هل يجوز تَعَدِّي (أفعَلَ) في باب التَّعجُّبِ إلى مفعُوْلَيْنِ؟
د.مصطفى شعبان
حكى ابنُ السراج عن قوم من النحاة أنهم يجيزون في باب التعجب: (ما أظَنَّنِي لزيدٍ قائمًا)( 1)، وقد نُقِلتْ عنه تلك الحكاية ثم عقب الناقل قائلًا:
«وهذا عندي فاسد؛ لأن فعل التعجب لا يتعدى إلى أكثر من مفعول واحد» (2 ).
وأشار إلى أن (ها)، و(لا)(3 ) من النحاة قد عداه في هذا القول إلى مفعولين بغير إدخال حرف جرٍ في أحدهما، ولو قالوا يدخل الحرف الجار في المفعول الثاني لكان غير جائز أيضًا.
ألا ترى أنك إذا عديت (مَرَرْتُ) بالباء لم تعده إلى مفعول آخر بالباء إلا أن تريد بالباء الثانية البدل من الأولى نحو قوله تعالى:((لمَنْ آمَنَ منهم))(4 ).
فإن قلت: فكيف يُتَعجَّبُ من هذا؟
قلنا: يُتعجب من المصدر ثم يعدى المصدر إلى المفعولات نحو: (ما أشدَّ ظني زيدًا قائمًا) ، ألا ترى أنك قد وجدت نحو ذلك وفعلته في هذا الباب، وذلك الأول لم تفعله في هذا الباب ولا في غيره»(5).
ويبدو لي أن القائل بجواز تعدي فعل التعجب إلى أكثر من مفعول هم الكوفيون، والذي اعتمدت عليه في هذا قول ابن مالك:
«فإن كان فعل التعجب متعديًا إلى اثنين جررت الأول باللام ونصبت الثاني عند البصـريين بمضمر مجرد مماثل لتالي(ما) نحو قولك: ما أكسى زيدًا للفقراء، والتقدير: يكسوهم الثياب، وكذلك يقولون في: ما أظن عمرًا لبشر صديقًا، والكوفيون لا يضمرون، بل ينصبون الثاني بتالي (ما) نفسه، وذكر هذه المسألة ابن كيسان في المهذب» (6 ).
فعلى قول الكوفيين يكون أفعل الواقع بعد (ما) هو الناصب للثياب والصديق، وعلى قول البصريين الناصب لكل منهما عاملٌ مدلول عليه بالذي بعد (ما)، أي: يكسوهم الثياب ، ويظنه الصديق.
وما ذكره ابن مالك من أن الكوفيين لا يضمرون شيئًا بل ينصبونه بـ (أفعل) نفسه ، ذكر ابن عصفور( 7)، وأبو حيان(8 )، وابن عقيل( 9)، وناظر الجيش( 10) خلافَهُ، فذكروا أنه : إذا تعجب من فِعْلٍ من باب (أعطى) لا يجوز أن يبقى متعديًا إلى مفعوله، بل لا بد إذ ذاك من الاقتصار على الفاعل وحده، أو على الفاعل وأحد المفعولين، بشرط أن تدخل عليه اللام، فتقول: ما أعطى زيدًا، وما أعطى زيدًا لعمرٍو، وما أعطى زيدًا للثياب، وقالوا: ولا يجوز أن يذكر المفعولين ، فيقول: ما أعطى زيدًا لعمرٍو الدراهمَ؛ لأن فعل التعجب قبل دخول الهمزة لا يتعدى، فإذا دخلت همزة النقل تعدَّى إلى واحد ، فإن جاء مِنْ كلامهم مثل قولك: ما أعطى زيدًا لعمرٍو الدراهمَ، فينبغي أن يحمل على أن الدراهم منصوبة بفعل مضمر دل عليه فعل التعجب، والتقدير: أعطاهم الدراهم.
وذكروا أنه لا يجوز أن تدخل اللام على المفعولين؛ لما يلزم من تعدي فعلٍ بحرف جر من جنس واحد على معنى واحد، وذلك لا يجوز، فإذا تعجبت من فعل من باب (ظن) لم يجز التعجب منه إلا بشرط أن يقتصر فيه على الفاعل؛ لأنه قد ألحق بأفعال الغرائز في أنه لا يتعدى ثم أدخلت عليه همزة النقل فلا يتعدى حينئذ إلا إلى مفعول واحد؛ لأنهما لو ذكرا فإما أن ينصبا أو يدخل عليهما أو على أحدهما اللام، قال: ولا يجوز نصبهما ولا نصب أحدهما لما ذكر، من أن (فعل) إذا نقل بالهمزة لا يتعدى إلا إلى منصوب واحد، ولا يجوز إدخال اللام عليهما لما يؤدي ذلك إليه من تعدي فعل بحرفي جرٍّ من جنس واحد على معنى واحد، وهو غير جائز.
قال ابن عصفور: «هذا الذي ذكرته هو مذهب البصريين أما الكوفيون فيجيزون ذكرها بشرط أن تدخل اللام على الأول وينصب الثاني، نحو: ما أظَنَّ زيدًا لعمرٍو قائمًا، هذا إن أمن اللبس، فإن خيف اللبس أدخلت اللام على كل منهما نحو: ما أظن زيدًا لأخيك لأبيك ، قال: وما ذهبوا إليه باطل ؛ للعلة التي تقدم ذكرها» (11 ).
والذي أخذه النحاة على ابن مالك أنه قال عن الكوفيين إنهم لا يضمرون، بل ينصبون الثاني بفعل التعجب ، وذكر عن البصريين تساوي الحكم في باب (كسا)، و(ظن)، ولم يذكر التفصيل عن الكوفيين.
وخلاصة التفصيل: أن الفعل إذا كان متعديًا قبل التعجب إلى اثنين ثم تعجبت به فإن البصريين قالوا: يقتصر فيه على الفاعل فينصب بأفعل ولا يتعدى إلى شيء من المفعولين لا بحرف ولا بنفسه ، بل يُجرُّ الأول منهما باللام وينصب الثاني بفعل مضمر دل عليه الفعل التالي لـ (ما)، وأن الكوفيين فقالوا: يذكر المفعولان، ثم إن لم يلبس عُدِّي باللام للأول وبنفسه للثاني،وإن ألبس عدي لكلٍ باللام.
وقد بين الفارسي أن بعض النحاة قد عدى (ظن) في هذا الباب إلى المفعولين بغير إدخال اللام في أحدهما، وهو قول خارج عن قول البصريين والكوفيين معًا، وبيَّنَ كيف يُتعجب في نحو هذه الأمثلة بأن يتعجب من المصدر ثم يعدى المصدر إلى المفعولات نحو: (ما أشد ظني زيدًا قائمًا) وحجته أن مثل هذا كثير مطرد في باب التعجب، وأن الأسلوب الأول نادر قليل غريب ليس له قياس في باب التعجب ولا في غيره، والقياس على المعلوم أولى من القياس على المعدوم، ولا مقال في ما ذكره.
------------------
(1 ) الأصول1/108.
(2 ) المسائل البصريات2/830.
(3 ) هذان رمزان لاثنين من النحاة، وأشار محقق المسائل البصريات إلى أنه إلى الآن لم يعرف إلى من يرمز بقوله:(ها)، و(لا)..
( 4) [سورة الأعراف:75].
(5 ) البصريات2/830-831.
( 6) شرح التسهيل3/43، وانظر:شرح الكافية الشافية2/1095، المساعد2/160.
(7 ) شرح الجمل1/581.
(8 ) الارتشاف5/2076.
( 9) المساعد2/160، شرح التسهيل للسلسيلي605، شرح التصريح68-69.
(10 )شرح التسهيل لناظر الجيش6/2636.
(11 ) شرح الجمل1/581، شرح التسهيل لناظر الجيش6/2637.
د.مصطفى شعبان
حكى ابنُ السراج عن قوم من النحاة أنهم يجيزون في باب التعجب: (ما أظَنَّنِي لزيدٍ قائمًا)( 1)، وقد نُقِلتْ عنه تلك الحكاية ثم عقب الناقل قائلًا:
«وهذا عندي فاسد؛ لأن فعل التعجب لا يتعدى إلى أكثر من مفعول واحد» (2 ).
وأشار إلى أن (ها)، و(لا)(3 ) من النحاة قد عداه في هذا القول إلى مفعولين بغير إدخال حرف جرٍ في أحدهما، ولو قالوا يدخل الحرف الجار في المفعول الثاني لكان غير جائز أيضًا.
ألا ترى أنك إذا عديت (مَرَرْتُ) بالباء لم تعده إلى مفعول آخر بالباء إلا أن تريد بالباء الثانية البدل من الأولى نحو قوله تعالى:((لمَنْ آمَنَ منهم))(4 ).
فإن قلت: فكيف يُتَعجَّبُ من هذا؟
قلنا: يُتعجب من المصدر ثم يعدى المصدر إلى المفعولات نحو: (ما أشدَّ ظني زيدًا قائمًا) ، ألا ترى أنك قد وجدت نحو ذلك وفعلته في هذا الباب، وذلك الأول لم تفعله في هذا الباب ولا في غيره»(5).
ويبدو لي أن القائل بجواز تعدي فعل التعجب إلى أكثر من مفعول هم الكوفيون، والذي اعتمدت عليه في هذا قول ابن مالك:
«فإن كان فعل التعجب متعديًا إلى اثنين جررت الأول باللام ونصبت الثاني عند البصـريين بمضمر مجرد مماثل لتالي(ما) نحو قولك: ما أكسى زيدًا للفقراء، والتقدير: يكسوهم الثياب، وكذلك يقولون في: ما أظن عمرًا لبشر صديقًا، والكوفيون لا يضمرون، بل ينصبون الثاني بتالي (ما) نفسه، وذكر هذه المسألة ابن كيسان في المهذب» (6 ).
فعلى قول الكوفيين يكون أفعل الواقع بعد (ما) هو الناصب للثياب والصديق، وعلى قول البصريين الناصب لكل منهما عاملٌ مدلول عليه بالذي بعد (ما)، أي: يكسوهم الثياب ، ويظنه الصديق.
وما ذكره ابن مالك من أن الكوفيين لا يضمرون شيئًا بل ينصبونه بـ (أفعل) نفسه ، ذكر ابن عصفور( 7)، وأبو حيان(8 )، وابن عقيل( 9)، وناظر الجيش( 10) خلافَهُ، فذكروا أنه : إذا تعجب من فِعْلٍ من باب (أعطى) لا يجوز أن يبقى متعديًا إلى مفعوله، بل لا بد إذ ذاك من الاقتصار على الفاعل وحده، أو على الفاعل وأحد المفعولين، بشرط أن تدخل عليه اللام، فتقول: ما أعطى زيدًا، وما أعطى زيدًا لعمرٍو، وما أعطى زيدًا للثياب، وقالوا: ولا يجوز أن يذكر المفعولين ، فيقول: ما أعطى زيدًا لعمرٍو الدراهمَ؛ لأن فعل التعجب قبل دخول الهمزة لا يتعدى، فإذا دخلت همزة النقل تعدَّى إلى واحد ، فإن جاء مِنْ كلامهم مثل قولك: ما أعطى زيدًا لعمرٍو الدراهمَ، فينبغي أن يحمل على أن الدراهم منصوبة بفعل مضمر دل عليه فعل التعجب، والتقدير: أعطاهم الدراهم.
وذكروا أنه لا يجوز أن تدخل اللام على المفعولين؛ لما يلزم من تعدي فعلٍ بحرف جر من جنس واحد على معنى واحد، وذلك لا يجوز، فإذا تعجبت من فعل من باب (ظن) لم يجز التعجب منه إلا بشرط أن يقتصر فيه على الفاعل؛ لأنه قد ألحق بأفعال الغرائز في أنه لا يتعدى ثم أدخلت عليه همزة النقل فلا يتعدى حينئذ إلا إلى مفعول واحد؛ لأنهما لو ذكرا فإما أن ينصبا أو يدخل عليهما أو على أحدهما اللام، قال: ولا يجوز نصبهما ولا نصب أحدهما لما ذكر، من أن (فعل) إذا نقل بالهمزة لا يتعدى إلا إلى منصوب واحد، ولا يجوز إدخال اللام عليهما لما يؤدي ذلك إليه من تعدي فعل بحرفي جرٍّ من جنس واحد على معنى واحد، وهو غير جائز.
قال ابن عصفور: «هذا الذي ذكرته هو مذهب البصريين أما الكوفيون فيجيزون ذكرها بشرط أن تدخل اللام على الأول وينصب الثاني، نحو: ما أظَنَّ زيدًا لعمرٍو قائمًا، هذا إن أمن اللبس، فإن خيف اللبس أدخلت اللام على كل منهما نحو: ما أظن زيدًا لأخيك لأبيك ، قال: وما ذهبوا إليه باطل ؛ للعلة التي تقدم ذكرها» (11 ).
والذي أخذه النحاة على ابن مالك أنه قال عن الكوفيين إنهم لا يضمرون، بل ينصبون الثاني بفعل التعجب ، وذكر عن البصريين تساوي الحكم في باب (كسا)، و(ظن)، ولم يذكر التفصيل عن الكوفيين.
وخلاصة التفصيل: أن الفعل إذا كان متعديًا قبل التعجب إلى اثنين ثم تعجبت به فإن البصريين قالوا: يقتصر فيه على الفاعل فينصب بأفعل ولا يتعدى إلى شيء من المفعولين لا بحرف ولا بنفسه ، بل يُجرُّ الأول منهما باللام وينصب الثاني بفعل مضمر دل عليه الفعل التالي لـ (ما)، وأن الكوفيين فقالوا: يذكر المفعولان، ثم إن لم يلبس عُدِّي باللام للأول وبنفسه للثاني،وإن ألبس عدي لكلٍ باللام.
وقد بين الفارسي أن بعض النحاة قد عدى (ظن) في هذا الباب إلى المفعولين بغير إدخال اللام في أحدهما، وهو قول خارج عن قول البصريين والكوفيين معًا، وبيَّنَ كيف يُتعجب في نحو هذه الأمثلة بأن يتعجب من المصدر ثم يعدى المصدر إلى المفعولات نحو: (ما أشد ظني زيدًا قائمًا) وحجته أن مثل هذا كثير مطرد في باب التعجب، وأن الأسلوب الأول نادر قليل غريب ليس له قياس في باب التعجب ولا في غيره، والقياس على المعلوم أولى من القياس على المعدوم، ولا مقال في ما ذكره.
------------------
(1 ) الأصول1/108.
(2 ) المسائل البصريات2/830.
(3 ) هذان رمزان لاثنين من النحاة، وأشار محقق المسائل البصريات إلى أنه إلى الآن لم يعرف إلى من يرمز بقوله:(ها)، و(لا)..
( 4) [سورة الأعراف:75].
(5 ) البصريات2/830-831.
( 6) شرح التسهيل3/43، وانظر:شرح الكافية الشافية2/1095، المساعد2/160.
(7 ) شرح الجمل1/581.
(8 ) الارتشاف5/2076.
( 9) المساعد2/160، شرح التسهيل للسلسيلي605، شرح التصريح68-69.
(10 )شرح التسهيل لناظر الجيش6/2636.
(11 ) شرح الجمل1/581، شرح التسهيل لناظر الجيش6/2637.
