الخواص الوظيفية للصوائت
خثير عيسى
تمـهيد:
الصائِت قسيمُ الصامِت، وبينهما مِن الاختلاف في المخرَج والصِّفة، والوظيفة والدَّلالة، وهو أقل عددًا من الصامت، ولكنَّ أهميته تُضاهي الصامِت؛ إذ ثبت أنَّ الصوائت تتميَّز بخواص مشتركة، وهذه الخاصية لا نكاد نعثر عليها عندَ الصوامت، فقد يتَّفق صامتان في المخرَج ويختلفان في صفةٍ ما، بينما الصوائِت يجمع بينهما العديدُ من الخواص، فهي كلها متَّسِعة المخرَج، حيث يمرُّ الهواء دون عائق أو عارض يعترِضه؛ إذ يمرُّ الهواء حرًّا طليقًا، مما يُعطيها القوَّة التصويتيَّة، فهي أصواتٌ كلها مجهورة يَتَذَبذب عندَ صدورها الوَتران الصَّوتيَّان، وتزداد كمية الهواء باتِّساع المخرَج، فتكون أوضحَ في السمع مِن باقي الأصوات، وتقلُّ هذه الظاهرة وتزداد حسبَ طبيعة الصائِت وكميَّته، كما يعرف عن الصائِت خروجه دون كُلفة ومشقَّة، يعتمد على اللِّسان والشفتين في نُطقه، فيُعطيه مرونةً في النطق؛ فتخرُج الصوائت دون ضوضاء؛ لانتظام ذبذباتها، ممَّا يجعلها تساعِد على أن تكون أصواتًا غنائية، وفي الحقيقة الصوائت خواصها متداخِلة فيما بينها.
ودور الصائت مميَّز، فهو الَّذي يخرج الصامِت من سكونه، ويساعِد الصوامت على الاتِّصال ببعضها البعض؛ لأنَّه يعدُّ القنطرة التي تربط الصوامتَ في السلسلة الكلاميَّة، فمِن قواعد التلفُّظ في العربية: عدم الابتداء بالساكِن، ولا يُبتدأ بالصائِت، ولكن الصامِت لا ينطق إلاَّ إذا كانت الدفعة والدفْقة من الصائت، ولولاه لكانتِ الصوامت ساكنةً لا نفع فيها، فهو يمثِّل نواةَ المقطع، الذي يعتبر أصغرَ وحدة صوتيَّة في الكلام، ولما كانتِ الصوائت ضرورةً في بناء السلسلة الكلاميَّة، أصبحت أكثر شيوعًا ودورانًا في الكلام، فمنها كل الصيغ الصرفيَّة المختلفة، والوفْرة في تعدُّد المعاني، فيَكفي لتغييرِ صائِت فيتغير المعنَى، فخواصها الصوتيَّة تساعدها على البروز والدوران.
كثرة دوران الصوائت العربية:
إنَّ عدد الصوائت في العربية قليل، إذا ما قُورِن بعدد صوامتها، فاللُّغة العربيَّة غنية بعددِ صوامتها، فقيرة بعدَد صوائتها، وهي على نقيض العديد مِن اللغات التي تكثُر فيها الصوائت، أو تكاد تقارِب عددَ صوامتها، فإذا كان الكلام الإنساني ينصبُّ على عدد الصوامت، فإنَّ اللُّغة العربية في لهجاتها المختلِفة عَرَفت ثمانية عشر صائتًا من حيث النطق، ولكن مِن حيث الوظيفة لها ستَّة صوائت فقط، ثلاثة قصيرة وثلاثة طويلة، يقول الدكتور كمال بشر: "فالكلام كله مُنصبٌّ على حركاتِ العربية الفصيحة الخالية مِن الألوان اللهجية"[1]؛ لأنَّ الصوائت المتفرِّعة عن الصوائت الستَّة هي مجرَّد ألفونات، لا أثَر لها في الدلالة والوظيفة.
1- أسباب كثرة دوران الصوائت:
يقول مكي بن أبي طالب يبيِّن خصيصة الكلام والغاية منه: "فإنَّ الكلام إنّما جِيء به لتفهم المعاني التي هي نفس المتكلِّم وبالحرَكات واختلافها تُفهم المعاني، فهي منوطةٌ بالكلام مرتبطة به ونيطت به؛ إذ به نفرِّق بين المعاني التي من أجلها جِيء بالكلام"[2]، فإن كانتِ الصوائت هي التي تُحدِّد الكثيرَ مِن المعاني في اللغة العربية، فإنَّ العرب بنوا كلامَهم على متحرِّك وساكن، "والحرف المتحرِّك في كلام العرَب أكثر مِن الساكِن، كما أنَّ الحركة أكثرُ مِن الساكن"[3]، ويعلل مكي بن أبي طالب ذلك بقوله: "وإنَّما كان الحرف المتحرِّك في الكلام أكثرَ مِن الساكن؛ لأنَّك لا تبتدئ إلاَّ بمتحرِّك، وقد يتَّصل به حرفٌ آخر متحرِّك، وآخر بعد ذلك متحرِّك، ولا يجوز أن يُبتدَأ بساكن، ولا أن يتَّصل ساكن بساكن أبدًا، إلاَّ أن يكون الأول حرفَ مدٍّ ولين، أو يكون الثاني سكِّن للوقف، وإنَّما كانت الحركة أكثرَ مِن السكون؛ للعلَّة التي ذكرنا في المتحرِّك والساكن"[4].
إنَّ مكي بن أبي طالب مِن خلالِ هذا النصِّ يوضِّح مسألتين: الأولى دور الصوائت في ربْط السلسلة الكلاميَّة، بأنَّ الصوامت لا تخلو مِن الصوائت، والمسألة الثانية: كثرة شيوع الصوائت؛ إذ من النادِر أن تجد صامتًا لا يتبعه صائِت، فهي معادلةٌ حسابية، طرَفاها الصامت والصائت، والصامِت لا يُنطق إلاَّ بوجود الصائِت.
وقدِ انتبه سيبويه بفطنته وذكائه، ودقَّته في مراعاة دوران الصوامت والصوائت في اللغة العربية، فلاحَظ كثرة اشتراك الصوائت الطويلة والقصيرة في الكلام مبكرًا قبلَ علماء التعمية المعتمدين على الآلاتِ والأجهزة؛ يقول سيبويه: "فأما الأحرف الثلاثة يعني: (الصوائت الطويلة)، فإنَّهنَّ يكثرن في كل موضع، ولا يخلو منهنَّ حرف (يعني كلمة) أو مِن بعضهن، ثم ليس شيءٌ مِن الزوائد (الصوائت القصيرة) يعدل كثرتهن في الكلام، هن لكل مدّ، ومنهن كلّ حركة، وهن في كل جميع (يعني:كل جمع)، وبالياء الإضافة، والتصغير، وبالألف التأنيث، وكثرتهنَّ في الكلام وتمكنهنَّ فيه زوائد أفْشَى مِن أن يُحصَى ويُدرك، فلما كُنَّ أخوات وتقاربن هذا التقارب، أجرين مجرًى واحدًا"[5]، إنَّ هذا النص فيه مِن الدلائل العلميَّة، فهو لم يفرِّق بين الصوائت الطويلة والقصيرة في كثرةِ الدوران والشيوع، فبينهم مِن التقارُب، ثم حدَّد بعض المواضع التي تجعل الصوائت تأخذ هذا الدوران، حيث ذكَر قابليتها للمدِّ وصيغ الجمْع والتصغير، والإضافة والتأنيث، وما لا يُحصى من الصيغ.
إنَّ اللُّغة العربية لها نظام خاص وقواعد لا خللَ فيها، تتمتَّع بالاستقلالية في بنيتها الصوتيَّة والصرفيَّة، وتحتوي على مجموعة من الفونيمات التي لها علاقة وطيدة بالدَّلالة اللفظيَّة أو النحْويَّة، أو الصرفيَّة أو السياقيَّة، فقد جعَل الخليل أصولَ المفردة ثلاثة صوامت بقوله: "الاسم لا يكون أقلَّ مِن ثلاثة أحرف، حرف يُبتدأ به، وحرف يُحشَى به الكلمة، وحرف يُوقَف عليه"[6]، فهذه الأحرفُ التي كان يَعنيها الخليل، هي قاعدةُ الميزان الصَّرْفي الذي وضعَه العرَب؛ لمعرفة صيغَهم والأصول والزوائد، فقد جعَل الخليل الأصولَ ثلاثَةَ صوامت، وكان قبله أبو الأسود الدؤلي جعَل الصوائت ثلاثةً: فتحة وكسرة وضمة.
وفِكرة الشيوع، فكرة ولدتْ مع الخليل في تصنيفه للأصوات اللُّغوية، فعَمَله في بناء المعجم يقوم على عنصرين: هما العنصر الصَّوتي والعنصر الرِّياضي، إذ وقَف على أسرار العربية وطبيعة بِنائها، فتوصَّل إلى الأصوات الأكثر دَورانًا في العربية مِن الصوامِت، فوجَد أصوات الذلاقة: (ر، ل، ن، ف، ب، م)، هي الأصوات التي يُبنى منها الكلامُ العربي، والأكثر شيوعًا فيه، والسبب "فلما ذلقتِ الحروف الستَّة ومَذَلَ بهنَّ اللسان وسهلتْ عليه في المنطق، كثرت في أبنية الكلام، فليس شيءٌ مِن بناء الخماسي التامِّ يعرَى منها أو مِن بعضها"[7]، وما أشار إليه الخليل وتوصل إليه يدلُّ على استقرائه الجيِّد للغة العربية، وفحْصه الدقيق لها، فكل ما جاء به يُقارِب ما توصَّلتْ إليه الدراسات الحاسوبيَّة الحديثة؛ يقول الدكتور أحمد محمد قدُّور: "أثبتت الدِّراسات الحاسوبية لجذور (الصحاح) و(لسان العرب) و(تاج العروس) أنَّ أكثر الحروف دورانًا في العربية هي: الراء واللام والنون والباء والميم، ثم العين والقاف والدال والفاء والسين، ويتبين مِن هذه النتيجة العلمية الدقيقة أنَّ حروف الذلاقة التي اعتدَّها الخليل، وهي: (اللام والنون، والراء والفاء، والباء والميم)، جاءت أولاً ما عدا الفاء، أمَّا من حيثُ تشكل هذه الحروف في الأبنية، فقد أظهرتِ الدراسات الحاسوبيَّة أنَّ أكثر الحروف تردُّدًا في الرباعي والخماسي هي حروف الذَّلاقة، إضافةً إلى شيوعها في الثُّنائي والثلاثي، مما يؤيِّد فكرة كثرتها في الكلام عامَّة"[8]، إذًا أدرك الخليل بذوقه السليم الأصواتَ التي يُشاع تردُّدها في العربية، لخفَّتها وسهولتها في النُّطق، فالعربي بطبعه كان يميل إلى السهولة والتيسير.
وبناءً عليه، فإنَّ الأصوات التي يكثر دورانها، تختصُّ بمعايير وخواص صوتيَّة تميزها عن غيرها مِن الأصوات، فبعض أصواتِ الذلاقة أوضحُ في السمع من الصوائت، وهذا ما لاحَظَه المحدَثون أنَّ اللام والنون والميم أصوات عالية النسبة في الوضوح السَّمعي، وتكاد تشبه أصوات اللين في هذه الصِّفة[9]، وبالتالي ألْحَقوها بأشباه الصوائِت لوضوحها السَّمْعي، ومِن خواصها كذلك خفَّتها في النطق، والذلاقة كما يقول الدكتور إبراهيم أنيس هي: "القُدرة على الانطلاق في الكلام بالعربية دون تعثُّر أو تلعثُم"[10]، مما يجعلها كذلك تشبه الصوائت؛ لتكون من الصوامت الأكثر دورانًا في العربية.
والصوائت بما تحمله من الخصائصِ الأكوستكية الواضحة والتي لا تُوجَد في الصوامت؛ نتيجةَ اتِّساع مخرجها وعلوِّ رَنينها وخفَّتها وسهولتها في النطق، بالإضافةِ إلى أنَّ "تردُّدات هذه الأصوات متقارِبة فيما بينها أكثر مِن غيرها من الصوامِت، مما جعل الانطباع السَّمْعي لها متقاربًا أيضًا، وذلك راجِع إلى أوضاعها التشريحيَّة الحرَّة المتقاربة التي لا تملك نقاط "ارتكاز" مِن قبيل ما تملكه الصوامتُ التي يؤلِّف الاحتكاك فيها نقاط ارتكاز تؤدي إلى الاستقرار"[11]، فالخواص الصَّوتية للصوائِت جدُّ متقاربة.
ويرَى الدكتور إبراهيم أنيس: "أنَّ عدد المجهورات في العربية يفوق عددَ المهموسات، إلاَّ أنَّ العِبرة ليست بالعدد، وإنَّما بنسبة شيوع كلٍّ من النوعين في الكلام"[12]، فالاستعمال للصوت هو الذي يحدِّد شيوعه وكثرة دورانه في الكلام، ثم يبيِّن السبب الذي يجعل الصوتَ المجهور أكثر شيوعًا، "فالكثرة الغالبة من الأصوات اللغوية في اللغات كلها مجهورة، ومِن الطبيعي أن تكونَ كذلك، وإلا فقدتِ اللغة أهمَّ عنصرها الموسيقيِّ ورَنينها الخاص الذي نميِّز به الكلام من الصمتِ والجهْر والهمس"[13]، فالأصوات المجهورة هي التي تحافظ على تنغيم اللغة، والصوائت هي مِن الأصوات المجهورة.
خثير عيسى
تمـهيد:
الصائِت قسيمُ الصامِت، وبينهما مِن الاختلاف في المخرَج والصِّفة، والوظيفة والدَّلالة، وهو أقل عددًا من الصامت، ولكنَّ أهميته تُضاهي الصامِت؛ إذ ثبت أنَّ الصوائت تتميَّز بخواص مشتركة، وهذه الخاصية لا نكاد نعثر عليها عندَ الصوامت، فقد يتَّفق صامتان في المخرَج ويختلفان في صفةٍ ما، بينما الصوائِت يجمع بينهما العديدُ من الخواص، فهي كلها متَّسِعة المخرَج، حيث يمرُّ الهواء دون عائق أو عارض يعترِضه؛ إذ يمرُّ الهواء حرًّا طليقًا، مما يُعطيها القوَّة التصويتيَّة، فهي أصواتٌ كلها مجهورة يَتَذَبذب عندَ صدورها الوَتران الصَّوتيَّان، وتزداد كمية الهواء باتِّساع المخرَج، فتكون أوضحَ في السمع مِن باقي الأصوات، وتقلُّ هذه الظاهرة وتزداد حسبَ طبيعة الصائِت وكميَّته، كما يعرف عن الصائِت خروجه دون كُلفة ومشقَّة، يعتمد على اللِّسان والشفتين في نُطقه، فيُعطيه مرونةً في النطق؛ فتخرُج الصوائت دون ضوضاء؛ لانتظام ذبذباتها، ممَّا يجعلها تساعِد على أن تكون أصواتًا غنائية، وفي الحقيقة الصوائت خواصها متداخِلة فيما بينها.
ودور الصائت مميَّز، فهو الَّذي يخرج الصامِت من سكونه، ويساعِد الصوامت على الاتِّصال ببعضها البعض؛ لأنَّه يعدُّ القنطرة التي تربط الصوامتَ في السلسلة الكلاميَّة، فمِن قواعد التلفُّظ في العربية: عدم الابتداء بالساكِن، ولا يُبتدأ بالصائِت، ولكن الصامِت لا ينطق إلاَّ إذا كانت الدفعة والدفْقة من الصائت، ولولاه لكانتِ الصوامت ساكنةً لا نفع فيها، فهو يمثِّل نواةَ المقطع، الذي يعتبر أصغرَ وحدة صوتيَّة في الكلام، ولما كانتِ الصوائت ضرورةً في بناء السلسلة الكلاميَّة، أصبحت أكثر شيوعًا ودورانًا في الكلام، فمنها كل الصيغ الصرفيَّة المختلفة، والوفْرة في تعدُّد المعاني، فيَكفي لتغييرِ صائِت فيتغير المعنَى، فخواصها الصوتيَّة تساعدها على البروز والدوران.
كثرة دوران الصوائت العربية:
إنَّ عدد الصوائت في العربية قليل، إذا ما قُورِن بعدد صوامتها، فاللُّغة العربيَّة غنية بعددِ صوامتها، فقيرة بعدَد صوائتها، وهي على نقيض العديد مِن اللغات التي تكثُر فيها الصوائت، أو تكاد تقارِب عددَ صوامتها، فإذا كان الكلام الإنساني ينصبُّ على عدد الصوامت، فإنَّ اللُّغة العربية في لهجاتها المختلِفة عَرَفت ثمانية عشر صائتًا من حيث النطق، ولكن مِن حيث الوظيفة لها ستَّة صوائت فقط، ثلاثة قصيرة وثلاثة طويلة، يقول الدكتور كمال بشر: "فالكلام كله مُنصبٌّ على حركاتِ العربية الفصيحة الخالية مِن الألوان اللهجية"[1]؛ لأنَّ الصوائت المتفرِّعة عن الصوائت الستَّة هي مجرَّد ألفونات، لا أثَر لها في الدلالة والوظيفة.
1- أسباب كثرة دوران الصوائت:
يقول مكي بن أبي طالب يبيِّن خصيصة الكلام والغاية منه: "فإنَّ الكلام إنّما جِيء به لتفهم المعاني التي هي نفس المتكلِّم وبالحرَكات واختلافها تُفهم المعاني، فهي منوطةٌ بالكلام مرتبطة به ونيطت به؛ إذ به نفرِّق بين المعاني التي من أجلها جِيء بالكلام"[2]، فإن كانتِ الصوائت هي التي تُحدِّد الكثيرَ مِن المعاني في اللغة العربية، فإنَّ العرب بنوا كلامَهم على متحرِّك وساكن، "والحرف المتحرِّك في كلام العرَب أكثر مِن الساكِن، كما أنَّ الحركة أكثرُ مِن الساكن"[3]، ويعلل مكي بن أبي طالب ذلك بقوله: "وإنَّما كان الحرف المتحرِّك في الكلام أكثرَ مِن الساكن؛ لأنَّك لا تبتدئ إلاَّ بمتحرِّك، وقد يتَّصل به حرفٌ آخر متحرِّك، وآخر بعد ذلك متحرِّك، ولا يجوز أن يُبتدَأ بساكن، ولا أن يتَّصل ساكن بساكن أبدًا، إلاَّ أن يكون الأول حرفَ مدٍّ ولين، أو يكون الثاني سكِّن للوقف، وإنَّما كانت الحركة أكثرَ مِن السكون؛ للعلَّة التي ذكرنا في المتحرِّك والساكن"[4].
إنَّ مكي بن أبي طالب مِن خلالِ هذا النصِّ يوضِّح مسألتين: الأولى دور الصوائت في ربْط السلسلة الكلاميَّة، بأنَّ الصوامت لا تخلو مِن الصوائت، والمسألة الثانية: كثرة شيوع الصوائت؛ إذ من النادِر أن تجد صامتًا لا يتبعه صائِت، فهي معادلةٌ حسابية، طرَفاها الصامت والصائت، والصامِت لا يُنطق إلاَّ بوجود الصائِت.
وقدِ انتبه سيبويه بفطنته وذكائه، ودقَّته في مراعاة دوران الصوامت والصوائت في اللغة العربية، فلاحَظ كثرة اشتراك الصوائت الطويلة والقصيرة في الكلام مبكرًا قبلَ علماء التعمية المعتمدين على الآلاتِ والأجهزة؛ يقول سيبويه: "فأما الأحرف الثلاثة يعني: (الصوائت الطويلة)، فإنَّهنَّ يكثرن في كل موضع، ولا يخلو منهنَّ حرف (يعني كلمة) أو مِن بعضهن، ثم ليس شيءٌ مِن الزوائد (الصوائت القصيرة) يعدل كثرتهن في الكلام، هن لكل مدّ، ومنهن كلّ حركة، وهن في كل جميع (يعني:كل جمع)، وبالياء الإضافة، والتصغير، وبالألف التأنيث، وكثرتهنَّ في الكلام وتمكنهنَّ فيه زوائد أفْشَى مِن أن يُحصَى ويُدرك، فلما كُنَّ أخوات وتقاربن هذا التقارب، أجرين مجرًى واحدًا"[5]، إنَّ هذا النص فيه مِن الدلائل العلميَّة، فهو لم يفرِّق بين الصوائت الطويلة والقصيرة في كثرةِ الدوران والشيوع، فبينهم مِن التقارُب، ثم حدَّد بعض المواضع التي تجعل الصوائت تأخذ هذا الدوران، حيث ذكَر قابليتها للمدِّ وصيغ الجمْع والتصغير، والإضافة والتأنيث، وما لا يُحصى من الصيغ.
إنَّ اللُّغة العربية لها نظام خاص وقواعد لا خللَ فيها، تتمتَّع بالاستقلالية في بنيتها الصوتيَّة والصرفيَّة، وتحتوي على مجموعة من الفونيمات التي لها علاقة وطيدة بالدَّلالة اللفظيَّة أو النحْويَّة، أو الصرفيَّة أو السياقيَّة، فقد جعَل الخليل أصولَ المفردة ثلاثة صوامت بقوله: "الاسم لا يكون أقلَّ مِن ثلاثة أحرف، حرف يُبتدأ به، وحرف يُحشَى به الكلمة، وحرف يُوقَف عليه"[6]، فهذه الأحرفُ التي كان يَعنيها الخليل، هي قاعدةُ الميزان الصَّرْفي الذي وضعَه العرَب؛ لمعرفة صيغَهم والأصول والزوائد، فقد جعَل الخليل الأصولَ ثلاثَةَ صوامت، وكان قبله أبو الأسود الدؤلي جعَل الصوائت ثلاثةً: فتحة وكسرة وضمة.
وفِكرة الشيوع، فكرة ولدتْ مع الخليل في تصنيفه للأصوات اللُّغوية، فعَمَله في بناء المعجم يقوم على عنصرين: هما العنصر الصَّوتي والعنصر الرِّياضي، إذ وقَف على أسرار العربية وطبيعة بِنائها، فتوصَّل إلى الأصوات الأكثر دَورانًا في العربية مِن الصوامِت، فوجَد أصوات الذلاقة: (ر، ل، ن، ف، ب، م)، هي الأصوات التي يُبنى منها الكلامُ العربي، والأكثر شيوعًا فيه، والسبب "فلما ذلقتِ الحروف الستَّة ومَذَلَ بهنَّ اللسان وسهلتْ عليه في المنطق، كثرت في أبنية الكلام، فليس شيءٌ مِن بناء الخماسي التامِّ يعرَى منها أو مِن بعضها"[7]، وما أشار إليه الخليل وتوصل إليه يدلُّ على استقرائه الجيِّد للغة العربية، وفحْصه الدقيق لها، فكل ما جاء به يُقارِب ما توصَّلتْ إليه الدراسات الحاسوبيَّة الحديثة؛ يقول الدكتور أحمد محمد قدُّور: "أثبتت الدِّراسات الحاسوبية لجذور (الصحاح) و(لسان العرب) و(تاج العروس) أنَّ أكثر الحروف دورانًا في العربية هي: الراء واللام والنون والباء والميم، ثم العين والقاف والدال والفاء والسين، ويتبين مِن هذه النتيجة العلمية الدقيقة أنَّ حروف الذلاقة التي اعتدَّها الخليل، وهي: (اللام والنون، والراء والفاء، والباء والميم)، جاءت أولاً ما عدا الفاء، أمَّا من حيثُ تشكل هذه الحروف في الأبنية، فقد أظهرتِ الدراسات الحاسوبيَّة أنَّ أكثر الحروف تردُّدًا في الرباعي والخماسي هي حروف الذَّلاقة، إضافةً إلى شيوعها في الثُّنائي والثلاثي، مما يؤيِّد فكرة كثرتها في الكلام عامَّة"[8]، إذًا أدرك الخليل بذوقه السليم الأصواتَ التي يُشاع تردُّدها في العربية، لخفَّتها وسهولتها في النُّطق، فالعربي بطبعه كان يميل إلى السهولة والتيسير.
وبناءً عليه، فإنَّ الأصوات التي يكثر دورانها، تختصُّ بمعايير وخواص صوتيَّة تميزها عن غيرها مِن الأصوات، فبعض أصواتِ الذلاقة أوضحُ في السمع من الصوائت، وهذا ما لاحَظَه المحدَثون أنَّ اللام والنون والميم أصوات عالية النسبة في الوضوح السَّمعي، وتكاد تشبه أصوات اللين في هذه الصِّفة[9]، وبالتالي ألْحَقوها بأشباه الصوائِت لوضوحها السَّمْعي، ومِن خواصها كذلك خفَّتها في النطق، والذلاقة كما يقول الدكتور إبراهيم أنيس هي: "القُدرة على الانطلاق في الكلام بالعربية دون تعثُّر أو تلعثُم"[10]، مما يجعلها كذلك تشبه الصوائت؛ لتكون من الصوامت الأكثر دورانًا في العربية.
والصوائت بما تحمله من الخصائصِ الأكوستكية الواضحة والتي لا تُوجَد في الصوامت؛ نتيجةَ اتِّساع مخرجها وعلوِّ رَنينها وخفَّتها وسهولتها في النطق، بالإضافةِ إلى أنَّ "تردُّدات هذه الأصوات متقارِبة فيما بينها أكثر مِن غيرها من الصوامِت، مما جعل الانطباع السَّمْعي لها متقاربًا أيضًا، وذلك راجِع إلى أوضاعها التشريحيَّة الحرَّة المتقاربة التي لا تملك نقاط "ارتكاز" مِن قبيل ما تملكه الصوامتُ التي يؤلِّف الاحتكاك فيها نقاط ارتكاز تؤدي إلى الاستقرار"[11]، فالخواص الصَّوتية للصوائِت جدُّ متقاربة.
ويرَى الدكتور إبراهيم أنيس: "أنَّ عدد المجهورات في العربية يفوق عددَ المهموسات، إلاَّ أنَّ العِبرة ليست بالعدد، وإنَّما بنسبة شيوع كلٍّ من النوعين في الكلام"[12]، فالاستعمال للصوت هو الذي يحدِّد شيوعه وكثرة دورانه في الكلام، ثم يبيِّن السبب الذي يجعل الصوتَ المجهور أكثر شيوعًا، "فالكثرة الغالبة من الأصوات اللغوية في اللغات كلها مجهورة، ومِن الطبيعي أن تكونَ كذلك، وإلا فقدتِ اللغة أهمَّ عنصرها الموسيقيِّ ورَنينها الخاص الذي نميِّز به الكلام من الصمتِ والجهْر والهمس"[13]، فالأصوات المجهورة هي التي تحافظ على تنغيم اللغة، والصوائت هي مِن الأصوات المجهورة.

تعليق