التوظيف القرآني للطاقات الدلالية في اللغة العربية
محمد شلبي محمد
.
محمد شلبي محمد
مقدمة
الحمد لله الرحمن، الذي خلق الإنسان، علمه البيان، وأنزل القرآن خير تبيان، وأرسل رسوله يجني الهدى ويغرس الإيمان..
وبعد،
فإن القرآن الكريم منهج حياة، لا يستغني عنه من آمن به، ففيه من مقومات الصلاح في الدنيا مثل ما فيه من مقومات الفلاح في الآخرة، ولما كان القرآن كلامًا كان فقه طرائق هذا الكلام لازمًا للفهم عن الله - تعالى- ما أوحى به إلى الناس من تكليفات وتوجيهات، فقد كانت اللغة هي السبيل الأول لفهم القرآن وبيان هذه المرادات الإلهية، ولو قائل قائل: إنما نعلم هذه المرادات مما ورد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم- من تفسيرات جزئية، ومما ورد في كلام المفسرين جامعًا أقوال الصحابة، فلنا أن نقول: كل ذلك مصدره لغة العرب فلم يفهم صحابي من نص قرآني خلاف ما دلت عليه اللغة، وهذا في الأساس هو معنى البيان وقيمة البيان: ï´؟وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْï´¾ [إبراهيم: 4].
ولكن اللغة العربية التي اختارها الله - تعالى- لتكون اللسان الذي يوحي به آخر كتبه للعالمين قدر الله لها من الخصائص ما يحقق لها طاقات جبارة في الدلالة على المعاني الدقيقة، حتى إذا أنزل بها القرآن كانت هي أقدر لغة لإيصال هذه المرادات الإلهية.
وهدفنا في هذا البحث المختصر بيان كيف أن للغة العربية طاقات دلالية وكيف أنها جاءت في القرآن الكريم على أعلى ما يكون، حتى صار توظيفه اللغوي معجزة أعجزت أرباب اللغة من المعاصرين للنص القرآني ومن بعدهم إلى يوم الدين.
ولا يفوتني قبل البدء في مباحث البحث ذكر طرف من المؤامرة العالمية على اللغة العربية، فلما كانت هي السبيل لفهم القرآن كان التجهيل بها هو السبيل لضياع هذا الفهم، ومن ثم كان ذلك سبيلًا لتعطيل النصوص عن معانيها في أذهان المكلفين.
وقد ذكر جلال العالم في كتابه: "قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام، أبيدوا أهله"، إن الغرب يعطون أولوية في مخططاتهم لهدم المسلمين من خلال فصلهم عن القرآن، وذلك من خلال هدم اللغة أيضًا [1].
وهكذا يُتبِع بعضهم بعضًا القول، يقول غلادستون: "ما دام هذا القرآن موجودًا، فلن تستطيع أوروبا السيطرة علي الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان كما رأينا" [2].
ويقول المبشر وليم جيفورد بالكراجف: "متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذٍ أن نرى العربي يتدرج في طريق الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه" [3]. يعني بالحضارة النتاج المسيحي والديانة المسيحية.
ويقول المبشر تاكلي: "يجب أن نستخدم كتابهم - يعني القرآن - وهو أمضى سلاح في الإسلام، ضد الإسلام نفسه، لنقضي عليه تمامًا، يجب أن نري هؤلاء الناس - يعني المسلمين - أن الصحيح في القرآن ليس جديدًا، وأن الجديد فيه ليس صحيحًا." [4].
ويقول الحاكم الفرنسي في الجزائر بمناسبة مرور مائة عام على احتلالها: "يجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم ... ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم، حتى ننتصر عليهم." [5].
ولا زال همّ هؤلاء المضلين إماتة اللغة العربية واستبدال العامية بها مذ كان أولهم، يكشف محمد رشيد رضا من زمان مبكر - عام 1902 - عن ذلك المخطط لافتًا النظر إلى ما سماه صيحة اللغة - تستغيث، قال: "أعني بصيحة اللغة كتابًا ألفه المستر "ويلمور" المستشار في محكمة استئناف مصر الأهلية باللغة الإنكليزية، يدعو فيه إلى جعل اللغة العامية المصرية لغة التعليم العامة بدلاً من اللغة العربية الصحيحة، ويحاول إقناع المصريين بأن هذا خير لهم وأقوم سبيلاً، وما هي بالصيحة الأولى؛ وإنما هي ترجع لصوت "ولهلم سبتا بك" الألماني أمين دار الكتب الخديوية من قبلُ - المتوفى سنة 1883 - فإنه وضع حروفًا إفرنجية للغة العامية المصرية لأجل إحيائها، وألف كتابًا في صرفها وكتابًا في أمثالها وقصصًا عامية، ونشر ذلك باللغتين الألمانية والفرنسوية؛ ليرغب أوروبا في تنفيذ مشروع تعليم اللغة العامية بالحروف الإفرنجية، وجعلها لغة العلم والتعليم، وقد انتدب بعض أغنياء الإفرنج منذ سنين لذلك، وأرصد له مالاً جمًّا ونشرت يومئذٍ كراسة في الحث عليه وترغيب الآخذ به بالمال، ووزعت هذه الكراسة مع الجرائد اليومية الكبرى حتى المؤيد، وكتبنا وقتئذٍ مقالتين مطولتين في الرد والتنفير عن المشروع فنَّدنا فيهما وجوه الخديعة والخِلابَة، وكشفنا الغطاء عن ضروب التدليس والتلبيس في الموضوع بلهجة شديدة" [6].
فلما كان فصل الأمة عن قرآنها هو الضامن لهؤلاء الماكرين الكائدين لزوال أمة الإسلام فكذلك كان الضامن لأمة الإسلام في ألا تزول هو ألا تنفصل عن قرآنها..
وإن الاتصال بالقرآن واتباع توجيهاته ومنهجه القويم لهو من أعظم المقاصد الشرعية، قال تعالى مادحًا: ï´؟الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِï´¾ [البقرة: 121]، أي يتبعونه حق اتباعه [7]، وقال تعالى: ï´؟كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِï´¾ [ص: 29].
والملاحظ أن الغرب قد قرنوا هدم القرآن بهدم اللغة لإدراكهم هذه الحقيقة: إن الثانية وسيلة لفهم الأول لا محالة؛ لذلك فإن بيان قيمة العربية وكيف وظفها القرآن لبيان معانيه أصبح من الأهمية بمكان، وسوف أعرض القضية في مباحث أبدؤها بالمبحث التالي:
المبحث الأول
بعض الخصائص الدلالية في اللغة العربية
هناك خصائص كثيرة للتعبير في اللغة العربية، فيما يعرف بالنظريات الدلالية، ومن هذه النظريات التي تضبط قضية التعبير:
1- نظرية الفروق اللغوية:
ليس هناك كلمتان في العربية لهما نفس المعنى من كل جانب، إنما هي كلمات متقاربة المعاني إلى حد بعيد، من ذلك الفرق بين الجلوس والقعود: فالقعود "من القيام والجلوس من الضجعة ومن السجود" [8]، وكالفارق بين الحمد والمدح، فالحمد "لا يكون إلا على إحسان... والمدح يكون بالفعل والصفة" [9]، أي الحمد لا يكون إلا على فعل حسن، أما المدح فيكون على الفعل الحسن والوصف الحسن، فكل محمود ممدوح وليس كل ممدوح محمود، فلا يحمد أحد لطول قامته وإنما يمدح بذلك.
وهكذا كل كلمتين توهم ترادفهما.
وهناك ثلة كبيرة من العلماء تكلموا عن اختصاص كل لفظ بمعنى، وكتبوا فيه كتابات، من أقدمهم الجاحظ في كتاب "البيان والتبيين"، قال:
"وقد يستخف الناس ألفاظًا ويستعملونها وغيرها أحق بذلك منها. ألا ترى أن الله تبارك وتعالى لم يذكر في القرآن الجوع إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع والعجز الظاهر، والناس لا يذكرون السَّغب، ويذكرون الجوع في حالة القدرة والسلامة، وكذلك ذكر المطر، لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في مواضع الانتقام، والعامة وأكثر الناس لا يفصلون بين ذكر المطر وذكر الغيث، ولفظ القرآن الذي عليه نزل إذا ذكر الأبصار لم يقل الأسماع، وإذا ذكر سبع سماوات لم يقل الأرضين، ألا تراه لا يجمع الأرض أرضين ولا السمع أسماعًا، والجاري على أفواه العامة غير ذلك: لا يتفقدون من الألفاظ ما هو أحق بالذكر، وأولى بالاستعمال" [10].
وقد ألف في نفي الترادف كثير من العلماء، ولعل أشهر ما ألف في ذلك الباب كتاب: "الفروق اللغوية" لأبي هلال العسكري، ومنهم من وظف هذه النظرية في تفسير القرآن الكريم كالراغب في "مفرداته"، والفراهي في "مفرداته"، والسمين الحلبي في "عمدة الحفاظ"، وآخرون، كما أعدت دراسات في نظرية الفروق اللغوية وأثرها في تفسير القرآن الكريم، منها:"الفروق اللغوية وأثرها في تفسير القرآن الكريم" أعدها الدكتور: محمد عبد الرحمن بن صالح الشايع [11].
2- نظرية المقاييس لابن فارس:
عني ابن فارس بدراسة المعاني العامة، فوجد أن كل الكلمات التي تنتمي لأصل واحد في الغالب يجمعها معنى واحد عام، ومثالًا على هذه النظرية: نأخذ كلمة "سكن"، فكل كلماتها دالة على الثبات وضد الحركة، فمنه المسكن الذي يُعاش فيه، والسكون ضد الحركة والسِّكِين لأنه يسكن به الكائن الحي، والسكينة التي يسكن بها القلب [12]، وهكذا، وقد استقام لابن فارس من أفراد هذه النظرية ما أقام له معجمًا سماه "مقاييس اللغة".
وهو أحيانًا يذكر للأصل الواحد معنيين مختلفين، وقد وجدت أنه بالتعمق والتأمل يمكن رد المعاني التي ذكر كونها خالفت القياس إلى قياسه تحت معنى واحد.
3- نظرية التقاليب:
أصَّل لها ابن جني في "الخصائص"، وهي تقول بأن كل الكلمات التي تخرج من تقاليب أصل ثلاثي واحد يجمعها معنى واحد، ومثل لذلك بالأصلين: "قول" و"كلم" فالأول أرجع كل كلماته للخفة والحركة، والثاني أرجع كلماته للقوة والشدة [13].
4- نظرية الاشتقاق الأكبر:
وهي تقضي بأن الأصلين الثلاثيين إذا اشتركا في حرفين تشابهت معانيهما، وفسر ابن تيمية بهذه النظرية اسمه تعالى: "الصمد" فقال: " قال أبو عبيد: المصمت الذي لا جوف له، وقد أصمته أنا، وباب مصمت: قد أبهم إغلاقه، والمصمت من الخيل: البهيم، أي: لا يخالط لونه لون آخر، ومنه قول ابن عباس: إنما حرم من الحرير المصمت، فالمصمد والمصمت متفقان في الاشتقاق الأكبر، وليست الدال منقلبة عن التاء بل الدال أقوى، والمصمد أكمل في معناه من المصمت، وكلما قوي الحرف كان معناه أقوى، فإن لغة الرب في غاية الإحكام والتناسب" [14]. والشاهد: أن قوله: المصمد والمصمت متفقان في الاشتقاق الأكبر، وبه فسر اسمه تعالى الصمد، وهذه النظرية يطلق عليها كذلك: تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني، وذكرها ابن جني في الخصائص كذلك.
5 - دلالة الصوت على المعنى:
هناك أصوات حروف مفخمة وأخرى مرققة، وهذه الحروف بأصواتها تستخدم في اللغة للدلالة على المعاني، فمن ذلك قولهم: غلط فلان في الكلام وغلت في الحساب [15]، والمتأمل يمكن أن يستشف أن الطاء والتاء وظفتا للدلالة على المعنى، فالعرب أمة أمية، وكانوا يعظمون شأن الكلمة أكثر مما يعظمون شأن الحساب، ولذلك وضعوا الطاء المفخمة للخطأ فيما يعظمون من الكلام، ووضعوا التاء المرققة لما ليس له عندهم هذا القدر من التعظيم.
وهذه النظرية يستخدمها بعض الدارسين في تحليل النظام الصوتي للكلمات لبيان المعاني، في مثل كلمة: بحث، فالباء تساوق الضرب على التراب والحاء تساوق الحفر واحتكاك اليد بالتراب، والثاء تساوق نفخ التراب وتذريته، والصورة الكاملة لهذه المساوقات صورة يد تضرب وتحفر وتذرو، فهي صورة البحث عن شيء، دلت عليها أصوات الحروف.
وإن كنت لا أجزم - الآن على الأقل - باطراد هذه النظرية بالقدر الذي يمكن من خلاله بناء معجم كامل لها.
هذا، وقد ذكرت ثلة من خصائص العربية لأن المقام لا يتسع لذكر سائرها ولكن التدليل بالبعض مجزئ في بيان المراد.
المبحث الثاني
قيمة العربية في فهم القرآن
قال تعالى: ï´؟إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّاï´¾ [ يوسف: 2 ]، ثم بين المقصد من تخصيص الإنزال بالعربية بقوله: ï´؟لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَï´¾، فهناك علاقة بين النص وبين العقل، وأقصد بالعقل تلك العملية التي تأتي بعد عملية العلم والتفكر، وهذا يقتضي توضيح معنى لفظ: عقل:
جميع كلمات المادة دائرة على المنع والتقييد، قال ابن فارس في مقاييسه عن هذا الأصل: "يدلُّ عُظْمُه على حُبْسة في الشَّيء أو ما يقارب الحُبْسة" [16]، فمنه عقل الناقة أي تقييدها، ومنه العقال يحبسها أن تشرد، ومنه المَعْقِل، أي: الحصن؛ لأنه يَمنَع من فيه، ومنه العقل، أي: الدية للمقتول؛ لأنها تمنع أولياء المقتول من طلب الثأر، أو سموها عقلاً لأن الدية كانت إبلًا تُعْقَل بفناء أهل المقتول.. والباب مطرد في هذا المعنى..
إذن فدلالة قوله تعالى: ï´؟لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَï´¾ أي تصلون من فهمه وتدبره إلى مستوى يجعلكم تُقَيِّدُون وتُثْبِتُون الحق في نفوسكم إثباتًا يمنعكم من الباطل والخطأ ويحفظكم في الحق والصواب فهمًا وقولًا وفعلًا.
وثَمَّ سؤال: ماذا لو نزل القرآن بمعانيه أعجميًّا، ألم يكن ثمة إمكان للوصول إلى العقل كذلك؟
والرد على ذلك أن اللغة العربية لها من طرائق البيان ما لا يدع صغيرة ولا كبيرة في نفس القائل إلا أحصاها؛ ولذلك صارت هي أصلح اللغات للتعبير عن المعاني التي ينبغي أن يعقلها المؤمن في نفسه، وأن يعقل نفسه بها عن الباطل والضلال.
ومن خلال تصور إمكانات العربية الدلالية نستطيع معرفة لماذا كانت اللغة العربية سببًا في العقل، حيث كانت أقدر في الدلالة على دقائق المعاني من أي لغة أخرى، وهذا يعني أن الإمكانات الدلالية للغة العربية جاءت في القرآن الكريم للدلالة على المعاني العظيمة والدقيقة في أوجز لفظ وأوضح بيان.
وهذا يعني أن الذي يتفقه في العربية أكثر لا بد أن ينفتح له في التفسير باب لا ينفتح لمن ليس يتفقه فيها، ولعل التفسير المنصوص عن الرسول - صلى الله عليه وسلم- إنما قل ليتسع باب التدبر من خلال معطيات اللغة، فاللغة هي الباب الأول الذي يولج من خلاله إلى عالم القرآن الكريم.
أمثلة لخطورة الخطأ اللغوي في القرآن:
لما كان القرآن كتابًا محكمًا كان الخلل الصغير في قراءته يمكن أن يؤدي إلى خطأ جسيم، ونضرب لذلك ثلاثة أمثلة تؤدي المعنى المراد:
الأول: ï´؟صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْï´¾: لو قرأها قارئ بالضم "أنعمتُ" لبطلت صلاته؛ لأنه نسب الإنعام لنفسه.
الثاني: قوله تعالى: ï´؟اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَï´¾: لو قرأها أحدهم "والميزانِ"، لكان المُنْزَلُ شيئًا واحدًا وهو الكتاب السماوي، ولكنها في القرآن (والميزانَ)، ونصبها يدل على أن المُنْزل شيئان: الكتاب والميزان، أي: العدل، واستُفيد المعنى من عطف الميزان على الكتاب بعلامة الفتحة.
الثالث: ï´؟أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُï´¾: لو قرأها أحدهم: "ورسولِه" بالكسر، لكان قال كلامًا كفريًّا؛ إذ عطف (رسوله) على المشركين يؤدي إلى براءة الله من الرسول وهو كلامٌ كفريٌّ - وليس يكفر قائله الجاهل به - وإنما هي (ورسولَه) فهو معطوف على لفظ الجلالة والمعنى: الله ورسوله بريئان من المشركين.
وهكذا سائر الأمثلة، كلما وقعت مخالفة عن لغة القرآن - وإن كانت في اللغة صحيحة - فلا بد أن تورث فسادًا في المعنى.
الحمد لله الرحمن، الذي خلق الإنسان، علمه البيان، وأنزل القرآن خير تبيان، وأرسل رسوله يجني الهدى ويغرس الإيمان..
وبعد،
فإن القرآن الكريم منهج حياة، لا يستغني عنه من آمن به، ففيه من مقومات الصلاح في الدنيا مثل ما فيه من مقومات الفلاح في الآخرة، ولما كان القرآن كلامًا كان فقه طرائق هذا الكلام لازمًا للفهم عن الله - تعالى- ما أوحى به إلى الناس من تكليفات وتوجيهات، فقد كانت اللغة هي السبيل الأول لفهم القرآن وبيان هذه المرادات الإلهية، ولو قائل قائل: إنما نعلم هذه المرادات مما ورد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم- من تفسيرات جزئية، ومما ورد في كلام المفسرين جامعًا أقوال الصحابة، فلنا أن نقول: كل ذلك مصدره لغة العرب فلم يفهم صحابي من نص قرآني خلاف ما دلت عليه اللغة، وهذا في الأساس هو معنى البيان وقيمة البيان: ï´؟وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْï´¾ [إبراهيم: 4].
ولكن اللغة العربية التي اختارها الله - تعالى- لتكون اللسان الذي يوحي به آخر كتبه للعالمين قدر الله لها من الخصائص ما يحقق لها طاقات جبارة في الدلالة على المعاني الدقيقة، حتى إذا أنزل بها القرآن كانت هي أقدر لغة لإيصال هذه المرادات الإلهية.
وهدفنا في هذا البحث المختصر بيان كيف أن للغة العربية طاقات دلالية وكيف أنها جاءت في القرآن الكريم على أعلى ما يكون، حتى صار توظيفه اللغوي معجزة أعجزت أرباب اللغة من المعاصرين للنص القرآني ومن بعدهم إلى يوم الدين.
ولا يفوتني قبل البدء في مباحث البحث ذكر طرف من المؤامرة العالمية على اللغة العربية، فلما كانت هي السبيل لفهم القرآن كان التجهيل بها هو السبيل لضياع هذا الفهم، ومن ثم كان ذلك سبيلًا لتعطيل النصوص عن معانيها في أذهان المكلفين.
وقد ذكر جلال العالم في كتابه: "قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام، أبيدوا أهله"، إن الغرب يعطون أولوية في مخططاتهم لهدم المسلمين من خلال فصلهم عن القرآن، وذلك من خلال هدم اللغة أيضًا [1].
وهكذا يُتبِع بعضهم بعضًا القول، يقول غلادستون: "ما دام هذا القرآن موجودًا، فلن تستطيع أوروبا السيطرة علي الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان كما رأينا" [2].
ويقول المبشر وليم جيفورد بالكراجف: "متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذٍ أن نرى العربي يتدرج في طريق الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه" [3]. يعني بالحضارة النتاج المسيحي والديانة المسيحية.
ويقول المبشر تاكلي: "يجب أن نستخدم كتابهم - يعني القرآن - وهو أمضى سلاح في الإسلام، ضد الإسلام نفسه، لنقضي عليه تمامًا، يجب أن نري هؤلاء الناس - يعني المسلمين - أن الصحيح في القرآن ليس جديدًا، وأن الجديد فيه ليس صحيحًا." [4].
ويقول الحاكم الفرنسي في الجزائر بمناسبة مرور مائة عام على احتلالها: "يجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم ... ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم، حتى ننتصر عليهم." [5].
ولا زال همّ هؤلاء المضلين إماتة اللغة العربية واستبدال العامية بها مذ كان أولهم، يكشف محمد رشيد رضا من زمان مبكر - عام 1902 - عن ذلك المخطط لافتًا النظر إلى ما سماه صيحة اللغة - تستغيث، قال: "أعني بصيحة اللغة كتابًا ألفه المستر "ويلمور" المستشار في محكمة استئناف مصر الأهلية باللغة الإنكليزية، يدعو فيه إلى جعل اللغة العامية المصرية لغة التعليم العامة بدلاً من اللغة العربية الصحيحة، ويحاول إقناع المصريين بأن هذا خير لهم وأقوم سبيلاً، وما هي بالصيحة الأولى؛ وإنما هي ترجع لصوت "ولهلم سبتا بك" الألماني أمين دار الكتب الخديوية من قبلُ - المتوفى سنة 1883 - فإنه وضع حروفًا إفرنجية للغة العامية المصرية لأجل إحيائها، وألف كتابًا في صرفها وكتابًا في أمثالها وقصصًا عامية، ونشر ذلك باللغتين الألمانية والفرنسوية؛ ليرغب أوروبا في تنفيذ مشروع تعليم اللغة العامية بالحروف الإفرنجية، وجعلها لغة العلم والتعليم، وقد انتدب بعض أغنياء الإفرنج منذ سنين لذلك، وأرصد له مالاً جمًّا ونشرت يومئذٍ كراسة في الحث عليه وترغيب الآخذ به بالمال، ووزعت هذه الكراسة مع الجرائد اليومية الكبرى حتى المؤيد، وكتبنا وقتئذٍ مقالتين مطولتين في الرد والتنفير عن المشروع فنَّدنا فيهما وجوه الخديعة والخِلابَة، وكشفنا الغطاء عن ضروب التدليس والتلبيس في الموضوع بلهجة شديدة" [6].
فلما كان فصل الأمة عن قرآنها هو الضامن لهؤلاء الماكرين الكائدين لزوال أمة الإسلام فكذلك كان الضامن لأمة الإسلام في ألا تزول هو ألا تنفصل عن قرآنها..
وإن الاتصال بالقرآن واتباع توجيهاته ومنهجه القويم لهو من أعظم المقاصد الشرعية، قال تعالى مادحًا: ï´؟الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِï´¾ [البقرة: 121]، أي يتبعونه حق اتباعه [7]، وقال تعالى: ï´؟كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِï´¾ [ص: 29].
والملاحظ أن الغرب قد قرنوا هدم القرآن بهدم اللغة لإدراكهم هذه الحقيقة: إن الثانية وسيلة لفهم الأول لا محالة؛ لذلك فإن بيان قيمة العربية وكيف وظفها القرآن لبيان معانيه أصبح من الأهمية بمكان، وسوف أعرض القضية في مباحث أبدؤها بالمبحث التالي:
المبحث الأول
بعض الخصائص الدلالية في اللغة العربية
هناك خصائص كثيرة للتعبير في اللغة العربية، فيما يعرف بالنظريات الدلالية، ومن هذه النظريات التي تضبط قضية التعبير:
1- نظرية الفروق اللغوية:
ليس هناك كلمتان في العربية لهما نفس المعنى من كل جانب، إنما هي كلمات متقاربة المعاني إلى حد بعيد، من ذلك الفرق بين الجلوس والقعود: فالقعود "من القيام والجلوس من الضجعة ومن السجود" [8]، وكالفارق بين الحمد والمدح، فالحمد "لا يكون إلا على إحسان... والمدح يكون بالفعل والصفة" [9]، أي الحمد لا يكون إلا على فعل حسن، أما المدح فيكون على الفعل الحسن والوصف الحسن، فكل محمود ممدوح وليس كل ممدوح محمود، فلا يحمد أحد لطول قامته وإنما يمدح بذلك.
وهكذا كل كلمتين توهم ترادفهما.
وهناك ثلة كبيرة من العلماء تكلموا عن اختصاص كل لفظ بمعنى، وكتبوا فيه كتابات، من أقدمهم الجاحظ في كتاب "البيان والتبيين"، قال:
"وقد يستخف الناس ألفاظًا ويستعملونها وغيرها أحق بذلك منها. ألا ترى أن الله تبارك وتعالى لم يذكر في القرآن الجوع إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع والعجز الظاهر، والناس لا يذكرون السَّغب، ويذكرون الجوع في حالة القدرة والسلامة، وكذلك ذكر المطر، لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في مواضع الانتقام، والعامة وأكثر الناس لا يفصلون بين ذكر المطر وذكر الغيث، ولفظ القرآن الذي عليه نزل إذا ذكر الأبصار لم يقل الأسماع، وإذا ذكر سبع سماوات لم يقل الأرضين، ألا تراه لا يجمع الأرض أرضين ولا السمع أسماعًا، والجاري على أفواه العامة غير ذلك: لا يتفقدون من الألفاظ ما هو أحق بالذكر، وأولى بالاستعمال" [10].
وقد ألف في نفي الترادف كثير من العلماء، ولعل أشهر ما ألف في ذلك الباب كتاب: "الفروق اللغوية" لأبي هلال العسكري، ومنهم من وظف هذه النظرية في تفسير القرآن الكريم كالراغب في "مفرداته"، والفراهي في "مفرداته"، والسمين الحلبي في "عمدة الحفاظ"، وآخرون، كما أعدت دراسات في نظرية الفروق اللغوية وأثرها في تفسير القرآن الكريم، منها:"الفروق اللغوية وأثرها في تفسير القرآن الكريم" أعدها الدكتور: محمد عبد الرحمن بن صالح الشايع [11].
2- نظرية المقاييس لابن فارس:
عني ابن فارس بدراسة المعاني العامة، فوجد أن كل الكلمات التي تنتمي لأصل واحد في الغالب يجمعها معنى واحد عام، ومثالًا على هذه النظرية: نأخذ كلمة "سكن"، فكل كلماتها دالة على الثبات وضد الحركة، فمنه المسكن الذي يُعاش فيه، والسكون ضد الحركة والسِّكِين لأنه يسكن به الكائن الحي، والسكينة التي يسكن بها القلب [12]، وهكذا، وقد استقام لابن فارس من أفراد هذه النظرية ما أقام له معجمًا سماه "مقاييس اللغة".
وهو أحيانًا يذكر للأصل الواحد معنيين مختلفين، وقد وجدت أنه بالتعمق والتأمل يمكن رد المعاني التي ذكر كونها خالفت القياس إلى قياسه تحت معنى واحد.
3- نظرية التقاليب:
أصَّل لها ابن جني في "الخصائص"، وهي تقول بأن كل الكلمات التي تخرج من تقاليب أصل ثلاثي واحد يجمعها معنى واحد، ومثل لذلك بالأصلين: "قول" و"كلم" فالأول أرجع كل كلماته للخفة والحركة، والثاني أرجع كلماته للقوة والشدة [13].
4- نظرية الاشتقاق الأكبر:
وهي تقضي بأن الأصلين الثلاثيين إذا اشتركا في حرفين تشابهت معانيهما، وفسر ابن تيمية بهذه النظرية اسمه تعالى: "الصمد" فقال: " قال أبو عبيد: المصمت الذي لا جوف له، وقد أصمته أنا، وباب مصمت: قد أبهم إغلاقه، والمصمت من الخيل: البهيم، أي: لا يخالط لونه لون آخر، ومنه قول ابن عباس: إنما حرم من الحرير المصمت، فالمصمد والمصمت متفقان في الاشتقاق الأكبر، وليست الدال منقلبة عن التاء بل الدال أقوى، والمصمد أكمل في معناه من المصمت، وكلما قوي الحرف كان معناه أقوى، فإن لغة الرب في غاية الإحكام والتناسب" [14]. والشاهد: أن قوله: المصمد والمصمت متفقان في الاشتقاق الأكبر، وبه فسر اسمه تعالى الصمد، وهذه النظرية يطلق عليها كذلك: تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني، وذكرها ابن جني في الخصائص كذلك.
5 - دلالة الصوت على المعنى:
هناك أصوات حروف مفخمة وأخرى مرققة، وهذه الحروف بأصواتها تستخدم في اللغة للدلالة على المعاني، فمن ذلك قولهم: غلط فلان في الكلام وغلت في الحساب [15]، والمتأمل يمكن أن يستشف أن الطاء والتاء وظفتا للدلالة على المعنى، فالعرب أمة أمية، وكانوا يعظمون شأن الكلمة أكثر مما يعظمون شأن الحساب، ولذلك وضعوا الطاء المفخمة للخطأ فيما يعظمون من الكلام، ووضعوا التاء المرققة لما ليس له عندهم هذا القدر من التعظيم.
وهذه النظرية يستخدمها بعض الدارسين في تحليل النظام الصوتي للكلمات لبيان المعاني، في مثل كلمة: بحث، فالباء تساوق الضرب على التراب والحاء تساوق الحفر واحتكاك اليد بالتراب، والثاء تساوق نفخ التراب وتذريته، والصورة الكاملة لهذه المساوقات صورة يد تضرب وتحفر وتذرو، فهي صورة البحث عن شيء، دلت عليها أصوات الحروف.
وإن كنت لا أجزم - الآن على الأقل - باطراد هذه النظرية بالقدر الذي يمكن من خلاله بناء معجم كامل لها.
هذا، وقد ذكرت ثلة من خصائص العربية لأن المقام لا يتسع لذكر سائرها ولكن التدليل بالبعض مجزئ في بيان المراد.
المبحث الثاني
قيمة العربية في فهم القرآن
قال تعالى: ï´؟إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّاï´¾ [ يوسف: 2 ]، ثم بين المقصد من تخصيص الإنزال بالعربية بقوله: ï´؟لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَï´¾، فهناك علاقة بين النص وبين العقل، وأقصد بالعقل تلك العملية التي تأتي بعد عملية العلم والتفكر، وهذا يقتضي توضيح معنى لفظ: عقل:
جميع كلمات المادة دائرة على المنع والتقييد، قال ابن فارس في مقاييسه عن هذا الأصل: "يدلُّ عُظْمُه على حُبْسة في الشَّيء أو ما يقارب الحُبْسة" [16]، فمنه عقل الناقة أي تقييدها، ومنه العقال يحبسها أن تشرد، ومنه المَعْقِل، أي: الحصن؛ لأنه يَمنَع من فيه، ومنه العقل، أي: الدية للمقتول؛ لأنها تمنع أولياء المقتول من طلب الثأر، أو سموها عقلاً لأن الدية كانت إبلًا تُعْقَل بفناء أهل المقتول.. والباب مطرد في هذا المعنى..
إذن فدلالة قوله تعالى: ï´؟لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَï´¾ أي تصلون من فهمه وتدبره إلى مستوى يجعلكم تُقَيِّدُون وتُثْبِتُون الحق في نفوسكم إثباتًا يمنعكم من الباطل والخطأ ويحفظكم في الحق والصواب فهمًا وقولًا وفعلًا.
وثَمَّ سؤال: ماذا لو نزل القرآن بمعانيه أعجميًّا، ألم يكن ثمة إمكان للوصول إلى العقل كذلك؟
والرد على ذلك أن اللغة العربية لها من طرائق البيان ما لا يدع صغيرة ولا كبيرة في نفس القائل إلا أحصاها؛ ولذلك صارت هي أصلح اللغات للتعبير عن المعاني التي ينبغي أن يعقلها المؤمن في نفسه، وأن يعقل نفسه بها عن الباطل والضلال.
ومن خلال تصور إمكانات العربية الدلالية نستطيع معرفة لماذا كانت اللغة العربية سببًا في العقل، حيث كانت أقدر في الدلالة على دقائق المعاني من أي لغة أخرى، وهذا يعني أن الإمكانات الدلالية للغة العربية جاءت في القرآن الكريم للدلالة على المعاني العظيمة والدقيقة في أوجز لفظ وأوضح بيان.
وهذا يعني أن الذي يتفقه في العربية أكثر لا بد أن ينفتح له في التفسير باب لا ينفتح لمن ليس يتفقه فيها، ولعل التفسير المنصوص عن الرسول - صلى الله عليه وسلم- إنما قل ليتسع باب التدبر من خلال معطيات اللغة، فاللغة هي الباب الأول الذي يولج من خلاله إلى عالم القرآن الكريم.
أمثلة لخطورة الخطأ اللغوي في القرآن:
لما كان القرآن كتابًا محكمًا كان الخلل الصغير في قراءته يمكن أن يؤدي إلى خطأ جسيم، ونضرب لذلك ثلاثة أمثلة تؤدي المعنى المراد:
الأول: ï´؟صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْï´¾: لو قرأها قارئ بالضم "أنعمتُ" لبطلت صلاته؛ لأنه نسب الإنعام لنفسه.
الثاني: قوله تعالى: ï´؟اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَï´¾: لو قرأها أحدهم "والميزانِ"، لكان المُنْزَلُ شيئًا واحدًا وهو الكتاب السماوي، ولكنها في القرآن (والميزانَ)، ونصبها يدل على أن المُنْزل شيئان: الكتاب والميزان، أي: العدل، واستُفيد المعنى من عطف الميزان على الكتاب بعلامة الفتحة.
الثالث: ï´؟أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُï´¾: لو قرأها أحدهم: "ورسولِه" بالكسر، لكان قال كلامًا كفريًّا؛ إذ عطف (رسوله) على المشركين يؤدي إلى براءة الله من الرسول وهو كلامٌ كفريٌّ - وليس يكفر قائله الجاهل به - وإنما هي (ورسولَه) فهو معطوف على لفظ الجلالة والمعنى: الله ورسوله بريئان من المشركين.
وهكذا سائر الأمثلة، كلما وقعت مخالفة عن لغة القرآن - وإن كانت في اللغة صحيحة - فلا بد أن تورث فسادًا في المعنى.
.

تعليق