هل يجوز تقَدُّمُ جوابِ الشَّرْطِ عَلى أَدَاتِهِ؟
د.مصطفى شعبان
من الأسماء التي لها الصدارة بنفسها: أسماء الشـرط، ومعنى الصدارة التي يطلقونها في هذا الباب: ألا يعمل في الكلمة عاملٌ قبلها، ولا يعمل ما بعدها في شيء قبلها؛ ولهذا أوجبوا تقدم المفعول على الفعل والفاعل معًا في نحو قوله تعالى: ((أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى))( 1). حيث تقدم المفعول الواقع اسم شرط جازم وهو (أَيًّا) على الفعل والفاعل وجوبًا، لأن أسماء الشـرط لها الصدارة في الكلام فلا يعمل فيه ما قبله، ولا يعمل هو فيما قبله.
ونُقِلَ أن أبا زيد يجيز في الكلام أن يتقدم جواب الشرط على اسمه،وأنشد في ذلك بيتًا، يقول: (2)
وتُمْسِي صَرِيعًا لا تَقُومُ لحَاجَةٍ **** ولا تسْمَعُ الدَّاعي ويُسْمِعْكَ مَنْ دَعَا
«قال أبو زيد: يُريدُ: مَنْ دعَا يُسْمِعْكَ، هذا القول الذي ذكره في هذا لم نعلم أحدًا أجازه، ولو جاز هذا لجاز: (آتِ مَنْ يأتِنِي)،والوجه في هذا أن تقدر حذف اللام، كقوله( 3)
......................... ......... أو يَبْكِ مَنْ بَكَى
وكان هذا أيضًا في المعنى أقرب مما ذكره». (4 )
وما ذهب إليه أبو زيد فاسد من جهتين:
الأولى: جهة اللفظ؛ لأن أسماء الشرط لها حق الصدارة لزومًا فلا يتقدم عليها معمولها، ولأن تقدم الجواب يترتب عليه أن يكون هناك مجزوم بدون تقدم جازم،والقاعدة المستمرة أن الجازم يتقدم على المجزوم لزومًا لفظًا وتقديرًا، وحيث لم نجد في اللفظ جازمًا هنا وجب تقديره ، فيقدر في الكلام لام الأمر محذوفة، ويكون التقدير: ليُسْمِعْكَ من دعا.
الثانية: جهة المعنى؛ لأن فائدة الشرط ترتُّبُ حكم الجواب ومعناه على حكم الشـرط ومعناه، وتوقف حصول الجواب على حصول الشرط، وتقديم الجواب على أداة الشـرط يُفَوِّت هذا الغرض المقصود لذاته،وكذلك اسم الشرط مع فعله يكونان جملة تامة الإسناد، ولكنها ليست تامة المعنى المقصود بها دخول الشرط؛ لأن وظيفة الشرط أن يجعلها متبوعة بجملة ثانية تكمل معناها؛ إذ أصبح معناها الذي كانت مستقلة به قبل دخول الشرط سببًا أو علة لحصول الجملة الثانية، كما أن في مكنون تقديم جملة الشرط تشويقًا مقصودًا لا يحصل إلا بتأخر جملة الجواب عنها، فلو تقدمت فات هذا الغرض القوي.
ومن ثمَّ لم يكن قول أبي زيد جاريًا على مذهب أحد من النحاة، ولذلك خرَّجه الفارسيُّ على مذهب جمهور النحاة الذين يجيزون حذف لام الأمر وبقاء عملها في ضرورة الشعر(5 ).
وقد رجح ابن جني(6 )، وابن يعيش (7 ) نقض هذا الرأي،وَوَجَّهَا بيت أبي زيد على توجيه الجمهور بحذف اللام مع بقاء عملها ضرورة، وهو الصحيح.
--------------------------
(1) [سورة الإسراء: 110].
(2) البيت ليس في النوادر، وهو من شواهد: البغداديات 469 ، ونسبه لعمران بن حطان، وسرصناعة الإعراب 1/390 ،و المخصص 17/147 ،و شرح المفصل 7/60 و9/24 ،وهو في سر الصناعة ،و المخصص : (فتُضْحِي) بدل (وتُمسِي)، وفي شرح المفصل بالروايتين.
( 3) قطعة من عجز بيت تمامه:
*عَلَى مِثْلِ أَصْحَابِ البَعُوضَةِ فَاخْمِشِي ** لَكِ الوَيْلُ حُرَّ الوَجْهِ أوْ يَبْكِ مَنْ بَكَى*
وهو لمتمم بن نويرة يرثي أخاه مالكًا، وهو من شواهد الكتاب 1/409 ، والبغداديات 469 ، ومعاني الأخفش 1/83، والأصول 2/174 ، والإنصاف 2/532 ، وشرح المفصل 7/35 ، والضـرائر 150 ، والمغني 3/229 ، والخزانة 9/12 .
(4 ) المسائل البغداديات 469 .
(5 ) انظر: الكتاب 1/409 بولاق،3/8 هارون، المقتضب 2/132 ، أصول ابن السـراج 2/174-175 ، الإنصاف 2/530 ، أمالى ابن الشجري 2/150 ، ضرائر الشعر 149 ، المقرب 1/272 ، شرح المفصل 9/24 ، شرح كافية ابن الحاجب 4/84-85 ، مغني اللبيب 3/227 .
(6 ) سر صناعة الإعراب 1/390 .
(7 ) شرح المفصل 7/59و9/24 .
د.مصطفى شعبان
من الأسماء التي لها الصدارة بنفسها: أسماء الشـرط، ومعنى الصدارة التي يطلقونها في هذا الباب: ألا يعمل في الكلمة عاملٌ قبلها، ولا يعمل ما بعدها في شيء قبلها؛ ولهذا أوجبوا تقدم المفعول على الفعل والفاعل معًا في نحو قوله تعالى: ((أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى))( 1). حيث تقدم المفعول الواقع اسم شرط جازم وهو (أَيًّا) على الفعل والفاعل وجوبًا، لأن أسماء الشـرط لها الصدارة في الكلام فلا يعمل فيه ما قبله، ولا يعمل هو فيما قبله.
ونُقِلَ أن أبا زيد يجيز في الكلام أن يتقدم جواب الشرط على اسمه،وأنشد في ذلك بيتًا، يقول: (2)
وتُمْسِي صَرِيعًا لا تَقُومُ لحَاجَةٍ **** ولا تسْمَعُ الدَّاعي ويُسْمِعْكَ مَنْ دَعَا
«قال أبو زيد: يُريدُ: مَنْ دعَا يُسْمِعْكَ، هذا القول الذي ذكره في هذا لم نعلم أحدًا أجازه، ولو جاز هذا لجاز: (آتِ مَنْ يأتِنِي)،والوجه في هذا أن تقدر حذف اللام، كقوله( 3)
......................... ......... أو يَبْكِ مَنْ بَكَى
وكان هذا أيضًا في المعنى أقرب مما ذكره». (4 )
وما ذهب إليه أبو زيد فاسد من جهتين:
الأولى: جهة اللفظ؛ لأن أسماء الشرط لها حق الصدارة لزومًا فلا يتقدم عليها معمولها، ولأن تقدم الجواب يترتب عليه أن يكون هناك مجزوم بدون تقدم جازم،والقاعدة المستمرة أن الجازم يتقدم على المجزوم لزومًا لفظًا وتقديرًا، وحيث لم نجد في اللفظ جازمًا هنا وجب تقديره ، فيقدر في الكلام لام الأمر محذوفة، ويكون التقدير: ليُسْمِعْكَ من دعا.
الثانية: جهة المعنى؛ لأن فائدة الشرط ترتُّبُ حكم الجواب ومعناه على حكم الشـرط ومعناه، وتوقف حصول الجواب على حصول الشرط، وتقديم الجواب على أداة الشـرط يُفَوِّت هذا الغرض المقصود لذاته،وكذلك اسم الشرط مع فعله يكونان جملة تامة الإسناد، ولكنها ليست تامة المعنى المقصود بها دخول الشرط؛ لأن وظيفة الشرط أن يجعلها متبوعة بجملة ثانية تكمل معناها؛ إذ أصبح معناها الذي كانت مستقلة به قبل دخول الشرط سببًا أو علة لحصول الجملة الثانية، كما أن في مكنون تقديم جملة الشرط تشويقًا مقصودًا لا يحصل إلا بتأخر جملة الجواب عنها، فلو تقدمت فات هذا الغرض القوي.
ومن ثمَّ لم يكن قول أبي زيد جاريًا على مذهب أحد من النحاة، ولذلك خرَّجه الفارسيُّ على مذهب جمهور النحاة الذين يجيزون حذف لام الأمر وبقاء عملها في ضرورة الشعر(5 ).
وقد رجح ابن جني(6 )، وابن يعيش (7 ) نقض هذا الرأي،وَوَجَّهَا بيت أبي زيد على توجيه الجمهور بحذف اللام مع بقاء عملها ضرورة، وهو الصحيح.
--------------------------
(1) [سورة الإسراء: 110].
(2) البيت ليس في النوادر، وهو من شواهد: البغداديات 469 ، ونسبه لعمران بن حطان، وسرصناعة الإعراب 1/390 ،و المخصص 17/147 ،و شرح المفصل 7/60 و9/24 ،وهو في سر الصناعة ،و المخصص : (فتُضْحِي) بدل (وتُمسِي)، وفي شرح المفصل بالروايتين.
( 3) قطعة من عجز بيت تمامه:
*عَلَى مِثْلِ أَصْحَابِ البَعُوضَةِ فَاخْمِشِي ** لَكِ الوَيْلُ حُرَّ الوَجْهِ أوْ يَبْكِ مَنْ بَكَى*
وهو لمتمم بن نويرة يرثي أخاه مالكًا، وهو من شواهد الكتاب 1/409 ، والبغداديات 469 ، ومعاني الأخفش 1/83، والأصول 2/174 ، والإنصاف 2/532 ، وشرح المفصل 7/35 ، والضـرائر 150 ، والمغني 3/229 ، والخزانة 9/12 .
(4 ) المسائل البغداديات 469 .
(5 ) انظر: الكتاب 1/409 بولاق،3/8 هارون، المقتضب 2/132 ، أصول ابن السـراج 2/174-175 ، الإنصاف 2/530 ، أمالى ابن الشجري 2/150 ، ضرائر الشعر 149 ، المقرب 1/272 ، شرح المفصل 9/24 ، شرح كافية ابن الحاجب 4/84-85 ، مغني اللبيب 3/227 .
(6 ) سر صناعة الإعراب 1/390 .
(7 ) شرح المفصل 7/59و9/24 .
