هل يجوز مَجِيءُ اسم الإشارة حالًا؟
د. مصطفى شعبان
لما كانت الحال فضلة على الخبر، والخبر في الأمر العام إنما يستفاد إذا كان نكرة، لزِمَ الأحوالَ أن يكُنَّ نكراتٍ، حملًا على الأصل ؛ لأن الأصل التنكير(1 ) ،وحيثية كونها فضلة أنها زيادة في الفائدة ، والفائدة في الخبر نكرة ؛ لأنه لو كان معرفة لم يستفده المخاطب ، ألا ترى أنك لو أخبرتَ الإنسان بما يعلمه لم تَكُنْ فيه فائدة ؟ وإنما الفائدة أن تخبره بما لا يعلم( 2).
هذا هو وجه الشبه الأول بين الحال والخبر، وهو أن الحال حكم كالخبر ، والأحكام يجب أن تكون نكرات( 3) على أصل هذا الباب في التنكير .
ولا يَرِدُ على هذا الأصل مجيءُ الحال في بضعة مواضع معارفَ ؛ لأن هذا الورود قليلٌ، ولما قل الحال المعرفة وُقِفَ على محَلِّهِ وكَثُرَ النكرةُ فَقِيْسَ(4 ).
أما وجه الشبه الثاني بين الحال والخبر فهو أن كلًّا من الخبر والحال يقعان بعد المعرفة ، وكانا معتمدين عليها ومعمولين لعاملها ، فالخبر يقع بعد المبتدأ ويعتمد عليه، ويعمل فيه الابتداء، والحال يقع بعد صاحب الحال ويعتمد عليه، ويعمل بها عامله ، ولذلك اشتُرط أن يكون نكرة(5)، ثم لما كان الغالب اشتقاق الحال وتعريف صاحبه ؛ لأنه مخبر عنه به ، ألزموه التنكير؛ لئلا يُتوهم كونهما نعتًا ومنعوتًا، وأيضًا فإن الحال فضلة ملازمة للفضلية ، فاستُثْقِلَ واستحق التخفيف بلزوم التنكير، وليس غيرهُ من الفضلات ملازمًا للفَضْلِيَّةِ(6 ).
أما ما جاء من قولهم : (ادخُلوا الأولَ فالأولَ)، و (جاءُوا الجمَّاءَ الغفيرَ)، و (أوردَهَا العِرَاكَ) ، فإنما ساغ مجيء هذه المعارف أحوالًا عند الجمهور؛ لأنها مؤولة بالنكرة ، أي : ادخلوا مترتبين ، وجاءوا جُمُومًا غفيرًا ، وأوردَهَا مُعْتَرِكةً ، وهي مع ذلك محكوم عليها بالشذوذ والقلة عند جمهور البصريين ولا يقاس عليه ، وإنما جاز هذا للاتساع في المصادر(7).
هذا هو المستقر السائد عند أصحاب المذهب البصري، وهو كذلك مذهب أبي علي الفارسي الذي تناول نقلًا عن الكسائي برز فيه تسويغ الأخيرِ مجيءَ الحالِ اسمَ إشارةٍ ،وهو من المعارف التي لم يقل أحد غيره إنها تقع أحوالًا ، اللهم إلا على قياس مذهب البغداديين كما سيأتي .
قال الفارسي : «عن الكسائي أنه سمع : «هو أحسَنُ النَّاسِ هَاتَيْنِ» ، هاتين يعني: عَيْنَينِ، موضع (هاتين) موضع (العينين) وهو معرفة ، والمعارف لا تنتصب على الحال ، ولا على التمييز»(8).
يوضح تقرير الفارسي أن الكسائي أجاز أن تكون (هاتين) وهو اسم إشارة معرفة حالًا ، بدليل قوله : يعني : عَيْنَيْنِ، فمذهب الكسائي على قياس مذهب الفارسي والبصـريين مذهب شاذ غير معروف، وهو ما نصَّ عليه ابن السراج ، حيث قال : «وقال الكسائي : سمعت : (هو أحسن الناس هاتين) ، يريد : عينينِ ، فجعله نكرة ، وهذا شاذ غير معروف»(9 ).
ومكمن الشذوذ هنا يقع في غير جهة؛ فمن جهة الجمود والاشتقاق فـ (هَاتَيْنِ) إن قلنا إنها معرفةٌ لفظًا نكرةٌ معنىً ؛ لأنها على تأويل (عينين) ، فهي جامدة أيضًا غير مؤولة، ووقوع الحال جامدة غير مؤولة بمشتق محكوم عليه بالندرة والقلة كما يقول النحاة إلا فيما يكثر وقوعه، كما في الحال الدالة على السِّعْرِ، نحو : (بِعْتُهُ مُدًّا بِكَذَا) ، أو عدد نحو : ((فتمَّ ميقاتُ ربهِ أربعينَ ليلةً))(10 )، وما أشبههما من الأحوال التي ذكرها النحاة(11 ).
ومن جهة التعريف والتنكير ، فـ (هاتين) معرفة ، ولو أوِّلت بنكرة لخرجت عن معنى الحالية، إذ الحال وصف يصف هيئة الفاعل أو المفعول وقت وقوع الفعل ، وذلك نحو قولك : (أقْبَلَ محمدٌ مُسرِعًا)،و(ضربتُ عبدَ اللهِ بَاكِيًا) ، فلو قلت في (أنتَ أحسنُ الناسِ هَاتَيْنِ): إن (هاتين) حال لم يكن وصفًا لهيئة صاحبه، غايةُ الأمر أن يكون مُبيِّنًا لما انبهم في الذات هنا فيكون تمييزًا، وبالرغم من ذلك فلن يستقيم إعراب (هاتين) هنا تمييزًا باعتبار الأصول النحوية السماعية والقياسية ؛ لأن مجيء التمييز (معرفة) أشدُّ شذوذًا من مجيءِ الحال منه، وحتى الشاذ الذي ورد في مجيء التمييز معرفة كان نكرة معرفة بالإضافة نحو قولهم في قوله تعالى : ((إلا مَنْ سَفِهَ نفسَهُ))( 12).
قال الزمخشري : «وقيل : انتصاب النفس على التمييز ، نحو : غُبِنَ رَأْيَهُ وأَلِمَ رَأْسَهُ»( 13).
قال أبو حيان : «وانتصاب (نفسه) على أنه تمييز على قول بعض الكوفيين وهو الفراء .. فلا يجيزه البصريون ؛ لأنه معرفة ، وشرط التمييز عندهم أن يكون نكرة»( 14).
وإذا ورد وقوع التمييز معرفًا بالإضافة شذوذًا ونادرًا ، فينبغي أن يوقف على الوارد من ذلك ولا يقاس عليه ، فقياس اسم الإشارة عليه بعيد.
ومن ثمَّ بان رفض ابن السراج والفارسي لمذهب الكسائي في تجويز مجيء الحال معرفًا بالإشارة وجيهًا ، ولعل ما في (هاتين) – أي اسم الإشارة – من الإبهام هوما دفع الكسائي إلى استساغة إعرابه حالًا ، وربما أوَّله على أن التقدير: (أنتَ أحسنُ الناسِ حالَ كونِ هَاتَيْنِ العَيْنَينِ فِيْكَ)، ولكن كثرة ما وقع فيه من تقدير للمحذوفات، وعدم جريانه على المطرد من السماع ، والشائع من الأحوال، يجعله تأويلًا بعيدًا مستغربًا ، أضف إليه أن الحال على هذا التقدير ينبغي أن يكون جملة : أي : (وهَاتَانِ العَيْنَانِ فيكَ) لا مفردًا على كونه (هاتينِ)، ولم يكن الكسائي وحدَهُ من سوَّغ مجيء الحال معرفة، فقد نحا نحوه يونس ، والبغداديون مطلقًا بلا تأويل(15 )، فجوزوا : (جاءَ زيدٌ الراكبَ)، و(ادخلوا الأولَ فالأولَ)، فـ (الراكبَ) و (الأولَ فالأولَ) عندهم أحوال بنفسها وهي معرفة ، وحكى يونس أن العرب تقول : (قامَ زيدٌ أخاكَ) ، و (هذا زيدٌ سيِّدَ النَّاسِ).
كما أجاز الكوفيون أن يأتي على صورة المعرفة إذا كان فيها معنى الشرط، وهي مع ذلك نكرة نحو: (عبدُاللهِ المُحسِنَ أفضلُ منه المُسيءَ) ، والتقدير: إذا أحسن أفضل منه إذا أساء ، فإن لم يكن فيها معنى الشرط لم يجز أن تأتي معرفة لفظًا(16 ).
فقول الكسائي وفاق لقول يونس والبغداديين في قولهم بالجواز مطلقًا .
وجدير بالذكر أن ننوه إلى أن مذهب أبي علي في هذا الباب أن المعرفة لا تقع حالًا لا لفظًا ولا معنى، بخلاف الجمهور الذين جوزوا وقوع الحال معرفة لفظًا إذا صح تأويله معنىً بِنكرةٍ مع حكمهم بشذوذه ،ومنه أولوا الوارد المسموع من العرب من أحوال وقعت معارف بنكراتٍ ، أما الفارسي فذهب إلى أن هذه الأسماء ليست بأحوال في الحقيقة، وإنما الأحوال هي الأفعال الناصبة المضمرة التي وقعت هذه الأسماء في موقعها فانتصبت على المصدرية، فقدر قولهم : (طلبْتَهُ جهدَك)، و(رجعَ عَوْدَهُ على بَدْئِهِ)، و(أرْسَلَهَا العِراكَ) هكذا : (طلبتَهُ تجتهدُ جَهْدَكَ)، و(رجعَ يعودُعوْدَهُ على بَدْئِهِ)، و(أرسلها تَعْتَرِكُ العِرَاكَ) ( 17).
فعند أبي علي لا مجال لوقوع المعرفة نكرة أيًّا كانت صورة أو معنى ، وعند الجمهور يؤول ما سُمع منها معرفة صورة بنكرة معنى، مع الحكم عليه بالشذوذ وعدم القياسية ، وهو ما استقر عليه جمهور النحاة المتأخرين بعد ذلك .
-------------------------
(1 ) أمالي ابن الشجري 3/3 .
(2 ) التبصرة والتذكرة للصيمري 1/297 .
(3 ) الإيضاح في شرح المفصل 1/341 .
(4 ) المقاصد الشافية للشاطبي 3/437 .
(5 ) كشف المشكل في النحو لعلي بن سليمان الحيدرة اليمني (ت599هـ) ،تحقيق الدكتور هادي عطية مطر – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية - الجمهورية العراقية – 1404هـ - 1984م- 1/472
(6 ) شرح التسهيل لابن مالك 2/325-326 .
(7 ) انظر: الكتاب 1/195 ، المقتضب 3/236 ، أصول ابن السراج 1/164 ، الإيضاح العضدي 220 ، المقتصد شرح الإيضاح 1/671 ، شرح المفصل 2/55 ، المقرب 1/151 ، شرح جمل الزجاجي لابن عصفور 1/336 ، شرح الكافية للرضي 2/15 ، توضيح المقاصد 2/597 ، المساعد 2/11 ، همع الهوامع 4/18 .
(8 ) المسائل البصريات 2/913-914 .
(9 ) أصول ابن السراج 1/158 .
(10 ) [سورة الأعراف: 142].
(11 ) شرح جمل الزجاجي لابن عصفور 1/337 ، شرح التسهيل لابن مالك 2/322 ، أوضح المسالك 2/298-299 ، شرح الأشموني 2/252-255 .
(12 ) [سورة البقرة: 130].
(13 ) الكشاف 1/324 .
( 14) البحر المحيط 1/565 .
( 15) انظر: ارتشاف الضـرب 3/1562 ، توضيح المقاصد 2/697 ، شرح ابن عقيل 2/250 ، المساعد 2/11 ، شرح الأشموني 2/255 ، شرح التصريح 1/580 ، همع الهوامع 4/18 .
(16 ) راجع المصادر السابقة.
(17 ) انظر: الإيضاح العضدي 221 ، المسائل المنثورة 16-18 ، المقتصد 1/676-677 ، الإيضاح شرح المفصل 1/431 ، شرح الكافية للرضي 2/17 ، ارتشاف الضرب 3/1563 .
د. مصطفى شعبان
لما كانت الحال فضلة على الخبر، والخبر في الأمر العام إنما يستفاد إذا كان نكرة، لزِمَ الأحوالَ أن يكُنَّ نكراتٍ، حملًا على الأصل ؛ لأن الأصل التنكير(1 ) ،وحيثية كونها فضلة أنها زيادة في الفائدة ، والفائدة في الخبر نكرة ؛ لأنه لو كان معرفة لم يستفده المخاطب ، ألا ترى أنك لو أخبرتَ الإنسان بما يعلمه لم تَكُنْ فيه فائدة ؟ وإنما الفائدة أن تخبره بما لا يعلم( 2).
هذا هو وجه الشبه الأول بين الحال والخبر، وهو أن الحال حكم كالخبر ، والأحكام يجب أن تكون نكرات( 3) على أصل هذا الباب في التنكير .
ولا يَرِدُ على هذا الأصل مجيءُ الحال في بضعة مواضع معارفَ ؛ لأن هذا الورود قليلٌ، ولما قل الحال المعرفة وُقِفَ على محَلِّهِ وكَثُرَ النكرةُ فَقِيْسَ(4 ).
أما وجه الشبه الثاني بين الحال والخبر فهو أن كلًّا من الخبر والحال يقعان بعد المعرفة ، وكانا معتمدين عليها ومعمولين لعاملها ، فالخبر يقع بعد المبتدأ ويعتمد عليه، ويعمل فيه الابتداء، والحال يقع بعد صاحب الحال ويعتمد عليه، ويعمل بها عامله ، ولذلك اشتُرط أن يكون نكرة(5)، ثم لما كان الغالب اشتقاق الحال وتعريف صاحبه ؛ لأنه مخبر عنه به ، ألزموه التنكير؛ لئلا يُتوهم كونهما نعتًا ومنعوتًا، وأيضًا فإن الحال فضلة ملازمة للفضلية ، فاستُثْقِلَ واستحق التخفيف بلزوم التنكير، وليس غيرهُ من الفضلات ملازمًا للفَضْلِيَّةِ(6 ).
أما ما جاء من قولهم : (ادخُلوا الأولَ فالأولَ)، و (جاءُوا الجمَّاءَ الغفيرَ)، و (أوردَهَا العِرَاكَ) ، فإنما ساغ مجيء هذه المعارف أحوالًا عند الجمهور؛ لأنها مؤولة بالنكرة ، أي : ادخلوا مترتبين ، وجاءوا جُمُومًا غفيرًا ، وأوردَهَا مُعْتَرِكةً ، وهي مع ذلك محكوم عليها بالشذوذ والقلة عند جمهور البصريين ولا يقاس عليه ، وإنما جاز هذا للاتساع في المصادر(7).
هذا هو المستقر السائد عند أصحاب المذهب البصري، وهو كذلك مذهب أبي علي الفارسي الذي تناول نقلًا عن الكسائي برز فيه تسويغ الأخيرِ مجيءَ الحالِ اسمَ إشارةٍ ،وهو من المعارف التي لم يقل أحد غيره إنها تقع أحوالًا ، اللهم إلا على قياس مذهب البغداديين كما سيأتي .
قال الفارسي : «عن الكسائي أنه سمع : «هو أحسَنُ النَّاسِ هَاتَيْنِ» ، هاتين يعني: عَيْنَينِ، موضع (هاتين) موضع (العينين) وهو معرفة ، والمعارف لا تنتصب على الحال ، ولا على التمييز»(8).
يوضح تقرير الفارسي أن الكسائي أجاز أن تكون (هاتين) وهو اسم إشارة معرفة حالًا ، بدليل قوله : يعني : عَيْنَيْنِ، فمذهب الكسائي على قياس مذهب الفارسي والبصـريين مذهب شاذ غير معروف، وهو ما نصَّ عليه ابن السراج ، حيث قال : «وقال الكسائي : سمعت : (هو أحسن الناس هاتين) ، يريد : عينينِ ، فجعله نكرة ، وهذا شاذ غير معروف»(9 ).
ومكمن الشذوذ هنا يقع في غير جهة؛ فمن جهة الجمود والاشتقاق فـ (هَاتَيْنِ) إن قلنا إنها معرفةٌ لفظًا نكرةٌ معنىً ؛ لأنها على تأويل (عينين) ، فهي جامدة أيضًا غير مؤولة، ووقوع الحال جامدة غير مؤولة بمشتق محكوم عليه بالندرة والقلة كما يقول النحاة إلا فيما يكثر وقوعه، كما في الحال الدالة على السِّعْرِ، نحو : (بِعْتُهُ مُدًّا بِكَذَا) ، أو عدد نحو : ((فتمَّ ميقاتُ ربهِ أربعينَ ليلةً))(10 )، وما أشبههما من الأحوال التي ذكرها النحاة(11 ).
ومن جهة التعريف والتنكير ، فـ (هاتين) معرفة ، ولو أوِّلت بنكرة لخرجت عن معنى الحالية، إذ الحال وصف يصف هيئة الفاعل أو المفعول وقت وقوع الفعل ، وذلك نحو قولك : (أقْبَلَ محمدٌ مُسرِعًا)،و(ضربتُ عبدَ اللهِ بَاكِيًا) ، فلو قلت في (أنتَ أحسنُ الناسِ هَاتَيْنِ): إن (هاتين) حال لم يكن وصفًا لهيئة صاحبه، غايةُ الأمر أن يكون مُبيِّنًا لما انبهم في الذات هنا فيكون تمييزًا، وبالرغم من ذلك فلن يستقيم إعراب (هاتين) هنا تمييزًا باعتبار الأصول النحوية السماعية والقياسية ؛ لأن مجيء التمييز (معرفة) أشدُّ شذوذًا من مجيءِ الحال منه، وحتى الشاذ الذي ورد في مجيء التمييز معرفة كان نكرة معرفة بالإضافة نحو قولهم في قوله تعالى : ((إلا مَنْ سَفِهَ نفسَهُ))( 12).
قال الزمخشري : «وقيل : انتصاب النفس على التمييز ، نحو : غُبِنَ رَأْيَهُ وأَلِمَ رَأْسَهُ»( 13).
قال أبو حيان : «وانتصاب (نفسه) على أنه تمييز على قول بعض الكوفيين وهو الفراء .. فلا يجيزه البصريون ؛ لأنه معرفة ، وشرط التمييز عندهم أن يكون نكرة»( 14).
وإذا ورد وقوع التمييز معرفًا بالإضافة شذوذًا ونادرًا ، فينبغي أن يوقف على الوارد من ذلك ولا يقاس عليه ، فقياس اسم الإشارة عليه بعيد.
ومن ثمَّ بان رفض ابن السراج والفارسي لمذهب الكسائي في تجويز مجيء الحال معرفًا بالإشارة وجيهًا ، ولعل ما في (هاتين) – أي اسم الإشارة – من الإبهام هوما دفع الكسائي إلى استساغة إعرابه حالًا ، وربما أوَّله على أن التقدير: (أنتَ أحسنُ الناسِ حالَ كونِ هَاتَيْنِ العَيْنَينِ فِيْكَ)، ولكن كثرة ما وقع فيه من تقدير للمحذوفات، وعدم جريانه على المطرد من السماع ، والشائع من الأحوال، يجعله تأويلًا بعيدًا مستغربًا ، أضف إليه أن الحال على هذا التقدير ينبغي أن يكون جملة : أي : (وهَاتَانِ العَيْنَانِ فيكَ) لا مفردًا على كونه (هاتينِ)، ولم يكن الكسائي وحدَهُ من سوَّغ مجيء الحال معرفة، فقد نحا نحوه يونس ، والبغداديون مطلقًا بلا تأويل(15 )، فجوزوا : (جاءَ زيدٌ الراكبَ)، و(ادخلوا الأولَ فالأولَ)، فـ (الراكبَ) و (الأولَ فالأولَ) عندهم أحوال بنفسها وهي معرفة ، وحكى يونس أن العرب تقول : (قامَ زيدٌ أخاكَ) ، و (هذا زيدٌ سيِّدَ النَّاسِ).
كما أجاز الكوفيون أن يأتي على صورة المعرفة إذا كان فيها معنى الشرط، وهي مع ذلك نكرة نحو: (عبدُاللهِ المُحسِنَ أفضلُ منه المُسيءَ) ، والتقدير: إذا أحسن أفضل منه إذا أساء ، فإن لم يكن فيها معنى الشرط لم يجز أن تأتي معرفة لفظًا(16 ).
فقول الكسائي وفاق لقول يونس والبغداديين في قولهم بالجواز مطلقًا .
وجدير بالذكر أن ننوه إلى أن مذهب أبي علي في هذا الباب أن المعرفة لا تقع حالًا لا لفظًا ولا معنى، بخلاف الجمهور الذين جوزوا وقوع الحال معرفة لفظًا إذا صح تأويله معنىً بِنكرةٍ مع حكمهم بشذوذه ،ومنه أولوا الوارد المسموع من العرب من أحوال وقعت معارف بنكراتٍ ، أما الفارسي فذهب إلى أن هذه الأسماء ليست بأحوال في الحقيقة، وإنما الأحوال هي الأفعال الناصبة المضمرة التي وقعت هذه الأسماء في موقعها فانتصبت على المصدرية، فقدر قولهم : (طلبْتَهُ جهدَك)، و(رجعَ عَوْدَهُ على بَدْئِهِ)، و(أرْسَلَهَا العِراكَ) هكذا : (طلبتَهُ تجتهدُ جَهْدَكَ)، و(رجعَ يعودُعوْدَهُ على بَدْئِهِ)، و(أرسلها تَعْتَرِكُ العِرَاكَ) ( 17).
فعند أبي علي لا مجال لوقوع المعرفة نكرة أيًّا كانت صورة أو معنى ، وعند الجمهور يؤول ما سُمع منها معرفة صورة بنكرة معنى، مع الحكم عليه بالشذوذ وعدم القياسية ، وهو ما استقر عليه جمهور النحاة المتأخرين بعد ذلك .
-------------------------
(1 ) أمالي ابن الشجري 3/3 .
(2 ) التبصرة والتذكرة للصيمري 1/297 .
(3 ) الإيضاح في شرح المفصل 1/341 .
(4 ) المقاصد الشافية للشاطبي 3/437 .
(5 ) كشف المشكل في النحو لعلي بن سليمان الحيدرة اليمني (ت599هـ) ،تحقيق الدكتور هادي عطية مطر – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية - الجمهورية العراقية – 1404هـ - 1984م- 1/472
(6 ) شرح التسهيل لابن مالك 2/325-326 .
(7 ) انظر: الكتاب 1/195 ، المقتضب 3/236 ، أصول ابن السراج 1/164 ، الإيضاح العضدي 220 ، المقتصد شرح الإيضاح 1/671 ، شرح المفصل 2/55 ، المقرب 1/151 ، شرح جمل الزجاجي لابن عصفور 1/336 ، شرح الكافية للرضي 2/15 ، توضيح المقاصد 2/597 ، المساعد 2/11 ، همع الهوامع 4/18 .
(8 ) المسائل البصريات 2/913-914 .
(9 ) أصول ابن السراج 1/158 .
(10 ) [سورة الأعراف: 142].
(11 ) شرح جمل الزجاجي لابن عصفور 1/337 ، شرح التسهيل لابن مالك 2/322 ، أوضح المسالك 2/298-299 ، شرح الأشموني 2/252-255 .
(12 ) [سورة البقرة: 130].
(13 ) الكشاف 1/324 .
( 14) البحر المحيط 1/565 .
( 15) انظر: ارتشاف الضـرب 3/1562 ، توضيح المقاصد 2/697 ، شرح ابن عقيل 2/250 ، المساعد 2/11 ، شرح الأشموني 2/255 ، شرح التصريح 1/580 ، همع الهوامع 4/18 .
(16 ) راجع المصادر السابقة.
(17 ) انظر: الإيضاح العضدي 221 ، المسائل المنثورة 16-18 ، المقتصد 1/676-677 ، الإيضاح شرح المفصل 1/431 ، شرح الكافية للرضي 2/17 ، ارتشاف الضرب 3/1563 .
