عليه النحاة بعلة العدل.
              ‏ومنها ما جاء في "الممتع في التصرف": "وزعم الفراء أن موجب الحذف إنما هو ‏التعدي. نحو (يعد) و(يزن)، وموجب الإثبات إنما هو عدم التعدي. نحو: (يوجل)"( ).
              ‏والفراء يحيط إحاطة عميقة بلغات العرب ولهجاتها، وقراءات القرآن المتنوعة، مما أهله لتشكيل نظرية، تعد بحق اتجاها تجديديا في نحو ولغة أهل الكوفة. والتمثيل على ذلك يطول، فكتبه طافحة بالروايات والمنقولات والأشعار وإليك بعض الأمثلة: قال الفراء: "العرب تقول: رأيته بعيني وبعينيّ، والدار في يدي وفي يديّ"( ). ومنها قوله: "للعرب في أكننت الشيء إذا سترته، لغتان: كننته ‏وأكننته"( ). ومنها قوله: "وفي زكريا ثلاث لغات: القصر في ألفه، فلا يستبين فيها رفع ولا نصب ولا خفض، وتمد ألفه فتنصب وترفع بلا نون، لأنه لا يجرى، ‏وكثير من كلام العرب أن تحذف المدّة والياء الساكنة فيقال: هذا زكريّ"( ). ومنهإ: ‏"قال أبو زكريا الفراء، العرب تجعل بل مكان أم وأم مكان بل، إذا كان في أول الكلمة استفهام"( ). ومنها إشارته إلى ظاهرة الأضداد كقوله: "وكذلك البيع، يقال: ‏بعت الثوب، على معنى أخرجته من يدي، وبعته: اشتريته، وهذه اللغة في تميم وربيعة"( ).
              ‏وأما توسع الفراء بالقراءات المتنوعة للقرآن، فأول ما يطالعه القارئ ‏لأعمال الفراء لا سيما كتابه "معاني القرآن"، فهو إمام ضالع في قراءات القرآن، ‏مطلع عليها اطلاعا واسعا، وآية ذلك معرفته قراءات لم تصل إلى كثير من علماء القراءة. ومثاله ما جاء في "معاني القرآن": "الحي القيوم، قراءة العامة، وقرأها عمر ‏ابن الخطاب وابن مسعود (القيّام)... وأهل الحجاز أكثر شيء قولا الفيعال من ذوات الثلاثة، فيقول للصوّاع: صيّاع"( ). والفراء كثيرا ما يوجه القراءة، ويحملها ‏على وجه نحوي، ويفتح أبواب المعاني والدلالات لهذه القراءة، بالاعتماد على قرائن اللغة والحال. ومثاله: توجيهه لقراءة حمزة والكسائي (قالوا سلاما، قال سلم). ‏قال الفراء: "المعنى نحن سلم، لأن التسليم لا يكون من عدو"( ).
              ‏وهذا المنهج القائم على الإحاطة والتعمق ‏والنظرة العقلية التحليلية ‏شكل تربة خصبة تنمو فيها هذه البصائر الدقيقة في النظرات اللغوية عند الفراء. فهو من الأئمة المتقدمين الذين أشاروا إلى الفروقات الدلالية الدقيقة ‏التي تقوم على مثل ما يسميه الوظيفيون باستراتيجيات الحس. ومثاله قوله: "فأمّا ما لا يجوز فيه (هذا) في موضع (ذلك) ولا (ذلك) في موضع (هذا) فلو رأيت رجلين تنكر أحدهما لقلت للذي تعرف: من هذا الذي معك؟ ولا يجوز هاهنا: من ذلك؟ لأنك تراه بعينه( ). وهذه ‏السعة هي التي أدت إلى تنوع مباحث الفراء في علم الصوت والبلاغة وغير ذلك من العلوم( ).
              ‏‏وأما منهجه في التأليف فأسلوب الفراء مزيج من الوضوح والغموض. فهو ‏حين يؤلف للناشئة من المتعلمين يكاد يذوب رقة ووضوحا، كما رأينا في كتاب المذكر والمؤنث، الذي ألفه لأحد الأمراء الطاهريين، وأما حين يؤلف للخاصة من المتعلمين، فإنه يبدو جافا وغامضا في كثير من الأحايين، كما رأينا في كتابه "المقصور والممدود"، وأما حين يختلط الخاصة بالعامة كما حدث في إملاء كتاب ‏المعاني بالمسجد الجامع، حيث التقى فيه القضاة المثقفون بالعامة من المستمعين، فإنه حين ذاك يراوح بين الوضوح والإيهام"( ). وأما المعنى القرآني فيدرسه "من ‏خلال التحليل اللغوي المتنوع، مقارنا بأشعار الجاهلية والإسلام"( ).
              ‏هذه هي أهم السمات العامة لمنهج الإمام الفراء في تأليفه وأحكامه. تظهر الطبيعة المنهجية العلمية التي كان الإمام الفراء ينتهجها. ومن حق الباحث طرد هذه المنهجية لتكون منهجية المدرسة الكوفية في عصر الفراء، لأنه كان رأسا في هذه المدرسة.


              المصطلحات النحوية عند الفراء:
              ‏نشرف عند مطالعة كتب الفراء على الكثير من المصطلحات النحوية، التي شاعت في تواليف الكوفيين وعرفوا بها. والباحث في هذا الفصل يمتح من كتاب "معاني القرآن"، فهو البحر المحيط لمصطلحات الفراء. وهي متكاثرة فيحسن إجمال ‏بعضها مفسرة بمصطلحات البصريين:
              1- عبر عن المفعول به بوصفه فقال: "على غير وقوع من الفعل عليه"( ).
              2- عبر عن فك الإدغام بالتبيان فقال "وكان ابن مسعود يدغم: والصافات صفا. وكذلك: التاليات والزاجرات، يدغم التاء منهن، والتبيان أجود لأن القراءة بنيت على التفصيل والبيان "( ).
              3- عبر عن الصرف بالإجراء. فقال: "فلم يجر حواء، وهو جبل لأنه جعله اسما للبلدة التي هو بها"( ).
              4- عبر عن العطف بالرد. فقال: "ولو كانت: بل عبادا مكرمين مردودة على الولد.."( ). ومعناه: معطوفة على كلمة الولد.
              5- عبر عن علة العدل بالصرف. فقال: "وأما: مثنى وثلاث ورباع، فإنها حروف لا تجرى، وذلك أنهن مصروفات عن جهاتهن"( ).
              6- عبر عن ضمير الفصل بضمير العماد. فقال: "يقال إنما (هو) ههنا عماد، فأين اسم هذا العماد؟" ( ).
              7‏- عبر عن الأمر بالجزم. فقال: "فإذا جعلتها في موضع جزم قلت: تقاسموا لتبيتنه ولنبيتنه، ولم يجز بالياء"( ).
              9- عبر عن محدد ومعين بموقت. فقال: "ولا يجوز أن تقول: مررت بعبد الله غير الظريف إلا على التكرير، لأن عبد الله موقت، و"غير" في مذهب نكرة غير موقتة"( ).
              10- عبر عن الحال بالقطع والمفسر. فقال: "فتنصب هدى على ‏القطع"( ). وقال: "والمفسر في أكثر الكلام نكرة"( ).
              11- وربما عبر عن العطف بالكر أيضا. فقال: "فإذا كانت (غير) بمعنى ‏سوى لم يجز أن تكرّ عليها"( ).
              ‏والفراء قد يستخدم أحيانا مصطلح البصريين، فإن لم يكن هذا من تصرفات الرواة والنساخ والنقلة، فهو يثير تساؤلا حول صحة قول من قال: "إن الفراء كان يتعمد خلاف سيبويه، حتى في المصطلحات وألقاب الإعراب( ). ومثال ذلك ‏استخدام مصطلح الحال في قوله: "قوله: (غير محلي الصيد) يقول: غير متعمد لإثم، نصبت (غير) لأنها حال لمن"( ).
              ‏معالم التيسير عند الفراء:
              ‏إن الفراء مفتش نحوي مغلق، أنتج نظرية نحوية في محل الاعتداد من فحول النحاة، وقد ضمت نظريته كثيرا من الفتاوى النحوية التي تعد من معالم التيسير في النحو، والتي تسمح لدعاة التيسير الجاد القائم على احترام الأصول الصادر عنها، أن يعبوا من خضمه. ومن أهم هذه المعالم:
              1- ‏مد القياس وطرد القواعد، بحيث تكثر الصور النحوية الفرعية التي تنتظمها قاعدة واحدة وأصل واحد. فكان الفراء مثلا يقول ‏بالاستغناء عن (إما) في حال تكرارها ثم يذهب إلى طرد القياس في كثير من صور ذلك "فيجيز: زيد يقوم وإما يقعد كما يجوز أو يقعد"( ).
              2- ‏عدم التفرقة بين ألقاب الإعراب والبناء، وإعراب جمع المذكر السالم بالحركات الثلاث على النون، وإعراب المثنى بالألف مطلقا في جميع حالاته( ).
              3- أنه يأبى تقديم المنصوب في جواب الشرط، نحو: "إن تأتني زيدا أكرم"( )، ويقول بترتيب الجملة.
              4- ‏الثبات على صورة الكلمة وبنيتها. ومثاله: زعمه "أن العرب لا تكاد تقصر ممدودا في رفع ولا جرّ"(‏ ).
              5- قوله: بأن الواو تفيد الترتيب( ).
              6- اقتصاره على علة العلمية للمنع من الصرف( ).
              7- عدم ميله إلى التقدير في بعض الصور. ومثاله: عدم تقدير اسم - إن الشرطية( ).
              ‏هذه بعض معالم التيسير في نحو الفراء، القائمة على اجتهاده وبصائره النحوية، أحببت أن أعرض بعضها بوصفه نموذجا قد يفيد منه بعض الطامحين إلى التيسير، القائم على احترام الأصول، المحافظ على بصائر أئمة النحو المنبثقة من سمات اللغة وخصائصها.
              ‏نوادر الفراء:
              ‏وهذه جملة من نوادر الإمام الفراء، خالف فيها كثيرا من النحاة، وتعد من ابتكاراته النحوية. ومنها:
              1-‏جعله "كلا" قسما خاصا بين الأسماء والأفعال، "فهي ليست باسم، كما أنها ليست بفعل، وبالطبع ليست بحرف كما هو واضح من كلامه في طبقات الزبيدي"( ).
              2-‏القول بأن (الذي) يصح أن تكون مصدرية( ).
              3-‏ذهابه إلى أن "إلا" مركبة من إنّ ولا، ثم خففت إنّ وأدغمت في لا، فنصبوا بها في الإيجاب اعتبارا بإنّ"( ).
              4-‏ذهابه إلى أن المنادى المعرف المفرد مبني على الضم وليس بفاعل ولا مفعول( )، وهو بهذا يخالف البصريين والكوفيين.
              5-المصدر الثلاثي عنده قياسي مطّرد في غير المسموع، على مثال قياس أهل نجد والحجاز( ).
              6-‏ذهابه إلى أن الاسم المرفوع بعد منذ ومذ؟ يرتفع بتقدير مبتدأ محذوف( ). وهو بهذا يخالف البصريين والكوفيين.
              7-‏لم يجز الفراء نصب الاسم المقدم على حرف الشرط بالشرط. ومثاله: "زيدا إن تضرب أضرب"( )، وهو بهذا يخالف المدرستين.
              8-اشتراطه في "قصر الممدود أن يجيء في بابه مقصور"( ).
              9-الفراء يخالف أكثر النحاة في الوقوف على "أيت" بالهاء، ويختار الوقوف عليها بالتاء، لأنها عوض من ياء الإضافة"( ).
              10-ومن نوادر الفراء أنه أجاز "إضافة الشيء إلى ما بمعناه، لاختلاف اللفظين"( ).
              11-يجوز عنده أن يكون اسم الإشارة (ذا) موصولا( ).
              12-الفراء يعد أفعل التعجب اسما، بجواز تصغيره، مثل: ما أحيسن زيدا!( ).
              13-جموع القلة عنده خمسة لا أربعة، زاد عليها (فَعَلة)( ).
              14-جعل اسم الفاعل العامل، فعلا ثالثا وسماه الفعل الدائم( ).
              15-‏الفراء يجري "ليت" مجرى "أتمنى" فيقول: ليت زيدا قائما( ).
              16-‏قال الفراء: أصل لكن (لكنْ أنّ) "فطرحت الهمزة للتخفيف، وقال ‏باقي الكوفيين: مركبة من: لا وإنّ والكاف الزائدة لا التشبيهية، وحذفت الهمزة تخفيفا" ( ).
              17-‏يذهب الفراء إلى أن "أو" تكون بمعنى بل في مثل قوله تعالى: "وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون" فقال: بل يزيدون. وهي عند باقي الكوفيين بمعنى الواو( ).
              18-الجملة القسمية عند الفراء تكون للصلة، وقد خالف في هذا قدماء الكوفة( ).
              19- في الميزان الصرفي، إن بقي حرف تركه الفراء بلفظه. فوزن جعفر عنده "فعلر"( ).
              ‏20- الفراء من أوائل من مهدوا للمجاز العقلي، وفصلوا في القرائن، المانعة. ومثاله قوله: "ربما قال قائل: كيف تربح التجارة، ‏وإنما يربح الرجل التاجر؟ وذلك من كلام العرب: ربح بيعك، وخسر بيعك، فحسن القول بذلك، لأن الربح والخسران إنما يكونان في التجارة، فعلم معناه. ومثله من كلام العرب: هذا ليل نائم، ومثله من كتاب الله: (فإذا عزم الأمر)، وإنما العزيمة للرجال، ولا يجوز الضمير إلا في مثل هذا. فلو قال قائل: قد خسر عبدك، لم يجز ذلك إن كنت تريد أن تجعل العبد تجارة يربح فيه، أو يوضع، لأنه قد يكون العبد تاجرا فيربح أو يوضع، فلا يعلم معناه إذا ربح هو، من معناه إذا كان متجوزاً فيه ( ).



              تعليق

              • عبدالله بنعلي
                عضو نشيط
                • Apr 2014
                • 6053

                #8
                الاحتجاج عند الفراء.
                ‏إن مصادر الاحتجاج عند الفراء، هي ذات النماذج المشخصة التي يستقريها النحاة، والفراء يتناولها بأسلوبه ومقتضيات نظريته ،ومن هذه المصادر:
                ‏القرآن الكريم وقراءاته المتعددة، ‏وهذا هو المصدر الأول والأكبر لاحتجاج الفراء في اللغة والنحو. جاء في "معاني القرآن" في قوله تعالى: (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار): "وان شئت أنثته ها هنا بتأنيث المعنى، ‏كما قرأت القراء: (ومن يقنت منكن لله) (ومن تقنت) بالياء والتاء على المعنى ‏وهي في قراءة أبيّ ‏(وإن من الحجارة لما يتفجر منها الأنهار)"( ).
                ‏وآية وقوف الفراء عند حدّ القراءة، أنه قد يستحب وجها نحويا، ولكنه يقف عند حد ورود القراءة به، قال الفراء: "وكأني استحب لمن قرأ: كبائر، أن يخفض الفواحش، لتكون كبائر مضافة إلى مجموع، إذ كانت جمعا. قال: وما سمعت أحدا من القراء خفض الفواحش"( ). والفراء يرجح قراءة على قراءة بمعيار هو من ‏أصوله الاحتجاجية. وهو قول العرب: يقول الفراء: "خُلْق الأولين، وقراءة الكسائي (خَلْق الأولين)، وقراءتي (خُلُق الأولين)، فمن قرأ (خَلْق) يقول: اختلاقهم وكذبهم، ومن قرأ (خُلُق الأولين) يقول: عادة الأولين أي وراثة أبيك عن الأول، والعرب تقول: حدثنا بأحاديث الخَلْق، وهي الخرافات المنتقلة وأشباهها، فلذلك اخترت الخُلُق"( ). والفراء يعتد القراءة الشاذة في توجيه المعنى، ومثاله ما جاء في "معاني ‏القرآن". وفي قراءة أبيّ (اهبطوا فإن لكم ما سألتم واسكنوا مصر)"( ). وهو فيما عدا ذلك، يقف من القراءة الشاذة موقف الرافض. ومثاله ما جاء في قوله تعالى: (إن ابنك سرق). قال الفراء: "ويقرأ (سُرق) ولا أشتهيها، لأنها شاذة"( ).
                ‏وتجد في نظرية الفراء منحى يقوم على انتقاد القراءة ‏يبصر بموقف الفراء منها ‏وهو ينشد القراءة بعرضها على قراءة أخرى ‏وتوجيه المعنى فيها ثم الترجيح بينهما. مثاله: ما جاء في قوله تعالى: (إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله). قال الفراء: "وفي قراءة عبد الله (إلا أن تخافوا ‏فقرأها حمزة على هذا المعنى (إلا أن يُخافا) ولا يعجبني ذلك" ثم قال: "وأما ما قاله حمزة فإنه إن كان أراد اعتبار قراءة عبد الله ‏فلم يصِبه - والله أعلم - لأن الخوف إنما وقع على (أن) وحدها، إذ قال: ألا يخافوا أن لا، وحمزة قد أوقع الخوف على الرجل والمرأة وعلى أن"( ).
                ‏إن اهتمام الفراء بالقراءات، سمة واضحة في نظريته، يلمسها كل من ‏يطالع كتب الفراء، لا سيما "معاني القرآن" فهو طافح بهذه السمة، وقد قامت أمثلة على ذلك فأكتفي بها.
                ‏ومن مصادر الاحتجاج عنده أيضا، الشعر العربي الذي يمثل الظاهرة ‏العربية بسماتها وخصائصها، والفراء كثير الرواية للشعر في تآليفه، وغالبا ما ينسب الشاهد إلى قائله أو قبيلة قائله. يقول الفراء "أنشدني بعض بني أسد يصف فرسه:
                ‏علفتها تبنا وماء باردا حتى شتت همالة عيناها" ( ).
                ‏والفراء يعتني بشاهده الشعري، ويقف على غريبه ويفسر مفرداته،ومثاله إيراده لبيت طرفة:
                ‏ويأتيك بالأخبار من لم تبع له ‏بتاتا ولم تضرب له وقت موعد
                ‏ثم قال: على معنى لم تشترِ له بتاتا قال الفراء: البتات: الزاد"( ).
                ‏والفراء يرفض الاحتجاج بأبيات ثبت عنده حملها على الضرورة، لا سيما إذا خالفت قياسا مشهورا، ويجيز في الشعر ما لا يجيزه في غيره. ومثاله ما جاء في "معاني القرآن": "حدثني شريك بن عبد الله عن الأعمش عن إبراهيم أنه خفض الأرحام، قال: هو كقولهم: بالله والرحم، وفيه قبح، لأن العرب لا ترد مخفوضا على مخفوض وقد كني عنه، وقد قال الشاعر في جوازه:
                نعلق في مثل السواري سيوفنا وما بينها والكعب غوط نفانف
                ‏وإنما يجوز هذا الشعر لضيقه"( ) والفراء يمتلك نظرات نقدية ربما يسقطها على شواهده وأمثلته، فهو يهتم بمعاني شواهده وأمثلته حتى على المستوى البلاغي ومن أمثلة ذلك قوله: "... كما قال زهير بن أبي سلمى المزني:
                ‏قف بالديار التي لم يعفها القدم بلى وغيرها الأرواح والديم
                فأكذب نفسه. ‏
                ‏والفراء يؤسس في نظريته لمناهج الاحتكام عند تعارض الأدلة، ويعبر عن موقفه من الشواهد الشعرية ومنزلتها من غيرها عند التعارض فيقول: "والكتاب أعرف وأقوى في الحجة من الشعر"( ) وقد رأيناه يقدم القياس على بعض الشواهد ‏الشعرية حاملا هذه الشواهد على ضيق الشعر والضرائر. والإمام الفراء بهذا يقدم منهجا متكاملا في الاحتجاج بالشعر، يقوم على تقويم وتقييم الشاهد، والتفريق بين الشاهد والمثال، وتوسيع دائرة الرؤية للشاهد لتشمل ما هو أبعد من مجرد إيراد الشاهد في محل الاحتجاج كما مر بنا.
                ‏وأما الحديث النبوي، فجمهور النحاة لا يحتجون برواياته في تقعيد النحو كما هو مشهور، والمنقول عن الفراء، يوافق مذهب الجمهور . قال الإمام أبو حيان في "شرح التسهيل" وقد أكثر هذا المصنف من الاستدلال بما وقع في الأحاديث على ‏إثبات القواعد الكلية في لسان العرب، وما رأيت أحدا من المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة غيره، على أن الواضعين الأولين لعلم النحو، المستقرئين للأحكام من لسان العرب، كأبي عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر، والخليل وسيبويه من أئمة البصريين، والكسائي والفراء وعلي بن مبارك الأحمر وهشام الضرير من أئمة الكوفيين لم يفعلوا ذلك "( ).
                ‏والباحث يميل إلى قول الإمام أبي حيان، حيث لاحظ أن الفراء لا يحتج على القواعد الكلية أصالة بالحديث، وإنما يورده مورد المثال لا الشاهد. قال الفراء ‏في قوله تعالى: (وما تغيض الأرحام): "أولا ترى أن العرب تقول: غاضت المياه، ‏أي نقصت... وفي الحديث: "إذا كان الشتاء قيظا، والوعد غيظا، وغاضت الكرام غيضا، وفاضت اللئام فيضا، فقد تبين النقصان في الغيض"( ) والفراء هنا إنما أورد ‏الحديث مورد المثال لا الشاهد، وذكره بعد شهرة محل الاحتجاج في غيره.. وهذا كثير في كتابه والأمثلة عليه بالمتناول وبهذا أسجل مدى الاستغراب من قول من قال: "أما الاحتجاج بالحديث فكان مظهرا قويا من مظاهر النزعة السلفية عند الفراء"( )، وما أدري، ماذا يقصد بالسلفية هنا فمن هم أسلاف الفراء الذين يحتجون ‏بالحديث في تقعيد الكليات النحوية؟! وإن كانت هي المسألة، فكيف تكون نزعة سلفية؟!
                ‏والفراء يحتج بأقوال العرب النثرية ‏بين مثل وخطبة وكلام منثور بصور مختلفة، ولكنه يتشدد في هذا النقل وهو الذي يقول: "إلا أن تسع شيئا من بدوي فصيح فتقوله فتكتبه"( ) ‏ويبدو أن التشدد سمة منهجية في التلقي عند الفراء حتى‏عن شيوخه لذلك تراه يتعقب حتى الكسائي ويرد عليه( ).ومثال الاحتجاج: ما حكاه الفراء في تفسير "ويكأن" عن شيخ من البصريين قال: "سمعت أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك ويلك؟ فقال زوجها: ويكأنه وراء الباب، معناه: أما ترينه وراء الباب" ( )، ومنه احتجاجه بقول العرب: "أكذب من الأخيذ الصّبحان"( ). ومنه ما نلحظه من اعتماد تفسير تابعي أو صحابي، جاء في "معاني القرآن": عن عمران ابن حذيفة قال: رآني أبي، حذيفة راكعاً قد صوبت رأسي. قال: ارفع رأسك ديناً قيّماً"( ) وقوله في تفسير "اللغو": "وكان القول الأول وهو قول عائشة: إن اللغو ما يجري في الكلام عن غير عقد، أشبه بكلام العرب"( )




                الفراء ورواية اللغة:
                ‏الفراء إمام متبحر في رواية اللغة، ويظهر هذا من خلال تكاثر الروايات اللغوية عنه في المعجمات، وكذلك في كتب غريب الحديث، والكتب التي تعنى بتصحيح الأخطاء الشائعة، وكتب الأمثال والخطب، فهي تكشف عن منهج في هذه الرواية. فبما نظرة في الأمثلة اللغوية في هذه الكتب، انكشف لي الاعتماد الكبير على آراء الفراء اللغوية، وبصائره في روايتها.
                ‏وأنا ذاكر لك نماذج من هذه الكتب، وعدد النقول اللغوية فيها عن الفراء، لتقف على هذه الحقيقة. فقد روى عنه الإمام الحسن بن محمد الصغاني في "العباب الزاخر" في جزء السين فقط قريبا من (50) موضعا.
                - "لسان العرب" حوالي (1706) مواضع.
                - "القاموس المحيط" حوالي (8) مواضع.
                - "مختار الصحاح" (‏84) موضعا.
                - "غريب الحديث" ابن قتيبة حوالي (21‏) موضعا.
                - "غريب الحديث" ابن سلام حوالي (31) موضعا.
                - "غريب الحديث " الخطابي حوالي (56‏) موضعا.
                - "الفائق" الزمخشري حوالي (28‏) موضعا.
                - "النهاية في غريب الحديث " ابن الأثير (11) نقلا.
                - "مجمع الأمثال" الميداني حوالي (19) موضعا.
                - "تصحيح التصحيف وتحرير التحريف" ابن أيبك الصفدي حوالي (11) موضعا.
                ومع وجود التكرار يبقى العدد صالحا بوصفه عينة للرواية اللغوية عن الفراء . ‏والفراء لا يهمل اللغة ولا المعنى المعجمي في أي موضع من تآليفه، وهو كثير الذكر لذلك في كتابه "معاني القرآن" ويسعى إلى أعلى درجة من الدقة في ‏تحديد المعنى اللغوي. كما في قوله: "والعصبة: عشرة فما زاد"( )، ومن مظاهر ‏توسعه في رواية اللغة، رد الكلمات العربية إلى أصولها، والرد على اللغويين وتعقبهم. جاء في "معاني القرآن": وقوله: الفردوس، قال الكلبي: هو البستان بلغة الروم. قال الفراء: وهو عربي أيضا، العرب تسمي البستان الفردوس"( ) وهذه ‏السعه اللغوية التي ينهل منها الفراء، فتحت باب التفرد اللغوي، بما يشبه رواية الغرائب عنده، فقد يروي ما لا يعرفه أهل المعجمات على سعة اطلاعهم وتعدد مصادرهم. ومثاله: (كلمة (التّكش)، حكى ثعلب في "أماليه" عن الفراء أنه ‏قال: التَّكش: البازي يجاء به على رأس أكبر فلا يتعلم، فيسمى تكشا"( ).
                ‏والقياس في اللغة ضيق جدا عند الفراء، وهو يرد القياس بالسماع ويحتكم إليه لا سيما قياس العلة، ولكنه مع هذا قد يجري قياس شبه أو طرد في الوجوه اللغوية، بما يكشف جانبا من جوانب البصائر اللغوية عند الفراء، ‏فهو يتشدد في جانب من جوانب القياس اللغوي فيقول رادا على الكسائي: "وزعم الكسائي أنه سمع ما يفعل ذاك إلا خصيصاء قوم، ‏وأمرهم فيضوضاء بينهم ممدودين، فسمع في هذين الحرفين المد والقصر، وأجاز الكسائي المد فيه كله على القياس. قال الفراء: ‏ولم أسمع المد في هذا من أحد من العرب فلا أجيزه"( ). وهو القائل في تفسير قوله ‏تعالى (ثم استوى إلى السماء فسواهن): "ووجه ثالث: أن تقول: كان مقبلا على فلان ثم استوى علي يشاتمني وإليّ سواء. على معنى أقبل إليّ وعلي. فهذا معنى قوله (ثم استوى إلى السماء) والله أعلم"( ).
                ‏والفراء يتبع منهج المناطقة والفلاسفة في تعليل التراكيب اللغوية، ويساوق تقاسيمهم وأساليبهم( )، ويفرق بين دلالات التراكيب اللغوية بأدواتهم، وهو بهذا ‏يصدر عن نظرة واسعة وشاملة لاستراتيجيات التراكيب الحسية( ).. وهو ، لا ينقل ‏عن العرب مفردات اللغة فقط، بل ينقل شيئا من تراكيبهم وأساليبهم اللغوية، ويسعى إلى تعليل هذه التراكيب والأساليب. ولا يستثني الفراء الأساليب اللغوية المتعلقة بالأصوات مثل ظاهرة الإشباع وغيرها، ومثاله: حكى الفراء عن بعض العرب: أكلت لحما شاة. يريد: لحم شاة، فأشبع فتحة الميم وتولدت الألف"( ).
                ‏هذه بعض الجوانب التي قد نقف عليها في نظرية الفراء اللغوية، بما يؤهله ليحتل مركزا عظيما بين علماء اللغة، لا يقل عن مركزه النحوي، مركزا كان ‏يجب أن يدعو أمثال الزبيدي إلى ترجمته في طبقات اللغويين، فهو منهم بل من ‏رؤوسهم. وعلى هذا يجب التنبيه.

                تعليق

                • عبدالله بنعلي
                  عضو نشيط
                  • Apr 2014
                  • 6053

                  #9
                  المصادر والمراجع
                  1. ‏أبو زكريا الفراء ومذهبه في النحو واللغة.
                  د. أحمد مكي الأنصاري - المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب.
                  2. أخبار النحويين البصريين.
                  أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي. تحقيق: محمد إبراهيم البنا. دار الاعتصام. ط1
                  3. ارتشاف الضرب من لسان العرب.
                  أبو حيان الأندلسي. تحقيق: مصطفى أحمد النماس. المكتبة الأزهرية. القاهرة / 1997
                  4. إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب.
                  ياقوت بن عبد الله الحموي. اعتنى به: د.س. مرجليوث. مطبعة هندية. موسكي. مصر / 1925 ‏.
                  5. الإرشاد إلى علم الإعراب.
                  محمد بن أحمد الكيشي ( 695 هـ). تحقيق عبد الله علي وآخرون. جامعة أم القرى مكة. ط 1 / 1989 ‏.
                  6. الأشباه والنظائر.
                  جلال الدين السيوطي. دار الكتب العلمية. بيروت. ط 1 ‏/ 1984 7
                  7. الأعلام
                  خير الدين الزركلي. دار العلم للملايبن. بيروت. ط 13 / 1998 ‏.
                  8. الإقتراح.
                  جلال الدين السيوطي. قدم له: أحمد سليم الحمصي. جروس برس. ط 1 / 1988 ‏.
                  9. الأنساب
                  عبد الكريم بن محمد السمعاني ( 562 هـ). تقديم وتعليق: عبد الله عمر البارودي. دار الجنان. بيروت. ط 1 / 988 ‏ا
                  10. الإنصاف في مسائل الخلاف
                  عبد الرحمن بن محمد بن أبي سعيد الأنباري. اعتنى به: محمد محيي الدين عبد الحميد: المكتبة التجارية. مصر.
                  11. أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك
                  جمال الدين عبد الله بن هشام. بحاشية: بركات يوسف هبود. دار الفكر. بيروت / 1994
                  12. الإيضاح في علل النحو
                  أبو القاسم الزجاجي. تحقيق: د. مازن المبارك. دار النفاس. بيروت. ط4‏/1982م.
                  13. البداية والنهاية.
                  أبو الفداء، ابن كثير. مكتبة المعارف. بيروت ط 3 ‏/ 1987م.
                  14. بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة.
                  جلال الدين السيوطي. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. دار الفكر. بيروت. ط 2 ‏/ 1979م.
                  15. تاريخ الإسلام.
                  د. حسن إبراهيم حسن. دار الجيل. بيروت. ط 14 / 1996م.
                  16. تاريخ بغداد.
                  أحمد بن علي. أبو بكر الخطيب. دار الكتب العلمية. بيروت.
                  17. تاريخ خليفة بن الخياط.
                  خليفة بن الخياط الليثي ( 240 ‏هـ). راجعه: مصطفى نجيب. دار الكتب العلمية. بيروت. ط 1/ 1995م.
                  18. تاريخ اليعقوبي.
                  أحمد بن إسحاق بن جعفر ( 292هـ ). علق عليه: خليل المنصور. دار الكتب العلمية. بيروت ط 1 / 1999م.
                  19. التدوين في أخبار قزوين.
                  عبد الكريم بن محمد الرافعي. تحقيق: عزيز الله العطاردي. دار الكتب العلمية. بيروت / 1987م.
                  20. تهذيب التهذيب.
                  أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. تحقيق: خليل مأمون شيحا. دار المعرفة. بيروت. ط 1 / 1996م.
                  21. تهذيب اللغة.
                  الأزهري. أبو منصور محمد بن أحمد. ( 370 هـ ). تحقيق: عبد السلام هارون. المؤسسة المصرية العامة / 1964م.
                  22. التهذيب الوسيط في النحو.
                  محمد بن علي بن يعيش الصنعاني. تحقيق: د. فخر صالح. دار عمار. بيروت، عمان. ط 1 / 1991م.
                  23. توجيه اللمع.
                  أحمد بن الحسين بن الخباز. تحقيق: فايز زكي. دار السلام. القاهرة. ط 1 ‏/ 2002م.
                  24. توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك.
                  المرادي. ابن أم قاسم. تحقيق: د. عبد الرحمن علي سليمان. مكتبة الكليات الأزهرية. القاهرة. ط 2‏.
                  25. الجمل في النحو.
                  عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي. تحقيق: د. علي توفيق الحمد. مؤسسة الرسالة. دار الأمل ط 3 ‏/ 1986.
                  26. حجة القراءات.
                  أبو زرعة، عبد الرحمن بن زنجلة. تحقيق، سعيد الأفغاني. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط 5 ‏/ 1997م.
                  27. سير أعلام النبلاء.
                  شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي. تحقيق: محمد العرقسوسي. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط 11/1998م.
                  28. شرح الآجرومية.
                  الوقاد: خالد الأزهري. مع حاشية ابن الحاج. دار المعرفة. الدار البيضاء.
                  29. شرح شافية ابن الحاجب.
                  الإستراباذي. رضي الدين محمد بن الحسن. تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد وآخرون. دار الكتب العلمية. بيروت / 1982.
                  30. شواهد التوضيح والتصحيح.
                  جمال الدين. ابن مالك الأندلسي. تحقيق: د. طه محسن. وزارة الأوقاف. بغداد / 1982.
                  31. ‏الصاحبي.
                  أبو الحسين أحمد بن فارس. تحقيق: السيد أحمد صقر. دار إحياء الكتب العربية. القاهرة.
                  32. غاية النهاية في طبقات القراء.
                  ابن الجزري. محمد بن محمد. عني به: برجستراسر. دار الكتب العلية. بيروت. ط3 ‏/ 1982م.
                  33. الفرق بين الفرق.
                  البغدادي. عبد القاهر بن طاهر. دار الكتب العلمية. بيروت ط 1/ 1985م.
                  34. الفهرست.
                  ابن النديم. محمد بن إسحاق. دار المعرفة. بيروت / 1978‏م.
                  35. ‏القاموس المحيط.
                  الفيروزآبادي. مجد الدين محمد بن يعقوب. دار الجيل. بيروت.
                  36. ‏لسان العرب.
                  ابن منظور. محمد بن مكرم. دار صادر. بيروت. ط 3 ‏/ 1994.
                  37. مجمع الأمثال:
                  الميداني. أحمد بن محمد بن أحمد. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. دار الجيل. بيروت. ط 2 ‏/ 1987.
                  38. المختصر في أخبار البشر.
                  أبو الفدا. عماد الدين إسماعيل. المطبعة الحسينية. مصر. ط 1 .
                  39. مدرسة الكوفة.
                  د. مهدي المخزومي.
                  40. مرآة الجنان وعبرة اليقظان.
                  اليافعي. عبد الله بن أسعد بن علي. مؤسسة الأعلمي. بيروت.
                  41. مراتب النحويين.
                  أبو الطيب اللغوي. عبد الواحد بن علي. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. المكتبة العصرية. بيروت / 2002‏م.
                  42. معاني القرآن.
                  الفراء. يحيى بن زياد. تحقيق، محمد علي النجار. عالم الكتب. بيروت. ط2/ 1980م.
                  43. معاني القرآن - تقريب.
                  إبراهيم الدسوقي عبد العزيز. مركز الأهرام للترجمة والنشر. القاهرة. ط 1989م.
                  44. معجم المؤلفين.
                  عمر رضا كحالة. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط 1 / 1993م.
                  45. مغني اللبيب عن كتب الأعاريب.
                  جمال الدين عبد الله بن هشام. تحقيق: د. مازن المبارك. دار الفكر. بيروت. ط 6 ‏/ 1985م.
                  46. مقالات الإسلاميين.
                  أبو الحسن الأشعري. علي بن إسماعيل. تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد. المكتبة العصرية. بيروت / 1999م.
                  47. 47 ‏- المقصور والممدود.
                  الفراء، يحيى بن زياد. تحقيق: ماجد الذهبي. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط 1/ 1983.
                  48. الممتع في التصريف.
                  ابن عصفور الإشبيلى. تحقيق: د. فخر الدين قباوة. دار المعرفة. بيروت. ط1 / 1997.
                  49. ميزان الاعتدال في نقد الرجال.
                  الذهبي. محمد بن أحمد. تحقيق: علي محمد البجاوي. دار الفكر. بيروت.
                  50. نزهة الألباء في طبقات الأدباء.
                  ابن الأنباري. عبد الرحمن بن محمد. تحقيق: إبراهيم السامرائي. مطبعة المعارف. بغداد / 1959م.
                  51. نشأة النحو.
                  محمد الطنطاوي. راجعه. سعيد محمد اللحام. عالم الكتب. بيروت. ط 1 / 1997.
                  52. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان.
                  ابن خلكان. أحمد بن محمد. تحقيق: إحسان عباس. دار صادر. بيروت / 1977م.
                  المخطوطات:
                  53. عدد آي القرآن: من محفوظات تشستربيتي / دبلن برقم ( 4788 ) منسوب إلى الفراء. يحيى بن زياد.

                  تعليق

                  • عبدالله بنعلي
                    عضو نشيط
                    • Apr 2014
                    • 6053

                    #10
                    المصادر والمراجع
                    1. ‏أبو زكريا الفراء ومذهبه في النحو واللغة.
                    د. أحمد مكي الأنصاري - المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب.
                    2. أخبار النحويين البصريين.
                    أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي. تحقيق: محمد إبراهيم البنا. دار الاعتصام. ط1
                    3. ارتشاف الضرب من لسان العرب.
                    أبو حيان الأندلسي. تحقيق: مصطفى أحمد النماس. المكتبة الأزهرية. القاهرة / 1997
                    4. إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب.
                    ياقوت بن عبد الله الحموي. اعتنى به: د.س. مرجليوث. مطبعة هندية. موسكي. مصر / 1925 ‏.
                    5. الإرشاد إلى علم الإعراب.
                    محمد بن أحمد الكيشي ( 695 هـ). تحقيق عبد الله علي وآخرون. جامعة أم القرى مكة. ط 1 / 1989 ‏.
                    6. الأشباه والنظائر.
                    جلال الدين السيوطي. دار الكتب العلمية. بيروت. ط 1 ‏/ 1984 7
                    7. الأعلام
                    خير الدين الزركلي. دار العلم للملايبن. بيروت. ط 13 / 1998 ‏.
                    8. الإقتراح.
                    جلال الدين السيوطي. قدم له: أحمد سليم الحمصي. جروس برس. ط 1 / 1988 ‏.
                    9. الأنساب
                    عبد الكريم بن محمد السمعاني ( 562 هـ). تقديم وتعليق: عبد الله عمر البارودي. دار الجنان. بيروت. ط 1 / 988 ‏ا
                    10. الإنصاف في مسائل الخلاف
                    عبد الرحمن بن محمد بن أبي سعيد الأنباري. اعتنى به: محمد محيي الدين عبد الحميد: المكتبة التجارية. مصر.
                    11. أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك
                    جمال الدين عبد الله بن هشام. بحاشية: بركات يوسف هبود. دار الفكر. بيروت / 1994
                    12. الإيضاح في علل النحو
                    أبو القاسم الزجاجي. تحقيق: د. مازن المبارك. دار النفاس. بيروت. ط4‏/1982م.
                    13. البداية والنهاية.
                    أبو الفداء، ابن كثير. مكتبة المعارف. بيروت ط 3 ‏/ 1987م.
                    14. بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة.
                    جلال الدين السيوطي. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. دار الفكر. بيروت. ط 2 ‏/ 1979م.
                    15. تاريخ الإسلام.
                    د. حسن إبراهيم حسن. دار الجيل. بيروت. ط 14 / 1996م.
                    16. تاريخ بغداد.
                    أحمد بن علي. أبو بكر الخطيب. دار الكتب العلمية. بيروت.
                    17. تاريخ خليفة بن الخياط.
                    خليفة بن الخياط الليثي ( 240 ‏هـ). راجعه: مصطفى نجيب. دار الكتب العلمية. بيروت. ط 1/ 1995م.
                    18. تاريخ اليعقوبي.
                    أحمد بن إسحاق بن جعفر ( 292هـ ). علق عليه: خليل المنصور. دار الكتب العلمية. بيروت ط 1 / 1999م.
                    19. التدوين في أخبار قزوين.
                    عبد الكريم بن محمد الرافعي. تحقيق: عزيز الله العطاردي. دار الكتب العلمية. بيروت / 1987م.
                    20. تهذيب التهذيب.
                    أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. تحقيق: خليل مأمون شيحا. دار المعرفة. بيروت. ط 1 / 1996م.
                    21. تهذيب اللغة.
                    الأزهري. أبو منصور محمد بن أحمد. ( 370 هـ ). تحقيق: عبد السلام هارون. المؤسسة المصرية العامة / 1964م.
                    22. التهذيب الوسيط في النحو.
                    محمد بن علي بن يعيش الصنعاني. تحقيق: د. فخر صالح. دار عمار. بيروت، عمان. ط 1 / 1991م.
                    23. توجيه اللمع.
                    أحمد بن الحسين بن الخباز. تحقيق: فايز زكي. دار السلام. القاهرة. ط 1 ‏/ 2002م.
                    24. توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك.
                    المرادي. ابن أم قاسم. تحقيق: د. عبد الرحمن علي سليمان. مكتبة الكليات الأزهرية. القاهرة. ط 2‏.
                    25. الجمل في النحو.
                    عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي. تحقيق: د. علي توفيق الحمد. مؤسسة الرسالة. دار الأمل ط 3 ‏/ 1986.
                    26. حجة القراءات.
                    أبو زرعة، عبد الرحمن بن زنجلة. تحقيق، سعيد الأفغاني. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط 5 ‏/ 1997م.
                    27. سير أعلام النبلاء.
                    شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي. تحقيق: محمد العرقسوسي. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط 11/1998م.
                    28. شرح الآجرومية.
                    الوقاد: خالد الأزهري. مع حاشية ابن الحاج. دار المعرفة. الدار البيضاء.
                    29. شرح شافية ابن الحاجب.
                    الإستراباذي. رضي الدين محمد بن الحسن. تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد وآخرون. دار الكتب العلمية. بيروت / 1982.
                    30. شواهد التوضيح والتصحيح.
                    جمال الدين. ابن مالك الأندلسي. تحقيق: د. طه محسن. وزارة الأوقاف. بغداد / 1982.
                    31. ‏الصاحبي.
                    أبو الحسين أحمد بن فارس. تحقيق: السيد أحمد صقر. دار إحياء الكتب العربية. القاهرة.
                    32. غاية النهاية في طبقات القراء.
                    ابن الجزري. محمد بن محمد. عني به: برجستراسر. دار الكتب العلية. بيروت. ط3 ‏/ 1982م.
                    33. الفرق بين الفرق.
                    البغدادي. عبد القاهر بن طاهر. دار الكتب العلمية. بيروت ط 1/ 1985م.
                    34. الفهرست.
                    ابن النديم. محمد بن إسحاق. دار المعرفة. بيروت / 1978‏م.
                    35. ‏القاموس المحيط.
                    الفيروزآبادي. مجد الدين محمد بن يعقوب. دار الجيل. بيروت.
                    36. ‏لسان العرب.
                    ابن منظور. محمد بن مكرم. دار صادر. بيروت. ط 3 ‏/ 1994.
                    37. مجمع الأمثال:
                    الميداني. أحمد بن محمد بن أحمد. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. دار الجيل. بيروت. ط 2 ‏/ 1987.
                    38. المختصر في أخبار البشر.
                    أبو الفدا. عماد الدين إسماعيل. المطبعة الحسينية. مصر. ط 1 .
                    39. مدرسة الكوفة.
                    د. مهدي المخزومي.
                    40. مرآة الجنان وعبرة اليقظان.
                    اليافعي. عبد الله بن أسعد بن علي. مؤسسة الأعلمي. بيروت.
                    41. مراتب النحويين.
                    أبو الطيب اللغوي. عبد الواحد بن علي. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. المكتبة العصرية. بيروت / 2002‏م.
                    42. معاني القرآن.
                    الفراء. يحيى بن زياد. تحقيق، محمد علي النجار. عالم الكتب. بيروت. ط2/ 1980م.
                    43. معاني القرآن - تقريب.
                    إبراهيم الدسوقي عبد العزيز. مركز الأهرام للترجمة والنشر. القاهرة. ط 1989م.
                    44. معجم المؤلفين.
                    عمر رضا كحالة. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط 1 / 1993م.
                    45. مغني اللبيب عن كتب الأعاريب.
                    جمال الدين عبد الله بن هشام. تحقيق: د. مازن المبارك. دار الفكر. بيروت. ط 6 ‏/ 1985م.
                    46. مقالات الإسلاميين.
                    أبو الحسن الأشعري. علي بن إسماعيل. تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد. المكتبة العصرية. بيروت / 1999م.
                    47. 47 ‏- المقصور والممدود.
                    الفراء، يحيى بن زياد. تحقيق: ماجد الذهبي. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط 1/ 1983.
                    48. الممتع في التصريف.
                    ابن عصفور الإشبيلى. تحقيق: د. فخر الدين قباوة. دار المعرفة. بيروت. ط1 / 1997.
                    49. ميزان الاعتدال في نقد الرجال.
                    الذهبي. محمد بن أحمد. تحقيق: علي محمد البجاوي. دار الفكر. بيروت.
                    50. نزهة الألباء في طبقات الأدباء.
                    ابن الأنباري. عبد الرحمن بن محمد. تحقيق: إبراهيم السامرائي. مطبعة المعارف. بغداد / 1959م.
                    51. نشأة النحو.
                    محمد الطنطاوي. راجعه. سعيد محمد اللحام. عالم الكتب. بيروت. ط 1 / 1997.
                    52. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان.
                    ابن خلكان. أحمد بن محمد. تحقيق: إحسان عباس. دار صادر. بيروت / 1977م.
                    المخطوطات:
                    53. عدد آي القرآن: من محفوظات تشستربيتي / دبلن برقم ( 4788 ) منسوب إلى الفراء. يحيى بن زياد.

                    تعليق

                    يعمل...