فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ=٧
كَيْفَ تَخْتَلِفُ الْأَخْلَاقُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ؟
على أساس تَحْصِيل السعادة للإنسان، دعا هذا الكلام إلى تمييز الأخلاق بعضها من بعض، ليُعَدَّ ما يُحَصِّلها له من الفضائل (الأخلاق الحسنة المطلوبة المحبوبة)، وما لا يحصلها من الرذائل (الأخلاق القبيحة المتروكة المكروهة). وإذا كانت أساليب حياة الناس قد اختلفت على الأمكنة والأزمنة، فاختلفت أسباب سعادتهم- وجب على أهل كل مكان وزمان مراعاة هذا الاختلاف، وإلا سعد بعضهم وشقي بعضهم. ثم انصرف هذا الكلام بكُلِّه إلى تفصيل وجوه مختلفة من الاحتجاج لهذا الرأي، حتى لَيَجُوزُ -لو لم يكن عُنْوِنَ- أن نُعَنْوِنَه "اخْتِلَاف الْأَخْلَاقِ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ"!
ولا بأس بالاحتكام إلى السعادة، ولكن بين من يعرفون حقيقتها، أنها الرضا الوُجداني الذي يملأ على الإنسان أقطار نفسه، ويحفظه في رحلته الشريفة إلى تَعْمير الأرض. فأما الأَثَرَةُ التي تخدع الإنسان عن حقيقة نفسه، وتُمْلِي له في رحلته الوَضِيعة إلى تخريب الأرض، فهي عين الشقاء لا السعادة.
إننا إذا احتكمنا إلى السعادة على الفهم الصحيح، احتكمنا إلى معيار ثابت، لا تختلف الأخلاق فيه باختلاف الأمكنة والأزمنة، وإن اختلفت أساليب حياة الناس.
مَا أَفْضَلُ أَحْوَالِ الْأَخْلَاقِ؟
يرى هذا الكلام أنه "يَجِبُ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ جَمِيعًا إِمَّا فُضَلَاءَ لِيَسْعَدُوا بِفَضِيلَتِهِمْ، أَوْ أَدْنِيَاءَ لِيَتَّقِيَ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ. أَمَّا أَنْ يَتَقَلَّدَ سَوَادُهُمْ سِلَاحَ الرَّذِيلَةِ، وَالنَّزْرُ الْقَلِيلُ مِنْهُمْ سِلَاحَ الْفَضِيلَةِ، وَهُوَ أَضْعَفُ السِّلَاحَيْنِ وَأَوْهَاهُمَا- فَلَيْس لِذَلِكَ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدٌ، هُوَ أَنْ يَهْلِكَ أَشْرَافُ النَّاسِ وَفُضَلَاؤُهُمْ فِي سَبِيلِ أَدْنِيَائِهِمْ وَأَنْذَالِهِمْ"!
وينبغي أن يحمل هذا الرأي على أنه مِنْ فَرَطَات غضب الغاضب للأفاضل على الأراذل، أما أن يُتَّخَذَ أصلا يبنى عليه ويحتكم إليه، فلا خير فيه؛ إذ قد اشتمل الإنسان في طبيعته على الاستعداد للخير والشر جميعا معا، ولو انفرد فيه الاستعداد للخير لكان من الملائكة، ولو انفرد فيه الاستعداد للشر لكان من الشياطين! ثم لو لم يختصم في نفسه الاستعدادان لم يكن للحياة الدنيا قيمة، ولا للجهاد الأكبر معنى -وهو جهاد النفس لتغليب الخير على الشر- الذي يرتفع بالإنسان على مرتبة الملائكة أنفسهم، ليستحق رضا الحق -سبحانه، وتعالى!- قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَفْضَلُ مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ "[10].
هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى الْأَخْلَاقِ مَنْ لَا يَتَخَلَّقُ بِهَا؟
حَكَمَ هذا الكلام على الناس جميعا بوقوعهم فيما ينهون غيرهم عنه من الرذائل؛ ومن ثم نهاهم عن نَهْيِ غيرهم عنها، لأنه لن يكون إلا من خداعهم لهم عن أغراض دنيئة باطنة: "إِنَّنَا لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّا نُرِيدُ أَنْ نَسْتَخْدِمَ الْفَضِيلَةَ فِي أَغْرَاضِنَا وَمَآرِبِنَا، كَمَا كَانَ يَسْتَخْدِمُ رِجَالُ الدِّينِ الدِّينَ فِي الْأَعْصُرِ الْمَاضِيَةِ"!
وعلى رغم سوء ما في آخر هذا الجزء من إشارة عامة إلى رجال الدين السابقين من غير تحديد، تَشْمَلُ بهم من لا يجري عليه هذا الحكم منهم، وتُقَارِبُ كلامَ الفاسقين من الدين- أُشيرُ إلى أننا مأمورون بمراعاة الظاهر دون الباطن؛ إذ يمكننا قياس الظاهر والحكم عليه، فأما الباطن فمن الصعب علينا -إن لم يكن من المستحيل- قياسه والحكم عليه؛ ومن ثم ينبغي أن نكتفي بخلو ظاهر ناهينا عن الرذائل مما ينهانا عنه، أما أن نذكر فساد الزمان واشتمال كل إنسان من الرذائل على ما يمتنع معه نهيه لغيره عنها، فهذا كذلك مِنْ فَرَطَاتِ غضب الغاضب نفسه!
كَيْفَ تَخْتَلِفُ الْأَخْلَاقُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ؟
على أساس تَحْصِيل السعادة للإنسان، دعا هذا الكلام إلى تمييز الأخلاق بعضها من بعض، ليُعَدَّ ما يُحَصِّلها له من الفضائل (الأخلاق الحسنة المطلوبة المحبوبة)، وما لا يحصلها من الرذائل (الأخلاق القبيحة المتروكة المكروهة). وإذا كانت أساليب حياة الناس قد اختلفت على الأمكنة والأزمنة، فاختلفت أسباب سعادتهم- وجب على أهل كل مكان وزمان مراعاة هذا الاختلاف، وإلا سعد بعضهم وشقي بعضهم. ثم انصرف هذا الكلام بكُلِّه إلى تفصيل وجوه مختلفة من الاحتجاج لهذا الرأي، حتى لَيَجُوزُ -لو لم يكن عُنْوِنَ- أن نُعَنْوِنَه "اخْتِلَاف الْأَخْلَاقِ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ"!
ولا بأس بالاحتكام إلى السعادة، ولكن بين من يعرفون حقيقتها، أنها الرضا الوُجداني الذي يملأ على الإنسان أقطار نفسه، ويحفظه في رحلته الشريفة إلى تَعْمير الأرض. فأما الأَثَرَةُ التي تخدع الإنسان عن حقيقة نفسه، وتُمْلِي له في رحلته الوَضِيعة إلى تخريب الأرض، فهي عين الشقاء لا السعادة.
إننا إذا احتكمنا إلى السعادة على الفهم الصحيح، احتكمنا إلى معيار ثابت، لا تختلف الأخلاق فيه باختلاف الأمكنة والأزمنة، وإن اختلفت أساليب حياة الناس.
مَا أَفْضَلُ أَحْوَالِ الْأَخْلَاقِ؟
يرى هذا الكلام أنه "يَجِبُ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ جَمِيعًا إِمَّا فُضَلَاءَ لِيَسْعَدُوا بِفَضِيلَتِهِمْ، أَوْ أَدْنِيَاءَ لِيَتَّقِيَ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ. أَمَّا أَنْ يَتَقَلَّدَ سَوَادُهُمْ سِلَاحَ الرَّذِيلَةِ، وَالنَّزْرُ الْقَلِيلُ مِنْهُمْ سِلَاحَ الْفَضِيلَةِ، وَهُوَ أَضْعَفُ السِّلَاحَيْنِ وَأَوْهَاهُمَا- فَلَيْس لِذَلِكَ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدٌ، هُوَ أَنْ يَهْلِكَ أَشْرَافُ النَّاسِ وَفُضَلَاؤُهُمْ فِي سَبِيلِ أَدْنِيَائِهِمْ وَأَنْذَالِهِمْ"!
وينبغي أن يحمل هذا الرأي على أنه مِنْ فَرَطَات غضب الغاضب للأفاضل على الأراذل، أما أن يُتَّخَذَ أصلا يبنى عليه ويحتكم إليه، فلا خير فيه؛ إذ قد اشتمل الإنسان في طبيعته على الاستعداد للخير والشر جميعا معا، ولو انفرد فيه الاستعداد للخير لكان من الملائكة، ولو انفرد فيه الاستعداد للشر لكان من الشياطين! ثم لو لم يختصم في نفسه الاستعدادان لم يكن للحياة الدنيا قيمة، ولا للجهاد الأكبر معنى -وهو جهاد النفس لتغليب الخير على الشر- الذي يرتفع بالإنسان على مرتبة الملائكة أنفسهم، ليستحق رضا الحق -سبحانه، وتعالى!- قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَفْضَلُ مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ "[10].
هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى الْأَخْلَاقِ مَنْ لَا يَتَخَلَّقُ بِهَا؟
حَكَمَ هذا الكلام على الناس جميعا بوقوعهم فيما ينهون غيرهم عنه من الرذائل؛ ومن ثم نهاهم عن نَهْيِ غيرهم عنها، لأنه لن يكون إلا من خداعهم لهم عن أغراض دنيئة باطنة: "إِنَّنَا لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّا نُرِيدُ أَنْ نَسْتَخْدِمَ الْفَضِيلَةَ فِي أَغْرَاضِنَا وَمَآرِبِنَا، كَمَا كَانَ يَسْتَخْدِمُ رِجَالُ الدِّينِ الدِّينَ فِي الْأَعْصُرِ الْمَاضِيَةِ"!
وعلى رغم سوء ما في آخر هذا الجزء من إشارة عامة إلى رجال الدين السابقين من غير تحديد، تَشْمَلُ بهم من لا يجري عليه هذا الحكم منهم، وتُقَارِبُ كلامَ الفاسقين من الدين- أُشيرُ إلى أننا مأمورون بمراعاة الظاهر دون الباطن؛ إذ يمكننا قياس الظاهر والحكم عليه، فأما الباطن فمن الصعب علينا -إن لم يكن من المستحيل- قياسه والحكم عليه؛ ومن ثم ينبغي أن نكتفي بخلو ظاهر ناهينا عن الرذائل مما ينهانا عنه، أما أن نذكر فساد الزمان واشتمال كل إنسان من الرذائل على ما يمتنع معه نهيه لغيره عنها، فهذا كذلك مِنْ فَرَطَاتِ غضب الغاضب نفسه!
